صفحة 0 تفسير سورة الفاتحة الفاتحة أول كل شيء. سُمِّيَت هذه السورة ((فاتحة الكتاب» لكونه افتتح بها؛ إذ هي أول ما يكتبه الكاتب من المصحف، وأول ما يتلوه التالي من الكتاب العزيز، وليست أولَ ما نزل من القرآن. قيل: هي مكية، وقيل: مدنية، تُسَمَّى: فاتحة الكتاب، وتُسَمَّى: أم الكتاب. وصح تسميتها بالسَّبع المثاني، وسورة الحمد، وسورة الصلاة، والواقية. وقد ورد في فضل هذه السورة أحاديث، منها: ما أخرجه البخاري وأحمد من حديثِ أبي سعيد ابن المعلَّى ((أن رسول اللّٰه ول في قال له: لأُعَلِّمَنَّكَ أعظم سورة في القرآن؟ قال: فأخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج من المسجد قلتُ: يا رسول اللّٰه إنك قلتَ: لأعلمنَّك أعظم سورة في القرآن؟ قال: نعم (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيتُه». وأخرج مسلم من حديث ابن عباس ((قال: بينا رسول اللّٰه وليل لُ عنده جبريل، إذ سمع نقيضًا فوقه، فرفع جبريلُ بَصَرَه إلى السماء، فقال: هذا بابٌ قد فتِح من السماء ما فتِح قط، قال: فنزل منه ملك، فأتى النبيَّ وَلِيّي فقال: أبشر بنورين قد أوتيتَهما لم يؤتَهُما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفًا منهما إلا أوتيتَه)). [١] (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، اختلف أهل العلم في البسملة، فقيل: هي آية مستقلة في أول كل سورة كتبت في أولها، وقيل: هي بعض آية من أول كل سورة، أو هي كذلك في الفاتحة فقط دون غيرها، وقيل: إنها ليست بآية في الجميع، وإنما كتبت للفصل. وقد اتفقوا على أنها بعض آية في سورة النمل. (الله) عَلَم لم يطلق على غيره تعالى، وأصله ((الإله)»، وكان قبل الحذف يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق. والرحمن والرحيم اسمان مشتقان من الرحمة، والرحمن أشد مبالغة من الرحيم. والرحمنِ اسم لم يستعمل لغير اللّٰه وتجَّلَ. [٢] (الْحَمْدُ لِلَّه)، الحمد: هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري. والحمد يكون باللسان فقط، أما الشكر فيكون باللسان والقلب والأعضاء، ولا يكون الشكر إلا مقابل نعمة. أما الحمد فيكون لكمال المحمود ولو في غير مقابلة نعمة، والله تعالى له الحمد والشكر (رَبِّّ الْعَالَمِينَ»، الرب: اسم من أسماء اللّٰه نعالى، ولا يقال في غيره إلا مضافًا، كقولك: هذا الرجل رب المنزل، والرب: المالك، والرب: السيد، والرب: المصلح والمدبِّر، والرب: المعبود. والعالَمون جمع العالَم، وهو كل موجود سوى اللّٰه تعالى. وقيل: العالم عبارة عمن يعقل، وهو أربعة أمم: الإنس، والجن، والملائكة، والشياطين. [٣] (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ )، قد تقدم تفسيرهما، ولما كان في اتصافه تعالى برب العالمين ترهيبٌ قَرَنَهُ بالرحمن الرحيم؛ لما تضمّن من الترغيب، ليجمع في صفاته بين الرهبة منه والرغبة إليه، فيكون أعْوَن على طاعته. [٤] (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، قرئ: مَلِك، ومالِك، فقيل: إن (مَلِك) أعم وأبلغ من (مالِك)؛ لأن أمر المَلِك نافذ على المالِك في مُلْكِهِ حتى لا يتصرف إلا عن تدبير المَلِك. وقيل: (مالِك) أبلغ؛ لأنه يكون مالكًا للناس وغيرهم. والحق: أن الفرق بين الوصفين بالنسبة إلى الرب سبحانه أن المَلِك صفةٌ لذاته، والمالِك صفةٌ لفعلِه. ويوم الدين: يوم الجزاء من الرب سبحانه لعباده، وعن قتادة قال: يوم الدين يوم يدين اللّٰه العباد بأعمالهم. أي: يجازيهم بها. [٥] (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، نخُصُّكَ بالعبادة، ونخصُّك بالاستعانة، لا نعبد غيرَك ولا نستعينه. والعبادة: أقصى غايات الخضوع والتذلل، وفي الشرع: عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف، والمجيء بالنون لإخبار الداعي عن نفسه وعن غيره، لا لتعظيم النفس، وقُدِّمَت العبادة على الاستعانة لكون الثانية وسيلة إلى الأولى. عن ابن عباس في قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ): يعني: إياك نوحِّد ونخاف يا ربَّنا لا غيرك، وإياك نستعين على طاعتك وعلى أمورنا كلها. وعن قتادة أنه قال: يأمركم اللّٰه أن تخلصوا له العبادة، وأن تستعينوه على أمركم. [٦] (اهْدِنَا الصَّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، الهداية هي: الإرشاد، أو التوفيق للطاعات. وطَلَبُ الهداية من المهتدي معناه طلبُ الزيادة من الهداية، كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدى). والصراط المستقيم لغةً: هو الطريق الذي لا اعوجاج فيه، والمراد به في الآية: طريق الإسلام. أخرج أحمد والترمذي عن النواس بن سمعان، عن رسول اللّٰه وَالِيي قال: (ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبتي الصراط سوران، فيهما أبواب مفتَّحة، وعلى الأبواب سُتُورٌ مُرْخاةٌ، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعًا ولا تعوجُوا، وداعٌ يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحْهُ؛ فإناء، ان، ته-حه تلِجْهُ. فالصراط: الإسلام، صفحة 1 والسُّورانِ: حدود الله، والأبواب المفتَّحة: محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط: كتابُ الله، والداعي من فوق: واعِظُ اللّٰه تعالى في قلب كل مسلم)». [٧]( صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ )، هم المذكورون في سورة النساء (الاية: ٦٩، ٧٠) حيث قال: (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِّينَ وَالصَّدِّيقِينَ وَالشَّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ وَكَفَى بِاللهِ عَلِيمًا). (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ)، هم اليهود. (وَلَا الضَّالِّينَ»، هم النصارى. أي: لأن اليهود علموا الحق فتركوه وحادوا عنه على علم، فاستحقوا غضب اللّه؛ والنصارى حادوا عن الحق جهلاً فكانوا على ضلال مبين في شأن عيسى اليَات. وأخرج أحمد وابن ماجه عن عائشة أن النبي ويلِّي قال: ((ما حَسَدَتْكُمُ اليهودُ على شيء ما حَسَدَتْكُمْ على السلام والتأمين» ومعنى آمين: اللهمَّ استجب لنا. 35353535353 سورة البقرة قيل: هي أول سورة نزلت بالمدينة، وأخرج مسلم والترمذي وأحمد عن النواس بن سمعان قال: سمعت رسول اللّٰه وعَلِّي يقول: ((يؤتى بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا، تَقْدُمُهُم سورة البقرة وآل عمران. قال: وضرب لهما رسول اللّٰه وَلِيِةِ ثلاثة أمثال ما نسيتُهُنَّ بعدُ، قال: كأنهما غمامتان، أو غَيَايَتَان، أو كأنهما ظُلَّتان سوداوان، أو كأنهما فَرْقَانِ من طير صوافً تحاجَّان عن صاحبهما)»، وأخرج مسلم والترمذي عن أبي هريرة أن رسول اللّٰه عليه قال: ((لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي يُقْرأ فيه سورةُ البقرة». [ الم)، قال القرطبي في تفسيره: الحروف التي في أوائل السور هي سر اللّٰه في القرآن. قال: وقال جمع من العلماء كثير: بل نحب أن نتكلم فيها ونلتمس الفوائد التي تحتها، والمعاني التي تتخرَّج عليها. واختلفوا في ذلك على أقوال، منها: أنها إشارة إلى حروف الهجاء، أعلم اللّٰه بها العربَ حين تحدّاهم بالقرآن أنه مؤتلفٌ من حروفٍ هي التي بناء كلامهم عليها؛ ليكون عجزهم عنه أبلغ في الحجة عليهم، إذ لم يخرج عن كلامهم. صفحة 2 [٢] (ذَلِكَ الْكِتَابُ)، هو هذا القرآن [العالية مرتبته] (لا رَيْبَ فِيهِ)، أي: لا شك في كونه من عند اللّٰه تعالى (هُدَّى لِلْمُتَّقِينَ)، الهدى: هو الدلالة الموصلة إلى البغية. عن ابن عباس في قوله (هُدَّى لِلْمُتَّقِينَ): ((أي: الذين يحذرون من اللّٰه عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ويرجون رحمته في التصديق بما جاء منه». وعن أبي هريرة: ((أن رجلًا قال له: ما التقوى؟ قال: هل وجدتَ طريقًا ذا شوك؟ قال: نعم. قال: فكيف صنعتَ؟ قال: إذا رأيتُ الشوكَ عَدَلْتُ عنه، أو جاوزتُه، أو فصَّرت عنه. قال: ذاك التقوى)). [٣] (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)، الإيمان في اللغة: التصديق. والغيب: كل ما أخبر به الرسول ومَلِيّي مما لا تهتدي إليه العقول، من أشراط الساعة، وعذاب القبر، والنشر والحشر، والصراط، والميزان، والجنة والنار. أخرج مسلمٌ عن عمر عن النبي وَلِي أنه قال: ((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبِهِ ورُسُلِهِ واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره)). (وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ)، إقامة الصلاة: أداؤها بأركانها وسننها وهيآتها في أوقاتها. وعن ابن عباس في قوله: (يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ)، قال: الصلوات الخمس (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)، قال: زكاة أموالهم. واختار ابن جرير أن الآية عامة في الزكاة والنفقات، وهو الحق، من غير فرقٍ بين النفقة على الأقارب وغيرهم، وصدقةِ الفرضِ والنفل. [٤] (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ لَبْلِكَ)، أي: يصدقونك بما جئت به من الله، وما جاء به مَنْ قبلك من المرسلين، لا ين ينهم، ولا يجحدون ما جاءوهم به من ربهم (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)، المراد: أنهم يوقنون بالبعث والنشور وسائر أمور الاخرة من دون شك، إيمانًا بالبعث والقيامة والجنة والنار والحساب الميزان، أي: لا هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما كان قبلك ويكفرون بما جاءك. [٥] (أُولَئِكَ عَلَى هُدى مِنْ رَبِّهِمْ)، أي: إن حال هؤلاء الجامعين بين التقوى والإيمان بالغيب والإتيان بالفرائض أنهم على نورٍ من ربِّهم، وبرهانٍ واستقامةٍ وسدادٍ بتسديد اللّٰه إياهم وتوفيقه لهم، (وَأُولَتِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، أي: المُنْجِحون المدركون ما طلبوا عند اللّٰه بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله. صفحة 3 [٦] (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)، [أي: إن الذين أصروا على جحد رسالتك يا محمد، وإنكار ما جئت به من الآيات البيانات، مع وضوح الحق لهم وانقطاع الشبهة، واستيقانهم أنك صادق، فلن يفيدهم إنذارك شيئًا؛ لأنهم إنما يتبعون أهواءهم]. ٧] ( خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ)، أي: فهم لا عقلون هدى ولا يسمعون ما ينفعهم لكراهتهم للحق ولمن جاء به، (وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) أي: غطاء يمنعها من رؤية الحق، قال ابن جرير: إن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلفتها، فلا يكون إليها مَسْلَك، ولا للكفر منها مخلص. [٨] (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) ذكر سبحَانه في هذه السورة المؤمنين الخُلَّص، ثم ذكر بعدهم الكفرة الخُلَّص، ثم ذكر المنافقين، وهم الذين لم يكونوا من إحدى الطائفتين، بل صاروا فرقة ثالثة؛ لأنهم وافقوا في الظاهر الطائفة الأولى، وفي الباطن الطائفة الثانية، ومع ذلك فهم أهل الدرك الأسفل من النار. [٩] (وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) لما خادعوا من لا يُخْدَع كانوا خادعين لأنفسهم؛ لأن الخداع إنما يكون مع من لا يعرف البواطن. [١٠](فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضُ) المرض: الفساد الذي في عقائدهم، إما شكًّا ونفاقًا، أو جَحْدًا وتكذيبًا (فَزَادَهُمُ اللَهُ مَرَضًا) بما يتجدد لرسول اللّٰه وَلِيِ من النعم، ويتكرر له مِن مِنَن اللّٰه الدنيوية والدينية، فابتُلُوا بزيادة الشك وترادف الحسرة وفرط النفاق، (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) نكال موجع (بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) أي: في دعواهم الإيمان وهم غير مؤمنين. [١١] وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) بالنفاق وموالاة الكفرة وتفريق الناس عن الإيمان بمحمد وَلِّلّم والقرآن، فإنكم إن فعلتم ذلك فسد ما في الأرض بهلاك الأبدان وخراب الديار. [١٢ ] (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ)، لما نهاهم اللّٰه عن الفساد جعلوا صفة الصلاح مختصَّةً بهم خالصة لهم، فردَّ اللّٰه عليهم ذلك أبلغ رد، وردهم إلى صفة الفساد التي هم متصفون بها في الحقيقة، (وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ) [أي: لا يدرون أنهم هم أهل الفساد حقيقة؛ لمعاداتهم الحق وأهله وصدهم عن سبيل اللّٰه ]. [١٣] (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ) نَسَبوا إلى المؤمنين السَّفه؛ استهزاء واسته ٠ءًا :" سبوا بذلك إلى تسجيل اللّٰه عليهم بالسَّفه وحصر السفاهة وضعف العقول فيهم. [١٤] (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) [رؤسائهم في الكفر الذين يدبِّرون الشر] (قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ) ثابتون على الكفر. (إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِنُّونَ) بالمسلمين في تلك الموافقة، ولم تكن بواطننا موافقة لهم ولا مائلة إليهم. [١٥]*اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) فينزل بهم الهوان والحقارة، ويتتقم منهم، ويستخف بهم انتصافًا منه لعباده المؤمنين. (وَيَمُدُّهُمْ) يملي لهم (فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) في كفرِهم يتمادَوْن. ١٦](أَولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى) أي : استبدلوا الضلالة بالهدى، وأصل الضلالة: الحيرة والجورُ عن القصد وفقدُ الاهتداء (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ)، [أي: فما ربحوا في تجارتهم باتباعهم الكفر بدل الإيمان]، (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)، في شرائهم الكفر بالإيمان، وخروجهم من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السُّنة إلى البدعة. صفحة 4 [١٧ ]( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) عن ابن مسعود وناس من الصحابة في هذه الآية، قالوا: ((إن ناسًا دخلوا في الإسلام، عند مَقْلَم النبي وَلِيهِ المدينة، ثم نافقوا، فكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة، فأوقد نارًا، فأضاءت ما حوله من أذى،، فأبصره حتى عرف ما يتَّقي، فبينما هو كذلك إذ طَفِئَت نارُه، فأقبل لا يدري ما يتَّقي من أذىّ، فكذلك المنافق؛ كان في ظلمة الشرك فأسلم، فعرف الحلال من الحرام، والخير من الشرك. فبينما هو كذلك إذ كفر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر». ١٨](صُمُّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) أي: بقي أصحاب تلك النار المضيئة بعد انطفائها صمًّا لا يسمعون مناديًا، بُكمًا أي: خُرسًا لا يستطيعون السؤال عن الطريق، عُميًا لا يرونها، فلا يتمكّنون من الرجوع إلى طريقهم، فكذلك أهل النفاق الذين أسلموا ثم كفروا. ١٩]( أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ) بالصَّيِّب: المطر، ضربه اللّٰه مثلا للقرآن، [الرِّي والخِصْب به للذين يؤمنون به، والخوف والرعب منه للمنافقين بما ينزل فيه من الوعيد لهم] (فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ)، زواجر القرآن، (يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ)، [أي: يتقون الخطر بما لا يقيهم منه، فكذلك المنافقون: لم يجدوا إلا أن يصمُّوا آذانهم عن سماع آيات القرآن] (وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ)، الإحاطة: الأخذ من جميع الجهات حتى لا ينجو المحاط به بوجه من الوجوه. [٢٠] يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ) يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين، (كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ)، أي: فإذا كثرت أموالهم وأولادهم وأصابوا غنيمة وفتحًا مشوا فيه وقالوا: إن دين محمد والي صدق، واستقاموا عليه، (وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا)، فكانوا إذا هلكت أموالهم وأصابهم البلاء قالوا: هذا من أجل دين محمد عَلِيخي وارتدُّوا كفّارًا. [٢١] (يَا أَيَّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ) خصَّ نعمة الخلق، وامتنَّ بها عليهم؛ لأن جميع النعم مترتبة عليها، وهي أصلها الذي لا يوجد شيء منها بدونها، وأيضًا فالكفار مُقِرُّون بأن اللّٰه هو الخالق (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ) فامتنَّ عليهم بما يعترفون به ولا ينكرونه، فألزمهم بعبادته من أجل ذلك.. ٢٢] (فِرَاشًا) أي: وطاء يستقرون عليها، وجعل، (السَّمَاءَ بِنَاءً) كالقُبَّة المضروبة عليهم، والسقفِ للبيت الذي يسكنونه. ثم امتنّ عليهم بإنزال الماء من السماء ( فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِ:دَّا آَكُمْ)، أي: أخرج لكم بإنزال الماء ألوانًا من الثمرات وأنواعًا من النبات؛ ليكون ذلك متاعًا لكم إلى حين: (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا)، أي: لا تتخذوا له شركاء تعبدونهم مثلما تعبدونه (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [ أن الأنداد لم يخلقوكم، ولم يجعلوا الأرض فراشًا، ولا السماء بناءً، ولا أخرجوا لكم نباتا]. [٢٣](فِي رَيْبِ)، أي: شك (مِمَّا نَزّلَّنَا عَلَى عَبْدِنَا)، أي: القرآن أنزله اللّٰه على محمد الاله مُنجَّمًا {فَأَتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ)، تحداهم بأن يأتوا بسورة مثل أيِّ سورة في القرآن مهما كانت صغيرة (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ)، أي: ناسًا يشهدون لكم أن ما أتيتم به هو مِثْلٌ للقرآن. [٢٤] (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) أي: إن لم تطيقوا ذلك، وتبيَّن لكم عجزكم عن الإتيان بمثل أي سورة من سور القرآن (فَاتَّقُوا النّارَ*، بالإيمان بالله وكتبه ورسله والقيام بفرائضه واجتناب مناهيه، وهذا من الغيوب التي أخبر بها القرآن قبل وقوعها؛ لأنها لم تقع المعارضة مِن أحد مِن الكفرة في أيام النبوة وفيما بعدها وإلى الآن [وكل من حاول أن يأتي بشيء يرى أنه يعارض به القرآن لم يأت إلا بما يكون به أضحوكة للعقلاء، صفحة 5 كما فعل مسيلمة وغيره] (الَّتِي وَقُودُهَا)، الوقود: الحطب، أي: هذه النار تتقد بالناس والحجارة، فأُوقدت بنفس ما يراد إحراقه بها. أخرج الشيخان عن أبي هريرة قال: ((قال رسول اللّٰه يَلِخه ما من نبيٍّ من الأنبياء إلا أُعطي من الآيات ما مثلُهُ آمَنَ عليه البشر، وإنما كان الذي أُتيتُه وحيًا أوحاه اللّٰه إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة». [٢٥] (وَبَشَّرِ الَّذِينَ آمَنُوا))، التبشير: الإخبار بما يظهر أثره على البشرة، من البِشْر والسرور (الصَّالِحَاتِ)، الأعمال المستقيمة، المطلوبة منهم المفترضة عليهم، [والتي يندبهم اللّٰه تعالى إليها]، فالجنة تُنال بالإيمان والعمل الصالح (جَنَّاتٍ))، الجنات: البساتين، وهو اسم لدار الثواب كلها وهي مشتملة على جنات كثيرة (مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)، أي: تجري من تحت أشجارها وتحت مساكنها (كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ)، من أي نوع من أنواع الثمرات (قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ )، أي: أنه شبيهه ونظيره من جنسه، وذلك أن اللون يشبه اللون، وإن كان الحجم والطعم والرائحة متخالفة، فإذا أكلوا وجدوا له طعمًا غير طعم الأول (مُتَشَابِهًا)، في الجودة ليس فيه ساقط (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ))، المراد بتطهير الأزواج: أنه لا يصيبهن ما يصيب النساء من قذر الحيض والنفاس، وسائر الأدناس. والخلود: البقاء الدائم الذي لا ينقطع [٢٦] (إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا))، أنزل اللّٰه هذه الآية ردًّا علَى الكفار لما قالوا: اللهُ أَجَلُّ وأعلى من أن يضرب الأمثال. قالوا: إنه جاء في القرآن ذِكْرُ النحل والعنكبوت والنمل، وهذه الأشياء لا يليق ذكرها بكلام الفصحاء (بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا)، أي: فوقها في الصغر كجناحها، [وكم من المخلوقات الحية التي لم تكن ترى بالعين المجردة، فلما جاءت المناظير المكبّرة رؤيت. فسبحان الخلاق العليم] ( فَأَمَا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ )، أي: المَثَل (الْحَقُّ)، الثابت، وهو المقابل للباطل (يُضِلّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا)، أي: أراد اللّٰه بهذا المثل أن يُضلّ أقوامًا ويهدي آخرين (وَمَا يُضِلَّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ)، هذا من كلام اللّٰه سبحانه [والمعنى: فسقوا فأضلهم اللّٰه بفسقهم حيث استخفوا بكلام ربّهم] والفسق في عرف الاستعمال الشرعي: الخروج عن طاعة اللّٰه وتجَّلّ، فقد يقع على من خرج بكفر، وعلى من خرج بعصيان. ٢٧٦] (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ)، النقض: إفساد ما أبْرِم، من بناء أو حبل أو عهد، وقوله: (يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ )، هو ما عهد إليهم في القرآن فآقروا به [والتزموا الطاعة والمتابعة]، ثم كفروا فنقضوه (وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ)، الرحم والقرابة (وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ)، يعملون فيها بالمعصية (أُولَتِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)، هم أَهل النار [لا كما يظنون أنهم بنقضهم العهد يصلون إلى مصالح يبتغونها، فالوفاء بعهد اللّٰه أعظم المصالح وهم يفوِّتونه]. [٢٨] (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا)، قبل أن تخلقوا، أي: معدومين (فَأَحْيَاكُمْ)، أي: خلقكم ونفخ فيكم أرواحكم (ثُمَّ يُمِيتُكُمْ)، عند انقضاء آجالكم (ثُمَّ يُحْيِيكُمْ)، يوم القيامة (ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )، أي: تحشرون إلى الموقف عند اللّٰه سبحانه فيجازيكم بأعمالكم. [٢٩] (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا)، كرامة من اللّٰه ونعمة لابن آدم وبُلْغَةً ومنفعة إلى أجل، والاستواء: الارتفاع والعلو على الشي، قال تعالى: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ) ( فَسَوَّاهُنَّ)، عَدَلَ خلقَهن فلا اعوجاج فيه. صفحة 6 [٣٠](إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً))، الخليفة: الخالف لمن كان قبله، أي: من الملائكة، والمراد بالخليفة: آدم. خاطب اللّٰه الملائكة بهذا الخطاب لا للمشورة ولكن لاستخراج ما عندهم ( أَنَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا))، [بالشرك وفعل المعاصي] قالوا هذه المقالة لعلم قد علموه من اللّه سبحانه بوجه من الوجوه؛ لأنهم لا يعلمون الغيب (وَيَسْفِكُ الدّمَاءَ)، أي: بالقتل والإيذاء (بِحَمْدِكَ)، أي: حامدين لك (وَنُقَدِّسُ)، التقديس: التطهير، أي: ونُنَزِّهُك عما لا يليق بك مما نسبه إليك الملحدون وافتراهُ الجاحدون (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، عن قتادة في تفسيرها قال: كان في علم اللّٰه أنه سيكون من الخليقة أنبياء ورسل، وقوم صالحون، وساكنو الجنة [٣١](الْأَسْمَاءَ)، أسماء المسميات كلها، وقيل: أسماء الملائكة وأسماء ذرية آدم، فقال لهم آدم: هذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا. ومعنى (أَنْبِئُونِي)، أخبروني. [٣٢] (قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا) [أي: مما غاب عن إدراك المخلوقين] ومن جملة ذلك: تفضيله لآدم وذريته بالعلم (وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ)، عن ابن مسعود قال: هو قولهم: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ (وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ)، يعني: ما أسرَّ إبليس في نفسه من الكبر. والله أعلم. [٣٤](اسْجُدُوا)، السجود: معناه في كلام العرب: التذلل والخضوع. وغايته وضع الوجه على الأرض. قال أبو عمرو: سجد إذا طأطأ رأسه، وفي هذه الآية فضيلة لآدم اليَائم، حيث أسجد اللّٰه له ملائكته، ثم إن السجود لغير اللّٰه حُرَّم في شريعة الإسلام (إِلَّا إِبْلِيسَ)، كان من الجن، ولكنه لزمه السجود لأنه كان بين الملائكة. عن ابن عباس، قال: كان إبليس اسمه عَزَازيل، وكان من أشراف الملائكة، ثم أَبْلَس بعدُ، فسمي إبليس؛ لأن اللّٰه أبلسه من الخير كله، أي: آيَسَهُ منه ( أَبَى)، رفض السجود (وَاسْتَكْبَرَ)، تعاظم في نفسه (وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)، أي: كان في علم اللّٰه تعالى قبل ذلك كافرًا. [٣٥](اسْكُنْ) ، أي: اتخذ الجنة مسكنًا (وَزَوْجُكَ)، أي: زوجتك (رَغَدًا))، الرغد: العيش الهنيء الذي لا عناء فيه {وَلَا تَقَرَبَا)، النهى عن القرب فيه سدّ للذريعة وقطعُ للوسيلة، ولهذا نهى عنه عوضًا عن النهي عن الأكل، واختلف في تفسير ( هَذِهِ الشَّجَرَةَ)، فِقيل: هي الكَرْم، وقيل: التين، وقيل: الحنطة (فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)، لأنفسهم بالمعصية. [٣٦] ( فَأَزَلَّهُمَا))، من الزلَّة وهي الخطيئة، أوقعهما فيها (عَنْهَا)، أي: أصدر الشيطار .١. ' بسبب الشجرة، وقيل: الضمير للجنة، أي: أبعدهما عن الجنة (فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ)، من النعيم والكرامة، أو من الجنة، وإنما نسب ذلك إلى الشيطان لأنه الذي تولى إغواء آدم حتى أكل من الشجرة، [بوسوسته وادعائه لهما أنها شجرة الخلد وملك لا يبلى. فأمرهما اللّٰه بالخروج] (وَقُلْنَا اهْبِطُوا)، أمرٌ لآدم وحواء - وتتبعهما الذرية- بالخروج من الجنة العالية إلى الأرض (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) ، [أي: تعادي ذرية آدم بعضهم بعضًا ] والعدو خلاف الصديق، والعدوان: الظلم الصراح (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرُّ)، المراد بالمستقر: موضع الاستقرار (وَمَتَاعٌ) ، المتاع: ما يستمتع به من المأكول والمشروب والملبوس ونحوها (إِلَى حِينٍ)، إلى الموت، وقيل: إلى قيام الساعة. [٣٧] ( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ)، هي قول آدمٍ وحواء (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ألهمهما اللّٰه أن يقولاها (فَتَابَ عَلَيْهِ) ، رجع عليه بالرحمة، فقبل توبته. صفحة 7 [٣٨] (فَمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدى)، الهدى: كتاب اللّٰه (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ)، أي: قَبِلَ الكتاب وعمل به (فَلَا خَوْفٌ)، الخوف: هو الذُّعْرُ، ولا يكون إلا مما في المستقبل (يَحْزَنُونَ)، الحزن ضد السرور. [٣٩] (وَالَّذِينَ كَفَرُوا)، كفروا بالله ولم يقبلوا هدايته ولا عملوا بكتبه المنزلة (أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ)، صحبة أهل النار لها بمعنى الاقتران والملازمة. [٤٠] (إِسْرَائِيلَ)، هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم السلام، ومعنى (إسرائيل) عبد الله، وبنوه هم الذين تناسلوا منه وهم اليهود (اذْكُرُوا)، اشكروا نعمتي عليكم بإرسال الرسل وإنزال الكتاب والنجاة من فرعون وغير ذلك مما أنعم به عليكم (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي)، هو ما أخذ عليكم في التوراة من اتباع محمد عالي، وقيل: هو أداء الفرائض (أوفِ بِعَهْدِكُمْ)، أي: بما ضمنت لكم من الجزاء (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) ، الرهبة: شدة الخوف [يقول: اجعلوا في قلوبكم خوفي ولا تخافوا أحدًا سواي] (وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ)، هو القرآن العظيم (مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ)، [التوراة وأخبار الأنبياء، يوافقها القرآن ويطابق ما عندكم من الحق]. [٤١] ( أَوَّلَ كَافِرِ بِهِ)، المعنى: لا تكونوا أول من كفر [وحقكم أن تكونوا أول المصدقين به] (وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي)، أي: لا تستبدلوا بأوامري ونواهيَّ ( ثَمَنَّا قَلِيلًا)، أي: عيشًا نزرًا ورئاسة تافهة لا قيمة لها. [٤٢] (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ)، [ينهاهم اللّٰه تعالى أن يخلطوا الحق من دينه بالباطلِ من عندهم تلبيسًا على الأفهام وإفسادًا للأديان] (وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ»، المراد: النهي عن كتم حجج اللّٰه التي أوجب عليهم تبليغها وأخذ عليهم بيانها، ومن جملتها: البشارات في كتبهم يبعث النبي محمد له ( وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)، أن محمدًا رسول الله، وتعلمون ما في كتبكم من الإخبار به. [٤٣] (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)، [يأمر اللّٰه تعالى اليهود بالدخول في الإسلام، وإقامة الصلاة، على ما بيَّنه محمد وَلِلّة وفصَّله وسَنّه، وأداء الزكاة، وحضور الصلاة مع الجماعة] وقال: (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ)، لأن اليهود لا ركوع في صلاتهم. وفيه: الإرشاد إلى شهود جماعة المسلمين، والخروج إلى المساجد. وذهب الجمهور إلى أنه سنة مؤكدة مرغَّب فيها؛ لما في حضورها من المصالح الدينية والدنيوية. [٤٤] (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ)، بالإيمان بالله ورسله، والوفاء بعهد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة (وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ)، أيٍ: وتتركون أنفسكم فلا تأمرونها به، ففي ذلك أشد القبح {أَفَلَا تَعْقِلُونَ)، أي: إنكم لو لم تكونوا من أهل العلم وحَمَلةِ الحُجَّةِ وأهل الدراسة لكتب الله؛ لكان مجرد كونكم ممن يعقل حائلًا بينكم وبين ذلك وزاجرًا لكم منه، فكيف أهملتم ما يقتضيه العقل بعد إهمالكم لما يوجبه العلم؟ [٤٥] (وَاسْتَعِيْنُوا بِالصَّبْرِ)، بحبس أنفسكم عن الشهوات وقصرها على الطاعات (وَالصَّلَاةِ)، [بالرغبة فيها إلى اللّٰه في أن يعينكم على إلزام أنفسكم الإيمان بمحمد واليّية وإن كانت أنفسكم تأبى ذلك] (وَإِنْهَا لَكَبِيرَة)، [أي: الصلاة عَسِرَة على من لا يؤمن بالله تعالى، ومن يستكبر عن طاعته] {إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ)، الذين ذلت نفوسهم لعظمة الله، وسكنت إلى ذلك. [٤٦] (الَّذِينَ يَظُنُّونَ)، أي: يستيقنون (أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبَّهِمْ)، فيجزيهم أجورهم ويزيدهم من فضله. [٤٧] (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ)، تقدم بيان تلك النعم (آية ٤٠)، أي: إذا تذكرتم تلك النعم فقوموا بحقها، وآمنوا بمن بِعثته رسولا ءَأَ فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) ، صفحة 8 قيل: المراد بالعالَمِين عَالَمُو زمانهم. وقيل: على جميع العالمين بمن جعل فيهم من الأنبياء [وهذا عندما كانوا مؤمنين بمن بعثهم اللّٰه من الرسل] وليسوا أفضل من أمة محمد اليخ؛ لقوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ). [٤٨]وَاتَّقُوا يَوْمَا)، هو يوم القيامة، أي: عذابه (لا تَجْزِي نَفْسُ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا )، أي: لا تقضي عنها حقًّا (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ)، إن جاءت بمن يشفع لها عند اللّٰه (وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ)، أي: فدية من مال أو أهل أو ولد (وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ)، أي: لا يقدر أحد أن يعينهم فينجيهم من عذاب الله. [٤٩] (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ)، أي: اذكروا وقْتَ أن أنجيناكم (مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ)، فرعون، قيل: هو اسم ذلك الملك بعينه، وقيل إنه اسم لكل ملك من الذين ملكوا مصر القديما (يَسُوْمُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَاب)، يذيقونكم ويلزمونكم أشد العذاب، وفسره بقوله: (يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ)، يتركونهن على قيد الحياة ليستخدمونهنَّ ويمتهنوهنَّ. وإنما أمر بذبح الأبناء واستحياء البنات؛ لأن الكهنة أخبروا فرعون بأنه يولد من بني إسرائيل غلام يكون هلاكه على يده (وَفِي ذَلِكُمْ)، أي: المذكور من الشر، وما آتاهم اللّٰه بعده من الخير (بَلَاءٌ)، اختبار (مِنْ رَبَّكُمْ)، لمدى قيامكم بحق شكره وطاعته والإيمان برسوله. [٥٠](وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ)، فَلَقْنَاهُ لكم حتى صار يابسًا تمشونَ على أَرضه [والبحر هو بحر القلزم - السويس] (فَأَنْجَيْنَاكُمْ)، من الغرق (وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ)، أي: هو وأتباعه {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ)، نظروا إلى أنفسهم ينجون وإلى آل فرعون يغرقون. [ ٥١] (وَاعَدْنَا)، من اللّٰه سبحانه وعدٌ ومن موسى قبول (أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)، [وعده اللّٰه تعالى أن يأتي إلى الطور بعدها ليكلمه ويوحي إليه] (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ)، أي: جعلتم العجل إلهًا وعبدتموه من بعد ذهاب موسى إلى الطور. [٥٢] (مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ)، أي: من بعد عبادتكم العجل، تفضَّلْنا بالعفو عن ذنبكم العظيم الذي وقعتم فيه. [٥٣](الْكِتَابَ)، التوراة (وَالْفُرْقَانَ)، قيل: هو الحجة والبيان بالآيات التي أعطاها اللّٰه موسى من العصا واليد وغيرهما. [٥٤] (يَا قَوْمٍ)، خطاب لرجال قومه ونسائهم من عبدة العجل ( فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ)، أي: فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره (فَاقْتُلُوا أَنْذُ -حُمه، عن عليِّ قال: قالوا لموسى: ما توبتنا؟ قال: يقتل بعضكم بعضًا، فأخذوا السكاكين، فجعل الرجل يقتل أخاه وأباه وابنه، ولا يبالي مَن قتل، حتى قُتِل منهم سبعون ألفًا، فأوحى اللّٰه إلى موسى: مُرْهُمْ فليرفعوا أيديهم، وقد غُفِر لمن قُتِل، وتيب على من بقي (فَتَابَ عَلَيْكُمْ)، أي: فقتلتم أنفسكم فتاب على الباقين منكم. [٥٥] (وَإِذْ قُلْتُمْ)، القائلون هذه المقالة هم السبعون الذين اختارهم (جَهْرَةً)، الجهرة: المعاينة (فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ)، نار من السماء أصابتهم فماتوا (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) ، ترون ذلك عيانًا. ٥٦] (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ)، أحياهم بعد إماتتهم. وإنما عوقبوا بأخذ الصاعقة لهم لأنهم طلبوا ما لم يأذن اللّٰه به من رؤيته في الدنيا، أما في الآخرة فقد تواترت الأحاديث الصحيحة بأن العباد يرون ربهم في الآخرة، وهي قطعية الدلالة. ٥٧٦](وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ)، السحاب، جعله اللّٰه لهم كالمظلة، يقيهم حر الشمس في التيه بين مصر والشام، لم امتنعوا من دخول مدينة الجبارين المَنّ)، طل ينزل من السماء على شجر أو حد ،م.حلو وينعقد عسلاً، ويجف صفحة 9 جفاف الصمغ. وعن النبي وَالِخِ أن الكمأة من المنّ [ الذي أنزله اللّٰه على موسى] (وَالسَّلْوَى)، قيل: هو السُّمَاني، طائر يذبحونه فيأكلونه. وقيل: السلوى: العسل (وَمَا ظَلَمُونَا)، يقول اللّٰه تعالى: نحن أعزُّ من أن نُظْلَم. [٥٨] (هَذِهِ الْقَرْيَةَ)، هي بيت المقدس (رَغَدًا)، كثيرا واسعا (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا)، والباب الذي أُمروا بدخوله هو باب بيت المقدس، والسجود هنا هو الانحناء، وقيل: التواضع والخضوع حِطَةٌ))، أمرهم بأن يقولوا ما يدل على التوبة [والخضوع لله اعترافًا بفضله عليهم في تيسير ذلك الفتح] (وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ»، أي: منكم فضلًا منا إحسانًا على إحسانهم المتقدم. [٥٩] (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ)، روى البخاريّ ومسلم عن النبي وَلِيّيِ قال: ((قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سُجَّدًا وقولوا: حِطَّة، فبدَّلوا، فدخلوا يزحفون على أستاههم، وقالوا: حَبَّةٌ في شَعَرَةَ)). [٦٠] (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ)، الاستسقاء إنما يكون عند عدم الماء وحبس المطر، طلب لهم السقيا وهم في التيه (فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ)، فضربه بها (فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا)، آية من اللّٰه حيث أخرج الماء من الصخر، ونعمة عليهم عندما فقدوا الماء. كان حجرًا مربعًا يخرج من كل جهة ثلاث عيون، إذا ضربه موسى سالت العيون، وإذا استغنوا عن الماء جفّتْ (مَشْرَبَهُمْ)، المشرب: موضع الشرب. قيل: كان لكل سبط عين من تلك العيون لا يتعداها إلى غيرها، والأسباط: ذرية الاثني عشر من أولاد يعقوب (كُلُوا)، أي: قلنا لهم: كلوا المَنَّ والسَّلْوَى، واشربوا الماء المتفجر من الحجر (وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ»، أي: لا تكثروا فيها فسادًا [فيسلبكم اللّٰه تعالى نعمته]. [٦١] (لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَام وَاحِدٍ)، تَضَجُّرٌ منهم بما صاروا فيه من النعمة والرزق الطِّب، والعيش المستلذ، ونزوعٌ إلى ما ألفوه قبل ذلك من خشونة العيش. فقالوا: لن نصبر على طعام واحد، أي: لتكررهما في كل يوم، وعدم وجود غيرهما معهما، ولا تبْدِلَةَ بهما (تُنْبِتُ)، تخرج (مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا)، البقل: كل نبات ليس له ساق، والشجر: ماله ساق. والمراد به: البقول التي يأكلها الناس كالنعناع والكرفس والكراث وأشباهها. والقثاء معروف، والفوم قيل: هو الثوم، وقيل: الحنطة. و"-،. والبصل معروفان (قَالَ أَنْسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ)، أي: أتضعون هذه الأشياء موضع المنّ والسلوى اللذيْن هما ألذ منها وأطيب. ولمجيئهما من عند اللّٰه بغير واسطة أحد من خلقه، والحِلّ الذي لا تطرقه الشبهة، وعدم الكلفة بالسعي له والتعب في تحصيل (اهْبِطَوا مِصْرًا)، أذن لهم بدخول مصر. وقيل: إن الأمر للتعجيز (فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ)، أي: تجدون هناك البقل والثوم وما معهما، لكن مع الذبح والخوف والمذلة (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الخِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ)، ومنه ضرب الجزية عليهم وتمزقهم في الأرض وَبَاءُوا بِغَضَبُ مِنَ اللهِ، صاروا أحقاء بغضبا وذَلِكَ*، ما تقدم من الذلة وما بعده إنما كان بسبب كفرهم بالله وقتلهم لأنبيائه كما كان منهم مع زكريا ويحيى، فإنهم قتلوهم وهم يعلمون أنهم ظالمون بقتلهم، [وأرادوا قتل عيسى عَليَان فرفعه اللّٰه ونجَّاه من مكرهم]. [٦٢](إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا)، المراد بالذين آمنوا الذين صدقوا النبي وعيا يه وصاروا من جملة أتباعه (هَادُوا)، معناه صاروا يهودًا، وقيل: معنى هادوا: تابوا، لتوبتهم عن عبادة العجل (وَالنَّصَارَى)، نسبة إلى الذام .. مة بة بفلسطين منها المسيح الَار صفحة 10 وقيل: سموا بذلك لأنهم نصروا المسيح (وَالصَّابِئِينَ)، هم قوم خرجوا من دين اليهود والنصارى وعبدوا الملائكة، منهم بقايا بالعراق. {مَنْ آمَنَ)، أي: من آمن منهم، أي: من الطوائف الأربع (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)، عن ابن عباس: فأنزل اللّٰه بعد هذا (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينَا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِيِ الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) . [٦٣] (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ)، هذا من بقية خطاب اليهود، أخذ سبحانه عليهم الميثاق بأن يعملوا بما شرعه لهم في التوراة ويؤمنوا بمن يرسله اللّٰه ( الطُّورَ)، اسم الجبل الذي كلَّم اللّٰه عليه موسى عَاليَّافة، وقد ذكر كثير من المفسرين أن موسى لما جاء بني إسرائيل من عند الله بالألواح التي فيها التوراة قالٍ لهم: خذوها والتزموها، فقالوا: لا، إلا أن يكلّمنا اللّٰه بها كما كلَّمك. فأمر اللّٰه الملائكة فاقتلعت جبلًا من جبال فلسطين طوله فرسخ في مثله، وكذلك كان عَسْكَرُهم، فجعله عليهم مثل الظلة، وقيل لهم: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ)، أي: بجدٍّ واهتمام، وعليكم الميثاق ألا تضيعوها، وإلا سقط عليكم الجبل، فسجدوا توبة لله، وأخذوا التوراة بالميثاق. والمراد بقوله: (وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ)، أن يكون محفوظًا عندهم ليعلموه ويعملوا به. [٦٤] (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ)، المراد هنا: إعراضهم عن الميثاق المأخوذ عليهم (مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ)، أي: من بعد رفع الجبل فوق رؤوسهم كأنه ظلة عليهم (فَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ ))، بأن تدارككم بلطفه ورحمته حتى أظهر تم التوبة، أي: لخسرتم. [٦٥] (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ)، وهم يهود أيلة. كان اليهود مأمورين بالراحة والدعة يوم السبت، وألَّا يعملوا عملًا. فاحتالوا لصيد الحيتان فيه. وسوف تأتي قصتهم في سورة الأعراف بتفصيل واسع [ من الآية ١٦٦-١٦٢] (فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ)، مُسِخُوا قردة مع كونهم مطرودين صاغرين. ٦٦] (فَجَعَلْنَاهَا)، أي: القرية التي حصل منها هذا وهي أيلة (نَكَالًا)، النكال: الزجر والعقاب (لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا)، أمامها من القرى (وَمَا خَلْفَهَا)، من القرى (وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ)، الذين من بعدهم إلى يوم القيامة إذا تذكروا ما أصابهم من العذاب. [٦٧] (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً)، قال لهم هذا بعد أن قُتِلَ فيهم قتيل ولم يعرف قاتله، فاختصموا إلى موسى كما يأتي بعد أربع آيات (قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا)، الهزو هنا: ١١١- . والسخرية (قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)، أي: كيف أنسب إلى اللّٰه تعالى أمرًا لم يأمر به، وإنما يفعل ذلك أهل الجهل؛ لأنه نوع من العبث الذي لا يفعله العقلاء. [٦٨] (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ)، [لم يبادروا إلى الامتثال بذبح اي واحدة من البقر، بل ذهبوا يتعنتون ويطلبون التعيين والتحديد، وهم كانوا في غنَّى عن ذلك] (قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ)، الفارض: المُسِنَّة (وَلَا بِكْرٌ))، البِكْرُ: الصغير التي لم تحمل (عَوَانٌ)، العَوَان: المتوسطة بين سِنَّي الفارض والبكر، وهي التي قد ولدت بطنا أو بطنين (فَافْعَلُوا)، تجديد للأمر، وزجرٌ لهم عن التعنت. [٦٩] (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا)، هذه عودة منهم إلى تعنّتهم المألوف [فلم يقل لهم: لا داعي لهذا السؤال، ولكن ألزَمَهُمْ شرطًا آخر يتعسَّر على ذلك التعنّ] (قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ))، الصفرة: اللون المعروف (فَاقِعٌ لَوْنُهَا)، الفقوع أشدّ ما يكون من الصفرة وأنصعه ( تَسُرُّ النَّاظِرِينَ)، تُدْخِل عليهم السرور إذا نظروا إليها إعجابًا بها واستحه انًا لل.نها. صفحة 11 [٧٠] ثم لم ينزعوا عن غوايتهم، بل عادوا إلى تعنتهم، فقالوا (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا)، أي: أن جنس البقر يتشابه عليهم لكثرة ما فيها من العوان الصفراء الفاقعة اللون، أي: فلا ندري أيَّ بقرة منها يريد اللّٰه (وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ) ، إذا أخبرنا. لا ذَلُولٌ)، الذلول التي ذلَّلها العمل (تُثِيرُ الْأَرْضَ)، بحرثها (وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ)، إي ليست من النواضح، وهي الدواب التي تستخدم في رفع المياه لسقي الزروع (مُسَلَّمَةٌ)، سليمة من العيوب (لا شِيَةَ فِيهَا))، أي: إن هذه البقرة خالصة الصفرة ليس في جسمها لمعة من لون آخر (قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ»، أي: قالوا: الآن أَوْضَحْتَ لنا الوصف، وبيَّنْتَ لنا الحقيقة التي يجب الوقوف عندها (فَذَبَحُوهَا)، أي: فحصَّلُوا تلك البقرة الموصوفة بتلك الصفات، فذبحوها وامتثلوا الأمر الذي كان واسعًا فَضَيَّقُوهُ، وكان يسيرًا فَعَسَّرُوهُ [وقولهم هذا أيضًا من تعنّتهم؛ فإنه قد جاءهم بالحق أول مرة] (وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ)، أي: لعدم وجدان البقرة المتصفة بهذه الأوصاف. وقيل: لارتفاع ثمنها، وقيل: لخوف انكشاف أمر المقتول. أخرج الطبري عن أبي هريرة قال: ((قال رسول اللّٰه والِيه: لولا أن بني إسرائيل قالوا: (وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَهُ لَمُهْتَدُونَ) ما أعْطَوا أبدًا، ولو أنهم اعترضوا بقرة من البقر فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شدَّدوا فشدَّد اللّٰه عليهم». [٧٢] (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا)، أي: اختلفتم وتنازعتم [كل منهم يدفع عن نفسه الجريمة ويلصقه بغيره] في من هو القاتل (مُخْرِجٌ)، أي: سوف يظهر ما تمتم بينكم من أمر القاتل. [٧٣] (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا)، أي: بعُضْو مِنْ أعضاء البقرة التي ذبحوها، فضربوه، فأَحياهُ اللّٰه (كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى)، أي: إحياء كمثل هذا الإحياء {وَيُرِيكَمْ آيَاتِهِ)، أي: علاماته ودلائله الدالة على كمال قدرته، فأحياهُ اللّه وتكلّم، وقال: قتلَنى فلانٌ ٧٤]( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ)، أي: خلت من الإنابة والإذعان لآيات اللّٰه مع وجود ما يقتضي خلاف هذه القسوة من إحياء القتيل وتكلّمِهِ وتعيينه لقاتله (مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ)، أي: من بعد ما أراهم اللّٰه من أمر البقرة وإحياء القتيل (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ)، ثم عذر اللهُ الحجارةَ ولم يعذر شقيَّ بني آدم، أي: إن بعض الحجارة القاسية لألين من قلوبكم عما تدعون إليه من الحق (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فًتْمُدُ مِنْهُ الْمَاءُ)، وهو أمر شوهِد في كثير من البلاد (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وهو أمر مشاهد أيضًا أن تنفلت الصخرة العظيمة من رأس الجبل فتدهده إلى أسفله بأمر اللّٰه. (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ)، أي: أتطمعون أن يصدِّقوكم وأن يستجيبوا لكم متى دعوتموهم إلى الإيمان بالله والرسول (كَلَامَ اللهِ)، أي: التوراة (ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ)، من التحريف. زيادة ألفاظ في التوراة، أو النقص منها، أو تبديل شيء منها بغيره ليوافق ما يريدون. ومن التحريف: أنهم عمدوا إلى ما سمعوه من التوراة فجعلوا حلالَهُ حرامًا، أو نحو ذلك مما فيه موافقة لأهوائهم، وكتحريفهم صفة رسول الله ولالييه وحذف ما يدل على صدقه ونبوّته مما جاءهم في التوراة وإسقاط الحدود عن أشرافهم (مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ)، أي: من بعد ما فهموه بعقولهم، مع كونهم يعلمون أن ذلك الذي فعلوه تحريف مخالف لما أمرهم اللّٰه به من تبليغ شرائعه كما هي، فكيف تطمعون في إسلامهم وهذه حالهم من قساوة القلوب والاستهانة بشعائرٍ الله، لم يردعهم عنه إيمان بالله ولا خوف منه. ٧٦]( وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُ. اه، ني: أن المنافقين من اليهود إذا صفحة 12 لقوا الذين آمنوا (قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ)، أي: إذا خلا الذين لم ينافقوا بالمنافقين قالوا لهم عاتبين عليهم: (أَنَّحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ)، أي: حَكَمَ عليكم به من العذاب، وذلك أن ناسًا من اليهود أسلموا، ثم نافقوا، فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عُذِّب به آباؤهم (لِيُحَاجُوكُمْ بِهِ)، والمحاجة: إبراز الحجة، أي: لا تخبروهم بما حكم اللّٰه به عليكم من العذاب فيكون ذلك حجة لهم عليكم (أَفَلَا تَعْقِلُونَ»، ما فيه من الضرر عليكم من هذا التحدث. ٧٧](أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ)، أي: من أمرهم وكلامهم إذا لقوا الذين آمنوا، وما يسرُّون إذا خلا بعضهم إلى بعض من كفرهم بمحمد وَا ليهِ و تكذيبهم به. [٧٨] (وَمِنْهُمْ أَمَّيُّونَ)، أي: من اليهود طائفة لم تتعلم الكتابة، ولا تحسن القراءة للمكتوب (لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ)، أي: أنهم لا علم عندهم بحقيقة ما جاء عن اللّٰه تعالى، ولكنهم يتمنون من كونه مغفورًا لهم بما يدّعونه لأنفسهم من الأعمال الصالحة، أو بما لهم من السلف الصالح في اعتقادهم، وقيل: الأَمَانِيُّ: التلاوة، أي: لا علم لهم إلا مجرّد التلاوة من دون تفهّم (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ)، بعتمدون على الظن الذي لا يقفون من تقليدهم على غيره. [٧٩](فَوَيْلٌ)، هلاك ودمار (لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ)، مما تمليه عليهم أهواؤهم (بِأَيْدِيهِمْ)، أي: فهم يعلمون أنه ليس من عند اللّٰه تعالى، بل من عند أنفسهم { ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ، فهؤلاء الكتبة لم يكتفوا بالتحريف، ولا بالكتابة لذلك المحرف، ولا بالزيادة في كلام اللّٰه تعالى، حتى نادوا في المحافل بأنه (مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا)، أي: لينالوا بهذه المعاصي المتكررة هذا الغرض النزر والعِوَض الحقير. [٨٠]وَقَالُوا)، أي: اليهود (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ)، عن ابن عباسٍ: أن اليهود كانوا يقولون: مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، نعذب بكل ألف سنة من أيام الدنيا يومًا واحدًا في النار، وإنما هي سبعة أيام معدودة، ثم ينقطع العذاب. [٨١] (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً)، مِن شرك وخطيئة من الخطايا الكبائر ولم يتب (وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ)، أي: مَن عمل مثل أعمالكم وكفر بمثل ما كفرتم حتى يحيط كفره بما له من الحسنات (فَأولَئِكَ أصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) . [٨٢] (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، أي: مَن آمن بما كفرتم به وعمل بما تركتم من دينه فلهم الجنة خالدين فيها. [٨٣] (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ : ١ رَائِيلَ)، الميثاق الذي أخذه اللّٰه عليهم هنا هو ما أخذه اللّٰه عليهم في حياتهم على ألسن أنبيائهم (لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ)، أخذ العهد عليهم بإفراد اللّٰه بالعبادة (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)، الإحسان إلى الوالدين: معاشرتهما بالمعروف، والتواضع لهما، وامتثال أمرهما (وَذِي الْقُرْبَى)، هم القرابة، والإحسان بهم: صلتهم، والقيام بما يحتاجون إليه بحسب الطاقة (وَالْيَتَامَى)، اليتيم في بني آدم من فَقِدَ أبوه. وفي سائر الحيوانات مَن فَقِدَت أمه (وَالْمَسَاكِينِ)، المسكين: من أسكنته الحاجةُ وأذلَّتْهُ، وهو أشد فقرًا من الفقير عند أكثر أهل اللغة، وكثير من أهل الفقه. وروي عن الشافعي أن الفقير أسوأ حالًا من المسكين (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)، أي: وقولوا لهم قولًا حَسَنًا، وكل ما صدق عليه أنه قول حسن شرعًا كان من جملة ما يصدق عليه هذا الأمر (وَاتُوا الزَّكَاةَ)، الزكاة التي كانوا يخرجونها، وقال ابن عطية: زكاتهم هي التي كانوا يضعونها فتنزل النار على ما يُقبل منها ولا تنزل على ما لا يقبل (ثُمَّ تَوَلّيْتُمْ)، عن هذا العهد والميثاق فلم تعملوا به بل تركتم ذلك كله (إِلَّا قَلِيلًا)، ومنهم عبد اللّه بن سلام ، أم حا.ه الذين آمنوا بمحمد اليةِ. صفحة 13 [٨٤] (لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ)، أي: أخذنا عليكم العهد أن لا يقتل بعضكم بعضًا، ولا يخرج بعضكم بعضًا بطردهم من منازلهم (ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ»، أي: حصل منكم الاعتراف بهذا الميثاق المأخوذ عليكم وأنتم الآن تشهدن على أنفسكم بذلك. وكان اللّٰه سبحانه قد أخذ في التوراة على بني إسرائيل ألا يقتل بعضهم بعضًا ولا ينفيه ولا يسترقَّه. ٨٥] (ثُمَّ أَنّْتُمْ هَؤُلَاءِ)، أي: أنتم هؤلاء المشاهَدُون الحاضرون منهم في عهد النبي وَلِعِ تخالفون ما أخذه عليكم في التوراة فيقتل بعضكم بعضًا، ويخرج بعضكم بعضًا من بلدانهم ومنازلهم (تَظَاهَرُونَ)، المظاهرة: المعاونة بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) ، أي: بلا سبب يحل به ذلك (وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أَسَارَىَ تُفَادُوهُمْ)، أي: إن يؤسَر أحد منكم وجاءكم يطلب منكم مالًا يفتدي به نفسه من آسِرِه أعطيتموه ذلك إيماناً بما في التوراة {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ)، فكانوا إذا كان بين الأوس والخزرج من أهل يثرب حرب، خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، والنضير وقريظة مع الأوس، وأعان كل واحد من الفريقين حلفاءه المشركين على إخوانه اليهود، حتى يسفكوا دماءهم، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم تصديقًا لما في التوراة، أي: أتفادونهم مؤمنين بذلك، وتخرجونهم كفرًا بذلك (فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا)، [عذاب يخزيه اللّٰه به قبل أن يموت] (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَاب)، [جزاء تلاعبهم بآيات اللّٰه ]. [٨٦] (أَولَئِكَ الّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدَّنْيَا بالْآخِرَةِ)، استحبُّوا قليل الدنيا على كثير الآخرة (فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ)، [أي: لا يجدون أحدًا ينصرهم وينجيهم من عذاب اللّٰه ]. [٨٧]وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِه بِالرُّسُلِ)، الكتاب: التوراة. والمراد: أن اللّٰه سبحانه أرسل على أثر موسى رسلًا جعلهم تابعين له، وهم أنبياء بني إسرائيل المبعوثون من بعده [نحو صموئيل وأشيعاء] (وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ)، الأدلة التي ذكرها اللّٰه في آل عمران والمائدة، وهي الآيات التي أجراها اللّٰه على يديه، من إحياء الموتى، وخلقِهِ من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله، وإبراء الأكمه والأبرص، وإخبار الناس بكثير من الغيوب، وإتيانهم بمائدة من السماء، وإنزال الإنجيل عليه. والتأييد: التة - 1 رُوح الْقُدُسٍ)، أي: الروح المقدسة، قيل: هو جبريل، أيد اللّٰه به عيسى. وقيل: لمراد به: الروحِ المنفوخ فيه، أيده اللّٰه به لما فيه من القو (بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ)، أي: بما لا يوافقها ولا يلائمه ( اسْتكْبَرْتُمْ)، عن إجابته احتقارًا للرسل واستبعادًا للرسالة (فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ)، ومن الفريق المكذَّبين: عيسى ومحمد، ومن الفريق المقتولين: يحيى وزكريا [وأرادوا أيضًا قتل عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام]. ٨٨]غُلْفٌ)، الغلف: جمع الأغلف، وهو الذي عليه غشاوة تمنع من وصول معنى الكلام إليه، ادّعوا أنهم لا يفهمونه. قالوا ذلك تيئيسًا للنبي وَلِّي من إيمانهم لئلا يعاودهم بالدعوة (بَلْ لَعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ )، أصل اللعن: الطرد والإبعاد. والمعنى: أبعدهم اللّٰه من رحمته [بسبب عدم مسارعتهم إلى الإيمان. أي: وهذا في حقيقة الأمر هو سبب كفرهم لا ما زعموا من عدم قدرتهم على الفهم] (فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ)، وصف إيمانهم بالقلّة لأنهم الذين قصَّ اللّٰه علينا من عنادهم وعجرفتهم وشدة لجاجهم وبعدهم ''" الرسل ما قصَّه صفحة 14 ومن جملة ذلك: أنهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعضه. [٨٩] (وَلَمَّا جَاءَهُمْ)، يعني: اليهود (كِتَابٌ))، يعني: القرآن (مُصَدِّقٌ)، لما معهم من التوراة والإنجيل وتصديقه أنه يخبرهم بما فيهما، ويصدقه ولا يخالفه (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ سْتَفْتِحُونَ)، أي: كانوا من قبل يطلبون من اللّٰه النصر على أعدائهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي يجدون صفته عندهم في التوراة (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا)، الرسول الذي يعرفون وصفه (كَفَرُوا بِهِ)، أخرج ابن إسحاق وغيره عن أشياخ من الأنصار، قالوا: لم يكن أحد من العرب أعلم بشأن رسول اللّٰه وَلِيِّي منَّا؛ لأنَّ معنا يهود، وكانوا أهل كتاب وكُنَّا أصحاب أوثان، وكانوا إذا بلغهم منَّا ما يكرهون قالوا: إن نبيَّا ليُبْعث الآن قد أظلَّ زمانُه نتبعه فنقتلكم معه قتل عادٍ وإِرَمَ. فلما بُعِث رسول اللّٰه وَيّة اتبعناه وكفروا به. [٩٠] بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنَّفُسَهُمْ)، أي: أنهم أوبقوا أنفسهم في نار جهنم ولم يستعيضوا عنها إلا الكفر بما أنزل اللّٰه فبئست الصفقة (بَغْيَا)، أي: حسدًا ومنافسة (أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)، [حسدوا العرب أن يكون منهم خاتم النبيين وَلَيِي، وكان عليهم أن يعلموا أن الاختصاص بالنبوة فضل من اللّٰه يؤتيه من يشاء، وليست لبني إسرائيل حكرًا عليهم] (فَبَاءُوا))، أي: رجعوا وصاروا أحقَّاء (بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ)، قيل: لكفرهم بعيسى ثم كفرهم بمحمد. وقيل: لكفرهم بمحمد ثم البغي عليه. [٩١] (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ)، أي: صدقوا بالقرآن، أو صدقوا بما أنزل اللّٰه من الكتب (قَالُوا نُؤْمِنُ) ، أي: نصدق (بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا))، أي: التوراة (وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ )، أي: قالوا: إنهم يكفرون بما سواه من الكتب ومنها الإنجيل والقرآن (وَهُوَ الْحَقَّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ)، [أي: ما عنى التفريق في التصديق بين شيئين متساويين في كونهم حقًا ويصدق كل منهما الآخر؟] (قُل فَلِمَ تَقْتُلُونَ)، أي: إن كنتم صادقين في دعواكم أنكم تؤمنون بما أنزل عليكم فكيف تقتلون الأنبياء وقد نُهِيتم عن قتلهم فيما أنزل عليكم. وهذا الخطاب -وإن كان مع الحاضرين من اليهود زمن النبي وَلِيّة - فالمراد به: أسلافهم، ولكن لما كانوا راضين بما فعله أسلافهم كانوا مثلهم، ونسب الفعل إليهم لكونهم ساروا على طريق أسلافهم في تكذيب الأنبياء ومعاداتهم. [٩٢](وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَ . بالْبِّنَاتِ)، يجوز أن يراد بها التوراة، أو الآيات التسع المشار إليها بقوله تعالى: (وَلَقَدْ أَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيّنَاتٍ) ( تُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ)، عبد تموه واتخذتموه إلهًا. [٩٣] (وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطَّورَ)، تقدمت قصة رفع الطور [الآية ٦٣] (خُذُوا مَا أتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ)، أي: بجدٍّ واهتمام (وَاسْمَعُوا)، السماع معناه: الطاعة والقبول لما يسمعونه من الأمر. وقولهم في الجواب (سَمِعْنَا)، أي: سمعنا قولك بحاسة السمع وَعَصَيْنَا)، أمرك، أي: لا نقبل ما تآمرنا به *وَأَشرِبُوا)، جعلت قلوبهم لتمكن حب العِجل منها كأنها تشربه؛ لأن شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتى يصل إلى باطنها (بِكُفْرِهِمْ)، أي: كان ذلك سبب كفرهم عقوبة لهم وخذلانًا (قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُ كُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ)، أي: إيمانكم الذي زعمتم أنكم تؤمنون بما أنزل عليكم وتكفرن بما وراءه، فإن هذا الصنع وهو قولكم: -سمعنا وعصينا- يدل على أنكم كاذبون في قولكم: (نُؤْمِنُ بِمَا أَنْزِلَ عَلَيْنَا). [٩٤] (قُلْ إنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ)، لما ادعوا أنهم يدخلون الجنة (خَالِصَةً)، لا يشا. كم . فها غيرهم (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ)، صفحة 15 أمرهم بتمني الموت؛ لأن من كان موقنًا أنه من أهل الجنة كان الموت أحب إليه من الحياة. وأخرج البخاري وغيره من حديث ابن عباس مرفوعاً: ((لو أن اليهود تمَنَّوا الموت ماتوا ولر أوا مقاعدهم من النار». [٩٥] (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ)، أي: سبب ما فعلوه من الذنوب التي يكون فاعلها غير آمن من العذاب بل غير طامع في دخول الجنة، فضلًا عن كونها خالصة له مختصة به (وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)، تسجيل عليهم بأنهم ظالمون مجانبون للحق. ٩٦] ( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةِ )، أي: أحرص الناس على أحقر حياة وأقلّى لبثِ في الدنيا، فكيف بحياة كثيرة ولبث متطاول؟ (وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا)، أي: أحرصُ الناسِ وأحرصُ من الذين أشركوا الذين لا يؤمنون بالبعث والدار الآخرة، فهم من أحرص الناس على الدنيا. وإنما بلغ اليهود في الحرص على هذا الحد؛ لأنهم يعلمون بما يحل بهم من العذاب في الآخرة (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ)، أي: يتمنى الواحد من اليهود (لَوْ يُعَمَّرُ) ، أي: يعيش {أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ»، أي: وما التعمير بمُنَحِّه عن النار. [٩٧] (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِحِبْرِيلَ )، نزلت في اليهود جوابًا إذ زعموا أن جبريل عدو لهم، وأن ميكائيل ولي لهم. وكان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرةٍ جرت بينهم وبين رسول اللّٰه وَاليه من أمر نبوته. قالوا له: لو كان وليّك سوى جبريل من الملائكة لا تَبَعْنَاكَ وصَدَّقْنَاكَ. قال: فما يمنعكم أن تصدقوه. قالوا: هذا عدوُّنا (فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ)، أي: فإن جبريل نزّل القرآن على قلب محمد وَالِي مرةً بعد مرةٍ ليثبت به فؤاده. وفي هذا دليل على شرف جبريل وارتفاع منزلته وأنه لا وجه لمعاداة اليهود له، فإنه لم يصدر منه إلا ما يوجب المحبة له دون العداوة، وليس ذلك بذنب له؛ لأن هذا الكتاب الذي نزل به هو كتاب اللّٰه تعالى، وهو أيضًا مصدق لكتابهم (وَهُدى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ). ٩٨](مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ)، خصَّ جبريل وميكائيل بالذكر لقصد التشريف لهما، وأنهما وإن كانا من الملائكة فقد صارا باعتبار ما لهما من المزية بمنزلة جنس آخر أشرف من جنس الملائكة (فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ»، [أي: عدوٌّ لكم يا لعشر يهود إذ تنطقون بهذا الكفر] لأن من عادى أولياء اللّٰه وجنود اللّٰه فقد عادى اللّٰه تعالى وكَفَر به، اللّٰه تعالى يعاديه ويؤاخذه. وهذه العداوة موج تاكن مَن وقعت منه. [٩٩] (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ)، [أي: إن هذه الآيات المتقدمة التي أنزلت إليك في شأن اليهود هي] علامات واضحات دالة على نبوتك (وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ)، [أي: إنها لشدة وضوحها لا يكفر بها إلا من خرج عن أمر اللّٰه واتبع هواه أمثال هؤلاء اليهود الذين جادلوا محمدًا وَلِيّي، لا من يطلب الحق ليتبعه ]. [١٠٠ (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ)، معنى (نبذه) طرحه وألقاه والمراد: نقضه (فَرِيقٌ مِنْهُمْ)، أي: طائفة، مع أن التمسّك بالعهود والوفاء بها شآن المؤمنين الصادقين. ١٠١٦] (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ)، هو محمد لا لي ( بِذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ)، هم اليهود: آتاهم اللّٰه الكتاب وأكرمهم به، لكنهم نبذوا (كِتَابَ اللهِ)، أي: التوراة؛ لأنهم لما كفروا بالنبي اليه وبما أنزل عليه بعد أن أخذ اللّٰه عليهم في التوراة الإيمان به وتصديقه واتباعه، وبيّن لهم صفته، كان ذلك منهم نبذًا للتوراة ونقضًا لهم ورفضًا لما فيها (كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُ، ذَه، عملوا عمل من لا يعلم. صفحة 16 [١٠٢] (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ)، من السحر ونحوه. ومعنى (تَتْلُو)، ما كانت تتقوَّله وتقرؤه (عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ) أي: على عهد ملك سليمان، وقد كانوا يظنون أن هذا هو علم سليمان، وأنه يستجيزه ويقول به، فردَّ اللٰه ذلك عليهم، وقال: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ) [وفي هذا تبرئة لسليمان عليَاض مما اتهمه به اليهود أنه سجد للبعليم، أي: للأصنام] وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا)، أي: بتعليمهم الناس السحر (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ)، أي: ويعلّمون الناس ما أَنزِل على الملكين هاروت وماروت الموجودين في بابل، بالعراق. وكانا في الأصل - على ما روي عن بعض السلف- من الملائكة [طلبا أن يهبطا إلى الأرض، فأهبطا إليها، وركَبت فيها الشهوة، عصيا اللّٰه تعالى، فجُعِلا في جُبَّ بِبَابِلَ فتنةً للناس يعلَمانهم السِّحر] (وَمَا يُعَلَمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتّى يَقَوْلا)، تعليم إنذار من السحر، لا تعليم دعاء إليه، فيقولان لهم: لا تفعلوا كذا (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ)، ابتلاء واختبار من اللّٰه لعباده ( فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ)، منهما السحر، أي: يعلمون الناس، فيتعلمون منهما ( مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) قيل: للسحر تأثير في القلوب بالحب والبغض، والجمع والفرقة، والقرب والبعد، وقيل: السحرة لا يقدرون إلا على التخييل والإيهام والحِيَل والخداع كفعل سحرة فرعون (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ)، فللسحر تأثير في نفسه، ولكنه لا يؤثر ضررًا إلا فيمن أذن له بتأثيره فيه، وقد أجمع أهل العلم على أن له تأثيرًا في النفس وحقيقة ثابتة، لم يخالف في ذلك إلا المعتزلة وأبو حنيفة (وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ) فيه تصريح بأن السحر لا يعود على صاحبه بفائدة، ولا يجلب إليه منفعة، بل هو ضررٌ محضٌّ وخسرانٌ بَحْت ( لَمَنِ اشْتَرَاهُ)، أي: مَن استبدل ما تتلو الشياطين بكتاب اللّٰه (مِنْ خَلَاقٍ)، والخلاق: النصيب (مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ))، أي: باعوها، وإنما قال: (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)، لأنهم تركوا العمل بعلمهم. ١٠٣] (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا)، أي: بالنبي وَلِقِ و ما جاء به من القرآن (وَاتَّقَوْا)، أي: تجنبوا ما وقعوا فيه من السحر والكفر (لَمَثُوبَةٌ)، أي: لأثيبوا أجرًا خيرًا مما ينالونه من حطام الدنيا بالسحر. [١٠٤ ] (رَاعِنَا)، أي: راقِبنا. وهذا اللفظ كان بلسان اليهود من ألفاظ السَّبِّ، فلما سمعوا المسلمين يقولون للنبي وَالِيه ((اراعنا)) طلبًا منه أن يراعيهم، أي: يتلطّف بهم في التعليم، اغتنموا الفرصة، فكا:. ا .تولون للنبي وَلِيه ذلك مظهرين أنهم يريدون المعنى العربي، مبطنين أنهم يقصدون السَّبَّ الذي هو معنى هذا اللفظ في لغتهم، فنهي اللّٰه المؤمنين أن يقولوها؛ ليقطع الطريق على اليهود، وأبدلهم لفظًا آخر هو (وَقُولُوا انْظُرْنَا)، أي: أقبلُ علينا، وانظر إلينا (وَاسْمَعُوا)، أطيعوا اللّٰه واسمعوا ما يخاطبكم به الرسول من الشرع بِدون طلب للمراعاة، ثم توعد اليهودَ بقوله: (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) . [١٠٥]( مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ)، لشدة عداوتهم (أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبَّكُمْ)، أيِّ خير كان، من وحي أو غيره (وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ)، الرحمة: النبوة، وقيل: جنس الرحمة (وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)، أي: صاحب الفضل العظيم، فكيف لا يودون أن يختص برحمته من يشاء من عباده؟ [١٠٦] (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ )، النسخ: الإبطال والإزالة، وكل شيء خلف شيئًا فقد انتسخه، يقال: نسخَت الشمسُ الظل، ونسَخ الشيبُ الشبابَ، وذلك أن يحوِّل اللهُ الحلالَ حرامًا، والحرام حلالًا، والمباح محظورًا، . ١! . حظور مباحًا. ولا يكون ذلك صفحة 17 إلا في الحظر والإطلاق، والمنع والإباحة، فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ. وأصل النسخ مِن نَسْخِ الكتاب، وهو نقله من نسخة إلى أخرى، فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره إنما هو تحويله إلى غيره. وسواء نُسِخ حكمُ الآية أو خطُّها، وقد اتفق علماء الإسلام سلفًا وخلفًا على ثبوت النسخ في كتاب اللّٰه تعالى، ولم يخالف في ذلك أحدٌ إلا من لا يُعتَدُّ بخلافه، وقد اشتُهِرَ عن اليهود إنكاره [ليتوصَّلوا بذلك إلى إنكار نبوة محمد وايلي، قالوا: لأنه نسخ بعض ما في التوراة فلا يكون نبيًّا]، وهم محجوجون بما في التوراة نفسها أن آدم كان يزوّج الأخ من أخته، وقد حرَّم اللّٰه ذلك على موسى لَاه وقومه {أَوْ نُنْسِهَا )، أي: ننسيكم إياها حتى لا تُقْرَأ ولا تُذْكَر (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) نأت بما هو أنفع للناس منها في العاجل والآجل، أو بما هو مماثل لها من غير زيادة، فقد يكون الناسخُ أخفَّ، فيكون أنفع لهم في العاجل، وقد يكون أثقل وثوابه أكثر فيكون أنفع لهم في الآجل (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، فالنسخ من مقدوراته سبحانه وتعالى. ١٠٧٦] (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، التصرف فيهما بالإيجاد والاختراع ونفوذ الأمر، فهو أعلم بمصالح عباده، وقد يختلف ذلك باختلاف الأزمنة. [١٠٨] (أَمْ تُرِيدُونَ)، أي: بل أتريدون أن تسألوا محمدًا وَالِيهِ سؤالًا مثل ما سُئِل موسى من قبل؟ حيث سألوه أن يريهم اللّٰه جهرة، وسألوا محمدًا والاية أن يأتي بالله والملائكة قبيلًا (فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ)، أي: ذهب عن قصد الطريق وسَمْتِه، أي: طريق طاعة الله . [١٠٩ ] ( مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) ، عرفوا أن محمدًا رسول اللّٰه (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا)، العفو: تركِ المؤاخذة بالذنب، والصفح: الإعراض عن المذنب (حَتَّى يَأْتِيَ اللَهُ بِأَمْرِهِ)، أي: إلى أن يأتي إليكم الأمر من اللّٰه سبحانه في شأنَهم، وهو قَتْلُ مَن قُتِل منهم، وإجلاء من أُجْلِي، وضرب الجزية على من ضُرِبَت عليه، وإسلام مَن أسلم. [١١٠] (وَمَا تُقَدَّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ )، يعني من أعمال الخير في الدنيا (تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ)، تجدوا ثوابه عنده حاضرًا. [١١١] (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ صَارَى)، قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان بهوديًّا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيًّا، كل طائفة تضلل الأم تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ)، أنه لا يدخل الجنة غيرهم [أي: مجرَّد أماني يتمنونها دون أن يكون عليها دليل في كتب اللّٰه المنزلة] (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ)، أحضروه. والبرهان: الدليل الذين يحصل عنده اليقين (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)، أي: في تلك الأماني المجردة والدعاوي الباطلة. [١١٢] (بَلَى)، يعني: بل يدخلها (مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ)، [أي: أسلم له ذاته، وأخلص له عمله، من جميع البشر] (وَهُوَ مُحْسِنٌ)، يعمل صالح الأعمال، [وهي المطابقة لما شرعه على السنة رسله]. [١١٣] (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ )، كل طائفة تنفي الخير عن الأخرى وتُثْبتُه لنفسها، وتنكر ما مع الطائفة الأخرى من الحق [وليس هذا فِعل من يُرْزَقُ الإنصاف؛ فإن المنصف يعرف ما مع خصمه من الحق وينكر ما معه من الباطل، ولا يحمله البغض على إنكار الحق] عن ابن عباس قال: لما قدم وفد نجران من النصارى على رسول اللّٰه وَالِيِ أتتهم أحبار اليهود، فتنازعوا عند رسول اللّٰه لايّي، فقال رافع بن حريملة: صفحة 18 ما أنتم على شيء، وجحَدَ نبوةَ موسى، وكَفَر بالتوراة. فأنزل اللّٰه هذه الآية. (وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ) ، أي: كلِّ يتلو في كتابه تصديق مَنْ كَفَر به (كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا بَعْلَمُونَ)، هم أمم كانت قبل اليهود والنصارى لم يكن لهم بِكُتُب اللّٰه تعالى عِلْم. ١١٤٦] وَمَنْ أَظْلَمُ)، أي: لا أحد أظلم (مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ)، منع من يأتي إليها للصلاة والتلاوة والذكر وتعليم القرآن (وَسَعَى فِي خَرَابِهَا))، هو لسعي في هدمها وإزالة بنيانها، أو في تعطيلها عن الصلاة والطاعات، كتعلم العلم، والقعود للاعتكاف (مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ)، [أي: كان عليهم أن يدخلوها خائفين من اللّٰه ربهم؛ فإنها بيوت عبادته] وفيه إرشاد من اللّٰه تجّل للعباد أنه ينبغي لهم أن يمنعوا مساجد اللّٰه من أهل الكفر [وفيه الإذن لنا بتمكينهم من دخولها بإذن منّا حال خوفهم] (لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ)، أي: هؤلاء الذين يخرّبون مساجد اللّٰه ويمنعون ذكر اللّٰه فيها، لهم الإذلال من اللّٰه تعالى بأيدي المؤمنين المجاهدين في سبيله (وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ )، في نارجهنم. ١١٥] الْمَشْرِقُ) موضع شروق الشمس (وَالْمَغْرِبُ)، موضع الغروب، أي: هما مِلك الله وما بينهما (فَأَيْنَمَا تُوَلَّوا)، أي: أيّ جهة تستقبلونها فهناك وجه الله، وذلك يكون عند التباس جهة القبلة، وفي صلاة النافلة كان النبي وَلِيه يصلي على راحلته مستقبلًا بوجهه الجهة التي تسير إليها (إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) يَسَعُ علمُه كلّ شيء. ١١٦](وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا)، هم اليهود، قالوا: عزير ابن الله. والنصارى قالوا: المسيح ابن الله. وكفار العرب قالوا: الملائكة بنات اللّٰه (سُبْحَانَهُ)، تبرأ اللّٰه تعالى عما نسبوه إليه من اتخاذ الولد (بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، ومنهم عُزَيْر وعيسى والملائكة، كلهم عبدٌ للهِ خاضعٌ له لا يستنكف عن عبادته. فكيف يكونون أولادًا لله؟ عن ابن عباس عن النبي وَلِيِّ قال: ((قال اللّٰه تعالى: كذَّبني ابنُ آدم وشَتَمَني، أما تكذيبه إياي فيزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: لي ولد، فسُبْحَاني أن أتخذ صاحبة أو وَلَدًا)) (قَانِتُونَ)، أي: قائمون بالعبودية خاضعون له، فكيف يكونون ولدًا له؟ [١١٧] (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، أي: هو الذي ابتدأ خلقهما على غير مثال سابق (وَإِذَا قَضَى أَمْرًا)، أراد أن يخلق شيئًا أو يدبِّر تدبيرًا (فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، أي: لكمال قدرته يفعل ما ير ١٠ .ة. ١.: كن. ١١٨] (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)، مشركو العرب (لَوْلَا)، أي: هلَّا (يُكَلِّمُنَا اللهُ)، يخبرنا بنبوة محمد فنعلم أنه نبيٌّ (أَوْ تَأْتِينَا آيَةُ))، بذلك علامة على نبوته (قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)، اليهود والنصارى (تَشَابَهَتْ قَلُوْبُهُمْ)، في اتفاقهم على الكفر [وطَلَب ما لا ينبغي لهه واقتراح الايات على اللّٰه ] يُوقِنُونَ)، أي: يعترفون بالحق ويذعنون لأوامرِ اللهِ؛ لكونهمِ مصدقين له سبحانه. [١١٩](إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بالْحَقّ)، [يؤكد اللّٰه تعالى لنبيه مالِيهِ أنه مرسَلٌ منه، ردًّا لما طلبه الكَفَرةُ من تكليم اللّٰه لهم بنبوَّته] (بَشِيرًا وَنَذِيرًا)، أي: أرسلناك لأجل التبشير والإنذار (وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ)، [أي: عليك البلاغ ولست مسئولًا عمن لم يؤمن منهم ممن سيكون مصيره إلى النار لا محالة]. ١٢٠٦ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ)، لو جئتهم بكل ما يقترحون لم يرضوا عنك؛ إذ ليس مطلوبهم في الحقيقة ما يقترحونه عليك من الآيات، وما يوردون عليك من التعتَّات، بل ما يريدونه في الحقيقة هو صرفك عن دينك إلى دينهم، واتباع أهوائهم. وكذلك كل صاح ١٠٠ عة وهوى لا يرضيه من أهل صفحة 19 الحق إلا أن يتابعوه على هواه (إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى)، الحقيقي، لا ما هم عليه مِن الشريعة المنسوخة والكتب المحرَّفة (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ)، [ما في كتبهم من التحريف، وما ابتدعوه في دينهم من الأحكام والآراء] وعيد شديد وُجِّه لرسول اللّٰه واليحي إن اتبع أهواءهم وحاول رضاهم، وهو تعريضٌ لأمته وتحذيرٌ أن يدخلوا في أهواء أهل الملل، ويطلبوا رضى أهل البدع، ومن كان كذلك فهو مخذول. [١٢١] ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ)، قيل: هم المسلمون، وقيل: من أسلم من أهل الكتاب (يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ)، يتبعونه ويعملون بما فيه، فيحللون حلاله، ويحرمون حرامه ويقرؤونه حق قراءته، ولا يحرفونه ولا يبدلونه. [١٢٣-١٢٢] (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ)، إلى قوله: (وَلَا هُمْ بَنْصَرُونَ)، تقدم تفسيره في (الايتين ٤٨-٤٧)، وقال البقاعي: أعاد ما صدَّر به قصتهِم من التذكير بالنعم، والتحذير من حلول النِّقم؛ لِيُعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ فَذْلَكَةُ الْقِصَّةِ. [١٢٤] (وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ)، الابتلاء: الامتحان والاختبار (بِكَلِمَاتٍ)، هي قوله: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) ( فَأَتَمَّهُنَّ) طلب الزيادة على مضمونهن بقوله: (وَمِنْ ذُرِّبَّتِي)، وقيل: معناه: قام بحق الإمامة أتم قيام (قَالَ لَا يَنَالَ عَهْدِي الظالِمِينَ)، أي: واجعل من ذريتي أئمة، فأخبره أن فيهم عصاة وظَلَمة، وأنهم لا يصلحون للإمامة، ولا يقومون بحقها، ولا ينالهم عهد اللّٰه سبحانه؛ لأن الإمام لا بد أن يكون من أهل العدل والعمل بالشرع كما ورد، ولأنه إذا زاغ عن ذلك كان ظالمًا، وهو في معنى الأمر لعباده ألا يولوا أمور الشرع ظالمًا؛ لأن الإمام إنما كان إمامًا لكونه يقتدى بقوله وبفعله في أمور الدين، فإن كان ظالمًا أو فاسقًا أضلّ الذين اقتدوا به، وحاد بهم عن الصراط المستقيم. [١٢٥] (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ)، هو الكعبة (مَثَابَةً))، يرجع الحجاج إليه بعد تفرقهم عنه (وَأَمْنًا)، أي: موضعَ أمنٍ لا بجوز أن يخاف فيه أحد، ولا يقام الحد على من لجا إليه، ومن دخله كان آمنًا (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَام إِبْرَاهِيمَ مُصَلِّى)، عن عمر بن الخطاب زَوالنَه قال: ((قال النبي وَالِيه: هذا مقام إبراهيم. فقلت: يا رسول اللّٰه أفلا تتخذه مصلى؟ فنزلت هذه الآية». والمقام: الحَجَر الذي يعرفه الناس ويصلون عنده ركعتي الطواف، كان إبراهيم يقوم عليه لبناء الكعبة لما ارتفع الجدار، أتاه إسماعيل به ليقوم فوقه. وكان ملصقًا بجدار الكعبة، وأول من نقله: عمر بن الخطاب اعً ( أَنْ طَهّرَا بَيْتِيَ)، من الأوثان، والكفار، والنجاسات، وطواف الجُنُب، والحائض، وكل خبيث (لِلطّائِفِينَ)، الطائف: الذي يطوف به (وَالْعَاكِفِينَ»، العاكف [الملازم للمسجد للعبادة]، وقيل: هو المجاور دون المقيم من أهل مكة (وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)، هم المصلون. ١٢٦] (هَذَا بَلَدًا آمِنًا)، أي: مكة (وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ )، دون من كفر، فقال اللّٰه تعالى له: (وَمَنْ كَفَرَ)، أي: أنا أرزق المؤمنين من أهل هذا البيت، وعدًا مني، وأرزق أيضًا من كان كافرًا [أي: فليس الرزقُ مثلَ الإمامة، فالإمامة لا تكون إلا للمؤمنين، أما الرزق فللمؤمنين والكفار] أما الكافر (فَأمَتَّعُهُ))، بالرزق قليلًا في هذه الدنيا ( ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ)، في الآخرة فأُلْزِمُهُ عذاب النار حتى يصير مضطرًا لذلك لا يجد عنه مخلصًا. [١٢٧] (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ)، أي: يرفعان بنيانه على أساسات ثابتة (رَبَّنَا)، أي: قائلين ربنا (تَقَبَّلْ مِنَّا)، هذا العمل الطيب (إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِمُه، :. مع دعاءَنا وتعلم نيتنا. صفحة 20 [١٢٨ ] (وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ»، ثابتين على الإسلام، أو: زدنا منه. والمراد بالإسلام: الإيمان والأعمال الصالحة (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا)، أي: واجعل من ذريتنا أمة مسلمة لك... هي أمة محمد علالِيِي، قيل: من العرب خاصة فهم ذرية إبراهيم وإسماعيل (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا)، مناسك الحج، ومواضع الذبح. عن مجاهد قال: قال إبراهيم: ربِّ أرِنا مناسكنا. فأتاه جبريل، فأتى به البيت، فقال: ارفع القواعد، فرفَعَ القواعد وأتمَّ البنيان، ثم أخذ بيده فانطلق به نحو مِنىّ، فلما كان عند جمرة العقبة فإذا إبليس قائم عند الشجرة، فقال: كبِّرْ وارمِهِ، فكبَّرَ ورماه، فذهب إبليس حتى أتى الجمرة الوسطى، ففعل به إبراهيم كما فعل في الأولى، ثم كذلك في الجمرة الثالثة، ثم أخذ بيده جبريل حتى أتى به المشعر الحرام، فقال: هذا المشعر الحرام. ثم ذهب به حتى أتى به عرفات، قال: وقد عَرَفْتَ ما أَرَيْتُكَ؟ قالها ثلاثًا، قال: نعم، قال: فأذِّن بالحجّ. قال: كيف أؤذِّن؟ قال: قل: يا أيها الناس أجيبوا ربكم. فأجاب العباد: لَبَّيْكَ اللهم لَبَّيْكَ. فمَن أجاب إبراهيمَ يومئذٍ فهو حاجّ. [١٢٩] (وَابْعَثْ فِيهِمْ)، في العرب ذرية إبراهيم وإسماعيل، وقد أجاب اللّٰه لإبراهيم عليَا هذه الدعوة، فبعث في ذريته (رَسُولًا مِنْهُمْ)، وهو محمد للي (( يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ)، دعا أن يُنزل على النبي واليه قرآن يتلى (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ)، القرآن (وَالْحِكْمَةَ)، المعرفة بالدين، والفقه في أحكامه، والفهم للشريعة (وَيُزَكِّيهِمْ)، أي: يطهرهم من الشرك وسائر المعاصي (الْعَزِيزُ))، الغالب. [ ١٣٠] {إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ)، أي: وما يرغب عن ملة إبراهيم أحد إلا من جهل أمر نفسه فلم يفكر فيها، فأهلك نفسه (اصْطَفَيْنَاهُ)، أي: اخترناه وقت أمرنا له بالإسلام. [١٣١ (أسْلِمْ)، أي: تمسَّك بالإسلام دينًا. [١٣٢] (وَوَضَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ)، أي: وصَّاهم بقول كلمة: أسلمت لرب العالمين (وَيَعْقُوبُ)، أي: وأوصى يعقوب بنيه، كما أوصى إبراهيم بنيه قائلًا: (يَا بَنِي إِنَّ اللَهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ)، أي: اختاره لكم، وهي الملة التي جاء بها حل الله( فَلَ مُو تُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، أي : الزموا الإسلام، ولا تفارقوه، حتى إذا جاءكم الموت جاء وأنتم على الإسلام. [١٣٣] (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ)، الخطاب لليهود والنصارى الذين يَنْسِبُون إلى إبراهيم و ) .. أنهم على اليهودية أو النصرانية، فرد اللّٰه عليهم وقال لهم: أَحَضَرْتُمْ يعقوبَ، وعلِمْتم بما أوصى به بنيه فتدَّعون ذلك عن علم، أم لم تشهدوا بل أنتم مفترون؟ (مِنْ بَعْدِي)، أي: من بعد موتي (آبَائِكَ)، إسماعيل كان عمًّا ليعقوب إلا أن العرب تسمي العم أبًا (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)، [أخذ على بنيه الميثاق عند موته أن يعبدوا اللّٰه ولا يعبدوا شيئًا سواه، فأقرُّ وا بذلك وشهد عليهم بإقرارهم أنهم مسلمون]. [١٣٤] والإشارة بقوله: (تِلْكَ)، إلى إبراهيم وبنيه، ويعقوب وبنيه (قَدْ خَلَتْ)، مضت ( لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، [تحذير لليهود إذ رفضوا اتّباع النبي لَلِيِ متكلين على أنهم ينتسبون إلى سلف صالح ومغترين بذلك]. فلكل من الفريقين كسبه، لا ينفع الأبناءَ كسبُ الآباء ولا ينالهم منه شيء، وفيه: الرد على مَن يتكل على عمل سلفه ويروَّح نفسه بالأماني الباطلة. ومنه ما ورد في الحديث ((مَنْ بَطَّأَ به عملُه لم يُسرعْ به نَسَبُه» والمراد: أنكم لا تنتفعون بحسناتهم ولا تؤاخذون بسيئاتهم، ولا تُسألون عن أعمالهم كما ٧؟ ألون عن أعمالكم. صفحة 21 [١٣٥] (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا)، أي: قال اليهود للمسلمين: كونوا يهودًا، وقالِ لهم النصارى: كونوا نصارى، تكونوا على الحق (بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ)، بل نكون على ملة إبراهيم (حَنِيفًا) أي: مائلًا عن الأديان الباطلة إلى دين الحق، والحنيفية: دين الإسلام (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، فيه تعريض باليهود والنصارى، أي: ما كان على هذه الحالة من الشرك بالله، فكيف تدّعون عليه أنه كان على اليهودية أو النصرانية؟ ١٣٦](قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ)، خطابٌ للمسلمين وأمرٌ لهم بأن يقولوا هذه المقالة. أخرج البخاري عن أبي هريرة: ((أن النبي وَاليه قال: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا: آمنا بالله... الآية)). (وَالْأَسْبَاطِ)، هم أولاد يعقوب وهم اثنا عشر ولدًا، ولكل واحد منهم من الأولاد جماعة، والسبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في العرب (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ)، لا نؤمن ببعضهم ونكفر ببعضهم كما فعلت اليهود والنصارى. فالمسلمون يؤمنون بكل نبي أرسله الله، وبكل كتاب أنزله اللّٰه [وعليهم أن يعلنوا هذا]. [١٣٧] (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ)، أي: فإن آمن أهل الكتاب وغيرهم بمثل ما آمنتم به، أي: بجميع كتب اللّٰه ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم فقد اهتدوا (فِي شِقَاقٍ)، الشقاق: المخالفة والمعاندة (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ)، وعد من اللّٰه تعالى لنبيه أنه سيكفيه من عانده وخالفه من المتولين عن الحق. [١٣٨] ( صِبْغَةَ اللهِ)، أي: اصبغوا أنفسكم وأهليكم بالإسلام، فهو صبغة الله، وتمسكوا به [والصبغ يتخلل كل المصبوغ، فكذلك الإسلام يغيِّر حالَ من تمسك به] أصل ذلك: أن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في الماء، وهو الذي يسمونه المَعْمُودِيَّة، ويجعلون ذلك تطهيرًا لهم، فإذا فعلوا ذلك قالوا: الآن صار نصرانيًّا حقًّا، فرد اللّٰه عليهم بهذا. [١٣٩] (قُلْ أَتُّحَاجُونَنَا فِي اللهِ)، أي: أتجادلوننا في دينه ونحن وأنتم سواء في ربوبيته لنا، وعبوديتنا له، فكيف تدَّعون أنكم أولى به منا، وتحاجوننا في ذلك؟ (وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ) ، فلستم بأولى بالله منَّا (وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ)، نحن أهل الإخلاص للعبادة دونكم، وهو المعيار الذي يكون به التفاضل، والخصلة التي يكون صاحبها أولى بالله سبحانه من غيره، فكيف تَدَّعون لأنفسكم ما نحن أولى به منكم وأحق [مع ما أنتم عليه من الإشراك بالله سبحانه ودعوى الأا. هة لغيره]. [١٤٠] {أَمْ تَقُولُونَ)، أي: بل أتقولون: إن هؤلاء الأنبياء على دينكم (قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ»، أي: إن اللّٰه أخبرنا بأنهم كانوا مسلمين، ولم يكونوا يهودًا ولا نصارى، وأنتم تدَّعون أنهم كانوا يهودًا أو نصارى، فهل أنتم أعلم أم الله سبحانه؟ (مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ) ، يريد بذلك الذمَّ لأهل الكتاب بأنهم يعلمون أن هؤلاء الأنبياء ما كانوا يهودًا ولا نصارى، بل كانوا على الملة الإسلامية، فظلموا أنفسهم بكتمهم لهذه الشهادة، بل بادعائهم لما هو مخالف لها. عن قتادة قال: أولئك أهل الكتاب: كتموا الإسلام وهم يعلمون أنه دين الله، واتخذوا اليهودية والنصرانية، وكتموا محمَّدًا وهم يعلمون أنه رسول اللّٰه (وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ»، لا يترك عقوبتهم على هذا الظلم القبيح. [١٤٢] (سَيَقُولُ)، هذا إخبار من اللّٰه سبحانه لنيه وَالِّية وللمؤمنين، بأن السفهاء من اليهود والمنافقين سيقولون هذه المقالة عندما تتحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة (السُّفَهَاءُ) ، هم خفاف الأحلاه، معفاء العقول (مَا وَلَّاهُمْ)، صفحة 22 ما صرفهم؟ ( عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا)، هي بيت المقدس ( قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ)، فله أن يأمر بالتوجُّه إلى أيّ جهة شاء (يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) ، إشعار بأن تحويل القبلة إلى الكعبة من الهداية للنبي وَاليه و لأهل ملته إلى الصراط المستقيم [١٤٣] (وَسَطًا)، الوسط: الخيار، أو العدل (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)، أي: يوم القيامة، تشهدون للأنبياء على أممهم أنهم قد بلغوهم ما أمرهم اللّٰه بتبليغه إليهم (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)، يشهد عليكم بالتبليغ لكم. أخرج البخاري عن أبي سعيد قال: قال رسول اللّٰه وَلافِيه. (يُدعى نوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلّغت؟ فيقول: نعم. فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلِّغَكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد. فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته)) (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا)، هي بيت المقدس (إِلَّا لِنَعْلَمَ)، أي: ما جعلناها قبلة لكم إلا لنبتليكم فنعلم عندما نحوِّلها إلى الكعبة المؤمنَ التابع، والمرتدّ الكافر، وأهل النفاق (وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً)، أي: هذه القضية، وهي تحويل القبلة، صعبة يشقُّ الإيمان بها إلا على الذين هداهم اللّٰه للحق فانشرحت صدورهم لتصديقك (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ)، نزلت فيمن مات وهو يصلي إلى بيت المقدس، وقيل: المراد: لا يضيع ثبات المؤمنين على الإيمان عند تحويل القبلة، وعدم ارتيابهم كما ارتاب غيرهم (لَرَءُوفٌ)، رءوف: كثير الرافة، وهي اشد الرحمة ١٤٤] (قَدْ تَرَى تَقَلِّبَ وَجْهِكَ)، في النظر إلى السما (فَلَنُوَلَّيَنَّكَ)، فلنجعلنك متوليًا إلى قبلة تحبُّها (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطَرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)، أي: اتجه في صلاتك إلى جهة الكعبة (وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ) ، [أي: في أي مكان في الأرض كنتمِ فتوجَّهوا إِلى الكعبة] (وَإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ)، أي: يعلمون أن توجهكم إلى الكعبة حقٌّ بأمر الله، وعِلْمُ أهل الكتاب بذلك إما لكونه قد بلغهم عن أنبيائهم، أو وجدوا في كتب اللّٰه المنزلة عليهم أن هذا النبي يستقبل الكعبة، في الصحيحين عن البراء: ((أن النبي ومَلِّي كان أول ما نزل بالمدينة صلّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان مجبه أن تكون قبلتُهُ قِبَلَ البيت، وإن أول صلاة صلاها - أي: إلى جهة الكعبة - صلاةُ العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه، فمرّ على أهل المسجد وهم راكعون، فقال: أشهد .اش اما صليت مع النبي وَالال قِبَل الكعبة، فداروا كما هم قِبَلَ البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قِبَلَ بيت المقدس وأهلُ الكتاب، فلما ولّي وجهه قِبَلَ البيت أنكروا ذلك. وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحوَّل رجال، فلم نَدْرِ ما نقول فيهم، فنزل (وَمَا كَانَ اللَهُ لُيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ))). [١٤٥ ] {وَلَئِنْ أَتَيْتَ)، أي: إن هؤلاء لا تؤثر فيهم كل آية، ولا يرجعون إلى الحق وإلى قبلة محمد وعَلِّي وإن جاءهم بكل برهان؛ لأنهم لم يتركوا اتباع الحق لدليل عندهم أو لشبهة طرأت عليهم، بل كان تركهم للحق تمردًا وعنادًا، مع علمهم بأنهم ليسوا على شيء ومن كان هكذا فهو لا ينتفع بالبرهان أبدًا (وَمَا أَنْتَ بِتَابعٍ قِبْلَتَهُمْ)، دفع لأطماع أهل الكتاب، وقطع لما يرجونه من رجوعه وَالِي إلى القبلة التي كان عليها (وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابعِ قِبْلَةَ بَعْضٍ)، بعضهم لا يتابع الآخر في استقبال قبلته؛ وذَّلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى تستقبل مطلع الشمس (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ)، [أي: قبلتهم، فإنه بعد أن أمره اللّٰه تعالى بالتوجه إلى الكعبة لزمهم ذلك أيضًا، فكان .اءه . على غيرها عن هوى]. صفحة 23 [١٤٦](يَعْرْفُونَهُ)، أي: يعرفون نبوة محمد لله ( كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ )، [وأكثر ما يعرف الإنسانَ أبوه وأمه؛ فإنهما يرقبانه منذ الصغر حتى يكبر] (وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ)، وهم علماؤهم الذين عرفوا نَعْتَ النبي وَلِيِّي، وليس منه هذا الفريق الذين آمنوا كعبد اللّٰه بن سلام وأصحابه. [١٤٧] (الْحَقَّ مِنْ رَبِّكَ)، أي: الحق هو الذي من ربك لا مما يخبرك به أهل الكتاب (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ)، نهاه اللّٰه سبحانه عن الشك فيما آتاه اللّٰه من القبلة وغيرها. وغيره أولى بالحذر من الشك. [١٤٨] (وَلِكُلَّ)، أي: لكل أهل دين وجهة، والمراد: القبلة، إما بحق، وإما بباطل. أو المراد: لكلّ منكم يا أمة محمد قبلة يصلي إليها من شرق أو غرب أو جنوب أو شمال (هُوَ مُوَلَّيَهَا)، وَجْهَهُ { فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ)، أي: بادروا إلى ما أمركم اللّٰه من استقبال البيت الحرام وكل ما يصدق عليه أنه خير، وإلى الصلاة في أول وقتها (أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ )، بجمعكم للجزاء يوم القيامة (جَمِيعًا))، كما جعل صلاتكم في الجهات المختلفة كأنها إلى جهة واحدة. [١٥٠] (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ)، في الأسفار فاستقبِلِ القبلة حيثما كنت في برِّ أو بحر. وتكرير الأمر للاهتمام. وقيل: أراد بالأول: ولِّ وجهك شطر الكعبة إذا صليت تلقاءها، ثم قال (وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ)، معاشر المسلمين في سائر الأرض والمساجد بالمدينة وغيرها (فَوَلّوا وُجُوهَكُمْ شَطَرَهُ لِثَلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةُ، لئلا يكون لليهود عليكم حجَّةً؛ إذ كانوا يقولون: وافَقَنَا محمدٌ في قبلتنا، فيوشك أن يوافقَنا في ديننا. والحجة بمعنى المُحاجَجَة، وهي المخاصمة والمجادلة، سماها اللّٰه حجة وحكم بفسادها، حيث كانت من ظالم (إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ)، أي: لكن هؤلاء وهم مشركو العرب، فسيحتجون عليكم يقولون: إن لحمدًا تحيّر في دينه، وما توجه إلى قبلتنا إلا لأننا أهدى منه. وقالوا: سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا. وعن قتادة قال: يعني: أهلَ الكتاب حين صرف اللّٰه نبيَّه إلى الكعبة قالوا: اشتاق الرجل إلى بيت ابيه ودين قومه. وغير ذلك من الأقوال التي لم تنبعث إلا من عابد وثن، أو من يهودي، أو منافق {فَلَا تَخْشَوْهُمْ)، أي: لا تخافوا مطاعنهم؛ فإنها داحضة باطلة لا تضركم (وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ)، أي: ولكي أتمَّ عليكم نعمتي عرَّفتكم قبلتي. وإتمام النعمة: الهداية إلى القبلة [فتكون لكم * .-ة مستقلة تامة]. [١٥١ ] (كَمَا أَرْسَلْنَا)، إشارة إلى النعمة في القبلة كالنعمة في الرسالة. وقيل: معنى الكلام على التقديم والتأخير، أي: فاذكروني كما أرسلنا فيكم رسولًا . ١٥٢] ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)، اذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب والمغفرة. قال بعض السلف: المعنى: فمن ذكرني وهو مطيع فحقٌّ عليَّ أن أذكره بمغفرتي (وَاشْكُرُوا لِي)، الشكر: معرفة الإحسان والتحدث به (وَلَا تَكْفُرُونِ)، أي: لا تنكروا نعمتي. [١٥٣] (واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ)، على تأدية ما أمر اللّه به، ودفع ما يرد عليكم من المِحَن (إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)، ينيلهم مقاصدهم. [١٥٤] (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ) هم (أَمْوَاتٌ بَلْ)، هم (أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ)، بهذه الحياة عند مشاهدتكم لأبدانهم بعد سلب أرواحهم، تحكمون عليها بالموت في ظاهر الأمر، وليسوا كذلك في الواقع، بل هم أحياء في ١ - : - صفحة 24 [١٥٥](وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ)، سوف نختبركم. والمراد ب (الْخَوْفِ)، ما يخشى من ضرر من عدو أو غيره (وَالْجُوعِ)، المجاعة والقحط (وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ) ما يحدث فيها من الزكاة ونحوها، والمراد بنقصٍ (الْأَنْفُسِ)، الموت والقتل في الجهاد، والمراد بنقص (الثَّمَرَاتِ) ما يصيبها من الآفات. وقيل: نقص الثمرات: موت الأولاد. [١٥٦] (مُصِيبَةُ)، المصيبة: النكبة التي يتأذى بها الإنسان وإن صغرت (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)، هذه الكلمات ملجأ للمصابين، وعصمة للممْتَحَنين؛ فإنها جامعة بين الإقرار بالعبودية لله، والاعتراف بالبعث والنشور، وأن الدنيا ليست آخِرَ كل شيء. [١٥٧] ( صَلَوَاتٌ)، الصلوات هنا: المغفرة والثناء الحسن (وَرَحْمَةٌ))، المعنى: عليهم رأفة بعد رأفة، ورحمة بعد رحمة. [١٥٨](إِنَّ الصَّفَا)، هو جبل من جبال مكة معروف، وكذلك المروة (مِنْ شَعَائِرِ اللهِ)، أعلام مناسكه، والمراد بها: مواضع العبادة التي أشعرها اللّٰه أعلامًا للناس من: الموقف، والمسعى، والمنحر (فَمَنْ حَجَ الْبَيْتَ)، قصَدَه للعبادة المعروفة (أَوِ اعْتَمَرَ)، العمرة في اللغة: الزيارة، وفي الشرع: الإتيان بالنسك المعروف (يَطّوَّفَ)، أصله: يتطوَّف، والتطوَّف بالصفا والمروة: السعي بينهما في الحج والعمرة. والسعي واجب ونسك من جملة المناسك، ففي الصحيحين عن عائشة: ((أن عروة قال لها: ما أرى على أحد جُناحًا أن لا يَطوفَ بهما؟ فقالت عائشة: بئس ما قلت يا ابن أختي، إنها لو كانت على ما أوَّلتها كانت (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما) ولكنها إنما أنزلت أن الأنصار قبل أن يسلموا كانوا يُهلّون لمَنَاةَ الطاغية التي كانوا يعبدونها، وكان مَن أَهَلّ لها يتحرَّج أن يطوف بالصفا والمروة في الجاهلية، فأنزل اللّٰه الآية. قالت عائشة: ثم قد بيَّنَ رسول اللّٰه وَالِيِ الطواف بهما، فليس لأحد أن يدع الطواف بهما. وإنها قالت: لعمري ما أتمَّ اللّٰه حجّ من لم يَسْعَ بين الصفا والمروة ولا عُمْرَتَهُ، لأن اللّٰه قال: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ) اه». وسئل رسول اللٰه وَلِّيِ فقال: ((إن اللّٰه كتب عليكم السعي فاسعوا). [١٥٩] (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ)، هم أحبار اليهود ورهبان النصارى الذين كتموا أمر محمد وَيّة، وكل من كتم الحق وترك بيان ما أوجب اللّٰه بيانه (الْكِتَابِ)، اسم جنس شامل لجميع الكتب المنزلة (يَلْعَنُهُمُ اللهُ)، لعنته: الإبعاد والطرد 1: 9 من رحمته (وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاءِ الملائكة والمؤمنون، وقيل: كل من يتأتى منه اللعن، فيدخل في ذلك الجن. [١٦٠](إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا) ، استثناء للتائبين من الكتمان، والمصلحين لما أفسدوا، والمبيِّنين للناس ما بيَّنه اللّٰه في كتبه، فليس هؤلاء مستحقين للعنة. [١٦١] (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ)، استُدِل بذلك أنه لا يجوز لعن كافر معين؛ لأن حاله عند الوفاة لا يعلم، ولعن العاصي المعين لا يجوز باتفاق؛ لما في الصحيحين أن النبي لَلِلِ أَتِيَ بشارب خمر مرارًا، فقال بعض مَن حضر: لعنه الله! ما أكثر ما يشربه، فقال النبي وَاليه: ((لا تكونوا عونًا للشيطان على أخيكم))، ولكن لا يمنع من جواز لعن الكفار على العموم، ولعنُهم جزاءٌ لهم على الكفر، وزجرٌ لهم عنه، وإظهارُ لقبحِه. [وليس من أدب الإسلام المواجهة لأحد باللعن في وجهه؛ فإنه فَحْش] {وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)، هذا يوم القيامة. أما في الدنيا فلا يتأتى اللعن منهم جميعًا. والله أعلم. صفحة 25 [١٦٢ ] (خَالِدِينَ فِيهَا)، أي: في النار، وقيل: في اللعنة (وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ)، أي: لا يُمهَلون. [١٦٣ ] (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ))، فيه الإشارة إلى أن أول ما يجب بيانه ويحرم كتمانه هو أمر التوحيد. [١٦٤] (وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)، [ تعاقبهما واختلافهما بالإضاءة والإظلام، والحرارة والبرودة، وفي سبب ذلك ونتائجه، مما فيه من الحكمة البالغة ومصلحة المخلوقات] (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ)، إرسالها عقيمًا ومُلْقِحَةً، وصِرًا ونَصْرًا وهلاكَا، وحارة وباردة، ولينة وعاصفة، وقيل: تصريفها: إرسالها جنوبًا وشمالًا، ودَبُورًا وصَبًا ونكباء (وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ)، المذلل. قيل: تسخيره ثبوته بين السماء والأرض من غير عمد ولا علائق (لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)، علم كل عاقل بأنه لا يتهيأ من أحد من الآلهة التيّ أثبتها الكفار أن يأتي بشيء منها، أو يقتدر عليه أو على بعضه، وهي خلق السماوات وخلق الأرض، وتعاقب الليل والنهار، وجري الفلك في البحر وإنزال المطر من السماء، وإحياء الأرض به، وبث الدواب منها بسببه، وتصريف الرياح، فإن من أمعن نظره، وأعمل فكره في واحد منها؛ نحتم عليه التصديق بأن صانعه هو اللّٰه سبحانه. [١٦٥] (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا)، أي: مع هذا الدليل الظاهر المفيد لعظيم سلطان الله، وجليل قدرته، وجد في الناس من يتخذ معه سبحانه ندًّا يعبده من الأصنام (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ اللهِ)، أي: كحب المؤمنين للهِ، أو كما يحب المشركون اللّٰه يحبون أندادهم (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبَّا لِلَّهِ)، أي: أشد من حب الكفار للأنداد (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)، [أي: ولو أن الذين ظلموا بمحبتهم الأنداد كحب الله، لو يرون حالهم عند رؤيتهم العذاب يوم القيامة، ومعاينتهم قوة اللّٰه وبطشه، وعجز آلهتهم عن أن تدفع عنهم شيئًا من عذاب الله، لما أحبوها شيئًا من الحب]. [١٦٦] (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا)، ومعناه: أن السادة والرؤساء وأئمة الكفر يتبرأون يوم القيامة ممن اتبعهم على الكفر (وَرَأَوُا الْعَذَابَ)، يعني: التابعين والمتبوعين، قيل: عند المعاينة في الدنيا، وقيل: عند العرض والمساءلة في الآخرة (وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ)، الصلات والعلاقات التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا من الرحم وغيره. [١٦٧ ] (كَرَّةً)، والمعنى: أن الأتباع قالوا: يا ليت أننا رُدِدْنَا إلى الدنيا حتى نعمل ص ١٦١١ « فَتَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَءُوا مِنَّا)، (حَسَرَاتٍ)، المعنى: أن أعمالهم الفاسدة يريهم اللّٰه إياها فتكون عليهم حسرات، ويريهم الأعمال الصالحة التي أوجبها عليهم فتركوها، فيكون ذلك حسرة عليهم (وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ)، فيه: دليل على خلود الكفار في النار. [١٦٨] (كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ)، نزلت في ثقيف وخزاعة وبني مدلج فيما حرَّموه على أنفسهم من الأنعام (حَلَالا)، أي: مِن غير ما حرم اللّٰه عليكم، والطيب هو المستلذّ (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ)، لا تقفوا أثر الشيطان وعمله [فيما حرم عليكم مما لم يأت شرع اللّٰه بتحريمه] وما يدعوكم إليه من المعاصي (عَدُةٌّ مُبِينٌ)، ظاهر العداوة. ١٦٩](إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ)، السوء: القبيح، والفحشاء: التجاوز للحدِّ في القبح، وقيل: الفحشاء الزنى (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، ما حرموه من البحيرة والسائبة ونحوهما مما جعلوه شرعًا، فكل ما لم يرد فيه نص أو ظاهر من الأعيان الموجودة في الأرض فأصله الحل حتى يرد دا.ا .ة ضمي تحريمه. صفحة 26 [١٧٠](وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ)، للكفار (أَلْفَيْنَا)، معناه: وجدنا (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ)، [يعني: أيتبعون آباءهم فيما كانوا فيه على ضلال مبين، كتحريمهم ما لم يحرمه الله، ولو كان ما فعلوه غير صادر عن عقل صحيح ولا عن هداية سماوية؟]. [١٧١] (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ) ، فيه تشبيه واعظ الكافرين وداعيهم، وهو محمد وَلِّي بالراعي الذي ينعق بالغنم أو الإبل، فلا تسمع إلا دعاء ونداء ولا تفهم ما يقول. عن ابن عباس قال: كمثل البقرة والحمار والشاة إن قلت لبعضهم كلامًا لم يعلم ما تقول، غير أنه يسمع صوتك، وكذلك الكافر إن أمرته بخير أو نهيته عن شر أو وعظته لم يعقل ما تقول، غير أنه يسمع صوتك (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا عْقِلَونَ)، أي: هم صم بكم عمي لا يقدرون أن يسمعوا الحق، ولا أن يبصروه ولا أن يتكلموا به، فكيف يعقلون ما يقال لهم، وكيف يهتدون إلى الطريق؟ [١٧٢] (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)، [الطيب هو الحلال المستلذ من الأطعمة، فكلوا منه ولا تحرِّموا شيئًا لم يحرمه الله، ولا تمتنعوا من أكل ما حرمه أهل الجاهلية وغيرهم من تلقاء أنفسهم] (إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)، أي: خصونه بالعبادة، فكلوا من الطيبات، ولا تبالوا بتحريم من حرَّم شيئًا من دون اللّٰه. [١٧٣] (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ)، حصرت الآيةُ التحريمَ في الأمور المذكورة بعدها، والميتة: ما فارقها الرُّوح من غير ذبح شرعي. والمراد بالميتة: هنا ميتة البَرّ لا ميتة البحر، ويجوز أكل جميع حيوانات البحر حَيِّهَا ومَيّتها (وَالدَّمَ)، الدم المحرم هو المسفوح، روت عائشة أنها كانت تطبخ اللحم فتعلو الصفرة منُ الدم على البُرمة، فيأكل ذلك النبي ته ولا ينكره (وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ)، جملة الخنزير محرمة (وَمَا أَهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ)، هو ما ذُكر عليه اسم غير الله، كاللات والعزّى (فَمَنِ اضْطُرٌّ»، إلى شيء من هذه المحرمات بسبب المجاعة وفقدان ما يتغذى به [أو بإكراه يخاف منه الضرر] (غَيْرَ بَاغ وَلَا عَادٍ)، المراد بالباغي: مَن يأكل فوق حاجته، والعادِّي: مَن يأكل هذه المحرمات وهو يجد عنها مندوحة (فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ )، [ إن أكل، لأن اللّٰه تعالى يرخص له في حال الضرورة ولا يؤاخذه] (إِنَّ اللَهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، به إذا أحلَّ له الحرام. [١٧٤ ] (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ)، يشمل علماء اليهود؛ لأنهم كتموا ما أنزل اللّٰه في التوراة من صفة محمد وَاليّي، ويشمل كل من كتم ما شرعه الله، وأخذ عليه ال ٦ ١ ٩. كل من رضي بتغيير شيء من دين اللّٰه وكتمان الحقّ في مقابلة نفع عاجل أو مصلحة زائلة] (وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنَّا قَلِيلًا))، وكل ما يأخذه على ذلك من متاع النا هو قلل ون كان ا يتك مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ)، أي: أنه يوجب عليهم عذاب النار (وَلَا يُكَلَمُهُمُ اللهُ لحلول غضب اللّٰه عليهم وعدم الرضى عنهم، وقال الطبريّ: لا يكلمهم بما يحبونه، وإن كان يكلمهم بما يكرهونه (وَلَا يُزَكِّيهِمْ))، لا يصلح أعمالهم الخبيثة فيطهرهم. ١٧٥] (اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى)، قد تقدم تحقيق معناه (الآية ١٦) (فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ)، معناه التعجب، والمراد: تعجيب المخلوقين من حال هؤلاء الذين باشروا الأسباب الموجبة لعذاب النار، فكانهم بهذه المباشرة للأسباب صبروا على العقوبة في نار جنهم. [١٧٦](ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ)، [فيجب على العلماء بيانه والحذر من كتمانه، أي: متى سئلوا عنه أو وقعت الحاجة إلى البيان] (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ)، يقول بعضهم: هو سحر، وبعضهم يقول: هو أساطير الأولين (لَفِي شِقَاقٍ)، أي: خلاف ومُحادَّة اله (بَعِيدٍ) عن الحق. صفحة 27 [١٧٧] (لَيْسَ الْبرَّ)، نزلت للرد على اليهود والنصارى لما أكثروا الكلام في شأن القبلة عند تحويل رسول اللّٰه وَالِّيه إلى الكعبة ( قِبِّلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) ، [أي: الجهات المختلفة ] {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ)، أي: ولَكنَّ البرَّ هو برُّ مَن آمن، والبرُّ: اسم جامع للخير [وقد فسرته هذه الآية بأصول الإيمان الستة وأصول الأعمال الصالحة] (وَالْكِتَابِ)، المراد بالكتاب: جنس الكتاب، أي: كتب اللّٰه (عَلَى حُبِّهِ)، على حب المال؛ لأنه أعطى المال وهو يحبه ويشح به (ذَوِي الْقُرْبَى)، هم أقاربك؛ فإنَّ دفعَ المال إليهم صدقةٌ وصلةٌ إذا كانوا فقراء، وهكذا ( الْيَتَامَى)، الفقراء، فاليتامى أولى بالصدقة من الفقراء الذين ليسوا بيتامى؛ لعدم قدرتهم على الكسب (وَالْمَسَاكِينَ)، المسكين: الساكن إلى ما في أيدي الناس، لكونه لا يجد شيئًا (وَابْنَ السَّبِيلِ)، المسافر المنقطع في غير بلده (وَالسَّائِلِينَ»، المتعرضين لطلب المال لاضطرارهم إليه (وَفِي الرِّقَابِ)، المراد: شراء الرقاب، أي: رقاب المماليك، وإعتاقها، وقيل: المراد فك الأسارى. وقوله: (وَآتَى الزَّكَاةَ)، فيه دليل على أن الإيتاء المتقدم هو صدقة التطوع، لا صدقة الفريضة (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا)، اللّٰه أو عاهدوا الناس (الْبَأْسَاءِ)، الشدة والفقر (وَالضَّرَّاءِ)، المرض والزمانة (وَحِينَ الْبَأْسِ)، المراد وقت شدة الحرب (صَدَقُوا)، كانوا جادّين صادقين في دعواهم الإيمان. [١٧٨](كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ)، [أي: مَن قَتَلَ مسلمًا عمدًا عدوانًا وجب قتله حقًّا لأولياء المقتول مماثلةً لما فعل] (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ)، أفاد أن الحر يُقتل بالحر، والعبد يُقتل بالعبد. ويفهم منه أن الحر لا يقتل بالعبد. وذهب الجمهور إلى أنه لا يُقتل المسلم بالكافر، واستدلوا بما ورد من السنة عن النبي وَالِيّي أنه قال: ((لا يقتل مسلم بكافر)) (وَالْأَنْثَى بِالْأُنْثَى)، أي: تُقتل بها إن قتلتها، ويُقتل الرجل بالمرأة؛ للحديث الوارد من قول النبي وَلِيه. ((وإن الرجل يُقتَل بالمرأة)) (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ)، أي: إنَّ القاتلَ أو الجانيَ إذا عُفِي له - من جهة المجني عليه أو الوليّ - دمٌ أصابه منه، ثبت للمجني عليه أو وليّه الديةُ أو الأرش (فَاتَّبَاعٌ)، أي: فلتكن مطالبة صاحب الحق للقاتل بالمعروف، بإنظاره إن كان معسرًا، وعلى القاتل (وَأدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ)، دون مماطلة أو جحد أو إساءة في القول {ذَلِكَ تَخْفِيف)، إشارة إلى العفو والدية، أي: أن اللّٰه شرع لهذه الأمة القصاص، والعف. .. ذير عوض أو بعوض، ولم يضيِّق عليهم، كما ضيَّقَ على اليهود، فإنه أوجب عليهم القصاص أو العفو، ولا دية، وكما ضيق على النصارى، فإنه أوجب عليهم العفو ولا دية (فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ)، أي: بعد العفو، نحو أن يأخذ الدية ثم يقتل القاتل، أو يعفو ثم يقتص. [١٧٩] (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ))، باعتبار ما يؤول إليه من ارتداع الناس عن قتلَ بعضهم بعضًا ( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ، لكي تتقوا الدماء مخافة القصاص. [١٨٠] ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ)، حضور الموت حضور أسبابه وظهور علاماته، فتجب الوصية حينئذ لعدم بقاء الفسحة (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا)، أي: إن ترك مالًا كثيرًا وجب عليه أن يوصي بشيء لو الديه وأقاربه، ويبقي باقي المال لاولاده، وكان هذا في أول الإسلام، ثم نسخ بايات المواريث (بالْمَعْرُوفِ)، أي: العدل لا وكس فيه ولا شطط. وقد أذن الله للميت أن يوصي بالثلث دون ما زاد عليه (حَقَّا)، واجبًا، وهذا كان قبل النسخ بآياء - ١٠٠١١٠. يث. صفحة 28 ١٨١] (فَمَنْ بَدَّلَهُ)، أي: الإيصاء (بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ)، وليس على الموصي من ذلك شيء، فقد تخلص مما كان عليه بالوصية به. [١٨٢] ( جَنَفًا أَوْ إِثْمَا)، الجَنَفُ: الخطأُ، والإثم: الميل عمدًا (فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ)، أي: أصلح ما وقع بين الورثة من الشقاق والاضطراب بسبب الوصية، بإبطال ما فيه ضرار ومخالفة لما شرعه الله، وإثبات ما هو حق وعدل، كالوصية في قربة لغير وارث. [١٨٣] ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ)، أي: افترض اللّٰه عليكم الصوم، وهو الإمساك عن المفطرات مع اقتران النية به، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس (كَمَا كُتِبَ)، كما أوجبه (عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)، هم أمة موسى وعيسى عليهما السلام (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، بالمحافظة عليها؛ لأنها تُضعف دواعي المعاصي. ١٨٤] (أيَّامًا)، أي: كتب عليكم أن تصوموا أيامًا (مَعْدُودَاتٍ)، أي: معينات بعدد معلوم، إشارة إلى تقليل الأيام [وهي رمضان نفسه] (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا ) إن كان لا يطيق الصوم كان الإفطار عزيمة، وإن كان يطيقه مع تضرر ومشقة كان الإفطار رخصة (عَلَى سَفَرٍ)، مسافة قصر الصلاة أو أكثر (فَعِدَّةٌ)، أي: فعليه صيام عدّة ما أفطره (مِنْ أَيَّامِ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِقُونَهُ ) ، أي: يتكلفونه مشقّة خارجةً عن طوقهم، كالشيخ الكبير والمريض مرضًا مزمنًا (فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ)، [ ومقداره: نصف صاع من بُرِّ أو تمر أو نحوهما عن كل يوم أفطره، أو طعام جاهز يكفي المسكين يومًا] (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ )، أي: من زاد في الإطعام على القّدْر، وقيل: من أطعم مع المسكين مسكينًا آخر (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ)، معناه: أن الصيام خير لهم من الإفطار مع الفِدية. [١٨٥] ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ)، أنزل جملةً من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، وقيل: أنزل في رمضان أولُ ما نزل من القرآن، وكان أول نزول القرآن في ليلة القدر (هُدى لِلنَّاسِ)، أي: هاديًا لهم (وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى)، والبينات تختص بالمحكم منه (وَالْفُرْقَانِ)، ما فرق بين الحق والباطل، أي: فَصَلَ (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ)، أي: حَضَرَ، لم يكن في سفر بل كان مقيمًا، فإنه إذا سافر أفطر. وإذا حضر نضه وسافر بعضه فإنه لا يتحتم عليه إلا صوم ما حضره (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ) فرَّ الممريض والمسافر في الإفطار، واليسر: السهولةُ وعدم التشديد في مقاصد الرب سبحانه في جميع أمور الدين. ورسول اللّٰه وَلِيِي كان يرشد إلى التيسير وينهى عن التعسير، كقوله وَالية: (يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشّروا ولا تنفِّروا)) (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ)، أي: شُرعَ القضاء لمن أفطر من مرض أو سفر لتتم لكم العدة، ويكمل الأجر (وَلِتُكَبّرُوا اللهَ)، لتعظموه بالصوم والذّكر. وعن بعض السلف أنهم كانوا يكبِّرون ليلة الفطر: إذا رأوا هلال شوال كبروا إلى خروج الإمام لصلاة العيد [١٨٦](وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ)، جاء رجل إلى النبي وَلِيه فقال يا رسول الله : أقريبٌ ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فسكت النبي اليي فنزلت هذه الآية (أجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ)، في الصحيح أن النبي لَلِيِ قال: ((ما من مسلم يدعو اللّٰه بدعوة ليس فيها إثم ولا قطعية رحم إلا أعطاه اللّٰه بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجِّل له دعوته، وإما أن يدّخر له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها) ( فَلْيَسْتَجِبُوا لِي)، ليدعوني (وَلْيُوْمِنُوا بِي )، أي: ليؤمنوا بأنهم إذا دعوني استجبت، ١م . لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)، يهتدون. صفحة 29 [١٨٧] (أَحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ)، الرفث كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من امرأته من الجماع وغيره (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ)، لامتزاج كل واحد منهما بالآخر، كالامتزاج الذي يكون بين الثوب ولابسه [أي: فلهذا رخَص لكم ويسَّر] (تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ)، أي: تخونونها بالمباشرة في ليالي الصوم، وأصل الخيانة: أن يؤتمن الرجل على شيء فلا يؤدي الأمانة فيه، وإنما سماهم خائنين لأنفسهم؛ لأن ضرر ذلك عائد عليهم (فَتَابَ عَلَيْكُمْ) قَبِلَ التوبة من خيانتهم لأنفسهم (وَعَفَا عَنْكُمْ) المراد: التوسعة والتسهيل (وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ) قيل: هو الولد، وقيل: المراد: اطلبوا ليلة القدر، أي: فلا يشغلكم عنها ما أباح اللّٰه لكم من الرفت (الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ)، هو المعترض في الأفق، لا الذي هو كذَنَبِ السَّرحان، فإنه الفجر الكذاب الذي لا يُحِلَّ شيئًا ولا يحرمه (الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ)، سواد الليل، والتيُّن: أن يمتاز أحدهما عن الآخر، وذلك لا يكون إلا عند دخول وقت الفجر، وقوله: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)، أوله: تمام غروب الشمس (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)، المباشرة هنا: الجماع، وتشمل التقبيل واللمس إذا كان لشهوة. والمعتكف من يلازم المسجد يحبس نفسه لهذه العبادة. وللاعتكاف أحكام مستوفاة في كتب الفقه. ١٨٨] (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) ، الباطل: ما لم يبح الشرع أخذه من مالكه، فهو مأكول بالباطل وإن طابت به نفس مالكه: كمهر البغيّ، وحلوان الكاهن، وثمن الخمر (وَتُدْلُوا بِهَا)، أي: بأموالكم، لا تدفعوها رشوة (إِلَى الْحُكَّامِ)، هم القضاة؛ ليحكموا لكم بالباطل. وحكم الحاكم لا يحلل الحرام ولا يحرم الحلال (لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا)، أي: قطعة أو جزءًا (بِالْإِثْم)، بالظلم والعدوان {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)، عن ابن عباس قال: هذا في الرجل يكون عليه مال، وليس عليه بينة، فيجحد المِال، ويخاصم إلى الحكام. [١٨٩] (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ)، نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن عثمة، وهما رجلان من الأنصار قالا: يا رسول الله: ما بال الهلال يبدو ويطلع دقيقًا مثل الخيط، ثم يزيد حتى يعظم ويستوي، ثم لا يزال ينقص ويَدِق حتى يعود لما كان لا يكون على حال واحد؟ فنزلت قل هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ)، في حلول ديونهم ولصومهم ولفطرهم وعِدَدِ نسائهم والشروط ١١- " ، أجل، ولمناسكهم وحجهم (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا)، ورد أن الأنصار كانوا إذا حجوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم، وإذا رجع أحدهم إلى بيته بعد إحرامه قبل تمام حجه، معتقدون أن المُحْرِمِ لا يجوز أن يحول بينه وبين السماء حائل. وكانوا يتسنّمون ظهور بيوتهم (وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقَى، أى: ولكنَّ البرَّ برُ من اتقى، وكانت قريش تُدْعَى الحُمْس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام، وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون في الإحرام من باب. فبينا رسول اللّٰه وَلِي في بستان إذ خرج من بابه، وخرج معه رجل. قال: رأيتك فعلته ففعلتُ كما فعلتَ. فقال: إني رجل أحْمَسِيٌّ، قال: فإن ديني دينك، فأنزل اللّٰه الآية. [١٩٠] (وَلَا تَعْتَدُوا)، لما نزلت هذه الآية كان وَالِيه يقاتل من قاتله، ويكفَّ عمن كفَّ عنه، حتى نزل قوله تعالى: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) الآية، وقيل: (وَلَا تَعْتَدُوا)، أي: بقتل النساء والصبيان. [١٩١] ( حَيْثُ تَقِفْتُمُوهُمْ)، وجدتموهم وتمكنتم من قتلهم {مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) ،. ٢٠٠ة (وَالْغِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ)، أي: صفحة 30 الفتنة التي أرادوا أن يفتنوكم، وهي رجوعكم إلى الكفر، أشدّ من القتل لو قتلوكم. وقيل: المراد أن الشرك الذي هم عليه أشد مما يستعظمونه من القتل (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ )، في الحرم [وهو مكة وما حولها إلى أعلام الحرم في عرفات والتنعيم وغيرهما] (فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ)، [أي: إن بدؤوكم بالقتال في حرم مكة فقاتلوهم واستمروا في قتالهم حتى تقتلوهم]. ١٩٢](فَإِنِ انْتَهَوْا ) عن قتالكم ودخلوا في الإسلام (فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ، فاعفوا عنهم حينئذ؛ فإن الإسلام يَجُبُّ ما قبله من الآثام. [١٩٣] (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةُ))، [وهي أن تزول قدِرة الكفار على الصد عن سبيلِ الله، ويامن كل من كان سلمًا على دينه] (وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ) فمن دخل في الإسلام وأقلع عن الشرك لم يحل قتاله (فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظالِمِينَ)، أي: فإن تابوا فلا تقاتلوا إلا من قاتلكم، وعن عكرمة: قال: الظالمون هنا من أبى أن يقول: لا إله إلا اللّٰه. [١٩٤] (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ)، أي: إذا قاتلوكم في الشهر الحرام وهتكوا حرمته فقاتلوهم في الشهر الحرام مكافأة لهم ومجازاة على فعلهم (وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ) جمع حرمة، والحرمة: ما منع الشرع من انتهاكه، ولمن تُعُدِّيَ عليه في مال أو بدن أن يعتدي بمثل ما تعدي عليه -أي: دون أن يزيد عمّا ظُلِم به أو يرتكب محرمًا- وبهذا قال الشافعي وغيره. وقال آخرون: إن أمور القصاص مقصورة على الحكام، وهكذا الأموال. والأول أرجح. [١٩٥] (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ)، وهو الجهاد (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ»، أَي: لا تستسلموا إلى أسباب الهلاك، بل دبروا لأنفسكم أسباب النجاة. ومن التهلكة: الإقامة في الأموال لإصلاحها، وترك الجهاد في سبيل الله. [١٩٦] (وَأَتِمُّوا الْحَجِّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)، أي: من أهَلَّ بواحد منهما وجب عليه إتمامه، وقيل: إتمامهما أن تفرد كل واحد منهما من غير تمتع ولا قران (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ)، المحصر: من يصير ممنوعًا من إتمام حجه أو عمرته بمرض أو عدو أو غيره (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي)، أي: فليذبح ما استيسر أي: ما تيسر ويعود حلالًا، والهدي: ما يُهدى إلى البيت من الإبل أو البقرة أو الغنم ليُذبح في مكة تقرُّبًا إلى اللّٰه تعالى. وقال الحسن: أعلى الهدي بدنةٌ، وأوسطُهِ بقرةٌ، وأدناهُ شاةٌ (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) ، هو خطاب لكل من أحرم ليس له أن يحلق رأسه حتى يذبح هديه إن كان معه هدي {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذى مِنْ رَأْسِهِ)، أي: قمل أو ضرر، فإن شاء أن يحلق فليحلق وعليه فدية، أي: أن يطعم ستة مساكين، أو يهدي شاة، أو يصوم ثلاثة أيام (فَإِذَا أَمِنْتُمْ)، كنتم آمنين ولم تُحصَرُوا عن الإتمام (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ)، المراد بالتمتع: أن يحرم الرجل بعمرة في أشهر الحج ثم يقيم حلالًا بمكة إلى أن يحرم بالحج، فاستباح بذلك ما لا يحل للمحرم استباحته (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي)، يذبحه جبراً لنقص الإتمام بالتمتع (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ)، الهدي، إما لعدم المال، أو لعدم الحيوان، صام ثلاثة أيام (فِي الْحَجِّ)، أي: في أيام الحج، وهي من عند شروعه في الإحرام إلى يوم النحر، وتصام أيام التشريق لمن لم يجد الهدي وَسبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ)، أي: خرجتم من مكة راجعين إلى الأوطان، وإنما قال سبحانه: (تِلْكَ عَشَرَةٌ) لدفع توهم التخيير بين الثلاثة الأيام في الحج والسبعة إذا رجع ( كَامِلَةُ))، لا ينقص من عددها (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)، حاضروا المسجد الحرام هم أهل مكة وض . ١٠-١، وهم أهل الحرم. صفحة 31 ١٩٧٦] (الْحَجّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)، أي: وقت أعمال الحج، الأشهر المعلومات وهي: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة كله. وقيل: هي شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. وقد استدل بهذه الآية من قال: إنه لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، فمن أحرم قبلها أهَلَّ بعمرة (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ)، أحرم به فيهن فلزمه الحج (فَلَا رَفَتَ)، الرَّفَثُ: هو الجماع والإفحاش بالكلام مع النساء (وَلَا فُسُوقَ)، الفسوق: الخروج عن حدود الشرع، سواء بفعل ما حرم في الإحرام خاصة كحلق الشعر، أو فيه وفي غيره، كالزنى، والظلم، وقيل: الفسوق: السّباب (وَلَا جِدَالَ)، الجدال: المماراة (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرِ يَعْلَمْهُ اللهُ)، حث على الخير بعد ذكر الشر، وعلى الطاعة بعد ذكر المعصية (وَتَزَوَّدُوا)، كان بعض العرب يقولون: كيف نحج بيت ربنا ولا يطعمنا، فكانوا يحجون بلا زاد، ويقولون: نحن متوكلون على اللّٰه سبحانه، فنهاهم عن ذلك [لأنهم حيثما ذهبوا لا يأكلون إلا من رزق الله] ( فَنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)، [خير الزاد إلى الدار الآخرة التقوى، وخير زاد الدنيا ما أعان على التقوى]. [١٩٨] (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبَّكُمْ )، من التجارة وطلب الرزق مع الحج (فَإِذَا أَفَضْتُمْ)، أي: دفعتم (مِنْ عَرَفَاتٍ) إلى المزدلفة (فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَام)، هو: جبل قزح الذي يقف عليه الإمام من أرض مزدلفة، وقيل: هو ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادي محسّر، [وذكر اللّٰه فيه التلبية، والصلاة فيه المغرب والعشاء والفجر، والدعاء بعد صلاة الفجر] (وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ)، أي: اذكروه ذكرًا حسنًا، كما هداكم هداية حسنة. [١٩٩] {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ)، أي: من المزدلفة صباح يوم العيد (وَاسْتَغْفِرُوا الله)، أمروا بالاستغفار؛ لأنهم في مساقط الرحمة، ومواطن القبول، ومظنات الإجابة. [٢٠٠](فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ)، أي: فإذا فرغتم من أعمال الحج يوم النحر، وهي: الرمي، والذبح، والحلق، وطواف الإفاضة (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ)، كان العرب إذا فرغوا من حجهم يقفون عند الجمرة فيذكرون مفاخر آبائهمٍ، ومناقب أسلافهم، فأمرهم اللّٰه بذكره مكان ذلك الذكر (أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا)، أي: بل أشد (خَلَاقٍ)، الخلاق: النصيب، أي: وما لهذا الداعي من نصيب يطلبه في الآخرة؛ لأن همه مقصور على الدنيا لا يريد غيرها، وفي هذا النهيُ عن الاقتصار على طلب الدنيا، والذم لمن جعلها غاية رف -٠٠٨. -ظم مقصوده من الدعاء في تلك المشاعر العظام. [٢٠١] (حَسَنَةً)، حسنة الدنيا: ما يطلبه الصالحون في الدنيا، من زوجة حسناء، وولد صالحين، وطيبات الرزق. وحسنة الاخرة: رضى الرحمن، والحور العين، وطيبات ما أعدّ اللّٰه للمتقين المحسنين. [٢٠٢] (أُولَئِكَ)، إشارة إلى الفريق الثاني (لَهُمْ نَصِيبٌ، من جنس (ما كَسَبُوا)، بالدعاء المذكور (وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ)، وصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم، وأنه لا يشغله شأن عن شأن، فيحاسبهم في حالة واحدة. [٢٠٣](فِي أَيَّامِ مَعْدُودَاتٍ)، هي أيام منى، وهي أيام رمي الجمار، وهي أيام التّشريق بلا خلاف، والذكر المأمور به: رمي الجمار، وتكبير الحجاج بمنى، ويكبّر في تلك الأيام سائر الناس في أمصارهم بعد الصلوات وغيرها من غداة عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام النحر (فَمَنْ تَعَجَّلَ)، أي: من رمى في اليوم الثاني من الأيام المعدودات وغادر منىً فلا حرجِ، ومن تأخر إلى الثالث فلا ح ١٢٠ ذلك جائز (لِمَنِ اتَّقَى)، صفحة 32 معناه: أن رفع الإثم ثابت لمن اتقى اللّٰه في حجه. وقيل: لمن اتقى بعد انصرافه من الحج عن جميع المعاصي. [٢٠٤] (وَمِنَ النَّاسِ)، هم طائفة المنافقين الذين بظهرون الإيمان، ويبطنون الكفر . نزلت في منافق خرج من عند النبي وَالِيه ف مو بزرع لقومٍ من المسلمين وحُمُر، فأحرق الزرع، وعَقَرَ الحُمُرَ (وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ)، يحلف على ذلك فيقول: يشهد اللّٰه على ما في قلبي من محبتك أو من الإسلام (أَلَدُّ)، الألد: الشديد الخصومة. [٢٠٥]وَإِذَا تَوَلَّى)، أي: أدبر وذهب عنك يا محمد *سَعَى فِي الْأَرْضِ)، [مضى فيها يبذل مجهوده] (لِيُفْسِدَ فِيهَا )، بما يصنع من التخريب، كالتدبير على المسلمين بما يضرهم، وإعمال الحيل عليهم وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ)، الزرع (وَالنَّسْلَ) الأولاد (وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ)، يشمل كل نوع من أنواعه من غير فرق بين ما فيه فساد الدين، وما فيه فساد الدنيا، وقيل: معناه: أن يلي الظالم الملك، فيُفسِد في الأرض، فيُمسِكُ اللّهُ المطرَ، فيهلك بسبب ذلك الحرث والنسل. [٢٠٦] {أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ)، أخذته الحمية عن قبول الوعظ للإثم الذي في قلبه، وهو النفاق. وقيل معناه: حملته الغلبة وشدة النفس على الإثم، وقيل: أي: ارتكب الكفر تعزُّزًا واستكبارًا (فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ»، أي: كافيه معاقبةً وجزاءً {الْمِهَادُ)، هو لغة: الموضع المهيأ للنوم، فهي لهم أَذَمُّ موضع ينزلونه. [٢٠٧] يَشْرِي)، أي: يبيع نفسه في مرضاة اللّٰه كالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. عن صهيب قال: ((لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي وَاِليِ قالت لي قريش: يا صهيب، قدِمْتَ إلينا ولا مال لك، وتخرج أنت ومالك، والله لا يكونٍ ذلك أبدًا، فقلت لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلون عني؟ قالوا نعم، فدفعتُ إليهم مالي فخلوا عني، فخرجت حتى قدمت المدينة. فبلغ ذلك النبي وَيِّي فقال: ((رَبحَ البيعُ صهيب، ربح البيع صهيب). [٢٠٨] {ادْخُلُوا فِي السَّلْم كَافَةً )، لما ذكر اللّٰه سبحانه أن الناس ينقسمون إلى ثلاث طوائف: مؤمنين، وكافرين، ومنافقين، [أمرهم بعد ذلك بالدخول في الإسلام كله بألسنتهم وقلوبهم جميعًا، وأن يدخلوا في جميع شعب الإسلام]. (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ)، [ولا تقفوا أثره، ولا تطيعوا ما يأمركم به من الشبهات والمعاصي ليضلكم ويخزيكم]. [٢٠٩] (فَإِنْ زَلَلْتُمْ)، ضللتم وعرَّ جَتم عن الحق (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ) ، آيا.-. ٨١ه الدالة على أن الدخول في الإسلام الحق (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ)، غالب لا يعجزه الانتقام منكم (حَكِيمٌ) ، لا ينتقم إلا بحق. [٢١٠] (هَلْ يَنْظُرُونَ)، هل ينتظر التاركون للدخول في السِّلم إلا أن يأتيهم اللّٰه [لفصل القضاء] وللحساب والعذاب (فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ)، أي: سوف تأتي الملائكة لتنفيذ أمر اللّٰه فيهم. والغمام: السحاب الرقيق الأبيض (وَقُضِيَ الْأَمْرُ)، أي: هو واقع لا محالة، أي: وفُرِغ من الأمر الذي هو إهلاكهم [٢١١] (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ)، أي: اسأل يا محمد، واسألوا أيها المؤمنون، اسألوا بني إسرائيل عن الآيات التي آتيناهم وكيف عوقبوا شديد العقاب عندما بدَّلوا نعمة اللّٰه كفرًا، فكذلك من دُعِي من الناس إلى الدخول في الإسلام كافة، فأبى وكفر بآيات اللّٰه (مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ)، هي البراهين التي جاء بها أنبياؤهم (نِعْمَةَ اللهِ) هدايته ودينه. وتبديلها: الكفر بها بدل شكر اللّٰه عليها (فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) ، فيه من التره مم ال-خويف ما لا يقدر قدره. صفحة 33 [٢١٢] (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا)، الكافر افتتن بهذا التزيين وأعرض عن الآخرة، والمِسلم لم يفتتن به، بل أقبل على الآخرة (وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) لكونهم فقراء ليس حظهم من الدنيا كحظ رؤساء الكفر، وأساطين الضلال، الذين يرون عَرَض الدنيا عندهم هو الأمر الذي بكون من ناله سعيدًا رابحًا، ومن حُرِمه شقيًّا خاسرًا... وقد كان غالب المؤمنين إذ ذاك فقراء (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ، لأنهم في الجنة والكفار في النار. [٢١٣] (كَانَ النَّاسُ أُمَةً وَاحِدَةً)، أي: كانوا كلهم على دين واحد هو الإسلام بين آدم ونوح، وقيل: المراد نوح ومن في سفينته، [فقد كانوا على التوحيد، ثم تطاولت القرون، وانتشرت عادة الأوثان، فأصبح الناس ما بين مؤمن وكافر] ( فَبَعَثَ اللهُ النَّبِّينَ)، لهداية البشر (مُيَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ)، البشارة لأهل الإيمان وصلاح الأعمال، والنذارة لأهل الكفر والفساد (وَأَنَّزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ)، أي: جنس الكتب السماوية (لِيَحْكُمَ)، أي: ليكون الكتاب السماوي حكمًا (بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) [من العقائد وشئون الغيب، وحسن الأعمال وقبحها] (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ)، أي: في الكتب سماوية السابقة، وهم بنو إسرائيل وأتباع عيسى (إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ)، أي: أوتوا الكتاب (بَغْيًا بَيْنَهُمْ)، أي: لم يختلفوا إلا للبغي: أي الحسد والحرص على الدنيا، بدلًا من أن يكون الكتاب للاتفاق والسير على طريق الهداية (فَهَدَى اللهُ الّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقَّ)، أي: فهدى اللّٰه أمة محمد والِيه إلى الحق، بما بيَّنه لهم في القرآن من اختلاف من كان قبلهم (بإِذْنِهِ) بأمره. عن أبي هريرة قال: قال النبي وَالِية ((انحن الآخرون الأولون يوم القيامة، وأول الناس دخولًا بَيْدَ أنَّهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهدانا اللّٰه لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه -يعني: يوم الجمعة- فهدانا اللّٰه له، فالناس لنا فيه تبَعٌ، فغدًا لليهود، وبعد غد للنصارى)). [٢١٤] (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ)، أي: هل تظنون أن تدخلوا الجنة ولم تمتحنوا بمثل ما امتُحِن به من كان قبلكم من أتباع الأنبياء، لتصبروا كما صبروا؟ (مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ)، الفقر المدقع (وَالضَّرَّاءُ)، هي الأمراض والجراحات في سبيل اللّٰه (وَزُلْزِلُوا)، خُوِّفوا وأزعجوا إزعاجًا شديدًا (حَتَّى يَقُولَ)، أي: استمر ذلك إلى غاية هي قول الرسول ومن معه ( مَتَى نَصْرُ اللهِ»، قالوا هن - المقالة لطلب النصر، واستبطاء حصوله، واستطالة تأخره، فبشرهم اللّٰه سبحانه بقوله: (أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ) . [٢١٥] (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ)، سألوا عن الشيء الذي ينفقونه ما هو؟ فأجيبوا ببيان المصرف تنبيهًا على أنه الأولى بالقصد. وقد تقدم الكلام في {الأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) ، (الآية ١٧٧). [٢١٦](كُتِبَ)، أي: فُرض، وفرض القتال عليهم من جملة ما امتحنوا به، والمراد ب (الْقِتَالُ) قتال الكفار (كُرْهُ)، والكُرْه بالضم: المشقة التي تكرهها النفوس، وكان الجهاد كرهًا لأن فيه إخراج المال، ومفارقة الأهل والوطن، والتعرض لذهاب النفس (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا)، الجهاد لما فيه من المشقة (وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)، فربما تغلبون وتظفرون وتغنَمون وتُؤجَرون، ومن مات مات شهيدًا (وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا)، الدعة وترك القتال (وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ)، فربما يتقوى عليكم العدو فيغلبكم، ويقصدكم إلى عقر دياركم، فيحل بكم أشد مما تخافونه من الجهاد الذي كرهتم، مع ما يفوتكم في ذلك من الفوائد العاجلة والآجلة (وَللهُ مَعْلَمُ)، ما فيه صلاحكم صفحة 34 وفلاحكم (وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، عن ابن شهاب في الآية قال: «الجهاد مكتوب على كل أحد غزا أو قعد، فالقاعد إن استُعين به أعان، وإن استُغيث به أغاث، وإن استُنفر نَفَر، وإن استُغني عنه قعد». . [٢١٧] (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيْهِ) ، بعث رسول اللّٰه وَالِي سرية، فلقوا عمرو بن الحضرميّ وهو مقبل من الطائف، وكانت أول ليلة من رجب الحرام، ولم يشعروا، فقتله رجل منهم، وأخذوا ما كان معه. وإن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك، فنزلت الآية. والمعنى: يسألونك عن القتال في الشهر الحرام، والأشهر الحرم هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، ورجب، ثلاثة سَردٌ، وواحد فرد (قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) ، أي: القتال فيه ذنب كبير مستنكر (وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ)، وكان كفار مكة يفعلون ذلك كله (وَالْفِتْنَةُ)، المراد بالفتنة هنا: فتنة المستضعفين من المؤمنين عن دينهم بالتعذيب فهي أكبر من قتلهم لو قتلوهم (وَلَا يَزَالُونَ)، مستمرين على قتالكم وعداوتكم (حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ)، عنِ الإسلام إلى الكفر {إن اسْتَطاعُوا)، ذلك وتهيأ لهم منكم { فأولَئِكَ حَبطتْ أَعْمَالُهُمْ)، بطلت وفسدت {فِي الدَّنْيَا وَالآخِرَةِ)، لا يبقى للمرتد حكم المسلمين في الدنيا، ولا ينال شيئًا من ثواب الآخرة الذي يوجبه الإسلام، وماله لا يستحقه أهله إذا مات على الكفر. [٢١٨] (هَاجَرُوا)، المراد: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام (أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللهِ) [نزلت في سرية عبد اللّٰه بن جحش، فإنهم قالوا: يا رسول الله: هل نطمع أن تكون لنا هذه غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين؟ فأخبرهم اللّٰه تعالى أنهم على رجاء في الأجر، لإيمانهم وهجرتهم وجهادهم]. [٢٢٠-٢١٩] (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ)، الخمر: ماء العنب الذي غلا واشتد وقذف بالزبد، أي: ترك حتى أخذ يفور دون أن تقربه نار، وما خامر العقل من غيره فهو في حكمه (وَالْمَيْسِرِ)، الميسر: قمار العرب. بالأزلام [كانوا يتقامرون بها على لحم البعير، ومن كسب يوزِّع ما يأخذه على فقراء الحيّ، وكانت الأزلام قطعًا من الخشب، وللمقامرة بها طريقة معينة] (ر: لسان العرب -يسر) قال جماعة من السلف: كل شيء فيه قمار [أي: أخذ مالٍ باللعب، بأن يأخذ الغالب من المغلوب] من نرد أو شطرنج أو غيرهما فهو الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز والبيض (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ))، يعني: الخمر والميسر، فإثم الخمر ما يصدر عن فاسد العقل من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش والزور، وتعطيل الصلوات، وترك سائر ما يجب عليه. وإثم الميسر: الفقر وذهاب المال، والعداوة، وإيحاش الصدور. وأما منافع الخمر فربح التجارة فيها، وما يصدر عنها من الطرب والنشاط وقوة القلب وإصلاح المعدة [ومنافع الميسر: نفع الفقراء] (وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا)، لأنه لا خير يساوي فساد العقل الحاصل بالخمر، ولا خير في الميسر يساوي ما فيه من المخاطرة بالمال، والتعرض للفقر، واستجلاب العداوات بين المؤمنين، المفضية إلى سفك الدماء وهتك الحُرَم (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ)، هو ما فضل عن نفقة العيال. وقيل: إن هذه الاية منسوخة باية الزكاة المفروضة (لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ. فِي الدُّنْيَا)، فتحبسون من أموالكم ما تصلحون به معايش دنياكم، وتنفقون الباقي في الوجوه المقرِّبة إلى الآخرة، وفي (وَالْآخِرَةِ)، فترغبون عن العاجلة إلى الآجلة (إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ )، أي: خير من تركه (وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ)، يكون لأحا اا -امى المال، ويشق على صفحة 35 كافله أن يُفرد طعامه عنه، فيأخذ من مال اليتيم ما يرى انه كافِيهِ بالتحرِّي، فيجعله مع نفقة أهله. وهذا قد تقع فيه الزيادة والنقصان، فدلت هذه الاية على الرخصة في ذلك (فَإِخْوَانُكُمْ) أي: فذلك جائز فهم إخوانكم في الدين (وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ)، تحذير للأولياء، أي: يعلم من يتعمد أكل مال اليتيم، ومن يتحرَّج منه ولا يقصِّر عن إصلاحه (وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ)، [أي: ولكنه يَسَّر عليكم ووسَّع، فأذن لكم بمخالطتهم، فاتقوا إفساد أموالهم]. [٢٢١] (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ)، المشركات: الوثنيات، ومثلهن سائر النساء الكافرات، إلا نساء النصارى واليهود فيجوز للمسلمين التزوّج منهن، كما في سورة المائدة (الآية: ٥)، (وَلَأَمَةً مُؤْمِنَةٌ)، أي: ولأن يتزوج أحدِكم مملوكةً سلمة خير له من أن يتزوج حرة كافرة (وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ)، المشركة من جهة كونها ذات جمال أو مال أو شرف {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ)، أي: لا تزوِّجوهم بالمؤمنات (حَتَّى يُؤْمِنُوا)، وقد أجمعت الأمة على أن المشرك لا يجوز له أن يطا المؤمنة بوجهٍ من الوجوه لا بزواج، ولا بملك يمين؛ لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام (أولَئِكَ)، إشارة إلى المشركين والمشركات (يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ)، بعشرتهم وأقوالهم وأفعالهم، أي: إلى الأعمال الموجبة للنار، فكان في مصاهرتهم ومعاشرتهم ومصاحبتهم من الخطر العظيم [على من تزويج منهم، وعلى ولده] ما لا يجوز للمؤمنين أن يتعرضوا له ويدخلوا فيه (وَاللهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ)، وتزوج المؤمن الصالح والمؤمنة الصالحة يدعو إلى الجنة بعشرته وقوله وفعله. [٢٢٢] (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ)، هو الحيض (قُلْ هُوَ أَذَى)، كناية عن القذر والضرر (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ)، أي: فاجتنبوهن في زمان الحيضَ. والمراد من هذا الاعتزال: ترك المجامعة، لا ترك المجالسة أو الملامسة، فإن ذلك جائز، ويجوز الاستمتاع منها بما عدا الفرج، أو بما فوق الإزار (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ)، الطهر: انقطاع الحيض (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ)، إذا اغتسلن بالماء، أي: فلا يحل إتيان الحائض حتى ينقطع حيضها وتغتسل بالماء. ويقوم التيمم مقام الماء عند عدمه (فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَهُ)، يجامعونهن في المأتى الذي أباحه اللّٰه وهو القبل، وقيل: من قِبَل الحلال لا من قبل الزنى والحرام (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّا. ٠ه، المراد: التوابون من الذنوب (وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)، هم المتطهرون من الجنابة والأحداث والمتباعدون عن الأنجاس. [٢٢٣](نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ)، أي: إنهنّ مُزْدَرَعُ الذرية، كما أن الحرث مزدرع النبات (أَنَّى شِنْتُمْ)، أي: من أي جهة شئتم من خلف، وقدام، وباركة، ومستلقية ومضطجعة، إذا كان في موضع الحرث (وَقَدِّّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ)، أي: قدموا خيرًا تجدونه عند اللّٰه (وَاتَّقُوا الله)، عن الوقوع في شيء من المحرمات (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقَوْهُ)، مبالغة في التحذير . [٢٢٤] (وَلَا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ)، أي: إذا حلفتم على مقاطعة ذوي أرحامكم، أو حلفتم ألا تتصدقوا، أو أن لا تصلحوا بين متخاصمين، فلا تجعلوا يمينكم بالله مانعة لكم من فعل البر، بل كفِّر عن يمينك واصنع الخير. ( أَنْ تَبَرُّوا)، أي: أن تفعلوا الخير. وفي الصحيحين أن النبي وَالِية قال: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه)». وفيهما أيضًا قال النبي وعاليه: ((إني والله إن شاء اللّٰه لا أحلف على يمين فأرى خيرًا منها ٧١ أ..-، الذي هو خير منها وتحلَّلتُها)). صفحة 36 [٢٢٥] (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ )، اللغو قول الرجل: لا والله، وبلى والله، في حديثه وكلامه، غير لعتقد لليمين، ولا مريد لها، وكذا في الهزل والمزاح، فهذا لا إثم فيه ولا حنث ولا كفارة؛ لأنه ليس بيمين حقيقة (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ)، أي: إنه يؤاخذكم بالأيمان التي تحلفونها قاصدين عقد اليمين، ففيها الكفارة إن حنثتم (وَاللهُ غَفُورٌ)، أي: حيث لم يؤاخذكم بما تقولونه بألسنتكم من دون عمد وقصد، وجعل لكم سبيلًا إلى الحنث بالكفارة (حَلِيمٌ)، لا يعاجل بالعقوبة. [٢٢٦] (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ) الإيلاء: أن يحلف الرجل ألا يطأ امرأته سواء أطلَق أو قيد ذلك بأكثر من أربعة أشهر، ولا شيء عليه قبل تمام أربعة أشهر، أما بعدها فإن طالبته المرأة وقفَه القاضي، فإما أن يفيء أو يطلق، فإن أبى طلَّق عليه القاضي بطلب المرأة (فَإِنْ فَاءُوا)، أي: رجعوا عن اليمين المذكورة إلى بقاء الزوجية واستدامة النكاح [غفر اللّٰه لهم، وعلى من خالف يمينه كفارة يمين، للآية السابقة]، والفيء: الجماع لمِن لا عذر له. [٢٢٧] (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، [فإن أبى الطلاق طلق عليه القاضي؛ رفعًا للضرر عن المرأة ولا تجب كفارة، لأنه لم يحنث في يمينه]. [٢٢٨](وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ)، التربص: الانتظار ( ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)، هي عدة المطلقة، وهي ثلاث حيضات وما بينهن من الأطهار (وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ)، من الحيض أو الحمل (إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ لاتحر، يه ولايان وَيُمُلَنْهُّك أزواجهنَ و أَحَقُ بِرَدِّهِنَّ)، أي: برجعتهن (فِي ذَلِكَ)، في مدة العدة، فإن انقضت مدة العدة، ولم يراجعها فيها، فهي أحق بنفسها (إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا)، بالمراجعة، فإن قصد الإضرار بها فهي محرمة (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، فيحسن عشرتها، وتحسن هي عشرته (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةُ))، أي: منزلة ليست لهن، وهو قيامه عليها في الإنفاق، وكونه من أهل الجهاد والتدبير والقوة. [أي: فعليها أن تطيعه فيما يأمرها به وما يطلبه منها في شئون البيت والأسرة، وفي خاصة نفسها، مما لا معصية فيه لله تعالى. وفي الآية دليل على أن المرأة مصدَّقة إذا أخبرت بانتهاء عدتها بالأقراء حيث يمكن]. [٢٢٩] (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ). أ- . الطلاق الذي تثبت فيه الرجعة للأزواج هو مرَّتان، أي: الطلقة الأولى والثانية؛ إذ لا رجعة بعد الثالثة، مرة بعد مرة، وبعد كل مرة من مرتي الطلاق هاتين: إما إمساك وهو الرجعة (بِمَعْرُوفٍ)، بحسن العشرة وأداء الحقوق (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)، أي: أن يترك مراجعتها حتى انتهاء عدتها، ويسرحها إلى بيت أهلها بطيِّب من القول، ويعطيها المتعة وهي هدية أو مال (انظر الآية: ٢٣٦) ( شَيْئًا)، أي: لا يحل للأزواج أن يأخذوا مما دفعوه إلى نسائهم من المهر أو غيره شيئًا على وجه المضارّة لهن (إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ)، بأن تكون كارهةً له لا تطيق العيش معه من غير إضرار منه (فَإِنْ خِفْتُمْ)، الخطاب فيه للأئمة والحكام، أو المتوسطين بين الزوجين للإصلاح (أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ)، حسن العشرة والطاعة، فإن خافا ذلك (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ)، ببذل شيء من المال يرضى به الزوج فيطلقها لأجله، وهذا هو الخلع. فيجوز إن لم يكن من الزوج عَضْلٌ ولا إضرار أن يأخذ ما أعطته ليطلقها (تِلْكَ حُدُودُ اللهِ)، أي: أحكام النكاح والفراق المذكورة، هي حدود اللّٰه التي أُمرْتم بامتثالها (فَلَم تَمْتَاُ وهَا)، بالمخالفة لها. صفحة 37 [٢٣٠](فَإِنْ طَلَّقَهَا )، بعد المرتين السابق ذكرهما طلقة أخرى وهي الثالثة (فَلَا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ)، أي: حتى تتزوج بزوج آخر [ويجامعها] فإن قصد الزوج الثاني التحليل للأول فإن ذلك حرام للأدلة الواردة في ذمِّه وذم فاعله، وأنه التيس المستعار الذي لعنه النبِي وَلِيه و لِعَنَ لن اتخذه لذلك، ولا تحل بذلك الزواج للزوج الأول (فَإِنْ لَلْقَهَا)، أي: الزوج الثاني، أو فارقها بموت أو فسخ ( فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا)، أي: الزوج الأول والمرأة (أَنْ يَتَرَاجَعَا)، أي: يرجع كل واحد منهما لصاحبه بعقد جديد، فلهما أن يعقدا الزواج من جديد، وتكون عنده على ثلاث تطليقات (إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ)، حقوق الزوجية الواجبة لكل منهما على الآخر (وَتِلْكَ حُدُودُ الله)، إشارة إلى الأحكام المذكورة. [٢٣١] (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ)، أي: إذا طلقتم النساء فقاربن آخر العدة (فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ)، من غير قصدٍ لضرار (أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ)، أي: يتركها حتى تنقضي عدتها من غير مراجعة (وَلَا تَمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا)، أي: لا لحاجة ولا لمحبة، ولكن قصد تطويل العدة، وتوسيع مدة الانتظار، إضرارًا وإيذاءً للمرأة (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ )، عرَّضٍ نفسه للعذاب (وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللهِ هُزُوًا)، فإنها جدٌّ كلها، فمن هزل فيها فقد لزمته، نهاهم عن أن يفعلوا كما كانت الجاهلية تفعل، فإنه كان يطلق الرجل منهم أو يعتق أو يتزوج، ويقول: كنت لاعبًا، ومن طلق هازلًا فإن الطلاق يلزمه (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ)، الإسلام وشرائعه بعد أن كنتم في جاهلية جهلاء، وظلمات بعضها فوق بعض ( الْكِتَابِ) ، هو القرآن (وَالْحِكْمَةِ)، هي السنة (يَعِظُكُمْ بِهِ»، أيَ: يُعَلِّمُكُم وبخوفكم بما أنزل عليكم. [٢٣٢] ( فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ)، الخطاب للأزواج، والعضل: أن يمنعوهن من أن يتزوجن مَن أرَدْنَ بعد انقضاء عدتهن؛ حمية الجاهلية، كما يقع كثيرًا من الخلفاء والسلاطين، غيرةً على من كنّ تحتهم من النساء أن يصرن تحت غيرهم. وقيل: الخطاب للأولياء، نُهِي أحدهم أن يمنع بنته أو أخته المطلقة من الرجوع إلى زوجها في عدتها، أو من تَزَوُّجِها بعد انقضاء عدتها بشروطه كما تقدم (ذَلِكُمْ أَزْكَى»، أي: أنمى وأنفع (وَأَطْهَرُ)، من دنس الأخلاق (وَاللهُ يَعْلَمُ)، ما لكم فيه الصلاح (وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ )، ذلِك. [٢٣٣] (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْرَ أَوْكَ مَدُنَّ)، لما ذكر اللّٰه النكاح والطلاق ذكر الرضاع؛ لأن الزوجين قد يفترقان وبينهما ولد، وقوله (يُرْضِعْنَ) في معنى الأمر (حَوْلَيْنِ)، أي: سنتين (كَامِلَيْنِ)، تحقيقًا لا تقريبًا، فليس بعد الحولين رضاع «لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ)، إرضاع الحولين ليس حتمًا، بل هو التمام، ويجوز الاقتصار على ما دونه برضى والدي الطفل (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ)، أي: على الأب الذي يولد له الطفل، واجبًا لأم الطفل القائمةِ بإرضاعه إطعامُها وكسوتها، ولهذا يُنسبون إليهم دونهن، كانهن إنما ولدن لهم فقط، وهذا في المطلّقات، وأما غير المطلقات فنفقتهن وكسوتهن واجبة على الأزواج ولو من غير إرضاعهن لأولادهن (لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا)، لا تكلف المرأة الصبر على التقتير في الأجرة، ولا يكلف أبو الطفل ما هو إسراف، وما لا يقدر عليه من النفقة، بل يراعى العدل (لا تُضَارَّ)، أي: لا تضارِرِ الأمُّ الأبَ بسبب الولد، بأن تطلب منه ما لا يقدر عليه من الرزق والكسوة، ولا يضارِرْها زوجها بأن يقصِّر عليها في شيء مما يجب عليه، أو ينتزع ولدها منها بلا سبب (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ)، أي . اذا مادت الأب كان على وارث صفحة 38 هذا الصبي المولود أجر إرضاعه، كما كان يلزم أباه ذلك. وقيل: المراد بالوارث وارث الأب، تجب عليه نفقة المرضعة وكسوتها بالمعروف. ويحرم على هذا المنفق من الإضرار بالأم ما كان يحرم على الأب من ذلك (فِصَالًا»، الفصال: الفطام عن الرضاع (عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا)، أي: صادرًا عن تراض من الأبوين إذا أرادا فطام الرضيع فعلى كل منهما أن يراضي الآخر ويشاوره حتى يحصل الاتفاق بينهما على ذلك لمصلحة الطفل (وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ )، أي: أن تطلبوا لهم من يرضعهم من النساء سوى أمهاتهم (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلِّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ)، أي: لا بأس عليكم أن تسترضعوا أولادكم غير أمهاتهم إذا سلمتم إلى الأمهات أجرهن بحساب ما قد أرضعن لكم إلى وقت الاسترضاع، أو سلمتم إلى المرضعات أجرهن {بِالْمَعْرُوفِ)، أي: دون مماطلة أو نقص، فإن عدم توفير أجرهن يبعثهن على التساهل بأمر الصبي والتفريط في شأنه. وجواز استرضاع غير الأم مشروط بعدم المضارَّة بالأم كما في أول هذه الآية. [٢٣٤] لما ذكر اللّٰه سبحانه عدة الطلاق عقّبِ ذلك بذكر الوفاة (وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا) أي: ولهم زوجات، فالزوجات (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنُّفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)، أي: عشر ليالٍ بأيامهنَّ، ووجه الحكمة في جعل العدة للوفاة هذا المقدار: أن الجنين يتحرك في الغالب لأربعة أشهر، فزاد اللّٰه سبحانه على ذلك عشرًا؛ لأن الجنين ربما يضعف عن الحركة [ورعاية لحرمة النكاح الأول] والتربص: التأني والتصبر عن النكاح للصغيرة والكبيرة وذات الحيض والآيسة، عدتهن جميعا للوفاة أربعة أشهر وعشرا [إلا الحامل، فإن عدتها تنقضي بوضع حملها] (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ)، بانقضاء العدة (فَلَا جُنَاحٍ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ)، من التزين والتعرض للخطَّاب والتزوُّج إن أردن ذلك (بِالْمَعْرُوفِ)، الذي لا يخالف شرعًا ولا عادة مستحسنة. وقد استدل بذلك على وجوب الإحداد على المعتدة عدة الوفاة. والإحداد: ترك الزينة من الطيب، ولبس الثياب الجيدة والحلي. [٢٣٥] (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النَّسَاءِ)، أي: المعتدات من وفاة، [أو طلاق ثلاث] والتعريض ضد التصريح. والتعريض أن يذكر شيئا يدل به على شيء لم يذكره، كما يقول المحتاج: جئتك لأسلم عليك، ولأنظر إلى وجهك، والخِطبة بالكسر: ما يفعله الطالب من الطلب، والاستلطاف . .الدول والفعل (أَكْنَنَتُمْ)، سترتم وأضمر تم من التزويج بعد انقضاء العدة ( عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ)، أي: علم اللّٰه أنكم لا تصبرون عن النطق لهن برغبتكم فيهن، فرخص لكم بالنسبة للمعتدة من الوفاة [أو طلاق ثلاث] في التعريض دون التصريح (وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا)، أي: لا يقل الرجل لهذه المعتدة: تزوجيني، بل يعرِّض تعريضًا (إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلَا مَعْرُوفًا)، هو ما أبيح من التعريض، كأن يقول لها: إنك لجميلة، وإنني راغب في الزواج (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ)، المعنى: ولا تعقدوا عقد النكاح (حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَةً) أجله: نهاية العدة. وتحريم عقد النكاح في العدة مجمع عليه، ولا تحل به المرأة. [٢٣٦] لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النَّسَاءَ)، أي: لا تَبِعَةَ عليكم من الإثم أو المهر ونحوه إن طلقتم النساء في هذه الحالة (مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ)، أي: إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسُّوهن، والمسيس: الجماع {أَوْ تَفْرِضُوا)، [تذكروا مقدار المهر] فإن وُجِدَ المسيس وجب المسمى أو مهر المثل (وَمَتِّعُوهُنَّ)، أي: أعطوهن شيئًا يكون متاعًا لهن، من كسوة أو ذهب أو نح. ١،٠ ك. ن عوضًا عمافاتهن من المهر صفحة 39 (عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ)، والاعتبار في ذلك بحال الزوج، فالمتعة من الغني فوق المتعة من الفقير { بِالْمَعْرُوفِ) ، ما عرف حسنه في الشرع أو العادة الموافقة له (حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ)، أي: واجبًا عليهم. [٢٣٧](وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ)، أي: قبل الدخول بهن {فَنِصْف مَا فَرَضْتُمْ)، أي: فالواجب عليكم نصف ما سمّيتم لهن من المهر {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ )، أي: المطلقات، أي: إلا أن يتركن هذا النصف الذي أوجبه اللّٰه لهن على الازواج تبرّعًا، فلا حِرج حينئذ على الأزواج في عدم إعطائهن (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ )، المراد: أن يعفو الزوج فيعطيها المهر كاملًا، أو لا يسترد منه شيئًا بعد الطلاق إن كان قد سلمه لها (وَأنْ عْفُوا أقرَبُ لِلتّقَوَى)، هو خطاب للرجال والنساء تغليبًا، يرغّب اللّٰه كلًّا منهما في العفو لصاحبه، ومن عفا منهما للآخر عن النصف الذي له كان أقرب للتقوى (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ)، والمعنى: أن الزوجين لا ينسيان التفضل من كل واحد منهما على الآخر للوصلة التي وقعت بينهما. [٢٣٨](حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ)، المحافظة: المداومة والمواظبة (وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى)، هي صلاة العصر [ لأن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين، وهي في الوسط] أفردها تشريفًا لها (وَقُومُوا لِلَّهِ)، أي: في صلاتكم، أمرهم فيها بالقيام، أي: وقوفًا على أرجلهم بسكون، وهذا في صلاة الفرض، أما صلاة التطوع فيجوز فيها الجلوس ويجوز فيها في السفر الصلاة على الراحلة ونحوها (قَانِتِينَ)، القنوت: قيل: هو الطاعة والخشوع، وقيل: هو السكوت عن الكلام مع الناس. [٢٣٩] (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا)، أي: في حال شدة الخوف يجوز لكم أن يصلي الراكب على دابته، والراجل على رجليه، مستقبلًا القبلة، أو دون استقبال، مع الحركة والانتقال، والضرب والكرِّ والفرِّ {فَإِذَا أَمِنْتُمْ)، أي: إذا زال خوفكم فارجعوا إلى ما أمرتم به من إتمام الصلاة مستقبلين القبلة، قائمين بجميع شروطها وأركانها، وهو قوله: (فَاذْكُرُوا اللهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ)، من الشرائع (مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ). [٢٤٠](مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاج)، المعنى: أنه جب على الذين يتوفون أن يوصوا قبل نُزول الموت بهم لأزواجهم، أن يمتَّعْنَ بعدهم حولًا كاملًا، بأن لا يُخْرَجْن من مساكنهنَّ (فَإِنْ خَرَجْنَ)، باختيار هنَّ قبل الحول {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ»، أي: لا حرج على ال. ١٠ ١ا حاكم وغيرهما (فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنَّفُسِهِنَّ)، من التعرُّض للخطَّاب والتزين لهم (مِنْ مَعْرُوفٍ)، أي: بما هو معروف في الشرع غير منكر. وفيه: دليل على أن النساء كن مخيرات في سكنى الحول، وليس ذلك بحتم عليهن. وقيل: السكنى لسنةٍ منسوخةٌ بآيات المواريث. والخروجِ لا يكون إلا بعد العدة. [٢٤١]{وَلِلْمُطَلْقَاتِ مَتَاعٌ)، قيل: المتعة واجبة لكل مطلّقة، وقيل: إن هذه الآية شاملة للمتعة الواجبة، وهي مُتْعَة المطلقة قبل البناء والفرض، وغير الواجبة وهي متعة سائر المطلقات فإنها مستحبة فقط. وقال ابن عمر: لكل مطلقة متعة إلا التي تطلّقها ولم تدخلٍ بها، كفى بنصف المهر متاعًا. [٢٤٣] (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ)، عن ابن عباس قال: كانوا أربعة الاف خرجوا فرارًا من الطاعون، وقالوا: نأتي أرضًا ليس بها موت، حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا (قَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا)، فماتوا، فمر عليهم نبي من الأنبياء فدعا ربه أن يحييهم حتى يعبدوه فأحياهم (وَهُمْ أُلُوفٌ)، كثيرة (حَذَرَ الْمَوْتِ)، الطاعون (فَقَالَ أَمْ اللّهُ مُوتُوا)، هذا أمر تكوين، فماتوا صفحة 40 (ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ)، جميعًا، أما هؤلاء الذين خرجوا فَلِكَوْنِهِ أحياهم ليعتبروا، وأما المخاطبون فلكونه قد أرشدهم إلى الاعتبار والاستبصار بقصة هؤلاء، ليعلموا أن اللّٰه قادر على كل شيء، والغرض من إيراد هذه القصة: تشجيع المسلمين على الجهاد [والمعنى: أن الحذر من الموت وترك الجهاد لأجل ذلك لا ينجي من الموت إن آراده اللّٰه]. [٢٤٥] (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ)، لما أمر سبحانه بالقتال والجهاد أمر بالإنفاق في ذلك. وإقراض اللّٰه مَثَلُّ لتقديم العمل الصالح الذي يستحق به فاعله الثواب (حَسَنَّا)، أي: طيِّبة به نفسه من دون مَنّ ولا أذى (فَيُضَاعِفَهُ)، أي: يكثّره له وينميه حتى يكون مثل الأصل (أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ)، والقبض: التقليل في الرزق، والبسط: التوسيع، وفيه وعيد بأن من بَخِلَ مع البسط يوشك أن يبدل اللّٰه عليه القبض (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، فيجازيكم بما قدمتم، وإن بخلتم عاقبكم. وعن ابن زيد قال: يَبْسُطُ عليك وأنت ثقيل عن الخروج للجهاد لا تريده، ويَقْبِضُ عن هذا وهو يطيب نفسًا بالخروج ويخف له، فقوّه مما بيدك يكن لك الحظ. [٢٤٦] (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ)، الملأ: الأشراف من الناس، ذكر اللّٰه سبحانه قصتهم للتحريض على القتال بعد القصة المتقدمة [وكانت الجبابرة قد تسلّطتْ على بني إسرائيل وبَعُدَ عهدهم بالملك والسيطرة] واستولت الأمم على ديارهم (مِنْ بَعْدِ مُوسَى)، أي: بعد أيامه ( لِنَبِيِّ لَهُمُ)، قيل: هو صمويل (ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا))، نرجع إليه ونعمل على رأيه (نُقَاتِلْ)، معه (فَلَمَّا كُتِبَ)، أي: فرض (تَوَلّوْا)، لاضطراب نياتهم وفتور عزائمهم. [٢٤٧] (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ)، وهو صمويل (إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا) ، يسّره لكم وأمركم بطاعته والقتال معه. قيل: إن طالوت لم يكن من سبط النبوة، وهم بنو لاوي، ولا من سبط الملك، وهم بنو يهوذا، فلذلك (قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا)، أي: كيف ذلك ولم يكن من يت الملك، ولا هو ممن أوتي سعة من المال، حتى نتبعه لشرفه أو لماله؟! (اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ)، أي: اختاره، واختيار اللّٰه هو الحجة القاطعة (وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ)، الذي هو مِلاك الإنسان ورأس الفضائل، وأعظم وجوه الترجيح، وزاده بسطة في (الْجِسْمِ)، الذي يظهر به الأثر في الحروب ونحوها، فكان قويًّا في دينه ١.٠: [وحسن تدبيره أمر الحرب] وذلك هو المعتبر، لا شرف النسب؛ فإن فضائل النفس مقدمة عليه (وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ)، فالملك ملكه، والعبيد عبيده، فما لكم والاعتراض على شيء ليس هو لكم ولا أمره إليكم (وَاسِعٌ)، أي: واسع الفضل (عَلِيمٌ)، بمن يستحق الملك ويصلح له. [٢٤٨](التَّابُوتُ)، عن ابن عباس: (كانت العماليق قد سَبَوا التابوت من بني إسرائيل، فجاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتى وضعته عند طالوت، فسلَّموا له وملَّكوه، وكانت الأنبياء إذا حضروا قتالًا قدَّموا التابوت بين أيديهم)) (سَكِينَةٌ))، السكينة من السكون، وهي الوقار والطمأنينة، أي: فيه سبب سكون قلوبكم فيما اختلفتم فيه من أمر طالوت [وثبات النفس عند اللقاء مع الأعداء] (وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ)، قيل: هي عصا موسى ورُضَاضُ الألواح التي كتبت فيها التوراة أول مرة، وقيل: غير ذلك. قيل: والمراد بآل موسى وهارون هما أنفسهما، أي: مما ترك هارون ومو .. صفحة 41 [٢٤٩] (فَصَلَ)، خرج بهم عن البلد (بِنَهَرِ )، قيل: هو بين الأردن وفلسطين. والمراد بهذا الابتلاء: اختبار طاعتهم، فمن أطاع في الإمساك عن ذاك الماء بعد العطش أطاع فيما عداه، ومن عصى في هذا وغلبته نفسه فهو بالعصيان في سائر الشدائد أحرى. ورخّص لهم في الغَرْفَة ليرتفع عنهم أذى العطش بعض ارتفاع، وليكسروا نزاعَ النفس في هذه الحال (فَلَيْسَ مِنِّي)، أي: ليس من أصحابي (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ )، أي: ومن لم يذقه (فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ)، الاغتراف: الأخذ من الماء باليد أو بآلة، والغرفة: قيل هي ما كان بالكف الواحدة. وقيل: بالكفّين معًا (فَشَرِبُوا مِنْهُ)، وعَصَوْا ملكهم فلم يأذن لهم بالسير معه للقاء العدو (إِلَّا قَلِيلًا)، كانوا بعدد أهل بدرٍ ثلاثمائة وبضعة عشر، كما في صحيح البخاري وغيره. وروى ابن جرير عن البراء بن عازب قال: كنا نتحدّث أن أصحاب محمد الذين كانوا يوم بدرٍ ثلاثمائة وبضعة عشر على عدَّة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، وما جاوزه إلا مؤمن. وقال السُّدِّي: كان الجيش ثمانين ألفًا، فشرب من النهر ستة وسبعون ألفًا وتبقّى معه أربعة آلاف. قيل: ومع هذا الاختبار لصبرهم وطاعتهم فإن الذين جاوزوا النهر عندما وافقوا العدو لم يثبتوا كل الثبات (فَلَمَّا جَاوَزَهُ)، أي: جاوز طالوت النهر (وَالّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ)، وهم القليل الذين أطاعوه، ولكنهم اختلفوا في قوة اليقين، فبعضهم قال: (لَا طَاقَةَ لَنَا، و (قَالَ الَذِينَ يَظَنّونَ)، أي: يتيقنون {أَنْهُمْ مُلَاقَو اللهِ، و( كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً)، الفئة: الجماعة (وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)، أي: إن النصر مع الصبر وليس بكثرة العدد. [٢٥٠] (وَلَمَّا بَرَزُوا)، صاروا في البَرَازِ وهو المتسع من الأرض (لِجَالُوتَ)، جالوت: أمير العمالقة (قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا)، أي: أكثر لنا منه (وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا)، عبارة عن القوة وعدم الفشل، وعدم الركون إلى الفرار (وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)، هم جالوت وجنوده، أي: أعنَّا عليهم حتى نَغلبهم. [٢٥١] (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ)، أي: بأمره وإرادته (وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ)، هو داود ابن إيشا، جمع اللّٰه له بين النبوة والملك بعد أن كان راعيًا، اختاره طالوت لمقاتلة جالوت مقتله (وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ)، اختاره له وكان ذلك أثناء حياة طالوت (وَالْحِكْمَةَ)، هي هنا النبوة (وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ)، مما قضت به مشيئته. قيل: إن من ذلك تعليمه صنعة الدروع (وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ *. ٨. الذين يباشرون أسباب الشر والفساد والطغيان (بِبَعْضٍ)، آخر منهم، وهم الذين يكفونهم عن ذلك [بالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] ويردونهم عنه (لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ)، أي: لتغلب أهل الفساد عليها بإحداثهم للشرور التي تهلك الحرث والنسل. [٢٥٢] تِلْكَ آيَاتُ اللهِ)، ما اشتملت عليه هذه القصة (نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ)، الخبر الصحيح الذي لا ريب فيه (وَإِنَّكَ)، يا محمد (لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ)، إخبار بأنه من جملة رسل اللّٰه سبحانه، تقوية لقلبه وتثبيتًا لجنانه وتشييدًا لأمره. [٢٥٣] (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)، جعل لبعضهم من مزايا الكمال فوق ما جعله للآخر، قال قتادة: اتخذ إبراهيم خليلًا، وكلم موسى تكليمًا، وخلق عيسى من غير أب، وآتى داود زبورًا، وسليمان ملكا لم ينبغ لأحد من بعده، وأرسل محمدًا الِي إلى جميع العالمين. وحديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: ((لا تفضلوني على الأنبياء)) قال محمد وعَلِلّه ذلك على سبيل التواضع مع علمه أنه أفضل الأنبياء، كما يدل عليه قوله: ((آنا سيد ولد ادم)) [ولكن لا ينبغي آن نقول: محمد أفضل من موسى أو عيس ع١ التعيين، للحديث المذكور] صفحة 42 (مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ )، وهو موسى ونبينا سلام اللّٰه عليهم. وهذا من تفضيل اللّٰه لهما (وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ))، وهم من عَظُمت منزلته عند اللّٰه سبحانه من الأنبياء، ويحتمل أن يراد به نبينا وَالِيعه لكثرة مزاياه، ويحتمل أن يراد به إدريس رفعه مكانًا عليًّا، وقيل: إنهم أولو العزم من الرسل، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم صلوات اللّٰه وسلامه. (وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ)، وهذا من تفضيل اللّٰه له، آتاه القدرة على إحياء الموتى وإبراء المرضى بإذنه تعالى، وغير ذلك. قوله: (وَأَيْدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) ، تقدم بيانه (آية: ٨٧) (وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ)، أي: من بعد الرسل، وقيل: من بعد موسى وعيسى ومحمد (وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا )، اختلفتِ أمم الانبياء بعضهم مع بعض من بعدهم حتى اقتتلوا، وصاروا مللًا ختلفة {فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَهُ )، عدم اقتتالهم بعد هذا الاختلاف (مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ)، لا رادَّ لحكمه، ولا مبدّل لقضائه، فهو يفعل ما يشاء. [٢٥٤] ( أَنْفِقُوا))، في سبيل اللّٰه ما دمتم قادرينٍ لتدَّخروا لأنفسكم ما فيه لكم النفع يوم القيامة (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعُ فِيهِ) ، فتشتروا ما فيه نجاتكم (وَلَا خُلَّةٌ))، صداقة ومحبة (وَلَا شَفَاعَةٌ)، مؤثّرة إلا لمن أذن اللّٰه له (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، إذ كذَّبوا الرسل وعصوا النُّذُر. [٢٥٥] اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ)، أي: لا معبود بحق إلا هو (الْحَيُّ)، الحيّ خلاف الميت، وله تعالى الحياة الكاملة لا يزول ولا يحول ولا يلحق حياته نقص (الْقَيُّومُ)، القائم بتدبير الخلق وحفظه ( سِنَةٌ))، النعاس: وهو ما يتقدم النوم من الفتور وانطباق العينين مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، لا أحد من عباده يقدر أن ينفع عند اللّٰه أحدًا منهم بشفاعة أو غيرها ما لم يأذن اللّٰه للشفيع أن يشفع (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ)، قُدَّامهم من الآخرة (وَمَا خَلْفَهُمْ))، من الدنيا (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ)) ورد عن ابن عباس: الكرسي موضع القدمين. وورد عند البخاري عن سعيد بن جبير: كرسيه: عِلْمُه، ورجحه الطبري، وفي قولٍ: الكرسي هو العرش نفسه (وَلَا يَتُودُهُ حِفْظُهُمَا)، معناه: لا يثقل على اللّٰه تعالى حفظهما ولا يناله منه أدنى مشقة (الْعَلِيُّ)، العالي عن خلقه بارتفاعه عنهم وقدرته عليهم، والقاهر: الغالب. وتسمى هذه الآية: آية الكرسي، وورد في السنة الصحيحة أنها أعظم آية في القرآن. فعن أبي بن كعب أن النبي وَلِيه سأله: ((أي آية معك من كتاب اللّٰه أعظم؟ قال: آية الكرسي، قال: لِيَهْنِكَ العِلْمُ أبا المنذر». وعن أسماء بنت ١٠٠٠ .. السكن قالت: ((سمعت رسول اللٰه وَلِيِ يقول في هاتين الآيتين: (اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (الم. اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ): إن فيهما اسم اللّٰه الأعظم». [٢٥٦] (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، أي: لا تُكرهوا أحدًا من الناس على الدخول في الإسلام [إذا أدى الجزية] وقد ورد: أن الأنصار قالوا: إنما جعلنا أولادنا على دين اليهود، ونحن نرى أن دينهم أفضل من ديننا، وإن اللّٰه جاء بالإسلام فلنُكْر هنّهم عليه، فلما نزلت خَيَّر الأبناءَ رسولُ اللّٰه وَلِيه ولم يكرههم على الإسلام (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)، الرشد هنا: الإيمان، وايالاوت الموا الكتمين ولان وامع الوكل رأس في الضلال (وَيُؤْمِنْ بِاللهِ )، بعدما تميز له الرشد من الغي (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى)، [العروة: طرف الحبل إذا ربط على هيئة الحلقة، يمسك بها من ينزل في بئر أو يصعد منها، والمراد بها: هنا وسيلة النجاة] والوثقى: شديدة الربط لا أوثق منها (لا انْفِصَامَ لَهَاءَهه، أم .. لا انحلال لها فلا يهلك صفحة 43 المتعلق بها بل يصل بتمسكه بها إلى الجنة، ولا ينقطع عن الجنة إلا من لم يتمسك بها. ٢٥٧]اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)، ناصرهم (يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)، من الشُّبَه المُضِلة والجهل وعبادة الطواغيت إلى العلم والهداية والإيمان (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ)، أولياؤهم هنا: أئمة الكفر وفلاسفته، يأمرونهم ويزينون لهم الكفر والإلحاد، يخرجونهم من النور - الذي هو فطرة اللّٰه التي فطر الناس عليها، وما جاء به أنبياء اللّٰه تعالى من الدعوة إلى العقائد الصادقة، والشرائع الصالحة - إلى ظلمات الكفر. [٢٥٨] (الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ )، قيل: إنه النمروذ، وكان ملكًا بالعراق (أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ)، أبطره وأورثه الكبر والعتو، فحاجّ لذلك ( قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ»، عن ابن عباس: أتى برجلين فَقَتَل أحدَهما وعفا عن الآخر، وادَّعى أنه أحيا وأمات. وذلك مغالطة؛ لأن إبراهيم أراد أن اللّٰه هو الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد، وأراد الكافر أنه يقدر أن يعفو عن القتل، فيكون ذلك إحياء، وعلى أن يقتل فيكون ذلك إماتة، فكان هذا جوابًا أحمق لا يصح نصبه مقابلة حجة إبراهيم (قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ)، أتاه إبراهيم بهذه الحجة التي لا تجري فيها المغالطة، ولا يتيسر للكافر أن يخرج عنها بمخرج مكابرة ومشاغبة (فَبُهِتَ))، انقطع وسكت متحيَّرًا. [٢٥٩](أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ)، هو عُزيرٌ من أبناء بني إسرائيل، مرَّ على قرية من أرض بيت المقدس بعد تخريب بخْتُنصَّر لها (خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا)، العروش: السقوف، سقطت السقوف ثم سقطت الحيطان عليها، وقيل: معناه خالية من الناس، والبيوت قائمة (أَنَّى يُحْسِي هَذِهِ اللهُ)، استبعاد لإحيائها وهي على تلك الحالة المشابهة لحالة الأموات، استبعد إحياءها بالعمارة لها والسكون فيها، وقيل: المراد أنه استبعد إحياء أهلها (فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامِ ثُمَّ بَعَتَهُ)، ضرب له المثل في نفسه (قَالَ كَمْ لَبِئْتَ)، أي: قال اللّٰه تعالى له بعد بعثه: كم مدة بقائك ميتًا؟ (قَالَ لَثْتُ يَوْمَا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)، قال هذا بناء على ما عنده، وفي ظنه [ظنَّ أنه نام نومةً ثم قامَّم (قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ)، ميتًا {فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّه) لم يتغير الطعام والشراب مع طول المدة بقدرة اللّٰه تعالى [على خرق العوائد ومخالفة ما جعله في خلقه من السنن الكونية] (وَانْظُرْ ال حمَارِكَ)، كيف تفرقت أجزاؤه، ونخرت عظامه [فشاهد كيف نحييه لك وأنت تنظر] (وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ) دلالة على البعث بعد الموت، وقيل: موضع كونه آية هو أنه جاء شابًّا على حاله يوم مات، فوجد أبناءَه وحفدته شيوخًا (وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا)، أي: نرفع بعضها إلى بعض فيتركب كل عظَم في مكانِهِ (ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا)، أي: نسترها به، فأول ما خلق اللٰه عيناه، فجعل ينظر إلى عظامه ينضم بعضها إلى بعض، ثم كسيت لحمًا، ثم نفخ فيه الروح (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ)، أي: لما اتضح له عيانًا ما كان مستبعدًا في قدرة اللّٰه عنده قبل عيانه (قَالَ أَعْلَمُ)، معناه: أعلم هذا الضرب من العلم الذي لم أكن علمته، وهو طمأنينة القلب. [٢٦٠] (أَرِنِي)، لم يرد رؤية القلب، وإنما رؤية العين، لتحصل له الطمأنينة ( أَوَلَمْ تُؤْمِنْ)، بأني قادر على الإحياء حتى تسألني أن تنظر إليه (قَالَ بَلَى)، علمت وآمنت بأنك قادر على ذلك (وَلَكِنْ)، سألت (لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)، باجتماع دليل العيان إلى دلائل الإيمان. ولم يكن شاكًا في إحياء الموتى قط، وإنما طلب المعاينة ١٠١ ح.ا.ت عليه النفوس من حُبّ صفحة 44 الاطمئنان برؤية ما أُخْبِرتْ عنه، ولهذا قال النبي وَلِفِهِ ( ليس الخبر كالمعاينة»، عن ابن عباس أنه قال: ((ما في القرآن عندي آية أرجى منها)» (فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ)، أي: جمعهن إليك، ثم قطِّع كل واحد منهن قطعًا (ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا)، أي: ثم اجعل على كل جبل من كل واحد منهن جزءًا ( ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا)، المراد به: الإسراع في الطيران، عن ابن عباس تَ الَّة قال: وضعهُن على سبعة أجبل، وأخذ الرؤوس بيده، فجعل ينظر إلى القطرة تلقى القطرة، والريشة تلقى الريشة، حتى صرن أحياء. [٢٦١] (فِي سَبِيلِ اللهِ)، في الجهاد لإعلاء كلمة اللّٰه ( كَمَثَلٍ حَبَّةٍ)، أي: كمثل زارع حبة، والمراد بالسبع السنابل: هي التي تخرج في ساق واحد، يتشعب منه سبع شعب، في كل شعبة سنبلة (وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ)، يضاعف السبعمائة أضعافًا كثيرة، لمن راعى ما دلت عليه الآيات التالية من الآداب، إذا أنفق لرفع كلمة الله. وقد ورد القرآن أن الحسنة بعشر أمثالها، واقتضت هذه الآية بأن نفقة الجهاد حسنتها سبعمائة ضعف، فتكون العشرة الأمثال فيما عدا ذلك [روى الإمام أحمد عن عياض بن غطيف قال: دخلنا على أبي عبيدة نعوده من شكوى أصابته بجنبه، وامرأته قاعدة عند رأسه. قلنا: كيف بات أبو عبيدة؟ قالت: والله لقد بات بأجرٍ، قال أبو عبيدة: ما بتُّ بأجرٍ. وكان مقبلًا بوجهه على الحائط. فأقبل على القوم بوجهه وقال: ألا تسألوني عمَّا قلت؟ سمعت رسول اللّٰه وعَلِّي يقول: من أنفق نفقةً فاضلةً في سبيل اللّٰه فبسبعمائة، ومن أنفق على نفسه، أو عاد مريضًا، أو أماط أذى فالحسنة بعشر أمثالها، والصوم جُنَّةٌ مالم يخرقها، ومن ابتلاه اللّٰه وجاك ببلاء في جسده فهو له حطة]. [٢٦٢] (لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنَّا وَلَا أَذَّى)، المَنُّ: التحدث بما أعطى حتى يبلغ ذلك الآخذ فيؤذيه. والمنُّ من الكبائر، والأذى: السب والتطاول (عِنْدَ رَبِّهِمْ)، فيه تأكيد وتشريف (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ)، في الدارين (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)، يفيد دوام انتفاء الحزن عنهم [وروى مسلم عن أبي ذرّ أن النبي وَالي قال: ((ثلاثة لا يكلمهم اللّٰه يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المنّان بما أعطى، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب»]. [٢٦٣](قَوْلٌ مَعْرُوفٌ)، من المسئول للسائل، وهو التانيس والترجية بما عند الله، والرد الجميل، خير من الصدقة التي يتبعها أذى. وا . ١• بالمغفرة: الستر لسوء حالة المحتاج، والعفو عن السائل إذا صدر منه من الإلحاح ما يكدر صدر المسئول. [٢٦٤] (لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ)، الإبطال للصدقات: إذهاب أثرها وإفساد ثوابها، فالمنُّ يبطلها والأذى والرياء (كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِثَاءَ النَّاسِ)، أي: ينفق مرائيًا لا يقصد بذلك وجه اللّٰه وثواب الآخرة، بل يفعل ذلك لمجرد أن يراه الناس، استجلابًا لثنائهم عليه ومدحهم له (فَمَثَلُّهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ)، الصفوان: الحجر الكبير الأملس (عَلَيْهِ تُرَابُّ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ)، والوابل: المطر الشديد (فَتَرَكَهُ صَلْدًا)، أصابه وابل من المطر أذهب عنه التراب، وبقي أجرد نقيًّا، فكذلك هذا المرائي، فإن نفقته لا تنفعه [بثواب، ولم يبق ماله، كالصخر الذي لم ينبت عليه ولم يبق عليه ترابه] (لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا)، أي: لا يقدر المنان والمؤذي والمرائي على الحصول على أجر ما أنفقوه، ولا على استرجاعه بعد إنفاقه. وهم قد تعبوا في اكتسابه من قبل. [٢٦٥] (وَتَثْبِتًا مِنْ أَنَّفُ م:)، ثُبتون من أنفسهم يبذل أموالهم صفحة 45 على الإيمان وسائر العبادات رياضةً لها وتدريبًا وتمرينًا، قال الحسن: كان الرجل إذا همَّ بصدقة تثبَّت: فإن كان لله أمضاه، وإن كان لغير ذلك أمسك، وقيل: معناه: إن أنفسهم لها بصائر، فهي تثبتهم على الإنفاق في طاعة اللّٰه تثبيتًا، فإنهم عند التصدق بنظرون، فإن كانت لله أمضوها، وإلا أمسكوا (كَمَثَل جَنَّةٍ)، الجنة: البستان، تنبت فيها الأشجار حتى تغطيها (بِرَبْوَةِ)، الربوة: المكان المرتفع ارتفاعًا يسيرًا؛ لأن نباتها يكون أحسن من غيره، مع كونه لا يصطلمه البرد في الغالب، للطافة هوائه بهبوب الرياح الملطفة له، والوابل: المطر الشديد كما تقدم (فَاتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ)، مثلَي ما كانت تثمر، بسبب الوابل [وهكذا المؤمن إذا أكثر اللّٰه له الخير أكثر من الصدقة ابتغاء وجه الله، وإذا أصابه من الخير قليل فإنه يبذل من صدقته ولا بقطعها ] ونفعها عند اللّٰه كثير بعد أن يطلب بها وجه اللّٰه ولو كانت قليلة (فَطَلٌّ)، أي: فإن الطَّلِّ يكفيها: وهو المطر الضعيف المستدق القطر. [٢٦٦] (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)، أي: من تحت أشجارها، وخص النخيل والأعناب بالذكر مع قوله: (لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ)، لكونهما أكرم الشجر (وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ)، وكبر السن هو مظنة شدة الحاجة؛ لما يلحق صاحبه من العجز عن تعاطي الأسباب (وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ)، فإن من جمع بين كبر السن وضعف الذرية كان تحسره على تلك الجنة في غاية الشدة، [إذ ليس له قوة فيعيد غرس بستانه حتى يعود كما كان، وليس عند ولده قدرة] ( فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ)، الإعصار: الريح الشديد التي تهب من الأرض إلى السماء كالعمود، وهي التي يقال لها: الزوبعة، فإذا كانت فيه نار أتت على الشجر وأحرقته. وهذه الآية تمثيل لمن يعمل خيرًا، ويضم إليه ما يحبطه فيجده يوم القيامة عند شدة حاجته إليه لا يسمن ولا يغني من جوع، بحال من له هذه الجنة الموصوفة، وهو متصف بتلك الصفة [٢٦٧] (أَنْفِقُوا مِنْ طَيَّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ)، من جيد ما كسبتم ومختارِهِ وحلالِه (وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ)، وهي الثمار والحبوب والبقول والمعادن والركاز (وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ)، أي: لا تقصدوا المال الرديء (مِنْهُ تُتْفِقُونَ)، أي: لا تخصوا الخبيث بالإنفاق {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ)، أي: والحال أنكم لا تأخذونه في معاملاتكم في وقت من الأوقات (إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ)، أي: لو وجده أحدكم في ال . ة. . اع، أو لو أن أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطى، لم يأخذه إلا على إغماض وكره. ٢٦٨] (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ)، يخوفكم الفقر لئلا تنفقوا (وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ)، المعاصي والإنفاق فيها، والبخل عن الإنفاق في الطاعات. والفاحش عند العرب: البخيل؛ لشدة قبح البخل عندهم (وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ)، المغفرة: ستر اللّٰه على عباده لذنوبهم في الدنيا والآخرة (وَفَضْلًا))، الفضل: أن يخلف عليهم أفضل مما أنفقوا، فيوسع لهم في أرزاقهم، وينعم عليهم في الآخرة بما هو أفضل وأكثر، وأجل وأجمل. [٢٦٩](يُؤْتِي الْحِكْمَةَ)، هي العلم، وقيل: الفهم [للأمور، ومن أولاها علم القرآن والسنة] وقيل: الحكمة الإصابة في القول (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا*، عظيمًا قَدْرُهُ جليلًا خَطَرُهُ [أي: لأن صاحبها يضه الأمور في مواضعها، ويزن كل أمر بقدره، ويُحْسِنُ التَّأَنِّي للأمور. وفي ذلك كل الخير له ولمن حوله من الناس، لحسن ما يصنع، وجليل م١.ذم، ويدعو إليه]. صفحة 46 [٢٧٠] (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ)، أي: فإن اللّٰه يعلمها ويجزيكم عليها (أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ)، النذر: التزام الإنسان طاعة لله لم يلزمه بها. فتجب عليه بذلك (فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ)، فيه معنى الوعد والوعيد (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ)، أي: لا نصير للظالمين أنفسهم بما وقعوا فيه من الإثم لمخالفة الأمر بالإنفاق والوفاء بالنذر. [٢٧١] (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ)، أي: إن تظهروا الصدقات، فذلك شيء حسن (وَإِنْ تُخْفُوهَا)، نخرجوها سرًّا وتصيبوا بها مصارفها من الفقراء فالإخفاء خير لكم. وذلك في صدقة التطوع لا في صدقة الفرض فلا فضيلة للإخفاء فيها، بل قد قيل: إن الإظهار فيها أفضل (وَيُكَفَّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ )، بصدقة السرّ وصدقة العلانية. في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي للي قال: «سبعة يظلهم اللّٰه في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجلان تحابّا في اللّٰه اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل قلبه معلّق بالمسجد إذا خرج منه حتى بعود إليه، ورجلٌ ذكر اللّٰه خاليًا ففاضت عيناه، ورجلٌ دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل صدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)). [٢٧٢] (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ)، أي: ليس بواجب عليك أن تجعلهم مهديين قابلين لما أمروا به ونهوا عنه (وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)، هداية توصله إلى المطلوب (مِنْ خَيْرِ)، كائنًا ما كان (فَلِأَنْفُسِكُمْ)، فنفعه عائد إليكم لا ينفع اللّٰه شيئًا (وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ)، بين أن النفقة المعتد بها المقبولة إنما هي ما كان لابتغاء وجه اللّٰه (يُوَفَّ إِلَيْكُمْ))، أجره وثوابه على الوجه الذي تقدم ذكره من التضعيف. [٢٧٣] (لِلْفُقَرَاءِ)، أي: اجعلوا ذلك للفقراء (الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ، بالغزو أو الرِّباط أو الدَّفع (لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ)، للتكسب بالتجارة والزراعة، ونحو ذلك بسبب انشغالهم بشأن الجهاد وحصر أنفسهم له، أو مجرتهم ليكونوا في طاعة اللّٰه ورسوله كأهل الصُّفَّة (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ)، لكونهم متعففين عن المسألة، وعن إظهار المسكنة، بحيث يظنهم الجاهل بهم أغنياء، أما الحكيم فيعرفهم بعلاماتهم (تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ)، بضعف أبدانهم، وكل ما يشعر بالفقر والحاجة (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا)، أي: ليسوا كغيرهم ممن يسأل الناس إلحافًا، بل هم لا يسألونهم ألبتة، لا سؤال إلحاح، ولا سؤال غير إلحاح لت-ذن. [٢٧٤] (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) ، لزيادة رغبتهم في الإنفاق، وشدة حرصهم عليه، حتى إنهم لا يتركون ذلك ليلًا ولا نهارًا، ويفعلونه (سِرَّا وَعَلَانِيَةً)، عند أن تنزل بهم حاجة المحتاجين (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ). [٢٧٥] (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا)، غالب ما كانت تفعله الجاهلية أنه إذا حل أجل الدين قال من هو له لمن هو عليه: أتقضي أم تُرْبِي؟ فإذا لم يقض زاد مقدارًا في المال الذي عليه، وأخر له الأجل إلى حين. وهذا حرام بالاتفاق، وهذا الوعيد لمن يأكله، وألحق الحديث بالآكل غيره، قال النبي وَلِيه: ((لعن اللّه اكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء)) ولا يَقُومُونَ)، أي: يوم القيامة (الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ)، كالمصروع، قالوا: إنه يبعث كالمجنون عقوبة له وتمقيتًا عند أهل المحشر؛ لأن الحرص والطمع والرغبة في الجمع قد استفزته في الدنيا حتى صار شبيهًا في حركته بالمجنون. والخبط: الضرب بغير استواء كخبط المصروع، والمس: الجنون، هكذا -الم . ~ عقوبتهم بسبب قولهم: صفحة 47 (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا)، أي: أنهم جعلوا البيع والربا شيئًا واحدًا، [أيٍ: لأن الإنسان يربح في هذا كما يربح في هذا] (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)، أي: هذا هو الفرق بينهما، أي: أن اللّٰه أحل البيع وحرم نوعًا من أنواعه، وهو البيع المشتمل على الربا. [وإنما أجابهم بهذا الجواب لقطع مشاغبتهم وفصل الكلام معهم، فإن شأن المؤمن أن يطيع أمر اللّٰه فيما آمره ونهاه دون جدال، وإلا فإن مفاسد الربا ومحاسن البيع والتجارة مما لا يخفى، فكيف يقولون: البيع مثل الربا؟] (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ))، منها ما وقع هنا من النهي عن الربا (فَانْتَهَى)، أي: فامتثل وانزجر (فَلَهُ مَا سَلَفَ)، أي: ما تقدم منه من الربا لا يؤاخذ به؛ لأنه فعله قبل أن تنزل آية تحريم الربا (وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ في العفو عنه وإسقاط التبعة فيه (وَمَنْ عَادَ)، إلى أكل الربا والمعاملة به، وقيل: عاد إلى القول بأن البيع مثل الربا ( فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، أي: بطولِ بقائهم فيها. [٢٧٦] (يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا)، أي: يذهب بركته في الدنيا وإن كان كثيرًا (وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ)، أي: يزيد في المال الذي أخرجت صدقته، ويبارك في ثوابها ويضاعفه، ويزيد في أجر المتصدق (وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيم)، لأن الحب مختص بالتوابين، وفيه تشديد وتغليظ عظَّيم على من أربى وقال تلك المقالة، حيث حكم عليه بالكفر، قال النبي وَالِيه: ((من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب -ولا يقبل اللّٰه إلا طيبا- فإن اللّٰه يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربِّي أحدكم فَلُوَّهُ، حتى تكون له مثل الجبل». [٢٧٨] (وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا)، أي: اتركوا البقايا التي بقيت لكم من الربا. وظاهره: أنه أبطل من الربا ما لم يكن مقبوضًا (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، على الحقيقة، فإن ذلك ستلزم امتثال أوامر اللّٰه واجتناب نواهيه. [٢٧٩] (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) ما أمرتم به من الاتقاء وترك ما بقي من الربا (فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ) ، فعلى إمام المسلمين أن يعلن عليهم الحرب حتى يتركوا. عن ابن عباس قال: من كان مقيمًا على الربا لا ينزع منه، فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه، وقد دلت هذه الآية على أن أكل الربا والعمل به من الكبائر (وَإِنْ تُبْتُمْ)، أي: من الربا (فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ)، تأخذونها (لَا تَظْلِمُونَ)، غرماءكم بأخذ الزيادة (وَلَا ظْلَمُونَ)، أنتم من قبلهم بال. ماا . النقص. [٢٨٠] (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ)، أي: إن كان المدين معسرًا لا يجد مالا يوفي به دينه (فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ)، والنَّظِرَة: التأخير، والميسرة بمعنى اليسر ووجود المال، وهي عامة في جميع من عليه دين (وَأَنْ تَصَدَّقُوا) على المعسر من غرمائكم بالإبراء بإسقاط الدين عن المدينين المعسرين خير من مطالبتهم في الحال، وخير من إنظارهم إلى أجل. [٢٨١] وَاتَّقُوا يَوْمَا)، هو يوم القيامة (تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ، هو يومٍ الموت. عن ابن عباس قال: ((آخر آية نزلت من القرآن، (وَاتَّقُوا يَوْمَا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ) وكان بين نزولها وبين موت النبي وَيّي واحد وثلاثون يوما»، وعن النبي وَلِّّه قال: ((كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسرًا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه لعل اللّٰه يتجاوز عنا، فتجاوز اللّٰه عنه». [٢٨٢] (إِذَا تَدَايَتُمْ بِدَيْنِ)، العين عند العرب ما كان حاضرًا، والدين ما كان غائبًا (إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى)، وقد استدل به على أن الأجل المجهول لا يجوز وخصوصًا أجل السَّلَم (فَاكْتُبُوهُ»، أي: الدَّين بأجله؛ لأنه أدفع للنزاع وأقطع للخلاف (وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ)، أمر للم ١ ١... .اختيار كاتب لا يكون صفحة 48 في قلبه ولا قلمه هوادة لأحدهما على الاخر، بل يتحرى الحق بنيهم والمعدلة فيهم (وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ)، لا يمتنع أحد من الكتاب أن يكتب كتاب التداين (كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ)، أي: على الطريقة التي علمه اللّٰه من الكتابة، أو كما علمه اللّٰه بقوله بالعدل {وَليُمْلِل الذِي عَلَيْهِ الحَق، هو من عليه الدين، أمره اللّٰه تعالى بالإملاء، لأن الشهادة إنما تكون على إقراره بثبوت الدين في ذمته، وأمره اللّٰه بالتقوى فيما يمليه على الكاتب، ونهاه عن البخس وهو النقص، وقيل: إنه نهيٌّ للكاتب (فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقَّ سَفِيهًا )، والسفيه: هو سيّء التصرف (أَوْ ضَعِيفًا)، الضعيف: هو الشيخ الكبير، أو الصبي، أو مذهول العقل، والذي (لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ)، هو الأخرس، أو العيي الذي لا يقدر على التعبير كما ينبغي ( فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ)، أي: يملي عن المذكورين من الضعفاء أولياؤهم وأوصياؤهم (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ)، أي: اطلبوا رجلين مسلمين يشهدان على وثيقة الدين. والإشهاد على المداينة واجب بهذه الآية، وقيل: إنه مندوب (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا))، أي: الشاهدان (رَجُلَيْن فَرَجُلٌ وَامْرَ أَنَانِ)، أي: فليشهد رجل وامرأتان، وهذا أقل نصاب في الشهادة في المعاملة، (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ)، أي: ممن ترضون دينهم وعدالتهم { أَنْ تَصِلّ إِحْدَاهُمَا)، والضلال عن الشهادة: نسيانها أو نسيان جزء منها وذكر جزء (فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى)، إن ضلَّت هذه ذكرتها هذه، وإن ضلَّت هذه ذكرتها هذه؛ لما يحلقها من ضعف النساء، بخلاف الرجال. وربما ضلَّت هذه عن وجه، وضلَّت تلك عن وجه آخر، فذكَّرَت كل واحدة منهما صاحبتها (وَلَا يَأْبَ الشَّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا)، أي: لأداء الشهادة التي قد تحملوها من قبل، وقيل: إذا ما دعوا لتحمل الشهادة (وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ نَكْتُبُوهُ»، أي: لا تملُّوا أن تكتبوا الدين الذي تداينتم به؛ لأنهم ربما ملوا من كثرة المداينة أن يكتبوا، ثم بالغ في ذلك فقال: (ذَلِكُمْ)، أي: الكتابة (أَقْسَطُ)، أعدل، أي: أصح وأحفظ (وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ)، أي: أعون على صحة الشهادة وأثبت لها (وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا)، الكتاب الذي يكتبونه يدفع ما يعرض الهم من الريب كائنًا ما كان (تِجَارَةً حَاضِرَةً)، بحضور البدلَيْن: السلعة، والثمن ( تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ)، تتعاطونها يدًا بيد، فالمراد: التبايع الناجز يدًا بيد، فلا حرج عليكم إن تركتم كتابته (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ )، أي: في هذا التبايع وهو التجارة الحاضرة الإشهاد يكفي، وقيل: معناه: إذا تبايعتم أي: تبايع كان حاضرًا أو دينًا فأشهدوا [وكان 1.. .،. .إذا باع بنقدٍ أشهد، وإذا باع بنسيئة كتب] (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ))، بالتحريف والتبديل والزيادة والنقصان في كتابته. ويحتمل أن يكون الضرر المنهي عنه من المتبايعين، نُهِيَا أن يُضرّا بالكاتب والشهيد، بأن يُدْعَيَا إلى ذلك وهما مشغولان بمهمِّ لهما، ويُضَيَّقَ عليهما في الإجابة، ويؤذيا إن حصل منهما التراخي، أو يطلب منهما الحضور من مكان بعيد (وَإِنْ تَفْعَلُوا )، أَي: ما نهيتم عنه من المضارة (فَإِنَّهُ)، أي: فعلكم هذا (فُسُوقٌ بِكُمْ)، أي: خروج عن الطاعة إلى المعصية (وَيُعَلَّمُكُمُ اللهُ)، ما تحتاجون إليه من العلم في هذه الآيات وغيرها. [٢٨٣] (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ )، نص على حالة السفر، ويلحق بذلك: كل عذر يقوم مقام السفر يحول دون الكتابة والإشهاد (وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا)، في سفركم (فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ)، ذهب الجمهور إلى اعتبار القبض كما صرح به القرآن، فلا يتم الرهن إلا بقبضه. وذهب مالك إلى أنه يصح الارتهان بالإيجاب والقبول من دون قبض (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا)، واستغنى بأمانته عن الارتهان ( فَلْيُؤَدٍّ الَّذِي اوْتُمِنَ)، وهو ٠١٠١١. . (أَمَانَتَهُ) أي: الدين الذي صفحة 49 عليه (وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ)، في ألا يجحد من الحق شيئًا (وَمَنْ بَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ)، فاجر لا يبالي أن يقع في معصية الله؛ لأنه بكتم الشهادة قد يفقد صاحب الحق حقه. [٢٨٤] (يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ)، يحاسب العباد على ما أظهروه، وما أضمرته أنفسهم من الأمور التي يحاسب عليها [ككتمان الشهادة والشك في الدين والنفاق والتكذيب ونحوه، أما إذا حدَّث العبدُ نفسَه بأن يفعل المعصية ثم لم يفعلها فهي عفو؛ لحديث ((إن اللّٰه غفر لهذه الأمة ما حدّثَتْ به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به»]. [٢٨٥] (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أَنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ)، لما ذكر اللّٰه سبحانه في هذه السورة أحكامًا كثيرة ذكر تعظيم نفسه سبحانه بقوله: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) ثم ذكر تصديق نبيه وال يا ثم ذكر تصديق المؤمنين بجميع ذلك فقال: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ)، أي: صدّق الرسول بجميع هذه الأشياء التي جرى ذكرها، وكذلك المؤمنون كلهم صدقوا بالله (وَمَلَائِكَتِهِ)، أي: من حيث وجودهم، وكونهم عباده المكرمين المتوسطين بينه وبين أنبيائه في إبلاغهم عن اللّٰه تعالى (وَكُتُبِهِ)، لأنها المشتملة على الشرائع التي تعبَّدَ بها عباده (وَرُسُلِهِ)، لأنهم المبلغون لعباده ما نزل إليهم (لا نُفَرِّقُ)، والمعنى: يقولون: لا نفرق (بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ)، [وأحدٍ آخر بل نؤمن بهم جميعًا] (وَقَالُوا)، أي: ويقول الرسول والمؤمنون (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا)، أي: أدركنا بأسماعنا، وفهمناه وأطعنا ما فيه، وأجبنا دعوتك يا ربنا (غُفْرَانَكَ)، أي: اغفر لنا يا ربنا. [٢٨٦] (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا))، التكليف هو الأمر بما فيه مشقة وكلفة، والوسع: الطاقة ( لَهَا مَا كَسَبَتْ)، أي: لها ثواب ما كسبت من الخير (وَعَلَيْهَا)، وزر ( مَا اِكْتَسَبَتْ)، من الشر، ويقولون: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)، ورد في الحديث: أن الصحابة لما دعوا بهذا الدعاء قال اللّٰه تعالى: ((قد فعلت))، فرفع عنهم إثم الخطأ والنسيان، فلا يختلف أن الإثم مرفوعٍ في حالتي الخطأ والنسيان (وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا))، الإصر: التكليف الشاق، والأمر الغليظ الصعب، وشدة العمل، كما غلظ على بني إسرائيل من قتل الأنفس، وقطع موضع النجاسة. والآية تعلم المؤمنين أن يطلبوا من اللّٰه سبحانه ألا يحمّلهم من ثقل التكاليف ما حمَّل الأمم قبلهم (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ)، ٨٠٠١ . !١: الشاق الذي لا يكاد يستطاع من التكاليف (وَاعْفُ عَنَّا)، أي: عن ذنوبنا بمحوها ومسامحتنا (وَاغْفِرْ لَنَا)، أي: استر علينا ذنوبنا (وَارْحَمْنَا)، أي: تفضل برحمة منك علينا (أَنَّتَ مَوْلَانَا)، أي: ولينا وناصرنا، وأنت سيدنا ونحن عبيدك (فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)، فإن من حق المولى أن ينصر عباده. ثبت في الصحيح عن النبي وَلِيِ أن اللّٰه تعالى قال عقب كل دعوة من هذه الدعوات: (قد فعلت)) فلم يؤاخذهم بشيء من الخطأ والنسيان، ولا حمل عليهم شيئًا من الإصر الذي حمله على من قبلهم، ولا حمَّلهم ما لا طاقة لهم به، وعفا عنهم، وغفر لهم، ورحمهم، ونصرهم على القوم الكافرين، والحمد لله رب العالمين. [اللهم اجعلنا ممن اكرمته بهذه الهبات]. عن ابن عباس قال: ((بينا رسول اللّٰه ويَدّ وعنده جبريل، إذ سمع نقيضًا، فرفع جبريل بصره فقال: هذا باب قد فُتح من السماء ما فُتح قط. قال: فنزل منه ملك، فأتى النبي واِيةِ فقال: أبشر بنورين، قد أوتيتَهما، لم يؤتَهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة ا1.ة. ة، ان تقرأ حرفًا منهما إلا أوتيتَه)». صفحة 50 تفسير سورة آل عمران هي مدنية بالإجماع، صدرها إلى ثلاث وثمانين آية نزل في وفد نصارى نجران، وكان قدومهم في سنة تسع من الهجرة، وكانوا ستين راكبًا، فيهم ١٤ رجلًا من أشرافهم، فيهم السيِّد والعاقب، وجادلوا محمدًا وَلِّي في عيسى وعقائدهم النصرانية، فنزل في هذه السورة ما يبين الحق فيما كانوا يزعمون. [١] (الم) تقدم تفسيرها أول سورة البقرة. [٢] (اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)) تقدم تفسير هذين الاسمين [سورة البقرة الآية ٢٥٥]. [٣] {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ) أي: ( بِالْحَقِّ) بالصدق وبالحجة الغالبة (مُصَدِّقًا) موافقًا (لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) أي: من الكتب المنزلة (وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ) على موسى وعيسى اليَاقا . [٤] (مِنْ قَبْلُ) أَي: من قبل تنزيل القرآن (هُدَّى لِلنَّاسِ) أي: لأجل هداية البشر جميعًا، وهذه الأمة متعبَّدة بما لم ينسخ من الشرائع السماوية [إذا ورد ذكرها في القرآن أو السنة الصحيحة على وجه الإقرار لها ولم تُنسخ] (وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ) أي: الفارق بين الحق والباطل من أمر عيسى وغيره، والفرقان: هو القرآن (ذُو انْتِقَام) عظيمٍ، والنقمة: السطوة، يقال: انتقم منه: إذا عاقبه بسبب ذنَب قد تقدّم منه. [٦] (هُوَ الَّذِي يُصَوَّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ) من ذكر أو أنثى، حسن وقبيح، أسود وأبيض، وطويل وقصير [وتشكيل أعضائهم من العين والأذن والأنف والأطراف وغير ذلك]. [٧](الْكِتَابَ) هو القرآن (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ) المحكم: ما لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا من التفسير، فليس بمكن فيه تحويل ولا تحريف عما وضع له، والمتشابه: مكن فيه تصريف أو تحريف أو تاويل، والخفاء أو عدم الظهور أو الاحتمال أو التردُّد يوجب التشابه (هُنَّ أمُّ الْكِتَابِ) أي: أصله الذي يعتمد عليه، ويردُّ ما خالفه إليه (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) الزيغ: الميل عن الحق (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) أي: يتعلقون بالمتشابه من الكتاب فيشككون به على المؤمنين، ويجعلونه دليلًا على ما هم فيه من البدعة (ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ) طلبًا منهم لفتنة الناس في دينهم والتلبيس عليهم (وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) أي: طلبًا لتأويله على الوجه الذي يريدون ويوافق مذاهبهم الفاسدة (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ ف الْعِلْمِ) قال ابن عباس: أنا ممن يعلم تأويله، ومعناه: والراسخون في العلم يعلمونه قائلين (آمَنَّا بِهِ) جميعًا، محكمِهِ ومتشابهه، أي: فكله من اللّٰه فلا يختلف، فنردُّ المتشابه الذي يحتمل حقًّا وباطلًا إلى المحكم الذي لا يحتمل إلا الحق، فيتبين بذلك المعنى المراد بالمتشابه [نزلت في نصارى نجران، قالوا: إن اللّٰه تعالى يقول عن نفسه في القرآن: (نحن وإنا) وذلك للجماعة، فهو ثالث ثلاثة، تعالى الله]، فأمرهم برد هذا إلى المحكم نحو قوله (قل هو اللّٰه أحد) ونحو (إنما اللّٰه إله واحد) وفي قول: الراسخون في العلم لا يعلمون تأويل المتشابه، والمراد بالمتشابه: نحو موعد قيام الساعة وماهية الروح، ونحو ذلك مما لا يعلمه البشر. [٨] ( رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا) من تمام ما يقوله الراسخون أي: يقولون ربنا لا تزغ قلوبنا باتباع المتشابه كما زاغت قلوب الذين يتبعون المتشابهات (بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا). [٩] (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ) أي: باعثهم ومحيبهم (لِيَوْمِ) هو يوم القيامة، أي: لحساب يوم (لَا رَيْبَ فِيهِ) أي: لا شك في وقوعه ووقوع ما فيه منِ الحساب والجزاء، أي: أن الوفاء بالوعد ش أن ١٧١ه، لا شك في ذلك. صفحة 51 [١٠] (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا)) أي: لن تفيدهم عنده، ولن تنجيهم من عذابه (وَأَولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ) حطب جهنم الذي تسعر به. [١١ ] ( كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ) أي: كعادة آل فرعون وكشأنهم وحالهم مع موسى، أي: لم تغن عنهم أموالهم وأولادهم غناء، كما لم تغنٍ عن آل فرعون {وَالَذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) من الأمم الكافرة (كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأْخَذَهُمُ اللهُ ) [عاقبهم العقوبات المهلكة] (بِذُنُوبِهِمْ) التي من جملتها تكذيبهم. [١٢ ] (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) قيل: هم اليهود، وقيل: هم مشركو مكة (سَتُغْلَبُونَ) وقد صدق اللّٰه وعده بقتل بني قريظة، وإجلاء بني النضير، وفتح خيبر، وإجلاء أهلها وغيرهم من أهل الكتاب من جزيرة العرب، وضرب الجزية على سائر اليهود، ولله الحمد (وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) [ساء المستقر لهم والمأوى جهنم]. [١٣ ] (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ)) يا معشر اليهود علامة عظيمة دالة على صدق ما أقول لكم [والخطاب لليهود، ليحذروا يومًا يصيبهم به من اللّٰه مثل ما أصاب أهل مكة في بدر]. والمراد بالفئتين: المسلمون والمشركون لما التقوا يوم بدر (فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأَخْرَى) أي: وفئة أخرى ( كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ) كانوا ثلاثة أمثال المسلمين، فقلَّل اللّٰه المشركين في أعين المسلمين، فأراهم إياهم مثلي عددهم لتقوى أنفسهم. وقد كانوا أَعْلِموا أن المائة منهم تغلب المائتين من الكفار (رَأْيَ الْعَيْنِ) أي: رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها (وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ )) أي: يقوِّي من يشاء أن يقويه، ومن جملة ذلك: تأبيد أهل بدر بتلك الرؤية (إِنَّ فِي ذَلِكَ) أي: في رؤية القليل كثيرًا (لَعِبْرَةً) موعظة جسيمة (لأُولِي الْأَبْصَارِ) [أي: لأهل البصائر النافذة التي تعتبر بما ترى]. [١٤] (زُيِّنَ لِلنَّاسِ) زينها لهم اللّٰه تعالى (حُبُّ الشَّهَوَاتِ) هي المشتهيات [من الأمور المفرحة للقلب يجد فيها لذاته ] (مِنَ النِّسَاءِ) بدأ بهنّ لكثرة تشوق النفوس إليهنّ، وخص البَنِينَ) دون البنات لعدم الاطراد في محبتهن (وَالْقَنَاطِيرِ) جمع قنطار [وهو مائة رطل] وقيل: هو اسم للمال الكثير (الْمُقَنْطَرَةِ) أي: المضاعفة أضعافًا (مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ) المرعيَّة التي تسرح في المروج والمسارح، وقيل: المسوَّمة: المعلَّمة بعلامة تتميز بها عن غيرها احاتها وعراقتها وجميل صفاتها (وَالْأَنْعَامِ) هي الإبل والبقر والغنم {وَالْحَرْثِ) المزارع بما فيها من الأرض والأشجار والزرع (ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي: ذلك المذكور مما يتمتع به في هذه الدار ثم يذهب ولا يبقى (وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) [أي: المرجع الحسنِ للمؤمنين، وهو الجنة وما فيها]. بيا مو ال أت ا ي من كم ينها اليلين اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ) خص المتقين لأنهم المنتفعون بذلك (جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا) خلودًا لا يلحقه موت (وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ) أي: زوجات لا يلحقهن ما يلحق النساء في الدنيا من الحيض والنفاس ونحوهما (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ) ذلك مستمر يأمنون معه من تغير حال النعيم الذي هم فيه؛ لأن اللّٰه تعالى يُحِلّ عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم بعد ذلك أبدًا (وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) فيجازي كلًّا بما يستحق، بحسب إيمانه وعمله. ١٧(الصَّابِرِينَ) صبروا على طاعة الله، وصبروا عن محارمه (وَالصَّادِقِينَ) صدقت نيَّاتهم واستقامت قلوبهم وألستهم في السر والعلانية (وَالْقَانِتيرَ ه. ١١ مطيعون الله الخاشعة له قلويهم صفحة 52 {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ) هم السائلون المغفرة بالأسحار، وقيل: هم المصلون صلاة الفجر، أو صلاة آخر الليل، والسَّحَر هو الوقت من حين يدبر الليل إلى أن يطلع الفجر. [١٨ ( شَهِدَ اللهُ) أي بَيَّنَ وأعلمَ ( أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) فقد دلنا على وحدانيّته بما بيَّن وما خلق {وَالْمَلَائِكَةُ) وشهادتهم: إقرارهم بأنه لا إله إلا اللّٰه {وَأَولَو الْعِلَم) وشهادتهم بمعنى الإيمان منهم وما يقع من البيان للناس على ألسنتهم، وفي ذلك فضيلة لأهل العلم جليلة ومنقبة نبيلة، حيث قرنهم اللّٰه تعالى باسمه واسم ملائكته (قَائِمًا بِالْقِسْطِ) أي: قائمًا بالعدل في جميع أموره أو مقيمًا له وهو اللّٰه تعالى. [١٩ ] (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلَامُ) [ لا يقبل من أحد دينًا غيره] والإسلام هنا: يشمل الإيمان، أي: لأن الإسلامِ هنا هو التصديق والقول والعمل (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أَوتُوا الْكِتَابَ) أي: اختلف اليهود فيما بينهم، والنصارى فيما بنيهم، وتخالَفَ اليهود والنصارى {إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ) الذين في الكتابين السماويِّين، وهذا العلم صريح عندهم بوجوب توحيد الخالق، وطاعته، والاستسلام لأمره (بَغْيَا بَيْنَهُمْ) فيه: الإخبار بأن اختلاف اليهود والنصارى كان لمجرد البغي، والمراد: خلافهم في كون نبينا وَال يِ كان نبيًّا أم لا، واختلافهم في نبوة عيسى، واختلافهم في ذاتِ بينهم، حتى (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ)، كل ذلك سببه الحسد والتباعد من الحق علوًّا واستكبارًا. [٢٠] (فَإِنْ حَاجُّوكَ) أي: النصارى إن جادلوك بالشبه الباطلة، والأقوال المحرفة، فقل: (أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ) أي: أخلصت ديني وعبادتي الله (وَمَنِ اتَّبَعَنِ) أي: كذلك أخلص القَصْدَ أتباعي من المسلمين، والمراد ب {وَالْأُمَيِّيِنَ) هنا: مشركو العرب [لم يكن لديهم كتب يدرسونها] (أَسْلَمْتُمْ) المعنى: أنه قد أتاكم من البراهين ما يوجب الإسلام، فهل قبلتم الإسلام، وعملتم بموجب ذلك، أم لا؟ (فَقَدِ اهْتَدَوْا) أي: ظفروا بالهداية التي هي الحظ الأكبر، وفازوا بخير الدنيا والآخرة (وَإِنْ تَوَلَّوْا) أي أعرضوا عن قبول الحجة (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ) أي: فإنما عليك يا محمد أن تبلغهم ما أنزل إليك، ولست عليهم بمسيطر، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات (وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) إنه عالِم بجميع أحوالهم. [٢١] (وَيَقْتُلُونَ النَّبِِّينَ بِذَه حَبِّ ) يعني: اليهود، قتلوا الأنبياء (وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ) أي: بالعدل، وهم الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويردعون الظالم عن ظلمه، قال المبرد: كان ناس من بني إسرائيل جاءهم النبيون، فدعوهم إلى الله، فقتلوهم، فقام أناس من بعدهم من المؤمنين، فامروهم بالإسلام، فقتلوهم. [٢٢] (أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبْطَتْ أَعْمَالُهُمْ) لم يبق حسناتهم أثر في الدنيا، حتى يعاملوا فيها معاملة أهل الحسنات، فلُعِنوا وحل بهم الخزي والصغار، ولهم في الآخرة عذاب النار. [٢٣] ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ) هم أحبار اليهود (يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابَ اللهِ) الذين أوتوا نصيبًا منه، وهو التوراة ( لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ) عن الإجابة إلى ما دعوا إليه مع علمهم بِه، واعترافهم بوجوب الإجابة إليه. [٢٤] (ذَلِكَ) أي: تَوَلَّوا وأعرضوا عن القبول بحكم اللّٰه تعالى بسبب أنهم (قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) وهي مقدار عبادتهم العجل (وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) من الأكاذيب التي من جما-ما هذا القول، ومنها قولهم: نحن صفحة 53 أبناء اللّٰه وأحباؤه، فصدقوا أكاذيب أنفسهم وصدقها الأتباع، فأوقعهم ذلك في غضب الله. [٢٥] ( فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ) أي: فكيف يكون حالهم إذا جمعناهم ليوم الجزاء الذي لا يرتاب مرتاب في وقوعه، فإنه يقعون في العقوبة لا محالة، ويعجزون عن دفعه بالحِيَل والأكاذيب (وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ} أي: جزاء ما كسبت (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) بزيادة ذنب عليهم ولا نقص شيء مما لهم من عمل صالح، أي: ففي ذلك اليوم يتبيَّن لليهود وأمثالهم ممن حاربوا اللّٰه ورسوله وتجرّأوا على اللّٰه مغترَين بأكاذيبهم أن ذلك لن ينفعهم عندما يجمعهم اللّٰه لديه ويقفهم للسؤال والحساب، فلا يكون ذلك لديه عذراً لهم. [٢٦](قُل اللَّهُمَّ مَٰلِكَ الْمُلْكِ) أي: يا الله، يا مالك الملك كله، أنت تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ) أي: من تشاء إيتاءه إياه (وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ) نزعه منه (وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ » تعطي الغلبة والسلطان لمن تشاء (وَنُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ) تجعله يستسلم للقهر والغلبة (بِيَدِكَ الْخَيْرُ) لا بيد غيرك. [٢٧] (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) أي: تدخل ما نقص من أحدهما في الآخر، يعني: اختلاف طول الليل والنهار، وقِصَرَهما بحسب الفصول والمواقع، فما نقص من أحدهما زاد في الآخر، فإن طولهما جميعًا ٢٤ ساعة، لا نختلف من فصل لآخر، ولا من مكان لآخر (وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) يُخْرِجُ اللّٰه تعالى الرجلَ الحي من النطفة وهي ميتة، ثم يخرج من الرجل النطفة وهي ميتة، ثم يخرج منها الرجل الحي وهكذا؛ ويخرج البيضة من الدجاجة، ومن الدجاجة البيضة، وكذا النخلة من النواة، ثم النواة من النخلة، وقيل: معناها يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، روى ابن جرير وغيره آن امرآة صالحة دخلت على النبي وَلِي فقال: من هذه؟ فقيل: خالدة بنت الأسود. فقال النبي عالي: (سبحان الذي أخرج الحيَّ من الميت)» وكان آبوها كافرًا. [٢٨] (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) يحبونهم، ويلاطفونهم، ويميلون بقلوبهم إلى مناصرتهم (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ) أي: ومن يتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين (فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ ) بل هو منسلخ عنه بكل حال، فقد برئ اللّٰه منه (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) أي: إلا أن تظهروا لهم الموالاة بألسنتكم ظاهرًا، ضعفين بين الكفار، وقلوبكم تكرههم، وذلك إذا ؟. . ست عن ابن عباس قال: (نهى اللّٰه المؤمنين أن يلاطفوا الكفار، ويتخذوهم وليجة من دون المؤمنين، إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين، فيظهرون لهم اللطف، ويخالفونهم في الدين»، وقال: (التقية باللسان: من حُمِلَ على أمر يتكلم به، وهو معصية لله، فيتكلم به مخافة الناس، وقلبه مطمئن بالإيمان، فإن ذلك لا يضره، إنما التقية باللسان، ولا يبسط يده فيقتل، ولا إلى إثم، فإنه لا عذر له)) (وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ) أي: يأمركم أن تخافوا ذاته المقدسة، إن اتخذتموهم أولياء ظاهرًا وباطنا. [٢٩] (قَلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ) من موالاة الكفار باطنًا، أو ما سوى ذلك مما لا يرضاه ربكم (يَعْلَمْهُ الله ) فيجزيكم به (وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ* مما هو أعم من الأمور التي يخفونها أو يبدونها. [ ٣٠] (وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ) أيٍ: وتجد ما عملت من سوء مُحْضَرًا (تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا) عن الحسن قال: ((يَسُرُّ أحدهم ألا يلقى عمله ذلك أبدًا، يكون ذلك مناه، وأما في الدنيا فقد كانت خطيتتَهُ يستلذها». وكرر قوله (وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ ) للتأكيد ليكون. هذا ال-هديد العظيم على ذُكْرٍ منهم صفحة 54 {وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) هذا التحذير الشديد مقترن بالرأفة منه سبحانه بعباده لطفًا بهم. [٣١] (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحُِّونَ اللّهَ} أي: إن كنتم صادقين في ادعائكم محبة اللّٰه ( فَاتَّبِعُونِي) على الإسلام، فقد علمتم أني رسوله (يُحْبِيْكُمُ اللهُ فمحبة اللّٰه للعباد أثر اتباع النبي وَلِلم. وطاعته، وأثر محبة اللّٰه للعباد إنعامه عليهم بالغفران والفضل والرحمة والهداية إلى الصراط المستقيم. [٣٢](قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ) أي: في جميع الأوامر والنواهي (فَإِنْ تَوَلَّوْا) أي: إن تتولوا، أي: تعرضوا عن طاعة اللّٰه ورسوله ومحبتهما، فلن يحكم اللّٰه (فَإِنَّ اللَهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ)) كناية عن البغض والسخط عليهم. [٣٣](إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ) الآيات: لما فرغ سبحانه من بيان أن الدين المرضي عنه هو الإسلام، وأن محمدًا علا يم هو الرسول الذي لا يصح لأحد أن يحب اللّٰه إلا باتباعه، وأن اختلاف أهل الكتابين فيه إنما هو لمجرد البغي عليه، والحسد له، شرع في تقرير رسالة عيسى اليَانهما، وبيَّن أنه من أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، وبَيَّن أنه مخلوق مربوب لله تعالى، لا ينبغي الغلو فيه، والاصطفاء: الاختيار، اختارهم بالنبوة، وتخصيص آدم بالذكر لأنه أبو البشر، وكذلك نوح، فإنه آدم الثاني، وأما آل إبراهم فلكون النبي وَا يقي منهم، مع كثرة الأنبياء فيهم، وآل عمران لما كان عيسى عَاليَاية منهم. [٣٤] ( ذُرَّيَّةَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ) في النسب، كما أنهم عضهم من بعض في النية والعمل والإخلاص والتوحيد. [٣٥] (امْرَأةُ عِمْرَانَ) اسمها: حنة أم مريم، فهي جدة يسى اليَاف لأمِّهِ (رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطَنِي) أي: لعبادتك (مُحَرَّرًا) أي: عتيقًا خالصًا لله خادمًا [في المسجد] لا يشوبه شيء من أمر الدنيا (فَتَقَبَّلْ مِنِّي) نذري بما في بطني. [٣٦]( فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى) حسَّرت وتحزنت لما فاتها من ذلك الذي كانت ترجوه وتقدره، وكانت ترجو أن يكون ذكرًا (وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ) هذا من كلام اللّٰه سبحانه على جهة التفخيم لشأن الوليدة التي هي مريم عَليَّالا، والتنبيه لأمها حيث وقع منها التحسر والتحزن، مع أن هذه الأنثى التي وضعته سيجعلها اللّٰه وابنها آية للعالمين (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى) من جملة كلامها، ومن تمام : ها وتحزُّنها، أي: ليس الذكر الذي أرادت أن يكون خادمًا ويصلح للنذر، كالأنثى التي لا تصلح لذلك (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرَّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) حتى لا يقدر على إغوائها أو إغواء ذريتها، وقد استجاب اللّٰه دعاءها، فقد أخرج أحمد ومسلم من حديث أبي هريرة عن النبي وَالِيَنِ ((ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان حين يولد فيستهلَّ صارخَا من نخسة الشيطان إلا ابن مريم وأمّه». [٣٧] (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ ) أي: رضي بها في النذر، وسلك بها مسلك السعداء (وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا) التربية الحسنة العائدة عليها بما يصلحها في جميع أحوالها (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيًّا) أي: جعله كافلًا لها وملتزمًا بمصالحها، عن قتادة قال: كانت مريم ابنة سيدهم وإمامهم، فتشاحَّ عليها أحبارهم، فألقوا القُرعة بسهامهم أيهم يكفلها، وكان زكريا زوجَ أختها فكفلها، وكانت عنده وفي حضانته (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا) أي: نوعًا من أنواع الأطعمة، كان إذا دخل عليها وجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف . ١- ١١. (أَنَّى لَكِ هَذَا) أي: من أين صفحة 55 بجيء لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا؟ (قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ) فليس ذلك بعجيب ولا مستنكر. [٣٨] ( هُنَالِكَ) دعا في ذلك المكان الذي هو قائم فيه عند مريم، أن يهب له ذرية طيبة؛ لآن من أوجد ذلك يقدر على إيجاد الولد من العاقر. [٣٩] (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ)) قيل: المراد هنا جبريل (أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى) كان اسمه في الإنجيل يوحنا، أي: يبشرك بولادة يحيى (مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ» أي: مصدقًا عيسى عالتَائم ومبشرًا بمجيئه، وسُمِّي عيسى كلمة الله: لأنه كان يقول سبحانه: ((كن)) وقد جاء يحيى يبشر بقرب بعثة عيسى عَاليَّام ، وقد بُعِثَ في زمانه، وكان ابن خالته، ويحيى أول من آمن بعيسى وصدق (وَسَيِّدًا وَحَصُورًا) والسيد: الذي يسود قومه حليمًا كريمًا تقيًّا، والحَصُورُ: الذي لا يأتي النساء، فيحيى عليَّاة كان حصورًا عن إتيان النساء، أي: لحصورًا لا يأتيهن كغيره من الرجال، إما لعدم القدرة على ذلك، أو لأنه يكُفُّ ما في نفسه (وَنَيَّا مِنَ الصَّالِحِينَ) يؤدي لله ما افترض عليه، وإلى الناس حقوقهم. [٤٠] (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ) استبعد حدوث الولد منهما؛ لكون العادة قاضية بأنه لا يحدث من مثلهما، لأنه كان كبيرًا، قيل: في تسعين سنة (وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ)) أي: الهرم (وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ) والعاقر التي لا تلد، أي: بها عقم يمنعها من الولد (كَذَلِكَ اللَهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) من الأفعال العجيبة، لا تعجز قدرته عن شيء، أي: فَلِمَ تستبعد ذلك؟ [٤١] (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) علامة أعرف بها صحة الحَبَل فأتلقى هذه النعمة بالشكر (إِلَّا رَمْزًا) أي: علامتك أن يحتبس لسانك عن تكليم الناس ثلاثة أيام لا عن غيره من الأذكار، جعل الآية لتخلص تلك الأيام لذكر اللّٰه سبحانه شكرًا على ما أنعم به عليه، والرمز: الإيماء بالشفتين أو العينين أو الحاجبين أو اليدين (وَسَبَّحْ بِالْعَشِيِّ) من حين تزول الشمس إلى أن تغيب {وَالْإِبْكَارِ) من طلوع الفجر إلى وقت الضحى. [٤٢](إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ) اختارك، أي: ليرفع ذكرك بولادة المسيح (وَطَهَّرَكِ) من الكفر أو من الأدناس على عمومها (وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) فضلك على جميع نساء العالم إلى يوم القيامة. [٤٣] (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ) أي: كوني خاشعة لله، وصلي وأطيلي القيام في الصلح: ،ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) أي: صلي الصلاة مع جماعة المصلين، وقيل: المعنى أنها تفعل مثل فعلهم وإن لم تصلّ معهم. [٤٤] (ذَلِكَ) ما سبق من الأمور التي أخبره اللّٰه بها (مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبَ) من أخبار الأمور التي كنت غائبًا عنها يا محمد (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ) أي: بحضرتهم، يعنى: المتنازعين في تربية مريم، بل اللّٰه أوحى إليك بخبرهم، مع التسليم بأنه واليه يلم يكن ممن يقرأ الإنجيل، ولا ممن يلابس النصارى، ذلك كله يثبت صدقه (إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ) أي: يضمها إلى حضانته، قال عكرمة: فاقترعوا وجعلوا أقلامهم في الماء الجاري، على أن من وقف قلمه ولم يجر مع الماء فهو صاحبها، فجرت أقلامهم ووقف قلم زكريا. [٤٥] (إِنَّ اللَهَ يُبَشَّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ) الكلمة عيسى نفسه، جاء بكلمة من الله، قال له: كن، فكان (اسْمُهُ الْمَسِيحُ) قيل: إنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا بريء، فسمي مسيحًا، وقوله (عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) مع كون الخطاب معها تنبيهًا على أنه يولد من غير أب، فيُنسَبُ إلى أمه (وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) الوجيه ذو الوجاهة، ومن وجاهته في الدنيا النبوة، وفي الاخرة الشفاعة وعلو الدرجة (مَمءَ الْدُقَرَّ بِينَ) إلى الله. صفحة 56 [٤٦] (وَيُكَلَّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا)) أي: وهو طفل رضيع؛ لأن المهد: مضجع الصبي في رضاعه، والكهل: من كان بين سن الشباب والشيخوخة، أي: يكلم الناس رضيعًا في المهد، وحال كونه كهلا بالوحي والرسالة (وَمِنَ الصَّالِحِينَ) أي: من العباد الصالحين، [فتضمنت البشرى: ولادتَهُ، وكلامه في المهد، وبلوغه سن الكهولة مع أنه رُفعُ وسنُّه ٣٣ سنة، وكونه من صالحي عباد الله، وكونه ذا وجاهة، وكونه من العلماء، وكونه نبيًّا]. [٤٧] (أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ) أي: كيف يكون، على طريقة الاستبعاد العادي وَلَمْ يَمْ لَسَسْنِي بَشَرٌ ) استبعدت أن تلد ولدًا من غير ذكر يكون له أبًا { فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ يَكُونُ) من غير عمل ولا مزاولة؛ لكمال قدرته. [٤٨] (وَيُعَلَمُهُ الْكِتَابَ) الكتاب: الكتابة، والحكمة: العلم [وقوة الفهم وحسن التدبير للأمور بوضعها في مواضعها]. [٤٩] (وَرَسُولًا) أي: ويرسله رسولًا إلى بني إسرائيل برسالة مضمونها ما يلي، ولم يكن عيسى مرسلا إلى غير بني إسرائيل، إلا أنهم لما رفضوه وكذبوه أرسلَ بعضَ أتباعه إلى بعض الأمم الأخرى (انظر سورة يس ١٢ - ٢٧) (أَنَّي قَدْ جِثْتُكُمْ بِآيَةٍ) بعلامة (مِنْ رَبَّكُمْ أَنَّي أَخْلُقُ ) أي: أصور (لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) أي: شيئًا مثل هيئة الطير (فَأَتْفُخُ فِيهِ) أَي: في ذلك الخلق، أو ذلك الشيء (فَيَكُونُ طَيْرًا) يطير كسائر الطيور (بِإِذْنِ اللهِ) لولا الإذن من اللّٰه وعجَّك لم يقدر على ذلك، وإن خلق ذلك كان بفعل اللّٰه سبحانه أجراه على يد عيسى اليَات، فكانت تسويةُ الطين والنفخُ من عيسى، والخلقُ من اللّٰه دعمَل {وَأَبْرِئُ الأَكْمَهَ) الأكمه: الذي يولد أعمى (وَالْأَبْرَصَ ) البرص بياض يظهر في الجلد، وإنما خص اللّٰه سبحانه هذين المرَضين بالذكر؛ لانهما لا يبرآن في الغالب بالمداواة (وَأَنَبَئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدِّخِرُونَ فِي بُيُوْتِكَمْ ) [والعادة: أن ما يدّخِره الإنسان في بيته أو يأكله في بيته، لا يطلع عليه الناس، فكان ذلك آية لعيسى ليَاي ]. [٥٠](وَمُصَدَّقًّا) المعنى: وجئتكم مصدقًا (لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ) قبلي (مِنَ التَّوْرَاةِ) [أي: لأنها بشَّرتْ به، وذكرت أوصافه، فكان بعثه تصديقًا لها، وكان هو يراعي أحكامها فيما لم يؤمر بنسخه، وذلك من تصديقه لها] (وَلِأُحِلَّ ) ولأجل أن أحل بعض الذي - .* الله عليكم من الأطعمة في التوراة، كالشحوم وكل ذي ظفر وغيرها، مما شدد اللّٰه فيه عليهم لتشديدهم، وقيل: إنما أحل لهم ما حرمته عليهم الأحبار ولم تحرمه التوراة (فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ) أي: ادخلوا في ديني وتابعوني. [٥١] (إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ) أعلنها صريحة أنه ليس ربًّا لهم، كما ادعاه النصارى من بعد غُلُوًّا فيه، بل قال: إنه عبدٌ لله، كما أنهم هم أيضًا عبيد لله، فكيف يتخذون عيسى إلهًا؟ [٥٢] ( فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ) الإحساس الإدراك القوي كالمشاهدة (قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ) الأنصار: جمع نصير، المعنى: من أنصاري في الدعوة إلى الله، وتبليغ رسالته إلى الناس (الْحَوَارِيُّونَ) وكانوا اثني عشر رجلًا، وهم تلاميذه، وأخصُّ الناس به (أَنْصَارُ اللهِ) أنصار دينه ورسله (وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) أي: اشهد لنا يوم القيامة بأنا مخلصون في إيماننا، منقادون لما تريد منا. [٥٣] (فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) أي: مع الشاهدين لك بالوحدانية، ولرسولك ١ ..٠ [١٠لة. صفحة 57 [٥٤] (وَمَكَرُوا) أي: الذين أحس عيسى منهم بالكفر، وهم كفار بني إسرائيل (وَمَكَرَ الله) مَكْرُه: استدراجه للعُصاةِ من حيث لا يعلمون، وقيل: مكر اللّٰه هنا إلقاء شبه عيسى على واحد من الحواريين، ورفع عيسى إلى السماء [فجاء الجنود فأخذوا الذي ألقي عليه شبه عيسى فقتلوه وصلبوه، وظنوا أنهم قتلوا وصلبوا عيسى] (وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) أي: أقواهم مكرًا، وأنفذهم كيدًا، وأقواهم على إيصال الضرر بمن يريد من حيث لا يحتسب [ولا يمكر إلا بماكر]. [٥٥] (إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيْكَ) قابضك (وَرَافِعُكَ) في السماء فأكون عاصمَك من أن يقتلك الكفار، والصحيح: أن اللّٰه رفعه إلى السماء من غير موت (وَمُطَهّرُكَ بِنَ الْذِينَ كَفَرُوا) أي: من جوارهم برفعه إلى السماء وبعده منهم (وَجَاعِلَ الَذِينَ اتبَعُوكَ فَوْقَ الَذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْم الْقِيَامَةِ) أي: الذين اتبعوا ما جئت به، وهم خلّص أصحابه الذين لم يبلغوا في الغلو إلى ما بلغه غيرهم من جعله إلهًا، ومنهم المسلمون، فإنهم اتبعوا ما جاء به عيسى عَلَاتم ووصفوه بما يستحقه من دون غلو، وقيل: معنى الآية: أن النصارى الذين هم أتباع عيسى لن يزالوا ظاهرين على باقي ني إسرائيل، وهم اليهود، كفروا بعيسى، ولم يؤمنوا به، وظهورهم عليهم إنما هو بالقوة والعزو والغلبة، والله أعلم. ٥٧٦] ( فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ) أي: يعطيهم اللّٰه إياها كاملة موفرة (وَاللهُ لَا يُحِبُّ الظَالِمِينَ) كناية عن بغضهم. [٥٨] (ذَلِكَ) إشارة إلى ما سلف من نبأ عيسى وغيره (مِنَ الآيَاتِ وَالذَّكْرِ الْحَكِيمِ) المشتمل على الحِكَم، أو المحكم الذي لا خلل فيه، وهو القرآن الكريم. [٥٩] (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ) في كونه مخلوقًا من غير أب كآدم، بل أمر آدم أغرب، فإنه كما لا أب له لا أم له؛ لأن اللّٰه (خَلَقَهُ مِنْ تُرَابِ) فكيف تتخذون عيسى إلهًا؟ وأنتم تقرون أن آدم بشر مخلوق وليس إلهًا، فكذلك عيسى، بل هو أولى (ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) أي: كن بشرًا، فكان بشرًا. [٦٠] ( فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) الخطاب لكل سامع، أي: لا يكن أحدكم شاكًا في خبر اللّٰه تعالى عن عيسى عَليَالي ، أو للرسول وَالِي والنهي له لزيادة التثبيت. [٦١] (فَمَنْ حَاجَّكَ) يا محمد (فِيهِ) أي: في عيسى مدعيًا أنه إله، وقد حاججه نصارى نجران، وادعوا هذه الدعوى، فدعاهم إلى المباماة ٠٢ا سيأتي قريبًا، وقال بعض العلماء: إذا جادلك النصراني في ذلك فَباهِلْهُ (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) أي: من بعد ما أخبرك اللّٰه بحقيقة الأمر في هذه الآيات المتقدمة (فَقُلْ تَعَالَوْا) أي: هلموا وأقبلوا ( نَدْعُ أَبْنَاءَنَا) ليدع كل منا ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه إلى المباهلة (نَبْتَهِل) أصل الابتهال: الاجتهاد في الدعاء باللعن وغيره برفع اليدين مدًّا (فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) أي: نقول في دعائنا جميعًا: اللهم اجعل عنتك على الكاذب منا ومنكم. [٦٢] (إِنَّ هَذَا)) أي: الذي قصه اللّٰه على رسوله من نبأ ي (لَهُ الْقَصَصُ الْحَقُّ) القصة المطابقة للواقع للادة عيسى عَليَاهم ونشأته، وما كان يقوله ويدعو إليه، لا ما يبالغ فيه النصارى، عن ابن عباس: أن رهطًا من أهل نجران قدموا على النبي وَ ي وكان فيهم السيد والعاقب، فقالوا: ما شأنك تذكر صاحبنا؟ قال: من هو؟ قالوا: عيسى، تزعم أنه عبد الله، فهل رأيت مثل عيسى أو أنبئت به؟ ثم خرجوا من عنده، فجاء جبريل فقال: قل لهم: إذا أتوك (إِنّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ) إِلَى آخر الآَيَة، مف . حديث البخاري ومسلم: صفحة 58 «فآراد أن يلاعنهما، فقال أحدهما لصاحبه: لا نلاعنه، فوالله لئن كان نبيًّا فلاعننا لا نفلح أبدًا نحن ولا عقبنا من بعدنا، فقالوا له: نعطيك ما سألت، فابعث معنا رجلًا أمينًا، فقال: قم يا أبا عبيدة، فلما قام قال: هذا أمين هذه الأمة)) (وَمَا مِنْ إِلَهِ إِلَّا الله ) أي: لا يوجد أحد يستحق العبادة غير اللّٰه تعالى. [٦٣] (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ) أي: إن أعرضوا عن هذا الحق البين فهذا هو الفساد في الأرض عينه؛ لأنه العودة إلى الشرك والكفر، والله عليم بالمفسدين، يؤاخذهم بفعلهم. ٦٤] (قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ) ادع اليهود والنصارى قائلًا: تعالوا نقر بكلمة موجودة فيما أنزل إِلينا وفيما أنزل إليكم من الوحي، وقد فسرها بقوله (أَلَا تَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا) أي: لا نتخذ شيئًا من المخلوقات إلهًا مع الخالق سبحانه وتعالى (وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا) كمن اعتقد ربوبية المسيح وعزير، ولا يسجِد بعضنا بعض، بل نسجد جميعًا لله رب العالمين (فَإِنْ تَوَلَّوْا) أي: أعرضوا عما دعوا إليه (فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) أي: منقادون لأحكامه، مرتضون به، معترفون بما أنعم اللّٰه به علينا من هذا الدين القويم، عن ابن عباس قال: حدثني أبو سفيان: أن هرقل دعا بكتاب رسول اللّٰه وَلِّي فقرأه، فإذا فيه ((بسم اللّٰه الرحمن الرحيم، من محمد رسول اللّٰه إلى هرقل عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك اللّٰه أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيّين، و(يَا أَهْل الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) إلى قوله: (بِأَنَّا مُسْلِمُونَ). [٦٥] (لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ ) ادعى كل من اليهود والنصارى أن إبراهيم علياف كان على دينهم، فرد اللّٰه سبحانه ذلك عليهم، فآبان بأن الملة اليهودية والملة النصرانية إنما كانتا بعد موسى وكتابه التوراة، والنصرانية بعد عيسى وكتابه الإنجيل، وإبراهيم كان قبل ذلك بدهر طويل، فكيف يكون يهوديًّا أو نصرانيًّا ؟ [٦٦] (مَا أَنَّتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) والمراد بما لهم به علم: هو ما كان في التوراة من الحلال والحرام وأنواع العبادة، وإن خالفوا مقتضاه وجادلوا فيه بالباطل، والذي لا علم لهم به هو زعمهم أن إبراهيم كان على دينهم. [٦٧] (وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا ) مائلًا عن الأديان كلها إلى التوحيد (مُسْلِمًا) مطيعًا لله .- ا.اً! ١١، وكان دينه الإسلام. [٦٨] (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ ) أي: أحقهم به وأخصهم ( للَّذِينَ اتَّبَعُوهُ) آمنوا به، وأَطاعوه من أصحابه، واتبعوا ملته، واقتدوا بدينه (وَهَذَا النَّبِيُّ) يعني: محمدًا الِيه و أولويته ولَا لِهِ بإبراهيم من جهة كونه من ذريته، ومن جهة موافقته لدينه في كثير من الشريعة المحمدية (وَالَّذِينَ آمَنُوا) من أمة محمد الا يه ( وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) جميعًا بالنصر والتأييد. [٦٩] (وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ) نزلت في يهود بني النضير وقريظة وبني قينقاع حين دعوا جماعة من المسلمين إلى دينهم، أي أحبُّوا واستقرتْ في قلوبهم الرغبة، في أن تضلوا عن الحق، باتباع ما يدعونكم إليه (وَمَا يُضِلَّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) لثبوت قدم المؤمنين في الإيمان، فلا يعود وبال من أراد فتنتهم إلا عليه. [ ٧٠]بآيَاتِ اللهِ) ما في كتبهم من دلائل نبوة محمد وَال ليه (وَأَنَتُمْ تَشْهَدُونَ) على ما في كتبكم من ذلك، تعلمون أنها حق. ٧١] ( تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ) ولبس الحق بالباطل: خلطه بما يتعمدونه من التحريف [وما يدخلونه في الدين مما ليس منه تلبيسًا على ١١.!.. وإضلالًا لهم]. صفحة 59 [٧٢](وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) هم رؤساؤهم وأشرافهم، قالوا للسفلة من قومهم هذه المقالة (وَجْهَ النَّهَارِ) أوله، (وَاكْفُرُوا آخِرَهُ) أمروهم بالردة في وقت قريب (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) ليدخل الشك على المؤمنين ويفتتن بعضهم، فيقولوا: ما ترك هؤلاء الإسلام بعد دخولهم فيه صباح هذا اليوم إلا لأنهم اطلعوا فيه على باطل، فيشكوا، ولتسهل الردة على من يستصعبها إذا رأى غيره قد ارتد قبله، وهذه المؤامرة من هؤلاء المغضوب عليهم لا تفيد، وهم لا يعلمون أن اللّٰه قد ثبت قلوب المؤمنين ومكن أقدامهم، فلا تزلزلهم أراجيف أعداء الله، ولا تحركهم ريح المعاندين. [٧٣] (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ)) هذا من كلام اليهود بعضهم لبعض، أي: قال الرؤساء للسفلة: لا نصدقوا تصديقًا صحيحًا إلا لمن تبع دينكم من أهل الملة التي أنتم عليها، وأما غيرهم ممن قد أسلم فأظهروا لهم ذلك خداعًا (قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللهِ) أي: بيده الهداية، وإلا فقد عرفتم معشر اليهود الحق، ولم تطاوعِكم أنفسكم على الإيمان به ( أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أَوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُوكُمْ عِنْدَ رَبَّكُمْ) هذا من تمام كلام اليهود بعضهم لبعض، قالوا: إنما دعانا لرسم هذه الخطة، أنا نحسد المؤمنين على أن صارت فيهم النبوة والكتاب كما كان فينا، ولئلا بحتج علينا المسلمون عند اللّٰه يوم القيامة أننا كنا نعرف الحق ولم نتبعه، أو يحتجوا بإيمان من أسلم منا وثبت على إسلامه (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ) ومن فضله النبوة ودين الإسلام (يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ)) لا أحد يقدر أن يمنع فضل الله، ولا أن يتحكم في صرفه عمن يريد إيصاله إليه، وقد شاء اللّٰه أن يختص محمدًا الايي وأمته بهذا الدين. [٧٤] (يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ)) قيل: هي النبوةِ والإيمان. ومِنْ أهْلِ الكِتَاب مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ أي: قنطاير ( من الذهب، وهو مائة رطل، كناية عن كثرة الأمانة (وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ) واحد، كناية عن قلة ما ائتمنته عليه، وشدة طمعه هو، أي: أن أهل الكتاب فيهم الأمين الذي يؤدي أمانته وإن كانت كثيرة، وفيهم الخائن الذي لا يؤدي أمانته وإن كانت حقيرة، ومن كان أمينًا في الكثير فهو أمين في القليل بالأولى، ومن كان خائنا في القليل، فهو في الكثير خائن بالأولى، وقوله: (إِلَّا مَادُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا) أي: لا يؤده إليك في حال من الأحوال، ١٠٧١ .مت عليه قائمًا [مثبتًا حقّك بالبينة]، مطالبًا له، مضيقًا عليه، متقاضيًا لرده لك (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) والأميون: هم العرب، وغيرهم من الأمم الذين ليسوا أهل كتاب، أي قالوا: ليس علينا في ظلمهم حرج لمخالفتهم لنا في ديننا، وادعوا أن ذلك في كتابهم (وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) يخبرنا اللّٰه تعالى أن ذلك ليس في الدين الذي أنزله اللّٰه عليهم، بل هو اختلاق محض، [ودين الحق: الوفاء بالأمانة، وأداء الحق ولو للكافرين]. [٧٦] (بَلَى) أي بلى عليهم سبيل لكذبهم واستحلالهم أموال العرب، وعليهم الوزر لو أكلوا مال أحد بالباطل، ولو كان كافرًا أو مخالفًا لهم في الدين (مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ) مع اللّٰه فأطاعه وعمل بشريعته (وَاتَّقَى) فلم يأكل مال أحد بالباطل، وأدى الحقوق والأمانات إلى أهلها (فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ). [٧٧] (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا) [هم اليهود وأشباههم، إذا أكلوا أموال غيرهم وحقوقهم أنكروا، وإذا استحلفوا عا ذلك حلفوا ] ( أَولَئِكَ)) أي: صفحة 60 الموصوفون بهذه الصفة (لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ أي: لا نصيب لهم فيها (وَلَا يُكَلَمُهُمُ اللهُ) بشيء أصلا، أو لا بكلمهم بما يسرهم {وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) نظر رحمة، بل يسخط عليهم ويعذبهم بذنوبهم، أخرج البخاري عن ابن سعود قال: قال رسول اللّٰه وعَيّة: ((من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي اللّٰه وهو عليه غضبان)). يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ) [أي: ما زادوه على كتاب اللّٰه وحرفوه يقرأونه بترتيل كأنه من كتاب اللّٰه ] (لِتَحْسَبُوهُ) لتظنوا أنه مما أنزل الله، وليس هو منه (وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ) يعني: ينطقون بذلك قولًا، كذبًا وافتراءً (وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) وذلك من أعظم الذنوب. [٧٩] (مَا كَانَ لِبَشَرٍ) [أي: لا ينبغي هذا ولا يستقيم، فإن الأنبياء يصطفيهم اللّٰه ويخصهم بالوحي، وصدق الفهم والإخلاص لله، فلن يقع من نبيٍّ أن يدعو الناس إلى الكفر، بأمره لهم بعبادة نفسه من دون الله، فإن هذا خلاف طبيعية الأشياء]. نزلت الآية في النصارى: افتروا على عيسى ليَائِ ما لم يصح عنه، ولا ينبغي أن يقوله هو ولا أحد من إخوانه النبيين (وَلَكِنْ) يقول النبي: (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) ومعنى الرباني: العالم بدين الرب، القوي التمسك بطاعة الله، مع فقه وحلم وحكمة (بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) أي يقول النبي: كونوا مع علمكم شديدي التمسك بطاعة الرب، أقوياء في ذلك؛ لأنكم تدرسون كتبه، وتعلمونها للناس، وتأمرونهم بالتمسك بما فيها، والذي يعلّم غيره الحق والخير يجب أن يكون أكثر من غيره تمسكًا به. [٨٠] (وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِّينَ أَرْبَابًا ) أي وليس لنبي: عيسى أو غيره، بعد ما آتاه اللّٰه من العلم والهدى أن يآمر بعبادة نفسه، ولا يأمر باتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا يُعبَدون من دون اللّٰه بل ينهى عنه. [٨١] (وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَِّّيِنَ) بعد أن بيَّن اللّٰه تعالى أن الأنبياء يأمرون بتوحيد اللّٰه والإخلاص له، يبين هنا أنهم صدقون الرسالات ويأمرون بتصديقها: فقد أخذ اللّٰه ميثاق الأنبياء أن يصدق بعضهم بعضًا بالإيمان، ويأمر بعضهم بعضًا بذلك، ويأمروا أممهم بذلك ( لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ) أي: لئن آتيتكم شيئًا منها (ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ) أي: موافق لهذا الذي سوف أعطيكم ( لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ) جواب القسم الذي هو أخذ الرداة ، ١ذ هو بمنزلة الاستحلاف، عن علي قال: لم يبعث اللّٰه نبيًا، آدم فمن بعده، إلا أخذ عليه العهد في محمد لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، ويأمره فيأخذ العهد على قومه (إِصْرِي) سمي العهد إصرًا لما فيه من التشديد (قَالَ فَاشْهَدُوا) قال اللّٰه سبحانه: فاشهدوا، أي ليشهد بعضهم على إقرار بعض (وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ» أي وأنا على إقراركم وشهادة بعضكم على بعض من الشاهدين. [٨٢](فَمَنْ تَوَلَّى) أعرض بعد ذلك الميثاق عنك يا محمد بعد هذا العهد المأخوذ من جميع الأمم (فَأَولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" أي: الخارجون عن الطاعة. [٨٣] (أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ) أي: هل يطلب أحد من الناس دينًا غير دين اللّٰه خالق كل شيء، وهو طاعته وعبادته والإسلام له (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ) الملائكة (وَالْأَرْضِ) كل مخلوق فيها (وَكَرْهًا)) قيل: المراد من أُتي به منَ أسرى الأمم في السلاسل والأغلال، يقادون إلى الجنة وهم كارهون [وقيل: المراد: أن كل شيء في السماوات والأرض حتى الحيوان والجماد مسلم لله، وحتى الكافر مستسا . لله ك هًا وإن كفر قلبه ولسانه]. صفحة 61 [٨٤] (قُلْ آمَنَّا) [أمر النبي وَلِيهِ أن يقول هذا إخبارًا منه عن نفسه، والتزامًا بهذا الإيمان المفصَّل] وأمته مأمورة أن تقتدي به فيه (وَالْأَسْبَاطِ) القبائل من بني إسرائيل الذين آمنوا بموسى (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) كما فرقت اليهود والنصارى فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، وقد تقدم تفسير مثل هذه في (سورة البقرة الآية ١٣٦). [٨٥] (دينًا ) أي: يطلب أن يتبع دينًا حال كونه غير الإسلام (فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [فلا دين بعد بعثة محمد ولي إلا دينه، ولا نجاة يوم القيامة لأحد لم يَدِن بدين الإسلام، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّٰه وَالفيم: ((تجيء الأعمال يوم القيامة، فتجيء الصلاة فتقول: يا رب أنا الصلاة، فيقول: إنك على خير، ويجيء الصيام، فيقول: أنا الصيام، فيقول: إنك على خير، ثم تجيء الأعمال كل ذلك يقول الله: إنك على خير، ثم بجيء الإسلام فيقول يا رب: أنت السلام، وأنا الإسلام، فيقول: إنك على خير، بك اليوم آخذ، وبك أعطي». [٨٦] (كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ)) معنى الآية [التبعيد] لأن يهدي اللّٰه قومًا إلى الحق قد كفروا بعد إيمانهم، وبعد ما (شَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ) وبعد ما (جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ) من كتاب اللّٰه سبحانه ومعجزات رسول اللّٰه وَلِلِه فعرِفوها وعملوا بمقتضاها وآمنوا بها {وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) ومنهم المرتدُّون، ولا ريب أن ذنب المرتدّ أشد مِن ذنب مَن هو باق على الكفر، ممن لم يدخل في الإسلام أصلًا؛ لأن المرتد قد عرف الحق، ثم أعرض عنادًا وتمردًا. [٨٧] أولَئِكَ) المرتدون عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ الإبعاد والطرد من رحمته، ولعنة (الْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) معناه: استحقاق المرتدين لذلك [ما لم يتوبوا]. [٨٨] (وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ) معناه: لا يؤخَّرون ولا يُمْهَلُون، ثم استثنِى التائبين، فقال: [٨٩] (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) أي: من بعد الارتداد (وَأَصْلَحُوا) بالإسلام ما كان قد أفسدوه من دينهم بالردة [وأصلحوا العمل] وتُقْبَلُ توبة المرتد إذا رجع إلى الإسلام مخلصًا، ولا خلاف في ذلك فيما أحفظ. [٩٠] ثَمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا) بإقامتهم على كفرهم، وازدياد كيدهم للإسلام وأهله، وقيل: هي في اليهود كفروا بعيسى، فلما جاءهم محمد واليه كفروا به أيضًا (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) عند الموت، كما قال تعالى: (وَلَيْمَ -. التَّبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) (وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالَّونَ) أي: الذي لا يهتدون إلى ما فيه نجاتهم. [٩١] (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ ) سواء الكفار الأصليون، أو المرتدون (وَلَوِ افْتَدَى بِهِ) أي: لو أتى يوم القيامة بملء الأرض ذهبًا وأعطاه لينجو به من عذاب النار - ما قُبِلَ ذلك منه (وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) لا أحد ينجيهم من نار اللّٰه يوم القيامة، وفي الحديث (يؤتى بالرجل من أهل النار فيقول اللّٰه له: أتفتدي منى بطلاع الأرض ذهبًا؟ فيقول: نعم، فيقول: كذبت، أخذتُ عليك ألا تشرك بي شيئًا فأبيت». [٩٢] (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ) [أي: لن تصلوا درجة الأبرار وهي صدق الإيمان وصلاح العمل وقبوله] (حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) أي: حتى تكون نفقتكم في سبيل اللّٰه في الجهاد وسائر الطاعات من أموالكم التي تحبونها. [٩٣] (إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ ) قيل: حرم يعقوب على نفسه لحوم الإبل وألبانها، وقيل: حرم كل لحم فيه عرق (مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ) أي: من قبل أن ينزل في التوراة : ح... ما حرم عليهم صفحة 62 من الطيبات بسبب ظلمهم (قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاثْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) حتى تعلموا صدق ما قصه اللّٰه في القرآن، من أنه لم يحرَّم على بني إسرائيل شيءٌ من قبل نزول التوراة إلا ما حرمه يعقوب على نفسه. [٩٤] (فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) أي: من بعد إحضار التوراة وتلاوتها، أو من بعد التحدي لهم بما في كتابهم ( فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) فإنه لا أظلم ممن حوكم إلى كتابه وما يعتقده شرعًا صحيحًا، ثم يجادل من بعد ذلك مفتريًا على اللّٰه الكذب. [٩٥] (قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) أي: ملة الإسلام التي أنا عليها، ما دام صِدْقُ ما جئتكم به قد تبيَّن لكم بكل جلاء. ٩٦١] (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ) لعبادة اللّٰه تعالى في الأرض (لَلَّذِي بِبَكَّةَ) البيتُ: الكعبةُ، نبَّه اللّٰه تعالى بكونه أول مُتَعبَّد على أنه أفضل من غيره، والباني له في الابتداء: إبراهيم، وبكة هي مكة (مُبَارَكًا) البركة: كثرة الخير الحاصل لمن بستقر فيه أو يقصده؛ لكثرة الخيرات التي تُجْبَى إليه، ولأجل الثواب المتضاعف (وَهُدى لِلْعَالَمِينَ) لعله لما فيه من إقامة توحيد الله، وذكره في المشاعر، وإحياء سنة الخليلين. [٩٧] (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ) منها الصفا والمروة والمشاعر كلها، ومنها هلاك من يقصده من الجبابرة، وغير ذلك، ومنها (مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ) وهو الصخرة التي كان يقوم عليها وهو يبني البيت، وقد أمَرَنا اللّٰه أن نتخذه مصلى. (سورة البقرة الآية ١٢٥) ومنها: أن (مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنَّا) أي: من كان خائفًا ودخل البيت الحرام أمِنَ، ووجب على الناس ألا يهيجوه ولو كان قد سفك دمًا، أو أخذ مالًا، حتى يخرج من الحرم، لكن من ارتكب الجريمة في الحرم يؤخذ بها، وتقام عليه العقوبة؛ لقوله تعالى: (وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصُ ) ولأنه يكون هو الذي بدأ بانتهاك الحرمة (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجِّ الْبَيْتِ) تأكيدًا لحقه وتعظيمًا لحرمته {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) التقدير: أن يحج البيت من استطاع إليه سبيلا، والاستطاعة هي: الزاد ونفقة السفر (وَمَنْ كَفَرَ) قال ابن عباس: أي من كَفَر بالحجّ فلم يَرَ حجَّه بِرًّا ولا تَرْكَه مأثمًا، [وقيل: المراد: من كفر بالايات البينات المذكورة في الاية في فضائل الكعبة]، (فَإِنَّ اللَهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) هو تعالى شأنه وتقدس سلطانه غني لا تعود إليه طاعات عباده بأسرها بنفع. [٩٨] (قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَالله شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ) [ مطلع عليكم يراكم حينما تنطقون بالكفر، وتفعلون ما هو كفر بدلائل الحق ومعجزات النبوة، أو كفر بآيات التوراة ]. [٩٩] (لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ) تدبِّرون المكايد لتوقعوا الفتنة بين المؤمنين، وتحاولوا الحيلولة بين الناس وبين الإيمان بالله (تَبْغُونَهَا عِوَجًا) تطلبون لسبيل اللّٰه اعوجاجًا وميلاً عن القصد والاستقامة بإيهامكم الناس بأنها كذلك، تقويمًا لدعاويكم الباطلة (وَأَنْتُمْ شُهَدَاء) أي: كيف تطلبون ذلك الكيد بملة الإسلام، والحال أنكم تشهدون أنها دين اللّٰه الذي لا يقبل غيره، كما عرفتم ذلك من كتبكم المنزلة على أنبيائكم. [١٠٠] (إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) أي: إن تصغوا إلى دسائسهم وتركنوا إلى أقوالهم يصلوا بكم إلى هدفهم وهو أن ( يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ) . ١٠١] (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنَتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ فاتلوها واستمسكوا بها تعرفوا ١٠ .١٥ .كم اليهود (وَفِيكُمْ رَسُولُهُ) صفحة 63 فارجعوا إليه، وردوا الأمر إليه؛ يبطل كيد هؤلاء، وهذا في عهده وَاليه، وأما بعده، فإن آثاره والقرآن الذي أتى به وسننه كل ذلك باق فينا، [والعلماء يعرفون ذلك] فكأنه لا يزال بين أظهرنا عَلِيلتِ ويكون ذلك إذا تمسكنا به ورجعنا إليه عصمة من دسائسهم وفتنهم (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ) أرشدهم إلى الاعتصام به وترك الركون إلى أعدائه، لتثبت لهم الهداية، ويخلصوا من الضلال الذي يراد بهم. ١٠٢ اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) أي: التقوى التي تحق له، وهي ألا يترك العبد شيئًا مما يلزمه فعله شرعًا، ولا يفعل شيئًا مما يلزمه تركه، ويبذل في ذلك جهده ومستطاعه، ذكر المفسرون أنها لما نزلت هذه الآية، قالوا يا رسول الله: من يقوى على هذا؟ وشق عليهم ذلك، فنزل: (فَاتَقُوا اللَهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) فنسخت هذه الآية، وقيل: المعنى: اتقوا اللّٰه حق تقاته ما استطعتم) (وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» أي: لا نكونوا على حال سوى حال الإسلام، حتى إذا جاء الموت - وقد يأتي بغتة - جاء وأنتم مسلمون. [١٠٣] (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا ) أمرهم سبحانه بأن يجتمعوا على التمسك بدين الإسلام أو بالقرآن، ونهاهم عن التفرق الناشئ عن الاختلاف في الدين (إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً) يقتل عضهم بعضًا، وينهب بعضهم بعضًا، فأَصبحوا بسبب هذه النعمة إخوانا (عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ) بما كانوا عليه من الكفر، فأنقذهم اللّٰه من هذه الحفرة بالإسلام، يقول: كنتم على طرف النار، من مات وقع في النار، فبعث اللّٰه محمدًا وَلّيُّ واستنقذكم به من تلك الحفرة، وفي الحديث «كتاب اللّٰه هو حبل اللّٰه الممدود من السماء إلى الأرض). [١٠٤ ] (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ) أي: لتكن طائفة منكم قائمين بواجب الدعوة والأمر والنهي، وقيل: المراد: كونوا كلكم أمة تدعون وتأمرون وتنهون، والقول الأول أصح (يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) بالتعليم والوعظ والإرشاد (وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) باليد أو باللسان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات، يختص بأهل العلم الذين يعرفون كون ما يأمرون به معروفًا، وما ينهون عنه منكرًا، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثابت بالكتاب والسنة، وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهرة، وأصل عظيم من أصولها، وبه يكمل نظامها [وذلك لأن أصحاب كل دين قد ينحرف بعضهم عن دينه جهلا به، أو اتباعًا للهوى، وقد يتقاعسون عن أداء الواجبات، . ١٥ .ناا م بعضهم بعضًا؛ فإن لم يوجد من يصحِّح المسيرة، ويهدي الضال، ويعظ المقصِّر، ويأخذ على يد الظالم؛ كَثُرَ الانحرافُ، وتعاظم، حتى يُنسى الدين، وتتغيَّر معالمه، وقد حذّرَنَا اللّٰه من مثل مصير بني إسرائيل، ولعَنَهم لتركهم الأمر والنهي وقال (ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ. كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)] (وَأُولَتِكَ) أي: تلك الطائفة القائمة بما ذكر (هُمُ الْمُفْلِحُونَ) أي: المختصون بالفلاح. [١٠٥] (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا) هم اليهود والنصارى نهاهم اللّٰه أن يكونوا فرقًا، ونهاهم عن الاختلاف فيما وردت فيه (الْبَيِّنَاتُ) وهي: الآيات الواضحة المبينة للحق، الموجبة لعدم الاختلاف، وقيل: الذين تفرقوا هم مبتدعة هذه الأمة، والفرق التي تميزت وخالفت فيما هو من ضروريات الدين واساسياته. [١٠٦ ](يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) أي: لهم عذاب عظيم يوم القيامة حين يبعثون من قبورهم، وتكون وجوه المؤمنين مبيضَّة، ووجوه الكافرين مس. دَة « أَكَنَرْتُمْ ) أي: فيقال لهم: أكفرتم، صفحة 64 قيل: هم أهل الكتاب، وقيل: المرتدون، وقيل: المنافقون، وقيل: المبتدعون. [ ١٠٧] (فَفِي رَحْمَةِ اللهِ) أي: في جنته ودار كرامته. [١٠٨] ( نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقَّ) أي: متلبسة بالحق وهو العدل (وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمَا لِلْعَالَمِينَ) بتعذيبهم إلا وهم مستحقون. [١٠٩] (مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) أي: له ذلك يتصرف فيه كيف يشاء، وعلى ما يريد، ولغناه عن الظلم لكون ما في السماوات وما في الأرض في قبضته. [ ١١٠] (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ) أي: كنتم في علم اللّٰه كذلك، وقيل: كنتم منذ آمنتم، وفيه: دليل على أن هذه الأمة الإسلامية خير الأمم على الإطلاق، وأن هذه الخيرية مشتركة ما بين أول هذه لأمة وآخرها بالنسبة إلى غيرها من الأمم، وإن كان الصحاب فضلهم (أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) أي: أُظْهِرت لهم، وقيل: المعنى كنتم أنفع الناس للناس، وخَيْريَّتهُمْ لما بيّنَه بقوله (تَأْمُرُونَ بالْمَعْرُوفِ) أي: كانوا خير أمة ما أقاموا على ذلك واتصفوا به، فإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله زال عنهم ذلك (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَاب) أي: اليهود إيمانًا كإيمان المسلمين بالله ورسله وكتبه (لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) ولكنهم لم يفعلوا ذلك، ثم بيَّن حال أهل الكتاب بقوله: (مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ) وهم الذين آمنوا برسول اللٰه واليه منهم (وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) أي: الخارجون عن طريق الحق المتمردون في باطلهم المكذبون لرسول اللّٰه وَلِّه [١١١] (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذَّى) أي: لن يضروكم بنوع من أنواع الضرر إلا بنوع من الأذى، وهو الكذب والتحريف والبُهت، ولا يقدرون على الضرر الذي هو الضرر في الحقيقة بالحرب والنهب ونحوهما (وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ) أي: ينهزمون ولا يقدرون على مقاومتكم فضلًا عن أن يضروكم (ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ) بل شأنهم الخذلان ما داموا على حالهم. [١١٢] (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذَّلَةُ )) صارت الذلة محيطة بهم في كل حال {أَيْنَ مَا تُقِفُوا) حيثما وجدتموهم متمكنين منهم {إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ) بذمة اللّٰه أو بكتابه (وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ) أي: بذمة من الناس وهم المسلمون [أو معونة ممن سواهم] (وَبَاءُوا) أي: رجعوا (بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ) أي: لزمهم غضب من اللّٰه هم مستحقون له، ومعنى (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ) أي: فقر النفوس، ومعنى ضرب هذه الأمور عليهم: إحاطتها بهم من جميع الجوانب، أي: 11- والذلة والمسكنة؛ فإنهم تحت الفقر المدقع، والمسكنة الشديدة، إلا النادر الشاذ منهم (ذَلِكَ) أي: ضرب الذلة عليهم والمسكنة والبواء بالغضب منه؛ لكونهم كفروا بآياته، وقتلوا أنبياءه، وبسب عصيانهم واعتدائهم. [١١٣ (لَيْسُوا سَوَاءً) أي: أهل الكتاب غير مستوين على الحال التي تقدمت من ذمِّهم، بل فيهم (أُمَّةٌ قَائِمَةُ)) طائفة مستقيمة عادلة (يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ) أي: آيات القرآن في صلاة الليل (آنَاءَ اللَّيْلِ) ساعاته (وَهُمْ يَسْجُدُونَ) بصلون، عبر بالسجود عن مجموع الصلاة؛ لما فيه من الخضوع والتذلل المقرَّب إلى الله. [١١٤](يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) هو يوم القيامة (وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) على العموم، وقيل: المراد بالأمر بالمعروف هنا: أمرهم باتباع النبي وَلِلية ونهيهم عن مخالفته (وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) يبادرون بها غير متثاقلين عن تأديتها لمعرفتهم بقدر ثوابها (وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) أي: مع الصالحين، وهم الصحابة ال لَا [فيكونون - إذا كانوا كذلك - من الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس التي تقام ذه ها آنفًا ]. صفحة 65 [١١٥] (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ) أيِّ خير كان { فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ) أي: لن يعدموا ثوابه، بلَّ هو موفَّر لَهَم. ١١٦] (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) قيل: هم بنو قريظة والنضير، لما ذكر تعالى مؤمني أهل الكتاب، ذكر كفارهم في هذه الآية (لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ) لن تدفع {أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا) من الدفع مما يريد اللّٰه أن يوقعه بهم من الهزيمة والنكال، وخصَّ الأولاد؛ لأنهم أحب القرابة إلى الإنسان وأرجاهم لدفع ما ينوبه. [ ١١٧] ( مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ) بيان لعدم إغناء أموالهم التي كانوا يعوِّلون عليها، وينفقونها في محادَّة اللّٰه ورسوله، ومحاربة دين الإسلام (كَمَثَلِ رِيح فِيهَا صِرُّ) الصِّّرُّ: البرد الشديد، ومعنى الآية: مثل نفقة" الكافرين في حربهم لله ورسوله في بطلانها وذهابها وعدم منفعتها، كمثل زرع أصابه ريح باردة، فأحرقته أو أهلكته، فلم ينتفع أصحابه شيء منه بعد آن كانوا على طمع من نفعه وفائدته [والأموال التي أنفقوها في ذلك الزرع ذهبت أيضًا] وقيل: هذا مثل لما يفعلونه من الخير بأموالهم مع ما هم عليه من الكفر، يأتون يوم القيامة فيجدون ثمرته قد مُحقت (وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [أضاعوا أموالهم في مغالبة اللّٰه الذي لا يُغلَب] كمثل هذا الزرع إذا زرعه القوم الظالمون فأصابه ريح فيها صر فأهلكته، فكذلك أنفقوا فأهلكهم شركهم. [١١٨] (لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ) بطانة الرجل: خاصته الذين يستبطنون أمره [ويطلعهم على أسراره وداخلة أمره] (مِنْ دُونِكُمْ ) أي: من دون المسلمين وهم الكفار (لا يَأْلَوْنَكَمْ خَبَالًا ) لا يقصِّرون فيما فيه الفساد عليكم، والخبال: الفساد في الأفعال والأبدان والعقول (وَدُّوا مَا عَنِتّمْ) يحبون لكم ما فيه المشقة عليكم والضرر (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ)) هي شدة البغض، قد ظهرت في كلامهم؛ لما خامرهم من شدة الحسد. أظهرت ألسنتهم ما في صدورهم، فتركوا التَّقِيَّةَ وصرحوا بالتكذيب، وكان يظهر من فلتات السنتهم ما يكشف عن خبث طويتهم (وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) بل تلك الفلتات بالنسبة إلى ما في الصدور قليلة جدّا. [١١٩]هَا أنتُم أولاءِ أيها الموالون لهم الذين اتخذتم منهم بطانة ( تُحِبُّونَهُمْ) أنتم (وَلَا يُحِبُّونَكُمْ) هم؛ لما قد استحكم في صدورهم من الغيظ والحسد (وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلَّهِ) والحال أنكم مؤمنون بكتب اللّٰه التي من جملتها كتابهم، فما بالكم تحب. ٠٠ ٠*م لا يؤمنون بكتابكم؟ (وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا) نفاقًا وتُقْيَةً (وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ) تأسفًا وتحسرًا، حيث عجزوا عن الانتقام منكم (قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ) أي: فإن اللّٰه متمِّمٌ نعمته على المؤمنين، ومظهرٌ دينه، فلتزدادوا غيظًا حتى تموتوا به {إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) الخواطر القائمة بها. [ ١٢٠] (إَنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ) من نصر، أو قوة، أو غير ذلك، ولو كان قليلًا (تَسُؤْهُمْ) فمن كانت هذه حالته لم يكن أهلًا لأن يُتخذ بطانة (وَإِنْ تَصْبِرُوا) على عداوتهم أو على التكاليف الشاقة في حربهم (وَتَتَّقُوا) موالاتهم (لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ) تدبيرهم السوء لكم ولدينكم (إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلَونَ مُحِيطَ) مطلع عليه قادر على إحباطه. [١٢١ (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ) انتقال إلى ذكر الحرب مع قريش في بدر وأُحُد، ليعتبر اليهود ويعلموا كيف مصيرهم لو حاربهم المسلمون، والمعنى: تذكَّرْ وقتَ أن خرجت من المنزل الذي فيه أهلك، نزلت في شأن غزوة أحد (تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ) أي: تتخذ لهم مواطن يقفون فيها متمكً :.. !... تعدادًا للقاء عدوِّهم. صفحة 66 [١٢٢] (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا) والطائفتان: بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكانا جناحي العسكر يوم أحد، أرادوا الرجوع عن الغزو مع النبي وَاِلِهِ لما رأوا كثرة من رجع من المنافقين يوم أحد، فحفظ اللّٰه قلوب المؤمنين فلم يرجعوا (وَاللهُ وَليُّهُمَا) أي: ولذلك عصمهما من الفشل فلم يرجعوا عندما رجع المنافقون. [١٢٣] (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ ) جملة مستأنفة سيقت تصبيرهم بتذكير ما يترتب على الصبر من النصر (وَأَنْتُمْ أَدلَّةٌ) ضعفاء بسبب قلتهم لا بسبب جبنهم. ١٢٤٦](إذْ تَقُولُ) أي: اذكر إذ قلت يوم بدر للمؤمنين: { أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ) للإنكار منه عليهم عدم اكتفائهم بذلك المدد من الملائكة. [١٢٥] (بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا) على شدة الحرب، وتثبتوا في المعركة (وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا) أي: إن يجئكم العدو في ساعتهم هذه (يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ) بالملائكة في حال إتيانهم، لا يتأخر عن ذلك (مُسَوِّمِينَ) أي: معلَمين أنفسهم بالعلامات، وكان أهل الشجاعة والبأس يعلِّمون أنفسهم بعصابة حمراء، أو علامة أخرى، ليُعْرَف مكانهم، قيل: إن الملائكة يوم بدر اعتمَّت بعمائم بيض، وقيل: حمر، وقيل: خضر، وقيل: صفر، وقيل: كانوا على خيل بُلْق. [١٢٦] (وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ) أي: إلا لتُبشَّروا بأنكم تنصرون (وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ) أي: بالإمداد (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ لا من عند غيره، فلا تنفع كثرة المقاتلة، ووجود العدة، إلا بعون اللّٰه وتآييده وتوفيقه [ولو شاء اللّٰه تعالى لقضى عليهم ونصر دينه بدون قتال منكم، ولا سعي في تدبير حرب، ولكن ليختبر إيمانكم وصبركم شرع لكم قتالهم، كما في الآية الأخرى (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لَا نْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ)]. [١٢٧] (لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: نصركم اللّٰه ببدر ليقطع طائفة من الكفار، وهم الذين قتلوا يوم بدر وكانوا رؤساء الكفر وقادة المشركين، كأبي جهل ومن معه، ومعنى (يَكْبِتَهُمْ) يحزنهم ويضيق عليهم أمرهم ويكف غلواءهم (فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ) أي: غير ظافرين بمطلبهم. [١٢٨] (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) أخرج البخاري ومسلم أن النبيَّ ويلف كُسرت ربَاعيته يوم أحد، وشُجَّ في وجهه حتى سال الدم، فقال: كيف يفلح قوم فعلوا هذا نبيهم وهو يدعوهم إلى رب ١٠٠٥٠ت هذه الاية، وورد في الصحيحين أيضًا عن ابن عمر قال: ((قال رسول اللّٰه وَالِيَّعِ يوم أحد: اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن سهيل بن عمرو، فنزلت هذه الآية». وقد آل أمر هؤلاء إلى الإسلام والحمد لله، أي: إن اللّٰه مالك امرهم يصنع بهم ما يشاء من الإهلاكِ او الهزيمة او التوبة إن أسلموا، أو العذاب، فقوله (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذْبَهُمْ) فيه تلميح بأن قريشًا سيكون مصيرها الإيمان. [١٢٩] (وَلِلْهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) لبيان سعة ملكه (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ) أن يغفر له (وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) أن يعذبه، يفعل في ملكه ما يشاء، ويحكم ما يريد (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمُ) إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه [ودعوة لقريش إلى أن تراجع موقفها من دين الإسلام وإشارة إلى أن منهم من سيعودون إلى الإسلام. [١٣٠] (أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) اعتراض بين أثناء قصة أحد [ليتركوا أكل الربا، ويبذلوا أموالهم في سبيل الله، ويستعدوا لنشر الإسلام]، ومعلوم تحريم الربا على كل حال، ولكنه جيء به باء" ا. ما كانوا عليه، فإنهم كانوا يُرْبُون صفحة 67 إلى أجل، فإذا حل الأجل زادوا في أجل الدين، يفعلون ذلك مرة بعد مرة، حتى يأخذ المرابي أضعاف دينه الذي كان له في الابتداء. ١٣١٦]( وَتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) فيه الإرشاد إلى تجنب ما يفعله الكفار في معاملاتهم، أي: إن أكل الربا شأن الكفار، فاتقوا الربا الذي ينزع منكم الإيمان تستوجبون النار كالكفار. [١٣٢] (وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ) في كل أمر ونهي (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) لتكونوا بطاعتكم لله ورسوله لتعرضين لرحمة اللّه. [١٣٣] (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبَّكُمْ) [هذا أمرٌ للمؤمنين بالمبادرة إلى الخيرات وترك التسويف] (عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) فهما أوسع مخلوقات اللّٰه سبحانه فيما يعلمه عباده، فكيف تفعلون ما يحرمكم من الجنة، على ما هي عليه من السعة وقد أعدت للمتقين؟ وتأكلون الربا، فيدخلكم النار التي أعدتِ للكافرين. [١٣٤]الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ) اليسر والرخاء (وَالضَّرَّاءِ) العسر والشدة (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) الذين يكتمون غضبهم، ويبقونه في قلوبهم، فلا يظلمون بسبب غيظهم أحدًا، يقال: كظم غيظه، أي: سكت عليه ولم يظهره {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) أي: التاركين عقوبة من أذنب إليهم واستحق المؤاخذة، وذلك إذا كانوا قادرين على المؤاخذة (وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) بالعفو وغيره من أمورهم. [١٣٥] (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً)) أي: فِعلةً فاحشة وهي كل معصية، وقد كثر اختصاصها بالزنى؛ لأنه من أشنع الفواحش (أَوْ ظَلَمُوا أَنَّفُسَهُمْ) باقتراف الذنوب، وقيل: الفاحشة: الكبيرة، وظلم النفس: الصغيرة (ذَكَرُوا اللَّهَ) بألسنتهم وقلوبهم (فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ) طلبوا المغفرة لها من اللّٰه (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللّهُ [أي: مغفرة كاملة لا بتبعها عتب ولا عقوبة، فلا يتعاظم اللّٰه تعالى ذنبٌ أن يغفره] (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا) الإصرار: العزم على معاودة الذنب، وعدم الإقلاع عنه بالتوبة. ١٣٦] (جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ) أي: جزاء من عمل الصالحات المذكورة أن يمحى عنه ذنبه، ويدخل الجنة، عن أبي بكر الصديق، قال: سمعت رسول اللّٰه وتليم يقول: ((ما من رجل يذنب ذنبًا، ثم يقوم عند ذكر ذنبه فيتطهر، ثم يصلي ركعتين، ثم ستغفر اللّٰه من ذنبه ذلك إلا غفر ٨١ه ام، ثم قرأ هذه الآية». [١٣٧] (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ) وقائع سنها اللّٰه في الأمم المكذبة (فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) سيحوا فيها بقصد الاعتبار، أي: إن شككتم فسيروا ( فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) ولمشاهدة آثار الأمم البائدة وقع في النفوس، ليس لمجرد التذكر واستماع القول أثر يوازيه؛ ولذا أمرنا اللّٰه بالسير والنظر . [١٣٨]( هَا الأمر بالسير في الأرض، والنظر في عاقبة الظالمين البائدين وديارهم الخاوية منهم (بَيَانٌ لِلنَّاسِ) أي: للمكذبين وغيرهم (وَهُدى وَمَوْعِظَةُ) فالبيان لجميع الناس مؤمنهم وكافرهم، والهدى والموعظة للمتقين وحدهم. [١٣٩] (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا) [الوهن: الضعف والعجز وترك الاستعداد، والملل عن الأخذ بأسباب القوة]. عزَّاهم اللّٰه تعالى وسلاهم عما نالهم يوم أحد من القتل والجراح، وحثهم على قتال عدوهم، ونهاهم عن العجز والفشل، ثم بين لهم أنهم (الأَعْلَوْنَ) على عدوهم بالنصر ، الناَّذَ. بعد هذه الوقعة صفحة 68 (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي: إن كنتم مؤمنين فلا تهنوا ولا تحزنوا، أو: إن كنتم مؤمنين فأنتم الأعلون. [١٤٠] (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ) القرح: الجرح، والمعنى: إن نالوا منكم يوم أحد، فقد نلتم منهم يوم بدر (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ) أي: النصر والغلبة في الوقائع الكائنة بين الأمم في حروبها، جرت عادة اللّٰه أن يجعلها بينهم متداولة، تارة غلب هذه الطائفة، وتارة تغلب الأخرى، كما وقع لكم أيها المسلمون في يوم بدر وأحد وَلِيَعْلَمَ اللَهُ الَّذِينَ آمَنُوا ) صبرهم عِلْمًا يقع عليه الجزاء، كما عَلِمَهُ علمًا أزليًّا (وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ) أي: يكرمهم بالشهادة، والشهداء سمُّوا بذلك [لأنهم قُتلوا في الدعوة إلى الله، فيشهدون عنده على من قتلهم أنه قتلهم ظلمًا وعدوانا]، وقيل: لكونهم مشهوداً لهم بالجنة. [١٤١] (وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) والتمحيص: التطهير، أي: ليخلِّص المؤمنين من ذنوبهم، فتبقى صحائفهم نقية ليس فيها إلا الحسنات (وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) أي: يستأصلهم بالهلاك، ففي هذه الآية بيان الحكمة في ظهور الكفار يوم أحد، فمنها تميُّز أهل الإيمان والصبر، وإدراك بعض المؤمنين الشهادة، وطغيان الكفار ليؤدي ذلك بهم إلى المحق والهلاك. [١٤٢ ] {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَم ) أي: [بل أتظنون أنكم تدخلون الجنة قبل أن يتميز منكم أهل الجهاد وأهل الصبر من غيرهم، ففي وقعة أحد تميزوا]. [١٤٣] (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ) كانوا يتمنون يومًا بكون فيه قتال، فلما كان يوم أحد انهزموا مع أنهم هم الذين ألحوا على رسول اللّٰه ول لِيه بالخروج، ولم يصبر منهم إلا نفر يسير، مثل أنس بن النضر عم أنس بن مالك (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ) أي: القتال، وتمني الموت من المسلمين يرجع إلى تمني الشهادة (فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ) أي: الموت (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) معاينين له حين قُتِلَ مَن قُتِلَ منكم. [١٤٤] (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ) لما أصيب النبيُّ ولَلِية في يوم أحد صاح الشيطان قائلًا: قد قُتِلَ محمد، ففشل عض المسلمين، حتى قال قائل: قد أصيب محمد فأعطوا بأيديكم، فإنما هم إخوانكم، وقال آخر: لو كان رسولًا ما قُتِلَ (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) يموت كما مات الرسل غيره، وقد يُقْتَل كما قُتِلُوا [وهذا قبل أن عصمه اللّٰه من الناس] {أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْتَاءُ. عَلَى أَعْقَابِكُمْ) أي: كيف ترتدون وتتركون دينه إذا مات أو قُتِل، مع علمكم أن الرسل تخلو ويتمسك أتباعهم بدينهم وإن فُقِدوا بموت أو قتل (وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ) أي: بإدباره عن القتال، أو بارتداده عن الإسلام (فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا) وإنما يضر نفسه (وَسَيَجْزِى اللهُ الشّاكِرِينَ) أي: الذين صبروا وقاتلوا واستُشْهِدوا؛ لأنهم بذلك شكروا نعمة اللّٰه عليهم بالإسلام. [١٤٥ ] (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ ) بقضاء اللّٰه وقدره (كِتَابًا مُؤَجَّلًا) معناه: كتب اللّٰه الموت كتابةً على كل نفس في أجل لا يتقدم على أجله ولا يتأخر (وَمَنْ يُرِدْ أي: بعمله (ثَوَابَ الدُّنْيَا) كالغنيمة ونحوها (نُؤْتِهِ مِنْهَا) أي: من ثوابها (وَمَنْ يُرِدْ) بعمله {ثَوَابَ الْآخِرَةِ) وهو الجنة نؤته من ثوابها، ونضاعف له الحسنات أضعافًا كثيرة (وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ) بامتثال ما أمرنا به كالقتال والصبر، عن علي قال: الشاكرين الثابتين على دينهم: أبا بكر وأصحابه، فكان علي يقول: كان أبو بكر أمير الشاكرين، أي: لثباتهم على الدين بعد وفاة النبي لوَلِ يهِ وقتالهم أصحاب الردَّة صفحة 69 [١٤٦] (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيِّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبَّيُّونَ كَثِيرٌ) أي: كثير من الأنبياء قاتلوا أعداء الله، وقاتل معهم العلماء والعُبَّاد الربانيون، والرِّبيون: هم الربانيون، نُسِبُوا إلى التألُّه والعبادة ومعرفة الربوبية (فَمَا وَهَنُوا) أي: فما وهن أولياء اللّٰه لقتل نبيهم، أو لقتل مَن قُتِلَ منهم (وَمَا ضَعُفُوا) أي: عن عدوهم (وَمَا اسْتَكَانُوا) لما أصابهم في الجهاد، والاستكانة: الذلة والخضوع. [١٤٧] (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ) أي: قول أولئك الذين كانوا مع الأنبياء عند أن لقوا عدوَّهم ( ذُنُوبَنَا) قيل: هي الصغائر (وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا) قيل: هي الكبائر، والإسراف: ما فيه مجاوزة للحد، قالوا ذلك مع كونهم ربانيين هضمًا لأنفسهم (وَثَبَّتْ أَقْدَامَنَا) في مواطن القتال. [١٤٨] (فَآتَاهُمُ اللهُ ) بسبب ذلك {ثَوَابَ الدَّنْيَا) من النصر والغنيمة والعزة ونحوها (وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ) وهو نعيم الجنة (وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) في شؤون الحرب وغيرها، فيُحسن جزاءهم في الدنيا والآخرة. ١٤٩] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا ) [وهذا كأنه رد على الذين دعوا في معركة أحد بعد الهزيمة إلى الاستسلام، وأمَّلوا أن يحسن المشركون معاملتهم] (يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) أي: يخرجوكم من دين الإسلام إلى الكفر (فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) أي: ترجعوا مغبونين. [١٥٠] (بَلِ اللهُ مَوْلَاكُمْ) أي: فلا ترجعوا إلى المشركين ولا تتولوهم، وكونوا حزب الله، حربًا على أعدائه؛ فالله هو مولاكم من دونهم، ولا ينصرونكم، بل اللّٰه ناصركم لا غيره. [١٥١] (سَنُلْقِي) سنملأ قلوب الكافرين خوفًا وفزعًا (بِمَا أَشْرَكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزَّلْ بِهِ سُلْطَانًا) أي لأنهم اتخذوا آلهة أشركوهم مع اللّٰه في العبادة، ولم ينزل اللّٰه بجعل أحد منهم شريكًا حجةً وبيانًا وبرهانًا (وَمَأُوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظالِمِينَ) [فكيف تتولونهم؟ فإنكم إن توليتموهم كنتم معهم]. ١٥٢]وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ) نزلت لما قال بعض لمسلمين: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا اللّٰه النصر؟ وذلك أنه كان الظَّفَر في وقعة أَحُد للمسلمين في الابتداء، حتى قَتَلُوا صاحب لواء المشركين وتسعة نفر بعده، فلما اشتغلوا بالغنيمة، وترك الرماة مركزهم طلبًا للغنيمة، كان ذلك سبب الهزيمة (تَحُسُّونَهُمْ) تقتلونهم وتستأصلونهم {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ ) والتنازع: ما وقع من الرماة حين قال بعضهم: نلحق بالغنائم، وقال .-ذ . .: نثبت في مكاننا (مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ) ما وقع لكم من النصر في الابتداء في يوم أحد (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدّنْيَا) الغنيمة (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ) أي: الأجر بالبقاء في مراكزهم امتثالاً لأمر رسول اللّٰه باله (ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ) أي: ردَّكم اللّه عنهم بالانهزام بعد أن استوليتم عليهم ليمتحنكم (وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ) لما علم من ندمكم فلم يستأصلكم بعد المعصية [والمعصية هي أن النبيّ وَلِيه كان قد أقام الرماة في موضع يحموا ظهور المسلمين، وقال لهم ((إن رأيتمونا نُقْتُلُ فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا نَغْنَمُ فلا تَشْرَكونا)) ولكنهم تركوا أماكنهم لما رأوا هزيمة المشركين]. [١٥٣ (إذْ تُصْعِدُونَ) تمضون قبالة وجوهكم تمعنون في الهرب والسير بعيدًا (وَلَا تَلْوُونَ) أي: لا يلتفت بعضهم إلى بعض هربًا (عَلَى أَحَدٍ) ممن معكم، وقيل: على (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أَخْرَاكُمْ) في رسول اللّٰه وَلِّيم الطائفة المتاخرة منكم، وكان دعاء النبي وَلِّي ((أي عباد اللّٰه ارجعوا)) ( فَأَثَابَكُمْ) أي. فحا: اكم اللّه غمَّا حين صرفكم صفحة 70 عنهم بسبب غم أذقتموه رسول اللّٰه بعصيانكم (لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ) من الغنيمة (وَلَا مَا أَصَابَكُمْ) مِن الهزيمة. [١٥٤] (ثُمَ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً)) الأمَنَة: الأمن يكون مع وجود أسباب الخوف (نُعَاسًا)) عن الزبير بن العوام قال: رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أنظر وما منهم من أحد إلا وهو يميل تحت جحفته من النعاس، وأخرج البخاري وغيره عن أبي طلحة قال: غُشِينا يوم أحد فجعل سيفي يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه، (يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ) هم المؤمنون الذين خرجوا للقتال طلبًا للأجر، أصابهم النعاس قليلًا فكان ثباتًا لهم، والطائفة الأخرى هم: معتِّب بن قشير وأصحابه من المنافقين، وكانوا خرجوا طمعًا في الغنيمة، فجعلوا يتأسفون، بل أخِذهم القلق على الحضور، ويقولون الأقاويل، ومعنى (أهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ) صارت هممَهم لا همَّ لهم غيرها (يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقَّ) ظنهم أن أمر النبي الِقه باطل، وأنه لا يُنْصَر ولا يتم ما دعا إليه من دين الحق ( يَقُولُونَ) لرسول الله ال ه ( يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ) أي: من النصر والاستظهار على العدو لننال الغنيمة، وقيل: المراد بالأمر: الخروج ذلك اليوم للحرب، يقولون: خرجنا إليها ولم يكن رأينا الخروج، وورد أن المنافقين قالوا لعبد اللّٰه بن أبيّ: قُتِل اليوم بِني الخزرج، فقال: وهل لنا من الأمر شيء (قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) وليس كم ولا لعدوكم منه شىء، فالنصر بيده والظفر منه، وقوله: (يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ) النفاق ولا يبدون لك ذلك، بل يسألونك سؤال المسترشدين (يَقُولُونَ) كأنه قيل: ما هو الأمر الذي يخفون في أنفسهم؟ فقيل: يقولون فيما بينهم أو في أنفسهم (لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا ) أي: ما قُتِلَ مَن قُتِلَ منَّا في هذه المعركة { لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ) أي: لم يكن بُدٌّ مِن خروج مَن كُتِبَ عليه القتل إلى هذه المصارع التي صرعوا فيها؛ فإن قضاء اللّٰه لا يرد (وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ) ليمتحن ما في صدوركم من الإخلاص، وليمحص ما في قلوبكم من وساوس الشيطان. [١٥٥] (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ) أي: انهزموا يوم أُحُد (إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ) أوقعهم في الخطيئة وهي الانهزام بسبب {بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا) من الذنوب (وَلَقَدْ عَفَا اللَهُ عَنْهُمْ )) لتوبتهم واعتذارهم. ١٥٦] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَدُ. ) ٧ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ) في الكفر، أو في النسب [أو في المحبة ]، أي: قالوا لأجلهم (إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ) إذا ساروا للتجارة أو نحوها (أَوْ كَانُوا غُزَّى) أي: خَارجين للقتال فماتوا في السفر، أو قُتلوا في الحرب [يبين اللّٰه تعالى موقف الكافرين والمنافقين إذا مات لاحدهم أخ أو عزيز في سفر أو تجارة أو حرب] (لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا) قالوا ذلك لعدم إيمانهم بقضاء اللّٰه وقدره (لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ) والمراد: أنه صار ظنهم أنهم لو لم يخرجوا ما قُتِلوا وما ماتوا، فيكون ذلك زيادة حسرة عليهم (وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ) متى شاء وأين شاء، في الغزو والسفر وغيرهما، فلا تكونوا أيها المؤمنون مثلهم، ولا تتحسروا على من استُشهد منكم، وكونوا مع الصابرين المؤمنين بأقدار اللّٰه. [١٥٧] (وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ) في الجهاد (أَوْ مُتُّمْ) في سفر أو غيره (لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) أي: إن مزية القتل أو الموت في سبيل الله، وزيادة تأثيرهما في استجلاب المغفرة والرحمة، خير مما يجمع الناس من الدنيا ومنافعها. صفحة 71 [١٥٨] (وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ) على أي وجه (لَإِلَى اللهِ نَحْشَرُونَ) [لعل المراد: أنه ليس موت إخوانكم الذين يموتون فراقًا لا لقاء بعده، بل ستحشرون إلى اللّٰه ويجمعكم عنده]. [١٥٩] (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ) أي: من رحمة اللّٰه عِليك وعليهم (لِنْتَ لَهُمْ) أي: كنت رفيقًا بهم، والمعنى: أنَّ لِينَه لهم ما كان إلا بسبب الرحمة العظيمة من اللّٰه تعالى إعانة منه تعالي لرسوله وَلِيه ل تلأليف قلوب أصحابه واستقامة أمر الدين (فَظّا الفظ: الغليظ الجافي، الكريه الخُلق (غَلِيظَ الْقَلْبِ) وغلظ القلب: قساوته وقلة إشفاقه وعدم انفعاله للخير (لَا نْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) انصرفوا عنك وتفرقوا (فَاعْفُ عَنْهُمْ) فيما يتعلق بك من الحقوق (وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) اللهَ فيما هو من حقه سبحانه (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) الذي يَرِدُ عليك، مما يشاوَر في مثله، أو في أمر الحرب، وفي ذلك تطييب خواطرهم واستجلاب مودتهم، ولتعريف الأمة بمشروعية ذلك بعدك، والمراد: المشاورة في غير الأمور التي يرد الشرع بها [إن كانت جلية لا خفاء فيها]، فواجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون وفيما أشكل عليهم من أمور الدين، ومشاورة وجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكُتَّاب والعمال والوزراء فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها، وحكى القرطبي: أنه لا خلاف في وجوب عزل من لا يستشير أهل العلم والدين (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) في فعل ذلك. [١٦٠] (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ) أي: فتولوه وتوكلوا عليه وثقوا به (وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ) يترك إِعانتكم على عدوكم. [١٦١] (وَمَا كَانَ لِنَبِيَّ أَنْ يَغُلَّ} ما صح لنبي أن يخون شيئًا من المغنم فيأخذه لنفسه من غير اطلاع أصحابه، قيل: نزلت في قطيفة حمراء افتقدت من الغنائم يوم بدر، فقال أحدهم: لعل رسول اللّٰه وتاليه أخذها، وفيه: تنزيه الأنبياء عن الغلول، والغلول: أن يأخذ الإنسان لنفسه من مال المسلمين شيئًا، سواء أكان غنيمة أو صدقة أو هدية، مما لا حق له فيه، والغلول حرام لهذه الآية، وكان النبي وَالِيّي يأخذ الوبرة من ظهر البعير في المغنم ثم يقول: ((ما لي فيه إلا مثل أحدكم، إياكم والغلول، فإن الغلول خزي على صاحبه يوم القيامة، أدوا الخِيَاط والمِخْيَطَ وما فوق ذلك)) (وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) هذه الجملة تتضمن تحريم الغلول والتنفير منه، بأنه ذن . . خمس فاعله بعقوبة على رؤوس الأشهاد، يطلع عليها أهل المحشر، وهي مجيئه يوم القيامة بما خان فيه، حاملًا له، قبل أن يحاسب عليه ويعاقب عليه (ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ) أي: تعطى جزاء ما كسبت وافيًا من خير وشر. [١٦٢] {أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ) أي: ليس من اتبع رضوان اللّٰه في أوامره ونواهيه: أي كأنبياء اللّٰه البررة المنزهين عن أن يمدوا أيديهم إلى ما يحرمه اللّٰه - كغيرهم ممن غل أو عصى، فباء أي: رجع سخط عظيم من اللّٰه بسبب مخالفته لما أمر به ونهى عنه، ويدخل تحت ذلك الغلول. [١٦٣] (هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللهِ) فدرجات من اتبع رضوان الله، ليست كدرجات من باء بسخط من اللّه؛ فإن الأولين في أعلى الدرجات، والآخرين في أسفلها. [١٦٤ ] (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) أي: أنعم عليهم (مِنْ أَنَفُسِهِمْ) ولو كان من غير نس بني دم لم يحل كمال الأنس به لاختلاف الجنسية (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِه) هذه مِنَّة ثانية، أي: يتلو عليهم القرآن بعد أن كانوا أها حاهلية لا يعرفون شيئًا من الشرائع صفحة 72 (وَيُزَكِّيهِمْ) أي: يطهرهم من نجاسة الكفر (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ القرآن (وَالْحِكْمَةَ) السُّنَّة (وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ) أي: من قبل محمد يَاِيه ( لَفِي ضَلَالٍ مُبِينِ) أي: واضح لا ريب فيه. [١٦٥] (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ) الغلبة والقتل الذي أصيبوا به يوم أحد (قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا ) يوم بدر، كان الذين قُتِلوا من المسلمين يوم أحد سبعون، وقد كانوا قتلوا يوم بدر سبعين وأسروا سبعين (أَنَّى هَذَا) أي : من أين أصابنا هذا الانهزام والقتل، ونحن نقاتل في سبيل الله، ومعنا رسول اللّٰه الا يه وقد وعدنا الله بالنصر عليهم؟ وقوله: (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) بسبب مخالفة الرماة أمره ول لي من لزوم المكان الذي عيَّنه لهم، وعدم مفارقتهم له على كل حال. [١٦٦] (يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ) أي: ما أصابكم يوم أحد من القتل والجراح والهزيمة (فَبِإِذْنِ اللهِ) بقضائه وقدره، وقيل: بتخليته بينكم وبينهم. ١٦٧]وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا) والمراد بالعلم هنا: التمييز والإظهار، والمراد بالمنافقين هنا: عبد اللّٰه بن أُبَيِّ بن سلول وأصحابه، عن ابن شهاب وغيره: قال: خرج رسول اللٰه وَلِليه إلى أُحُد في ألف رجل من أصحابه فلما كانوا بالشوط بين أُحُد والمدينة انخذل عنهم عبد اللّٰه بن أُبَي بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصاني، واللهِ ما ندري علامَ نقتل أنفُسَنا ههنا؟! فرجع بمن اتبعه من أهل النفاق وأهل الريب (تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) إن كنتم ممن يؤمن بالله واليوم الآخر ( أَوِ ادْفَعُوا) عن أنفسكم وأولادكم ودياركم إن كنتم لا تؤمنون بالله واليوم الآخر، وقيل: المراد دافعوا من ورائنا، ولا تقاتلوا، وقيل: كثّروا سوادنا، فأبوا جميع ذلك (قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ) أنه سيكون قتال (لَاتَّبَعْنَاكُمْ) وقاتلنا معكم، ولكنه لا قتال هنالك، وقيل: المعنى: لو كنا نقدر على القتال ونحسنه لا تبعناكم (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ) أي: يوم انخذلوا عنكم وقالوا هذه المقالة (أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ) عند من كان يظن أنهم مسلمون (يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) أي: إنهم أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر. [١٦٨] (الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ) أي: هم الذين قالوا لإخوانهم، أي: قالوا عن أقاربهم من المؤمنين الذين قُتِلوا في وقعة أحد، والحال: أن هؤلاء القائلين قد (قَعَدُوا) عن القتال (لَوْ أَطَاعُونَا) بترك الخروج من المدينة ما قُتِلوا (قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أي: لا ينفع الحذر من القدَر، فإذ. 11 .ة-. ل يقتل بأجله، ولا مفرَّ لأحد من الموت. [١٦٩] (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا) من المؤمنين يوم أ ومثلهم مَن قُتِلَ ويقتل في سائر المواطن (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي: لرفع كلمة اللّٰه ونصر دينه (أَمْوَاتًا) أي: لا تظن أَن الشهداء ماتوا (بَل ) هم (أحْيَاءً) حياةً محققة، ورد أن أرواحهم في أجواف طيور خضر، وأنهم في الجنة يُرْزَقون ويأكلون [ولا يمنع ذلك من أنهم بالنسبة إلينا موتى، فحياتهم حياة برزخية هي من قبيل الغيب] (عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي: بقربه في دار كرامته (يُرْزَقُون) أي: يرزقهم اللّٰه الطعام والشراب [فرزقهم مستمر عند الله، وإن انقطع رزقهم من الدنيا بقتلهم]. [١٧٠] (فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ) ما ساقه اللّٰه إليهم من الكرامة بالشهادة، وما صاروا فيه من الحياة، وما يصل إليهم من رزق اللّٰه سبحانه (وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ) من إخوانهم من المؤمنين الذين لم يُقْتَلُوا إذ ذلك {أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) أي: يستبشرون لمن يُقتل بعدهم في سبيل اللّٰه أو يموت على الإيمان من أنه لا خوف عليهم ولا حزن صفحة 73 [١٧١](يَسْتَبْشِرُونَ) لإخوانهم أهل الإيمان وأهل الجهاد، بما رأوه لهم عند اللّٰه من الجنة والرضوان (وَأَنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ» علموا أنه لا يضيع أجر مؤمن عَمِلَ صالحًا. [١٧٢] (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) عندما دعاهم لملاحقة أبي سفيان وجيش قريش بعد رجوعهم من أُحُد (مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ) الجراح وشدة الحرب (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ) عن عائشة أنها قالت لعروة بن الزبير: ((يا ابن أختي كان أبواك منهم: الزبير وأبو بكر). [١٧٣] (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ) المراد بالناس: أعرابيٌّ أرسله أبو سفيان (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) أبو سفيان وأصحابه (فَزَادَهُمْ) ذلك القول إيمانًا ولم يؤثر فيه خوفًا (وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) أي: يكفينا اللّٰه شرهم، وهو الذي نتوكل عليه، ونسند آمورنا إليه. [١٧٤ ](فَانْقَلَبُوا) أي: فخرجوا خلف جيش قريش (فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ) وهي السلامة من عدوهم وعافية (وَفَضْلٍ) أي: أجر تفضَّل اللّٰه به عليهم، وقيل: ربح في التجارة (وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ) في ما يفعلون وما يتركون، ومن ذلك: خروجهم لهذه الغزوة. ١٧٥] إنَّمَا ذَلِكُمُ) أي: المثبط لكم أيها المؤمنون ( الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ) أو المعنى: أن الشيطان يخوف المؤمنين من أوليائه وهم الكافرون، والمراد: الشيطان نفسه باعتبار ما يصدر عنه من الوسوسة، وقيل: المراد الأعرابي الذي نقل إليهم وعيد أبي سفيان (فَلَا تَخَافُوهُمْ) أي: لا تخافوا الكفار، فهم أولياء الشيطان، نهاهم عن أن يخافوهم فيجبنوا عن اللقاء ويفشلوا عن الخروج (وَخَافُونِ) أي: فافعلوا ما آمركم به، واتركوا ما أنهاكم عنه؛ لأني الحقيق بالخوف مني، والمراقبة لأمري ونهيي؛ لكون الخير والشر بيدي. [١٧٦] (وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) قيل: هم قوم ارتدوا فاغتمَّ النبي وَالِيّي لذلك، فسلاه اللّٰه سبحانه ونهاه عن الحزن، وقيل: كان النبي يفرط في حزنه على كفر قومه، فنهاه اللّٰه عنِ الإفراط فيه، كما قال تعالى (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) (إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا) والمعنى: أن كفرهم لا ينقص من ملك اللّٰه سبحانه شيئًا، وقيل: المراد لن يضروا دينه الذي شرعه لعباده (يُرِيدُ اللهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا) نصيبًا في الجنة، أو نصيبًا من الثواب (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم) بسبب مسارعتهم في الكفر، فكان ضرر كفرهم عائدًا عليهم، جالبًا لهم عدم الحظ في الآخرة. ١٧(إنَّ الَّذِينَ اشْتَمُا الْكُفْرَ بِالإِيِمَانِ) أي: استبدلوا الكفر بالإيمان. [١٧٨] (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ) بطول العمر ورغد العيش، أو بما أصابوا من الظفر يوم أحد (خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ) فليس الأمر كذلك بل (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِين) أخبر بأنه يطيل أعمار الكفار ويجعل عيشهم رغدًا ليزدادوا إثمًا. [١٧٩] (مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ) يا معشر المنافقين بل يعقد من الأسباب - كالأمر بالجهاد والهجرة - (حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ) وهو المنافق والعاصي (مِنَ الطِّب) وهو المؤمن الزكي، وقيل: الخطاب للمؤمنين، أي: ما كان اللّٰه ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من الاختلاط بالمنافقين حتى يميز بينكم (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ) حتى تميِّزوا بين الطيب والخبيث؛ فإنه المستأثر بعلم الغيب لا يظهر على غيبه أحدًا (وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ) ويختاره فيطلعه على شيء من غيبه، فيميز بينكم، كما وقع من نبينا وَلِيه من تعيين كثير من المنافقين، [أما غير النبي وَلا له فقد يميز المنافقين بكثرة معاصيهم وسوء أحوالهم وللقرائن التي تظهر منهم، كما قال تعالى (١٠: ذَنَهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ القول)]. صفحة 74 [ ١٨٠] (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آنَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ) لا يحسبن الباخلون عن الإنفاق في سبيل اللّٰه البخلَ خيرًا لهم (سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ) يكون ما بخلوا به من المال طوقًا من نار في أعناقهم، والبخل: أن يمنع الإنسان الحق الواجب، ويترك الإنفاق حيث ينبغي الإنفاق (وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) له ما فيهما مما يتوارثه أهلها، فما بالهم يبخلون بذلك ولا ينفقونه حيث أمرهم وإنما كان عندهم عاريةً مستردة؟ عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّٰه وَلَِّيْ. ((مَن آتاه اللّٰه مالًا فلم يؤد زكاته مُثَّل له شجاع أقرع له زبيبتان يُطَوَّقُهُ يوم القيامة، فيأخذ بلهزمته، يعني: بشدقه، فيقول: أنا مالُك، أنا كنُرُك. ثم تلا هذه الآيةِ)). [١٨١] ( لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيْرٌ)) قال قوم من اليهود هذه المقالة [غرورًا بما هم فيه من الغنى، وجهلًا منهم بقدر اللّٰه تعالى] وقيل: أرادوا أنه تعالى إن صح ما طلبه منا من القرض على لسان محمد وَلِيَيْ فهو فقير؛ ليشككوا في دين الإسلام، وقال ابن عباس: أتت اليهود محمدًا وَاليع حين أنزل اللّٰه (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا) فقالوا: يا محمد أفقيرٌ ربك يسأل عباده القرض؟ فأنزل اللّٰه الآية ( سَنْكْتُبُ مَا قَالُوا) أي: سنكتبه في صحف الملائكة، وسنحفظه، وسنجازيهم عليه (وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ) أي: ونكتب قتلهم الأنبياء، جعل ذلك القول قرينًا لقتل الأَنبياء؛ تنبيهًا على العظم والشناعة (وَنَقُولُ) أي: ننتقم منهم بهذا القول الذي نقوله لهم في النار، والحريق: اسم للنار الملتهبة [وسبب نزول الآية: أن يهوديًّا اسمه فنحاص قال لأبي بكر: ما لنا إلى اللّٰه من حاجة، وإنه إلينا لفقير، ما نتضرَّع إليه كما يتضرع إلينا، وإنّا عنه لأغنياء، ولو كان غنيًّا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم. فنزلت]. [١٨٢] (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَهَ لَيْسَ بِظَلَامٍ لِلْعَبِيدِ) أي: عذَّبهم عذاب الحريق بما أصابوا من الذنب وجازاهم على فعلهم، فلم يكن ذلك ظلمًا. [١٨٣] الّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنَا) كان دأب بني إسرائيل أنهم كانوا يقرِّبون القربان، فيقوم نبيُّهم فيدعو، فتنزل نار من السماء فتحرقه، ولم يتعبد اللّٰه بذلك كل أنبيائه، ولا جعله دليلًا على صدق دعوى النبوة، [وهم قد ادعوا أن لديهم من اللّٰه عهدًا بذلك، يفرقون به بين المتنبئِ الكاذب، والنبي الصادق] ولهذا رد الله عليهم، فقال: (قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ) من القربان (فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) كيحيى ابن زكريا . أه - اء وسائر مَن قتلوا مِن الأنبياء، والقربان: ما يتقرب به إلى اللّٰه. [١٨٤] (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَِّنَاتِ وَالزَّبُرِ) أي: بمثل ما جئت به من البينات، فكذَّبوه، والزبر ا لل ا الوب على قوال جاهدهم الوعد. والوعيد، للمصدق والمكذب [والله تعالى قد جعل الموت مصيرًا لكل حيّ سواه، سواء أكان بشرًا أو ملكًا أو جنيًّا أو حيوانًا، لا مخلص لأحد من أن يذوق كأس الحمام] (وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: أن تكميلها إنما يكون في ذلك اليوم، وما يقع من الأجور في الدنيا أو في البرزخ فإنما هو بعض الأجور (فَمَنْ زُحْزِحَ) والزحزحة: التنحية والإبعاد (فَقَدْ فَازَ) أي: ظفر بما يريد، ونجا مما يخاف، فإن كل فوز - وإن كان بجميع المطالب - دون الجنة ليس بشيء، وكل نجاة من ضرر فليس بنجاة إن لم ينج صاحبها من النار، والمتاع: ما يتمتع به الإنسان وينتفع به، ثم يزول ولا يبقى (الْغُرُورِ) الاغترار بالأما: صفحة 75 ١٨٦] (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) هذا الخطاب اللنبي وَاليي وأمته، تسلية لهم عما سيلقونه من الكفرة والفسقة؛ ليوطنوا أنفسهم على الثبات والصبر على المكاره، أي: لتُمْتَحنُنَّ ولتُختبرُنَّ في أموالكم بالمصائب، والإنفاقات الواجبة، وسائر التكاليف الشرعية المتعلقة بالأموال، والابتلاء في الأنفس بالموت، والأمراض، وفقد الأحباب، والقتل في سبيل اللّٰه { الَّذِينَ أُوِنُوا الْكِتَابَ مِنْ قَيْلِكُمْ) وهم اليهود والنصارى (وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) وهم سائر الطوائف الكفرية من غير أهل الكتاب (أَذَى كَثِيرًا) من الطعن في دينكم وأعراضكم (فَإِنَّ ذَلِكَ) الصبر والتقوى (مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) أي: مما يجب عليكم أن تعزموه من الأمور، يقال: عزمتُ الأمْرَ إذا شددته وأصلحة [١٨٧] لتبِيِّنَنّهُ أي: إن اللّٰه أخذ على اليهود والنصارى الميثاق أن يبينوا للناس ما في كتبهم، ومنه: نبوة محمد وَلِ ية ( فَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) مبالغة في النبذ والطرح (وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًّا قَلِيلًا ) أي: حقيرًا يسيرًا من حطام الدنيا وأعراضها. ١٨٨] (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ) أي: فمن فرح بما فعل، وأحب أن يحمده الناس بما لم يفعل، فلا تحسبنه منجاة من العذاب، وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل: لئن كان كل امرئ منا فَرِحَ بما أوتي، وأحَبَّ أن يُحْمَد بما لم يفعل معذّبًا، لنعذبن أجمعون؟ فقال ابن عباس: مالكم ولهذه الآية؟ إنما أنزلت في أهل الكتاب: سألهم النبي وَلاله. عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أرَوْه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمان ما سألهم عنه. [١٩٠] (وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) أي: في تعاقبهما مجيء كل منهما بعد الآخر، وتفاوتهما طولًا وقصرًا، وحرًّا وبردًا، وغير ذلك لَآيَاتٍ)) دلالات واضحة، وبراهين بينة تدل على الخالق سبحانه (لِأُولِي الْأَلْبَابِ) أهل العقول الصحيحة الخالصة عن شوائب النقص، إن مجرد التفكر فيما قصه اللّٰه في هذه الآية يكفي العاقل، ويوصله إلى الإيمان الذي لا تزلزله الشبه، ولا تدفعه التشكيكات. [١٩١] الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ) المعنى: أنهم يذكرون اللّٰه على كل حال، وكان رسول اللٰه وَلِيّي «يذكر اللّٰه على كل أحيانه» وقيل: الذكر هنا عبارة عن الصلاة، أي: لا يضيعونها في حال من الأس. ١١. فيصلُّونها قيامًا مع عدم العذر، وقعودًا أو على جنوبهم مع العذر (وَيَتَفَكّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) في بديع صنعهما، وإتقانهما مع عظم أجرامها (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا) ما خلقت هذا عبثًا ولهوًا، بل خلقته دليلًا على حكمتك وقدرتك، ولتجعل الأرض ميدانًا لاختبار عبادك، ليظهر من يطيعك ممن يعصيك (سُبْحَانَكَ) أي: تنزيهًا لك عما لا يليق بك. [١٩٢] (رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) أي: أذللته وأهنته. [١٩٣] ( سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ) هو النبي لَا يهيه وقيل: هو القرآن (فَآمَنَّا) أي: امتثلنا ما يأمر به هذا المنادي من الإيمان، وتكرير النداء في قوله: رَبَّنَا لإظهار التضرع والخضوع (الْأَبْرَارِ) البار: المتسع في طاعة الله، قيل: هم الأنبياء. [١٩٤ ] (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ) والموعود به على ألسن الرسل هو الثواب الذي وعد اللّٰه به أهل طاعته (وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) لا تفضحنا فيكون ذلك ذلًّا وإهانة لنا (الَّمِيعَادَ) ١٥.١١ . صفحة 76 [١٩٥] (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ) أي: قَبِلَ دعوتهم بما يأتي من الوعد ( أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ) بترك الإثابة (مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) نصَّ على النساء تطيبًا لأنفسهن، وإلا فإنهن يدخلن في عموم الذين آمنوا وعملوا الصالحات [وفي ضمن الآية، حثّ للنساء على المشاركة في الدعوة، وما قد يتبعها من الهجرة والجهاد] (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) أي: رجالكم مثل نسائكم في الطاعة، ونساؤكم مثل رجالكم فيها، باعتبار تشعبها من أصل واحد، فكلا الجنسيين من نسل آدم وحواء، وكلا الجنسين مكلّف (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا) من الرجال والنساء من أوطانهم إلى رسول اللٰه وَلِخِ ( وَأَخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ ) في طاعة اللّٰه وعَل (وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي) والمراد: ما نالهم من الأذية من المشركين بسبب إيمانهم بالله حتى يردُّوهم عن دينهم، فلم يزدهم ذلك إلا تمسُّكًا بدينهم، [ويدخل في الآية: كل من ناله أذى بسب تمسُّكه بحبل الله] (وَقَاتَلُوا) أعداء اللّٰه (وَقُتِلُوا) في سبيل الله، والمراد: قُتِل بعضُهم (لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ) [ فإن الهجرة في سبيل اللّٰه تجُبُّ ما قبلها من الذنوب، والجهاد في سبيل اللّٰه والشهادة في سبيله تمحى بها جميع الذنوب، كما ورد في السنَّة، إلا في الدَّيْن] (وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) أي: حسن الجزاء، وهو ما يرجع على العامل من جزاء عمله. [١٩٦] (لَا يَغُرَنَّكَ تَقَلَّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ) بالأسفار للتجارة التي يتوسعون بها في معاشهم فهو (مَتَاعٌ قَلِيلٌ) يتمتعون به في هذه الدار، ثم مصيرهم إلى جهنم، وقال عكرمة: تقلّب ليلهم ونهارهم وما يجري عليهم من النعم. [١٩٧] ( مَتَاعٌ قَلِيلٌ) لا اعتداد به بالنسبة إلى ثواب اللّٰه سبحانه (ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ) أي: ما يأوون إليه (وَبِئْسَ الْمِهَادُ) ما مَهَدوا لأنفسهم في جهنم بكفرهم. ١٩٨] (لَكِنِ الّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ) لهم - بالإضافة إلى ما حصل لهم من الانتفاع الكثير - الخلد الدائم نزلًا ) النزل: ما يُهيًّا للنزيل [أو المنزل الذي يأوون إليه، في مقابل: (مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ)] (وَمَا عِنْدَ اللهِ) مما أعده لمن أطاعه (خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ) مما يحصل للكفار من الربح في تقلَّبهم في البلاد. [١٩٩] (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ) أي: أن بعض أهل الكتاب لهم حظ من الدين، وليسوا كسائرهم في فضائحهم التي حكاها اللّٰه عنهم فيما سبق، فإن هذا البعض جمعون بين الإيمان بالله والخد . عاد، وبما أنزله اللّٰه على نبينا محمد لييه وما أنزله على أنبيائهم (لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلا) لا يتركون متابعة محمل اليهِ طلبًا لمنصب أو جاه (لَهُمْ أَجْرُهُمْ ) مِرتينٍ، كما في (سورة القصص الآية ٥٤). [ ٢٠٠](يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا) حض على الصبر على الطاعات وعن الشهوات، (وَصَابِرُوا) المصابرة: مصابرة الأعداء، أي غالبوهم: فالصبر على شدائد الحرب، والمصابرة أشد وأشق من الصبر (وَرَابِطُوا) أي: أقيموا في الثغور رابطين خيلكم فيها، ومن الرباط: انتظار الصلوات في المساجد، فالرباط ملازمة الثغور وملازمة المساجد، وقد ثبت في الصحيح وغيره من قول النبي وَالِيهِ (ألا أخبركم بما يمحو اللّٰه به الخطايا، ويرفع به الدرجات: إسباغُ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط)، وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل الرباط في سبيل اللّٰه من وراء المسلمين في مواجهة أرض العدوّ، منها قول النبي ومَالِيَّي: ((رباط يوم في سبيل اللّٰه خير من الدنيا وما فيها) أخرجه البخار ~ . صفحة 77 تفسير سورة النساء هي مدنية، عن عبد اللّٰه بن مسعود قال: إن في سورةٍ النساء لخمس آيات، ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها (إِنّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) الآية، و( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ) الآية، و (إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) الآية، و(لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) الآية. [١] (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) أي: خلقكم من نفس واحدة خلقها أولًا، هي آدم عَاليَّاث، ثم خلق من آدم زوجته وهي حواء (وَبَثّ مِنْهُمَا) أي: نشر منهما في الأرض (رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) أي: كثيرين (وَتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ) يسأل بعضكم بعضًا بالله (وَالْأَرْحَامَ) أي: اتقوا اللّٰه واتقوا الأرحام فلا تقطعوها؛ فإنها مما أمر اللّٰه به أن يوصل، والأرحام: اسم لجميع القرابات من الرجال والنساء، من غير فرق بين المَحْرَمِ وغيره (رَقِيبًا ) يرقب أعمالكم خيرها وشرها. [٢] (وَاتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ) خطاب للأولياء والأوصياء، واليتيم: من لا أب له ولم يبلغ الحلم، ولا يُعْطَوْنَ المال إلا بعدٍ ارتفاع اسم اليتم عنهم بالبلوغ (وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَِّّبِ) نهي لهم عن أن يصنعوا صنع الجاهلية في أموال اليتامى، كانوا يأخذون الطيب من أموال اليتامى ويعوضونه بالرديء من أموالهم، وقيل المعنى: لا تأكلوا أموال اليتامى وهي محرمة عليكم خبيثة، وتدعوا الطيب من آموالكم *وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ) بضمها إلى أموالكم وحُوبًا ) إثمًا. [٣] (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا ) معناه: أن الرجل كان يكفل اليتيمة لكونه وليًّا لها، ويريد أن يتزوجها فلا يقسط لها في مهرها، أي: لا يعطيها ما يعطيها غيره من الأزواج، فنهاهم اللّٰه أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى ما هو لهن من الصداق وسائر حقوق الزوجية، وآمروا آن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن، والمعنى: من غلب على ظنه التقصير في العدل لليتيمة، فليتركها وينكح غيرها (مَا طَابَ)) ما استحسنتم من النساء ممن هن حلال لكم، وما حرمه اللّٰه فليس بطيب (مِنَ النِّسَاءِ) غير يتيماتكم (مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) أي: تزوجوا ثنتين ثنتين، أو ثلاثًا ثلاثًا، أو أربعًا أربعًا، ولا زيادة على أربع للرجل الواحد (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْلِلُوا) فانكحوا ( فَوَاحِدَةً) فقط، والمعنى: فإن خفتم ألا تعدلوا بين الزوجات -في القسم ونحوه، وقيل: في الحب- فتزوجوا واحدة فقط، ولا تزيدوا عليها (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) من السراري وإن كثر عددهن، والمراد: نكاحهن بطريق الملك لا بطريق الزواج، ولا حق للمملوكات في القسم (ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) أي: أن الاقتصار على واحدة أسلم من الجور مع إحداهن على الأخرى عند التعدد، وقال الشافعي (أَلَّا تَعُولُوا) ألا تكثر عيالكم، وقال سفيان: ألا تعولوا: ألا تفتقروا. [٤] (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ) مهورهن (نِحْلَةً) عطية عن طيبة نفس (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا) فالمعتبر في تحليل ذلك منهن لهم إنما هو طيبة النفس لا مجرد الموافقة بالألفاظ التي لا يتحقق معها طيبة النفس ( هَنِيئًا مَرِيئا) عن ابن عباس يقول: إذا كان من غير ضرار ولا خديعة فهو هنيء مريء كما قال اللّٰه. [٥] (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ) المراد: هاهنا الصبيان، ومن هو ضعيف الإدراك لا يهتدي إلى وجوه النفع التي تصلح المال، ولا يتجنب وجوه الضرر التي تهلكه وتذهب به، ولو كان كبيرًا من رجل أو امرأة (الَّتِي جَعَلَ اللَهُ لَكُمْ قِيَامًا) تصلح بها أمورهم، فإنهم إذا أفسدوا تاء، الأموال كانوا عالة عليكم صفحة 78 (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ) أي: اجعلوا لهم من أموالهم رزقًا ينفقونه على أنفسهم ويكتَسُون به (وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلَا مَعْرُوفًا) وعدًا حسنًا، قولوا لهم: متى رشدتم دفعنا إليكم أموالكم. ٦] وَابْتَلُوا الْيَتَامَى) الابتلاء: الاختبار، وهو أن يتأمل الوصي أخلاق يتيمِهِ ليعلم نجابته وحسن تصرفه، ويدفع إليه شيئًا من ماله، ويأمره بالتصرف فيه حتى يعلم حقيقة حاله (حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النَّكَاحَ) ومن علامات البلوغ نزول المني والإنبات وحَبَلُ المرأة وحيضها {فَإِنْ آنَسْتُمْ ) أي: أبصر تم ورأيتم (مِنْهُمْ رُشْدًا) أي: فلا تدفع إلى اليتامى أموالهم إلا بعد البلوغ، وبعد إيناس الرشد منهم بحسن التصرف في أموالهم، وعدم التبذير بها، ووضعها في مواطنها (وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا) الإسراف: التبذير، أي: لا تأكلوها مسرفين ومبادرين لكبرهم، وتقولوا: ننفق أموال اليتامى فيما نشتهي قبل أن يبلغوا فينتزعوها من أيدينا (وَمَنْ كَانَ غَنَّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) فلا يترفَّه بأموال اليتامى ولا يبالغ في التنعم بالمأكول والمشروب والملبوس، وقيل: لا بأكل إلا بمقدار عمله في مال اليتيم (فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) بعد بلوغهم رشدهم (فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ) أْنهم قد فبضوها منكم لتندفع عنكم التّهَم، وتأمنوا عاقبة الدعاوي الصادرة منهم (وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا) حاسبًا لأعمالكم، شاهدًا عليكم في كل شيء تعملونه. [٧] (وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ) أي: من جميع ما تركوا، ولو كان مما لا يصلح إلا للرجال أَو للنساء كالحلي مِمَّا قَلْ مِنْهُ أَوْ كَثْرَ) وق السلاح، كانوا في الجاهلية لا يورثون النساء، ولا يورثون من الغلمان إلا من أطاق القتال {نَصِيبًا مَفْرُوضًا) أى: حقّ ثابتًا أوجبه اللّٰه لا يجوز التعرض لإبطاله أو نقصه. [٨] (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أَولُو الْقُرْبَى) غير الوارثين، وكذا (وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ) فيعطَوْن بمقدار ما تطيب به أنفس الورثة (قَوْلًا مَعْرُوفًا) والقول المعروف: هو القوِل الجميل الذي ليس فيه منُّ ولا أذى. [٩] (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ) هم الأوصياء، وفيه: وعظ لهم بأن يفعلوا باليتامى الذين في حجورهم ما يحبون أن يفعل بأولادهم من بعدهم (وَلْيَقُولُوا) أي: يقول الأوصياء لليتامى، أو يقول الحاضرون للمحتضر (قَوْلًا سَدِيدًا) موافتًا !! -" والعدل، كما تقدم. [١٠] (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمَا) أي: ظالمين لهم (إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) [يعذبون بهذا النوع من العذاب يوم القيامة] (وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) سعير النار: لهبها. [١١] يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ) أي: أولاد من مات منكم، في بيان ميراثهم، والأولاد إن كان فيهم ذكر يكون لهم ما أبقت الفروض، للحديث الثابت بلفظ (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر) وأولاد البنين يأخذون ذلك إن لم يكن للميت أولاد مباشرون (لِلذَّكَرِ) منهم ( مِثْلُ حَظُّ الأُنْثَيَيْنِ) والمراد: حال اجتماع الذكور والإناث (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ) أي: فإن كان أولاد الميت نساء ليس معهن ذكر (فَلَهُنَّ ثُلُثَا ميت، وإن كنّ اثنتين فقط فلهما كذلك الثلثان، مَا تَرَك اله قياسا على الأختين المنصوص عليهما في آخر آية السورة (وَإِنْ كَانَتْ) بنتًا (وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ) أي: لأبي الميت وأمه إن كانا باقيين بعده (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ) ذكورًا أو إناثًا، واحدًا أو أكثر، أو ولد ا. . كذاك (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ) صفحة 79 أي: ولا ولد ابن (وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ) منفردين عن سائر الورثة، أي: ليس معهما وارث آخر من زوجٍ أو زوجة، وكان الأب والأم جميعًا وارثين (فَلِأُمّهِ الثَّلُثُ) والباقي هو الثلثان للأب، أما لو كان معهما أحد الزوجين فليس للأم إلا ثلث الباقي بعد أخذ الموجود من الزوجين فرضه. (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمّهِ السُّدُسُ) سواء أكان الإخوة ذكورًا أو إناثًا أو مختلفين، وسواء كانوا اثنين أو أكثر، أما الواحد منهم فلا حجب الأم عن الثلث إلى السدس (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أوْ دَيْنِ) أي: لا يفرض لمن ذكر ثلثان أو ثلث أو سدس أو غير ذلك إلا بعد إخراج ما أوصى به الميت، وبعد أن يسدد ما عليه من الديون، ويخرج الدين قبل الوصية، ثم قسم الباقي على الورثة، ولا يجوز من الوصايا ما زاد على ثلث المال إلا برضا الورثة (آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا) [أي: ولذلك قسم اللّٰه تعالى الميراث هكذا بين أصولكم وفروعكم ولم يجعل إليكم القسمة بينهم ] (فَرِيضَةً مِنَ اللهِ) أي: إن أحكام هذه الآية فرض عليكم محتم من قبل اللّٰه سبحانِه. [١٢] (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ) الخطاب هنا للرجال، والمراد بالولد: الابن أو البنت أو أولاد الابن سواء كانوا من الزوج الوارث أو من غيره (فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدُ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ) فللزوج مع عدم الولد النصف، ومع وجوده وإن سفل الربع (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدُ) سواء كان من الزوجة الوارثة أو من غيرها، وهذا النصيب مع الولد والنصيب مع عدمه تنفرد به الواحدة من الزوجات، ويشترك فيه الاكثر من واحدة، لا خلاف في ذلك، والكلام في الوصية والدين كما تقدم (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً) الكلالة: الميت الذي لا ولد له ولا والدولا جد: كل من لم يرثه بالتعصيب أبٌ أو ابن أو جد فهو عند العرب كلالة، فالكلالة هو من يرثه الإخوة أو بنوهم أو الأعمام أو أبناء الأعمام ( أو امْرَأَةٌ)). تورث كلالة {وَلَهُ أخ أوْ أخْتٌ) أجمع العلماء أن الإخوة هاهنا هم الإخوة لأم، أما الإخوة الأشقاء والإخوة لأب فسيأتي بيان ميراثهم في آخر السورة (فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) ذكرًا كان أو أنثى إذا انفرد (فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) أيٍ: أكثر من واحد ذكورا أو إناثًا أو مختلطين (فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثَّلُثِ) بالتساوي بين ذكرهم وأنثاهم (أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارِّ) بالدين أو الوصية لورثته بوجه من وجوه الضرار، كان يُقِرَّ بدين ليس عليه، أو يوصي بوصية لا مقصد له فيها ٧١ ٧١ * مرار بالورثة، أو يوصي لوارث مطلقًا، أو لغيره بزيادة على الثلث ولم تجزه الورثة، فما صدر من الإقرارات بالديون أو الوصايا لمضارة الورثة فهو باطل مردود، لا ينفذ منه شيء لا الثلث ولا ما دونه، عن ابن عباس قال: الإضرار في الوصية من الكبائر (وَصِيَّةً مِنَ اللهِ) فكل وصية من عباده تخالفها فهي مسبوقة بوصية اللّه، ووصية اللّٰه أحق بالاتّباع، فيترك ما خالفها، وذلك كالوصايا المتضمنة لتفضيل بعض الورثة على بعض، أو المشتملة على الضرار بوجه من الوجوه. [١٣] (تِلْكَ) الأحكام المتقدمة (حُدُودُ اللهِ) لكونها لا تجوز مجاوزتها، ولا يحل تعدِّيها (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ) في قسمة المواريث وغيرها من الأحكام. [١٤] (وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ) بتغيير هذه الأحكام أو ترك العمل بها (وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) كله خزي وإذلال، عن ابن مسعود قال: قال رسول اللّه وَّم «تعلموا الفرائض وعلموها الناس، فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض، وتظهر الفتن، حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان من يض ١٠٠)) . صفحة 80 [١٥] (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ ) الفاحشة: الفعلة القبيحة، والمراد بها هنا: الزنى خاصة (فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) أي: اطلبوا من يشهد عليهن بذلك، فإن شهد عليهن بالجرم أربعة رجال ( فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ) كان هذا في أول الإسلام ثم نسخ، عن ابن عباس قال: كانت المرأة إذا فَجَرتْ حُبِسَت في البيوت، فإن ماتت ماتت، وإن عاشت عاشت، حتى نزلت الاية في سورة النور (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا) فجعلِ اللّٰه لهن سبيلًا، فمن عمل شيئًا جلد وأرسل، أي: ترك (أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ) طريقًا بأن ينزل في شأنهن حكمًا آخر، وقد جعل لهن سبيلًا بنزول آية الحد للزانية والزاني، ولذا قال النبي وَيّم بعد نزولها: ((خذوا عني، قد جعل اللّٰه لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام) الحديث. ١٦] (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا ) أي: الرجل والمرأة اللذان يأتيان الفاحشة من رجالكم ونسائكم، والمراد: الزاني والزانية (فَاذُوهُمَا) بالضرب والجفاء والتوبيخ، فكان على المرأة الزانية الحبس والإيذاء، وعلى الرجلِ الزاني الإيذاء دون حبس (فَإِنْ تَابَا) أي: من الفاحشة (وَأَصْلَحَا) العمل فيها بعد (فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا) أي: اتركوهما وكفوا عنهما الأذى، وهذا كان قبل نزول الحدود على ما تقدم. ١٧(إنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ) أي: واجبة على الله، أوجب على نفسه أن يتوب عليهم، ويقبل توبتهم إن تابوا إليه (لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ أي: المعاصي {بِجَهَالَةٍ) أي: يعملونها جاهلين بعظمة اللّه، عن ابن عباس «كل من عمل السوء فهو جاهل، من جهالته عمل السوء» (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) عن النبي وَلِي قال: ((إن اللّه يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)». [١٨] (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ) بحيث يعلم أنه ميت لا محالة، ولم يبق له في الحياة رجاء (وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) فالذين موتون وهم كفار لا توبة لهم راسًا ووجودها كعدمها. [١٩ ] (لا يَحِلَّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهَا) أي: لا يحل لكم أن تأخذوهن بطريق الإرث، فتزعمون أنكم أحق بهن من غيركم، وتحبسونهن لأنفسكم، كما كان أهل الجاهلية يفعلون (وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ) عن أن يتزوجن غيركم لتأخذوا ميراثهن، أو ليدفعن إليكم صداقهن إذا أذنتم لهن بالنكاح، قال الزهري وأبو مجلز: كان من عادتهم إذا مات الرجل وله زوجة ألقى ابنه ١٨ :. .٥ - أو أقرب عصبته - ثوبه على المرأة، فيصير أحق بها من نفسها ومن أوليائها، وروى البخاري عن ابن عباس قال: ((كانوا - يعني: أهل الجاهلية - إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء عضهم تزوَّجها وإن شاءوا زوَّجوها وإن شاءوا لم يزوِّجوها فهم أحق بها» وفي رواية عنه عند غير البخاري «فإن كانت جميلة تزوَّجها قريبة، وإن كانت دميمة حبسه حتى تموت فيرثها أو تفتدي منه بفدية»، وفي رواية البخاري ((فنزلت هذه الآية» والحاصل: أنهم كانوا يعتبرون المهر كثمن للمرأة (لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) أي: تسترجعوا منهم بعض المهر (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) ذلك للزوج، قال أبو قلابة: إذا زنت امرآة الرجل فلا بآس أن يضارّها ويشق عليها حتى تفتدي منه، وقال قوم: الفاحشة: البذاءة باللسان (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي: بما هو معروف في هذه الشريعة وبين أهلها من حسن المعاشرة فيما أحله اللّٰه (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ) لسبب من الأسباب غير ارتكاب فاحشة ولا نشوز (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) من استدامة الصحبة، وحصول الأولاد. صفحة 81 [٢٠](وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ) مهرًا أو هدية (قِنْطَارًا) القنطار مائة رطل -أي: من الذهب- (فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا) أي: إذا طلق الرجل زوجته لرغبته عنها دون أن يكون الطلاق لفاحشة منها كما تقدم، لم يحل له أن يأخذ مما أعطاها شيئًا ( أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) أي: بغير حق، فإنه يكون ظلمًا وحرامًا. [٢١] (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ) إنكار بعد إنكار (وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ) وقال ابن عباس: الإفضاء: الجماع (وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِثَاقًا غَلِيظًا) وهو عقد النكاح، فإذا جامع الرجل امرأته أو خلا بها بعد عقد النكاح استحقت المهر كله، وحرم عليه أخذ شيء منه عند الطلاق إلا في حالة إتيانها بفاحشة الزنى، كما تقدم بيانه، إلا أن تطيب له نفسًا بشيء منه فيكون له حلالاً. [٢٢] (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) نهي عما كانت الجاهلية تفعله من نكاح نساء آبائهم إذا ماتوا (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) قبل نزول هذه الآية فلا يؤاخذكم اللّٰه به (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا) كانت الجاهلية تسميه نكاح المقت، أن يتزوج الرجل امرأة أبيه إذا طلقها أو مات عنها. [٢٣] (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) أي: التزوج بهن، ويدخل في لفظ الأمهات: أمهاتهن وجداتهن وأم الأب وجداته، وإن عَلَون؛ لأن كلهن أمهات (وَبَنَاتُكُمْ) ويشمل البنات بنات الأولاد وإن سفلن (وَأَخَوَاتُكُمْ) والأخوات تصدق على الأخت لأبوين أو لأحدهما (وَعَمَّاتُكُمْ) والعمة اسم لكل أنثى هي أخت لأبيك أو أحد أجدادك، وقد تكون العمة من جهة الأم وهي أخت أبي الأم وَخَالَانُكُمْ) والخالة اسم لكل امرأة هي أخت لأمك، أو لإحدى جداتك، وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك (وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ) وبنت الأخ اسم لكل أنثى لأخيك عليها ولادة مباشرة أو بواسطة وإن بعدت، وكذلك بنت الأخت (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} في الحولين، وقد ورد تقييده بخمس رضعات في أحاديث صحيحة (وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ) الأخت من الرضاع هي التي رضعت أنت وإياها من امرأة واحدة (وَأَمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) وهي أم زوجتك وكل جداتها (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ) أي: اللاتي تربَّيْنَ تحت رعايتكم، وهذا المعنى غير معتبر في التحريم، فإن الربيبة بنت امرأة الرجل من غيره، سميت ربيةً لأنه يربيها في حجره، وتحرم على زوج أمها إذا دخل بالأم، وإن لم تكن الربية في حجره (فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ .. 5 ذَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ) أي: في نكاح الربائب، أما في سائر المحرمات بالصهر، وهن زوجة الأب وزوجة الابن وأم الزوجة، فإنهن يحرمن عليك بمجرد العقد على الزوجة ولو لم يكن دخول (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ) أي: زوجة ابنك تحرم عليك بمجرد عقده عليها ولو لم يدخل بها ( الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ) دون زوجات من تبنيتم من أولاد غيركم، كما كانوا يفعلونه في الجاهلية (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ) أي: وحرم عليكم أن يتزوج الرجلِ أخت زوجته قبل أن يفارقها بطلاق أو موتها (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) [أي: ما كان قد جرى من هذه الأنكحة المحرمة قبل نزول التحريم فلا يؤاخذكم اللّه به ]. [٢٤] (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ) هن ذوات الأزواج، فلا تحل المتزوجة لغير زوجها إلا إذا فارقها وانقضت عدتها (إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) بالسبي من أرض الحرب، أما من اشترى أمة مزوَّجةً لم تحل له إلا أن يفارقها زوجها كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ) أي: حكمًا لازمًا لا يحل لأحد تغييره (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) ما سوى المحرمات المذكورات في الآيات السابقة ( أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ ) أي .. أحا لكم أن تطلبوا بالمهور من صفحة 82 أموالكم الحلال زواج النساء اللاتي أحلهن اللّٰه لكم ولا تبتغوا بها الحرام (مُحْصِنِينَ) أي: متعففين عن الزنى، قاصدين بعقد النكاح إعفاف الزوجة أيضًا (غَيْرَ مُسَافِحِينَ) أي: غير زانين (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ) فما انتفعتم وتلذذتم بجماعهن ومباشرتهن من النساء بالنكاح الشرعى (فَاتُوهُنَّ أجُورَهُنَّ) أي: مهورهن، وقيل: المراد: فما استمتعتم به من النساء بنكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام ثم نُسِخَ ( فَاثُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) التي تراضيتم عليها، ثم قد نهى النبي وعَليّي عن المتعة وحُرّمت، فقد روى البخاري ومسلم عن علي بن أبي طالب تَ الَه قال: (( نهى النبِي وَا يعه عِن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر) وأخرج مسلم عن الربيع بن سَبُرة عن أبيه سَبُرةَ بن معبد أنه كان مع النبي وَالِي [أي في غزوة فتح مكة] فقال: «أيها الناس إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن اللّٰه قد حرَّم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليُخَلَ سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا» (فَرِيضَةً) أي: مفروضة، أي: المهور مفروضة للزوجات من قبل اللّٰه تعالى (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ) أي: من زيادة أو نقصان في المهر بعد العقد. [٢٥] (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا)) غنى وسعة في ماله يقدر بها على التزوج بامرأة حرة مسلمة (فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) أي: فإنه يحل له أن يتزوج أمة مسلمة مملوكةً لغيره، أما إن كان يستطيع زواج حرة فزواج الأمَة عليه حرام، ولا يجوز نكاح الأمة الكتابية لأنها ليست من فتياتنا المؤمنات {وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ)) فلا تستنكفوا من الزواج بالإماء عند الضرورة، فربما كان إيمان بعض الإماء أفضل من إيمان بعض الحرائر (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) لأنهم جميعًا بنو آدم (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) فلا يحل نكاح المملوكة إلا إن أذن بذلك مالكها (وَاتُوهُنَّ أجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي: أدوا إليهن مهورهن بما هو المعروف في الشرع والعادات المستحسنة (مُحْصَنَاتٍ) أي: عفائف (غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ) أي: غير معلنات بالزنى (وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ) وذات الخدن: التي تزني بواحدٍ سرًّا، وكانت العرب تعيب الإعلان بالزنى، ولا تعيب اتخاذ الأخدان ثم حرَّم الإسلام ذلك (فَإِذَا أَحْصِنَّ) أي: متى تزوجن، فظاهر الآية: أن الأَمَة إذا زنت ولم تحصن فلا حدَّ عاما . ا: ما تضرب تأديبًا، لكن ورد في السنة أنها تحدُّ أيضًا، ففي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي لِ قال: ((إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحدُّ ولا يثرِّبْ عليها) [والتثريب: التوبيخ] (فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ) الفاحشة: هي الزنى (فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ) أي: الحرائر، أي خمسين جلدة فقط؛ لأن إن إباحة الزواج بالأمة المملوكة رخصة لمن خاف العنت بعدم تمكنه من قضاء وطره من النساء الحرائر بالزواجِ، والعنت: المشقة، والضرر، وخشية الوقوع في الإثم (وَأنْ تَصْبِرُوا) عن نكاح الإماء (خَيْرٌ لَكُمْ) من نكاحهن، أي: لأن نكاحهن يفضي إلى إرقاق الولد والغض من النفس. [٢٦] (وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) أي: طرقهم، وهم الأنبياء وأتباعهم لتقتدوا بهم (وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ) أي: ولذلك رخص لكم في نكاح الإماء بشرطه. [٢٧] (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ) هم الزناة الذين يريدون قضاء الشهوة دون نظر في العواقب ولا فيما أحل اللّٰه وحرم (أَنْ تَمِيلُوا) إلى طريقتهم (مَيْلَا عَظِيمًا)) أي: تفعلوا فعلهم دون تقيد بشرع، والمراد بالشهوات هنا: ما حرمه الشرع دونما أحله ١٠٠٠ صفحة 83 [٢٨] (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ) عاجزًا غير قادر على للك نفسه ومقاومة الشهوة الجامحة، فلهذا أراد اللّٰه سبحانه التخفيف عنه، فأباح له ما أباح كما بين في هذه الآيات. [٢٩] (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) تقدم تفسيره في (سورة البقرة، الآية: ١٨٨) (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً) التجارة: التكسب بالبيع والشراء، نص اللّٰه سبحانه على التجارة دون سائر أنواع المعاوضات لكونها أكثرها وأغلبها (عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ) التراضي: عِلْمُ كل من المتبايعين بما يأخذ، دون غش ولا تدليس، ولاكتمانٍ لعيب، ثمِ يفترقان بعد التبايع راضيين، وقيل: إذا تعاقدا راضيين حل ولو لم يفترقا (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) أي: لا يقتل بعضكم أيها المسلمون بعضًا إلا بسبب أثبته الشرع، ولا يقتل الإنسان نفسه حقيقة، وفي الحديث ((من قتل نفسه بسمِّ فسُمُّه في يده بتحسّاه في نار جهنم خالدًا فيها أبدًا)). [ ٣٠](وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ) أكل أموال الناس بالباطل أو القتل (عُدْوَانًا وَظُلْمَا) أي: متعمدًا اعتداء بغير حق، كأخذ المال نهبًا أو غصبًا، وقتل النفس في غير قصاص ولا حدولا ردة (فَسَوْفَ نُصْلِيهِ) أي: ندخله نارًا عظيمة (وَكَانَ ذَلِكَ) أي: إصلاؤه النار (عَلَى اللهِ يَسِيرًا)) لأنه لا يعجزه شيء. [٣١] (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ) أي: إن تجتنبوا كبائر الذنوب التي نهاكم اللّٰه عنها (نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ) أي: ذنوبكم التي هي الصغائر، قال ابن عباس: ((الكبيرة كل ذنب ختمه اللّٰه بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب) ومما ورد عن النبي وَالِي تسميته كبيرة: القتل، والزنا، وأكل مال اليتيم، والتولِّي يوم الزحف، والسحر، وعقوق الوالدين، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات (وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا) هو الجنة (كَرِيمًا)) أي: حسنًا مرضيًّا. [٣٢] (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ) ويجوز أن يتمنى أن يكون له حال مثل حال صاحبه من دون أن يتمنى زوال ذلك الحال عن صاحبه (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا) أي: من الأجر بالأعمال التي هيَّأهم اللّٰه تعالى لها، فللرجال الجهاد والاستشهاد وكسب الحلال، وللنساء الحمل والولادة والإرضاع والقيام على الأطفال والبيوت، فالله قد جعل لكل من الفريقين نصيبًا على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته (وَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ) أي: بدل أن تشتغلوا بالتمني اكتسبوا واسألوا اللّٰه الخ - [٣٣] (وَلِكُلَّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ) أي: جعلنا لكل إنسان ورثةً مواليَ من أقاربه يلون ميراثه (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) المراد بهم: موالي الموالاة، ومولى الموالاة هو الحليف، كان الرجل يعاقد الرجل فيقول له: ترثني وأرثك، وكان هذا في الجاهلية كذلك، وفي أول الإسلام، ثم نسخ بقوله تعالى: (وَأُولُو والَام تُّهِمْ أوَى تعلا لَ والاِنَ الْتُوقِنَ [الأحزاب: ٦] فقد بقي للحليف الوصية والمعروف، وقال النبي وَالِي: ((لا حِلف في الإسلام). [٣٤] (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) أي: أن الرجال مشرفون على زوجاتهم وعليهن إطاعتهم فيما يأمرونهن من المعروف (بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) أي: إنما استحقوا هذه المزية لتفضيل اللّٰه للرجال على النساء بما فضلهم به من الصفات في العقول والأجسام حتى كان فيهم الخلفاء والحكام والأمراء والغزاة وغير ذلك من الأمور (وَبِمَا أَنْفَقُوا) على النساء، من أموالهم من المهور والنفقات (فَالصَّالِحَاتُ) أي: من النساء (قَانِتَاتٌ) أي: مطيعات لله ولأزواجهن، قائمات بما يجب عليهن ٨.. حة. قى اللّٰه وحقوق أزواجهن صفحة 84 (حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ) أي: لما يجب حفظه عند غيبة أزواجهن عنهن من حفظ نفوسهن وفروجهن وحفظ أولادهم وبيوتهم وحفظ أموالهم (بِمَا حَفِظَ اللهُ) أي: بحفظ اللّٰه لهن ومعونته وتسديده (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ) النشوز: العصيان، يقال: نشزت المرأة إذا استعصت على بعلها بأن تعصيه فلا تطيع أمره، أو تمنعه نفسها بلا عذر، أو تخرج من بيتها بغير إذنه، ونحو ذلك (فَعِظُوهُنَّ) أي: ذكِّروهن بما أوجبه اللّٰه عليهن من الطاعة وحسن العشرة ورغَبوهن ورهّبوهن (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجع) أي: تباعدوا عن مضاجعتهن، وقيل: هو أن يوليها ظهره في الفراش عند الاضطجاع ولا يفارق الفراش (وَاضْرِبُوهُنَّ) ضرب تأديب وإصلاح لا ضرب انتقام وتعسُّف (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ) كما يجب وتركن النشوز (فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا) بشيء مما يكرهن لا بقول ولا بفعل، ولا تكلّفوهن الحب لكم، فإنه لا يدخل تحت اختيارهن (إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) فاذكروا قدرة اللّٰه عليكم فإنها فوق كل قدرة. [٣٥] (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا) أي: تفاقم الخلاف بين الزوجين (فَابْعَثُوا) إلى الزوجين (حَكَمًا) يحكم بينهما ممن يصلح لذلك عقلًا ودينًا وإنصافًا، نصَّ اللّٰه على أن الحكمَين يكونان من أهل الزوجين، ولعل ذلك لأنهما أعرف بأحوالهما، وأحفظ لأسرارهما الخاصة، وأحرص على الصلح بينهما واستقامة حالهما، وهذا إذا أشكل أمرهما ولم يتبين المسيء منهما، فأما إذا عرف المسيء فإنه يؤخذ لصاحبه الحق منه، وعلى الحكمَين أن يسعيا في إصلاح ذات البين جهدهما، فإن قدرا على ذلك عملا عليه، بفرض نفقة قليلة أو كثيرة، أو تلافي قصور، أو حجب النفقة، أو نحو ذلك، وإن أعياهما إصلاح حالهما ورايا التفريق بينهما جاز لهما ذلك، وقيل: يرفعان الأمر إلى القاضي ولا يتم التفريق إلا بحكمه (إِنْ يُرِيدَا) أي: الحكمان (إِصْلَاحًا) بين الزوجين (يُوَفَقِ اللهُ بَيْنَهُمَا) أي: بين الزوجين حتى يعودا إلى الألفة وحسن العشرة، وإذا اختلف الحكمان لم ينفَّذ حكمهما. [٣٦] (وَالْمَسَاكِينِ) تقدم تفسير هذه الآية في (سورة البقرة، الآية: ١٧٧) (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى) هو من له مع الجوار في الدار قرب النسب {وَالْجَارِ الْجُنُبِ) هو الغريب، وقيل: اليهودي والنصراني، [والجار يتفاوت حقه بمدى قربه منك، فكلما قرب ١٠٠٠ء. قوي حقه (وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) الرفيق في السفر والإقامة في تحصيل علم أو تعلم صناعة أو مباشرة تجارة أو نحو ذلك (وَابْنِ السَّبِيلِ) الذي يجتاز بك مارًّا، والسبيل: الطريق، فإن على المقيم أن يحسن إِليه، وقيل: هو المنقَطَعُ به، وقيل: هو الضيف (وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} وهم العبيد والإماء، وقد أمر النبي لل ل بأنهم يطعموا مما يطعم مالكهم، ويلبسون مما يلبس ( مُخْتَالا) متكبرا تائهًا على الناس (فَخُورًا) والفخر : المدح للنفس والتطاول وتعديد المناقب، أي: لا يحب أهل الفخر والخيلاء، بل يمقتهم ويعرض عنهم. [٣٧] (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) عن أداء الحقوق (وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) كأنهم يجدون في صدورهم من جود غيرهم بماله حرجًا وغضاضة، وهذا غاية اللؤم ونهاية الحمق والرقاعة وقبح الطباع (وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ) أي: يتظاهرون بالمسكنة لئلا يتطلع أهل الحاجة إلى ما ينتفعون به منهم. ٣٨٦] (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِثَاءَ النَّاسِ) كما يفعله من يريد أن يتسامع الناس . أنه ، يم [أو أنه كثير الصدقات] صفحة 85 (وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينا ) القرين: الصاحب والخليل (فَسَاءَ قَرِينًا) لأنه يورده موارد الهلاك: يأمره بالفخر والخيلاء، والبخل بالحقوق، والإنفاق للرياء والسمعة، يحرمه أجر الإنفاق في الحق، ويتلف له ماله بإنفاقه في الباطل، فبئس الصاحب مثل هذا، وفي الحديث: (أول ثلاثة تسْجَر بهم النار يوم القيامة)) فذكر منهم صاحب المال الذي أنفق وتصدق ليقال عنه: جواد. [٤٠] (إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) الذرة: واحدة الذر: وهي النمل الصغار، وقيل: كل جزء من أجزاء الهباء، أي: لا يبخسهم شيئًا من ثواب أعمالهم، ولا يزيد في عقاب دنوبهم وزن ذرة فضلاً عما فوقها (وَإِنْ تَكُ حَسَنَ يُضَاعِفهَا * أضعافا مضاعفة، ولا تضاعف السيئة. [٤١] (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلَ أَمَّةٍ بِشَهِيدٍ) ممن دعاهم إلى اللّٰه وذكَّرهم بعهده، يشهد عليهم يوم القيامة بذلك (وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) أي: أنت الشهيد على كفار قومك ومن بلَّغْتَ [٤٢] (لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ) أي: تمنوا لو انفتحت لهم الأرض فساخوا فيها، ثم يرد عليهم التراب كما كان، ولا يحضرون للجزاء (وَلَا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا) بل أسرارهم معروضة عليه، وأحاديثهم فيما بينهم معلومة لديه. [٤٣] (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) أي: لا تصلُّوا حال السكر، أو: لا تدخلوا المساجد في تلك الحال (حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) أي: حتى يزول عنكم أثر السكر وتعلموا ما تقولونه؛ فإن السكران لا يعلم ما يقوله (وَلَا جُنُبًا) الجنب: من أصابته الجنابة، وهي أثر كل جماع أو إيلاج أو إنزال باحتلام أو غيره (إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ) حال السفر، فإنه يجوز لكم أن تصلوا بالتيمم، وقيل: المعنى لا تقربوا مواضع الصلاة، وهي المساجد حال الجنابة، إلا أن تكونوا مجتازين فيها من جانب إلى جانب، فالجنب يمر من المسجد ولا يجلس فيه (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى) يخاف أحدكم على نفسه التلف أو الضرر باستعمال الماء في الحال أو المآل، أو كان ضعيفًا في بدنه لا يقدر على الوصول إلى موضع الماء ( أَوْ عَلَى سَفَرِ) فيه جواز التيمم لمن صدق عليه اسم المسافر، ولا يشترط أن يكون سفر قصر، وقيل: الحاضر يتيمم أيضًا إن عدم الماء (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ) كناية عن الحدث الخارج من الإنسان (أَوْ لَا مَسْتُمُ النِّسَاءَ، '" يل والجس باليد، أو غيرها، بغرض التمتع وقضاء الشهوة والالتذاذ، وقيل: المراد الجماع (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) على مقربة منكم بعد طلبه، أو أضرَّ بكم استعماله (فَتَيَمَّمُوا) أي: اقصدوا (صَعِيدًا) الصعيد: وجه الأرض سواء كان عليه تراب أو لم يكن؛ لأنه نهاية ما يصعد إليه من الأرض، وقيل: الصعيد: التراب خاصة فلا يجزئ التيمم إلا بالتراب فقط دون الصخر والرمل (طَيَّبَا) هو الطاهر (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) أي: من ذلك الصعيد (إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا) أي: عفا عنكم، وغفر لكم تقصيركم، ورحمكم بالترخيص لكم والتوسعة عليكم، فصليتم عند العذر دون وضوء أو غسل. [٤٤] (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ) أي: التوراة، وهم اليهود (يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ) وهي البقاء على الري أن تلوا اليل أمة الها أن يتوصلوا بكتمهم وجحدهم [ومكرهم] إلى أن تضلوا أنتم أيها المؤمنون سبيل الحق. صفحة 86 [٤٥] (وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ )) أيها المؤمنون، وما يريدون بكم من الإضلال [فهو يخبركم عن عدوانهم لكم لتأخذوا حذركم منهم] (وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا) ينصركم في مواطن الحرب، فاكتفوا بولايته ونصره، ولا تتولوا غيره ولا تستنصروه. [٤٦](مِنَ الّذِينَ هَادُوا) أي: ينصركم اللّٰه أيها المؤمنون من اليهود، ويحتمل أن يكون ابتداء كلام، أي: من الذين هادوا قوم (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ) أي يميلونه ويزيلونه عن مواضعه، ويجعلون مكانه غيره، أو المراد: أنهم يتأولونه على غير تأويله (وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا) أي: سمعنا قولك (وَعَصَيْنَا) أمرك (وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعِ ) دعاء منهم على النبي وَلِيِ بأ لا يسمع، قاتلهم اللّٰه أَنى يؤفكون، والمعنى: اسمع لا سمعت، وقد تقدم الكلام في (راعنا) في سورة البقرة الآية ١٠٤ (لَيَّا بِأَلْسِنَتِهِمْ) يلوونها عن الحق، أي: يميلونها إلى ما في قلوبهم، تعريضًا وخبثًا (وَطَعْنًا فِي الدِّينِ) بقولهم: لو كان نبيًّا لعلم أننا نَسُبُّه، فأطلع اللّٰه سبحانه نبيه الي على ذلك (وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا) قولك (وَأَطَعْنَا) أمرك (وَاسْمَعْ) ما نقول (وَانْظُرْنَا) مكان قولهم: راعنا (لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) مما قالوه (وَأَقْوَمَ) أي: أعدل وأولى من قولهم الأول، وهو قولهم: (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَع وَرَاعِنَا) ولكن لم يسلكوا المسلك الحسن، ولهذا (لَعَنَّهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) وهو الإيمان ببعض الكتاب دون بعض، وببعض الرسل دون بعض. [٤٧] (آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا) إنذار إلهي بغضب منه عليهم آتٍ إن أصرُّوا؛ إذ كانوا يعلمون الحق فتركوا متابعته وعملوا بنقيضه (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا ) أي: نطمس وجوهكم محو معالمها فيجعل الوجه كالقفا، فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين (فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا) بعد الطمس بردها إلى موضع القفا (أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وكان لعن أصحاب السبت مسخهم قردة وخنازير، وقيل: المراد نفس اللعنة، وهم ملعونون بكل لسان (وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا) آتٍ لا محالة، متى أراده كان. [٤٨] (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) أي: لمن مات على شركه لم يتب منه فلا احتمال أن يغفر شركه، وأما غير أهل الشرك من عصاة المسلمين فداخلون تحت المشيئة، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، إلا أنه تعالى أخبرنا أنه يكفَر الصغائر باجتناب الكبائر. (ازنا ٢١.ة٣١). [٤٩] (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنَفُسَهُمْ) بادعاء فضائل ليست لهم، كقول اليهود والنصارى: نحن أبناء اللّٰه وأحباؤه، وقول بعض الناس: لا ذنوب لنا ونحن كالأطفال، وقيل: المراد ثناء بعض الناس على بعض، (بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) فهو العالم بمن يستحق التزكية من عباده، ومن لا يستحقها، فليَدَع العبادُ تزكية أنفسهم للترفع والتفاخر (وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ) الفتيل: الخيط الذي في شقِّ نواة التمر ضربه اللّٰه تعالى مثلا للقلة، والمعنى: أن هؤلاء الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تزكيتهم لأنفسهم بقدر هذا الذنب، ولا يظلمون بالزيادة على ما يستحقون ولو بقدر الفتيل، ولا ينقصون من الثواب الذي يستحقون مقدار فتيل. [٥٠] (انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ) في قولهم ذلك (وَكَفَى بِهِ إِثْمَا مُبِينا) أي: كفى بالكذب على اللّٰه في تزكية أنفسهم من أنهم أبناء اللّٰه وأحباؤه ونحو ذلك من دعاواهم الباطلة دلالة على فجور فاعله وارتكابه المعصية عمدًا. [٥١] (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ) وهم اليهود (يُؤْمِنُونَ بِالْحِبْتِ ) السحر، وقيل: هو الأصنام (وَالطاغُوتِ ) الكاهن، وكل معبود من دون اللّٰه وه. . انٍ، أو مطاع في معصية اللّٰه صفحة 87 (وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) أي: يقول اليهود عن كفار قريش [٥٢] (الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ) حيث فضلوا قريشًا مع كفرهم بالله وعبادتهم الأصنام على رسول اللّٰه والمؤمنين، فناقضوا الحق لأجل الهوى وهم يعلمون، وما فعلوه إلا تنصُرَهم قريش (وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا) يدفع عنه ما نزل به من عذاب اللّه وسخطه. [٥٣] (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ) يعنى: ليس لهم صيب من الملك، ولو جعل لهم نصيب من الملك لا يعطون الناس ملء نقيرٍ منه لشدة بخلهم وقوة حسدهم، والنقير: النقرة في ظهر نواة التمر. [٥٤] (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ) يعنى: اليهود، يحسدون النبي لاليه و أصحابه (عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ) من النبوة والنصر وقهر الأعداء (فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ) أي: ليس ما آتينا محمدًا وأصحابه من فضلنا ببدع، فهم يعلمون بما آتينا آل إبراهيم، وقيل: حسدوا النبي وَلِلِي على أن أباح اللّٰه له الزواج من تسع نسوة، وقالوا: لا همَّ له إلا النكاح، فذكرهم اللّٰه بما كان من إبراهيم وآله كسليمان وداود، آتاهم اللّٰه الكتاب والحكمة والملك، وكانت لهم زوجات أكثر من محمد للِي بكثير، (وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا) قيل: يعني به ملك سليمان الذي خَصَّ به. [٥٥] (فَمِنْهُمْ) أي: اليهود (مَنْ آمَنَ بِهِ) أي: بالنبي اليه ( وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ) أي: أعرض عنه، وقيل: المراد أعرض عما ذكر من حديث آل إبراهيم. [٥٦] (سَوْفَ نَصْلِيهِمْ نَارًا) سوف ندخلهم نارًا ظيمة (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ) كلما احترقت بدلهم اللّٰه جلودًا غيرها، أي: أعطاهم مكان كل جلد محترق جلدًا آخر غير محترق، فإن ذلك أبلغ في العذاب، وقيل: المعنى أعدنا الجلد الأول جديدًا (لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) [أي: لأن الجلد المحترق يفقد الإحساس بالألم، بخلاف الجديد؛ ليدوم لهم ولا ينقطع]. [٥٧] (لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ) أي: من الأدناس التي تكون في نساء الدنيا (وَنُدْخِلُهُمْ ظِلَّا ظَلِيلًا) والظل الظليل: الكثيف الذي لا يدخله الحر والسموم. [٥٨] (إِنَّ اللَهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) الخطاب يشمل جميع الناس في جميع الأمانات، وتدخل الأمراء والولاة في هذا الخطاء . مخ. لًا أوليًّا، فيجب عليهم تأدية ما لديهم من الأمانات ورد الظلامات، وتحرِّي العدل الذي وكله اللّٰه إلى أماناتهم في أحكامهم، ويدخل غيرهم من الناس أيضًا في ذلك، فيجب عليهم رد ما لديهم من الأمانات، والتحري في الشهادات والأخبار (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) [ العدل هنا: ألا يميل القاضي إلى أحد الخصمين؛ أو الوالي، فلا يفضل بمنصبٍ أحدًا على أحد لقرابة أو جاه أو مصلحة يرجوها منه أو هوى، ولكن يحكم القاضي لمن له الحق طبقًا لما يبينه القرآن العظيم والسنة، ويعامل الوالي الناس بالتسوية بينهم دون أن يفضِّل أحدًا إلا بما له من فضل، من اجتهاد في العمل أو خبرة أو علم أو قوَّة في الجهاد أو نحو ذلك] ( إِنَّ اللٰهَ كَانَ سَمِيعًا) لما يحكم به {بَصِيرًا) به إذ يصدر حكمه، فيعلم اللّٰه هل يتحِرى العدل أم يحكم بالهوى. [٥٩] ( أطِيعُوا اللٰهَ وَأطِيعُوا الرَّسُولَ) لما أمر سبحانه القضاة والولاة إذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالحق، أمر الناس بطاعتهم ها هنا، وسبق ذلك بالأمر بطاعة اللّٰه وطاعة الرسول؛ لأن القاضي أو الوالي أو غيرهما إذا _خالف حكم اللّٰه ورسوله ٠٢-٥ه مردود (وَأُولِي الْأَمْرِ) صفحة 88 هم الأئمة والسلاطين والقضاة وكل من كانت له ولاية شرعية، لا ولاية طاغوتية، والمراد: طاعتهم فيما يآمرون به وينهون عنه ما لم تكن معصية، «فلا طاعة لمخلوق في معصية الله)) كما ثبت ذلك عن رسول اللّٰه وَلِّيِ، وقيل: إن أولي الأمر هم: أهل القرآن والفقه، الذين يأمرون بالحق ويفتون به وهم بعلمون (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ) فيما بين بعضكم وبعض، أو فيما بينكم وبين الأئمة (فِي شَيْءٍ) يتناول أمور الدين والدنيا (فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ) والرد إلى الله: هو الرد إلى كتابه العزيز، والرد إلى الرسول: هو الرد إلى سنته المطهرة بعد موته، وأما في حياته فالرد إليه وسؤاله [والتحاكم إليه] (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) هذا الرد متحتم على المتنازعين، وإنه شأن من يؤمن بالله واليوم الآخر (ذَلِكَ ) إشارة إلى الرد المأمور به (خَيْرٌ) لكم (وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا)) أي مرجعًا من تأويلكم الذي صرتم إليه عند التنازع إذا رددتموه إلى غير اللّٰه ورسوله، وقيل: المعنى: وأحسنٍ ثوابًا وجزاء. [٦٠] (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) الكهان وكل من يحكم بغير ما أنزل الله، فكيف يكون هؤلاء الذين يريدون التحاكم إلى الكهنة والطواغيت مؤمنينِ بالكتب السماوية ثم يتحاكمون إلى الكهان (وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ) أي: والكتب السماوية تأمرهم أن يكفروا بكل من لا بحكم بما أنزل الله . [٦١]( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا) أَي: يعرضون نفورًا من التحاكم إلى القرآن والنبي وَالِيه. [٦٢] (فَكَيْفَ إِذَا أصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ) فإنهم يعجزون عند ذلك ولا يقدرون على الدفع (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) أي: بسبب ما فعلوه من المعاصي التي من جملتها التحاكِم إلى الطاغوت ( ثُمَّ جَاءُوكَ) يعتذرون عن فعلهم (إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا) أي ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك إلا الإحسان لا الإساءة، والتوفيق بين الخصمين لا المخالفة لك. [٦٣] فكذبهم اللّٰه بقوله (أَولَتِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ) من النفاق والعداوة للحق، معناه: قد علم اللّٰه أنه منافقون ( فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) عن قبول اعتذارهم {وَعِظْهُمْ) أي: خوّفهم من النفاق (وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنَفُسِهِمْ) في حق أنفسهم، وقيل: معناه قل لهم خاليًا بهم ليس معهم غيرهم (قَوْلًا بَلِيغًا) أي: بالغًا في وعظهم إلى المقصود مؤثرًا فيهم، وذلك بأن تخوِّ فهم ما قد يؤول إليه أمرهم من سفك دمائهم وذ ١ء أ.. الهم [ أو يقول لهم ما يؤثر في قلوبهم، ويقنعهم بسوء مسلكهم]. [٦٤] (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ) فيما أمر به ونهى عنه (بِإِذْنِ اللهِ) بعلمه، وقيل: بتوفيقه (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بترك طاعتك والتحاكم إلى غيرك (جَاءُوكَ) تائبين متنصلين عن جناياتهم ومخالفاتهم (فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ) لذنوبهم وتضرعوا إليك حتى تقوم شفيعًا لهم وتستغفر لهم (لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) أي: كثير التوبة عليهم والرحمة لهم. [٦٥] (فَلَا وَرَبِّكَ)) أي: فليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك (لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ) أي: يجعلوك حكمًا بينهم في جميع أمورهم، لا يحكّمون أحدًا غيرك (فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)) أي: اختلفوا فيه فيما بينهم وتخاصموا فيه، فنفى عنهم الإيمان الذي هو رأس مال صالحي عباد اللّٰه حتى تحصل لهم غايةٌ هي تحكيم رسول الله والي (مَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ) فلا يكون مجرد التحكيم والإذعان كافيًا حتى يكون من صميم القلب عن رضى واطمئنان وانثلاج قلب وطيب نفس (وَيُسَلَّمُوا) أي: يذعنوا وينقادوا ظاهرًا وباطنًا (تَسْلِيمًا) لا يخالطه . ". ولا تشوبه مخالفة. صفحة 89 [٦٦] (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ) [بيان لمقدار حق اللّٰه تعالى في أن يطيعه العباد في شرعه وأمره، فلو أمرهم اللّٰه بقتل بعضهم بعضًا، أو بأن قتل الرجل نفسه، او امرهم بترك مساكنهم وبلادهم، لوجب على العباد أن يطيعوه، ولو أنه فعل ذلك لما نفذ أمره به إلا قليل من العباد، وقد روي من طرق أن جماعة من الصحابة قالوا لما نزلت الاية: لو فعل ربنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا، فقال النبي وَلِّية:. ((إن من أمتي رِجالًا الإيمان في قلوبهم أثبت من الجبال الرَّواسي)) (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ) من اتباع الشرع والانقياد الرسول اللّه ( لَكَانَ) ذلك (خَيْرًا لَهُمْ) في الدنيا والآخرة (وَأَشَدَّ تَثْتًا)) لأقدامهم على الحق، فلا ضطربون في أمر دينهم. [٦٧] (وَإِذًا) أي: لو فعلوا ذلك عندما نأمرهم ( لَا تَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا) . [٦٩] (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ) بدخول الجنة، والوصول إلى ما أعد اللّٰه لهم [فهم يتمتعون بما في الجنة، وأعلاه رفقة أعظم الصالحين بالكون معهم] (مِنَ النَّيِينَ وَالصِّدِّيقِينَ) الصدِّيق: المبالغ في الصدق والتصديق بدين اللّٰه وكتبه ورسله، وهم فضلاء أتباع الأنبياء (وَالشَّهَدَاءِ) هم الذين يقتلون في سبيل اللّٰه (وَالصَّالِحِينَ) أهل الأعمال الصالحة (وَحَسُنَ أَولَئِكَ رَفِيقًا ) أصحابًا، عن عائشة قالت: جاء رجل إلى النبي وَالِيه فقال يا رسول الله: إنك لأحب إلى من نفسي، وإنك لأحب إلى من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك، فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رُفِعْتَ مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت ألا أراك، فلم يرد عليه النبي وَلِلي حتى نزِل جبريل بهذه الآية (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأْو لَئِكَ مَعَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ) الآية. [ ٧٠]( ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ) أي: دخول الجنة ورفقة الأنبياء ومن معهم (وَكَفَى بِاللهِ عَلِيمًا) يعلم من يستحق أن يؤتيه فضله فيجعله من هؤلاء المذكورين، ممن لا يستحق. [٧١] (خُذُوا حِذْرَكُمْ) كونوا على حذر من أن يباغتكم أعداء الدين فيستأصلوكم، فأعدوا العدة (فَانْفِرُوا) انهضوا لقتال العدو (ثُبَاتٍ) أي: جماعات متفرقات (أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا )) أ .. . جتمعين جيشًا واحدًا ليكون ذلك أشد على عدوهم، وليأمنوا من أن يتخطفهم الأعداء إذا نفر كل واحد منهم وحده، فعليهم أن ينفروا جميعًا في الحال الذي يحتاج فيه إلى نفور الجميع، وينفر البعض عند الاكتفاء بنفور البعض دون البعض. [٧٢] (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطَّئَنَّ) التبطئة: طلب الإبطاء، أي: التأخر، والمراد: المنافقون، كانوا يقعدون عن الخروج ويُقْعِدون غيرهم، والمراد: أن مِن دخلائكم وجنسكم، ومن أظهر إيمانه لكم نفاقًا من يبطِّئ المؤمنين ويثبطهم (فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ) من قتل أو هزيمة أو ذهاب مال (قَالَ) هذا المنافق (قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ) حتى يصيبني ما أصابهم (شَهِيدًا) أي: حاضرًا. [٧٣] (وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ) غنيمة أو فتح (لَيَقُولَنَّ) هذا المنافق قول نادم حاسد (كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ) [أي يقول: لِمَ لَم تشركوني في غنيمتكم وفتحكم؟ كأنني لم أكن أحبكم وأعينكم] ف (يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأْفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ) [أي: تمنّى أن يكون خرج مع المؤمنين للقتال لينال حظه من الغنيمة، ويرى ذلك هو الفوز العظيم، ولا غرض له في إعلاء كلمة اه منم. الإسلام]. صفحة 90 [٧٤] (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ) [ حثَّ من اللّٰه تعالى للمؤمنين على القتال، وتنبيهٌ لهم على أن يخلصوا له النية، قال النبي وَالِعْ. ((من قاتل لتكون كلمة اللّٰه هي العليا فهو في سبيل الله» الَّذِينَ يَشْرُونَ) معناه: يبيعون، وهم المؤمنون، أي: إن لم يقاتل هؤلاء المنافقون المبطئون المثبطون فليقاتل المخلصون الباذلون أنفسهم البائعون للحياة الدنيا بالآخرة، ثم وعد المقاتلين في سبيل اللّٰه بأنه سيؤتيهم أجرًا عظيمًا: إذا قُتل أحدهم فاز بالشهادة، وإن غلَب وظَفِر كان له أجر من قاتل في سبيل الله، مع ما قد ناله من العلو في الدنيا والغنيمة. والْمُسْتَضْعَفِينَ) أي: مالكم لا تقاتلون في سبيل اللّٰه وسبيل المستضعفين حتى تخلصوهم من الأسر وتريحوهم من الجهد، والمراد بالمستضعفين هنا: من كان مكة من المؤمنين تحت إذلال الكفار عاجزين عن الانتقال إلى بلد يكونون فيه أعزة، وهم الذين كان النبي وَاليلي يدعو لهم فيقول: اللهم أنّج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعيَّاش بن ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين (مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ بيان للمستضعفين (الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا ) مكة ولم بنسب الظلم إلى مكة، تشريفًا لها وتكريمًا. [٧٦] (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ) أي: قتالهم لهذا المقصد لا لغيره (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ) أي: في سبيل الشيطان [وما يوقعه في قلوب الناس، فيتقاتلون عليه من طلب الفخر والغلبة بالباطل، وإذلال الغير، وسلب أموال الناس، والانتقام بغير حق، والاعتزاز بالعصبيات والقوميات] (فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنّ كَيْدَ الشِّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) أي: مكره ومكر من اتبعه من الكفار ضعيف متى قابله نصر اللّٰه لعباده المؤمنين. كُفّوا أَيْدِيَكُمْ) هم بعض الصحابة المسلمون ( كانوا ضعاف الإيمان، أمروا بترك القتال في مكة فجاءوا إلى النبي وَلِيِ فقالوا: يا نبيّ اللّٰه كنَّا في عزَّة ونحن مشركون، فلما آمنَّا صرنا أذلة؟ فقال: إني أُمِرْت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ) بالمدينة تثبَّطوا عن القتال من غير شك في الدين بل خوفًا من الموت وفَرَقًا من هول القتل، وقيل: هي في المنافقين، أسلموا قبل فرضٍ القتال، فلما فُرض كرهوه (يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً) أي: عضهم يخافون الناس بمقدار خوفهمِ من الله، وبعضهم أشد من ذلك خوفًا (لَوْلَا أَخَرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) أي: هلا أمهلتنا مدة أخرى ولو قليلة ل. ...- .الحياة فيها، وهذه الآية شبيهة بالآية الأخرى في سورة محمد (وَيَقُولُ الّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزَّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أَنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذَكِرَ فِيهَا الْقِتَالَ رَأْيْتَ الّذِينَ فِي قَلُوبِهِمْ مَرَضُ يَنْظَرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِن الْمَوْتِ فَأوْلَى لَهُمْ. طَاعَة وَقَوْلَ مَعْرُوف فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلِ صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ)، (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) سريع الفناء لا يدوم لصاحبه، وثواب الآخرة خير لكم من المتاع القليل (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى) منكم ورغب في الثواب الدائم (وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا)) أي: شيئًا حقيرًا، والفتيل: الخيط الذي في شق نواة التمر. ٨(أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ) فيه حث لمن قعد عن القتال خشية الموت، وبيان لفساد ما خالطه من الجبن وخامره من الخشية؛ فإن الموت كائن لا محالة، [فمن لم يمت بالسيف مات بغيره - تنوّعت الأسباب والموت واحدُ] (بُرُوجِ مُشَيَّدَةِ) هي الحصون المعتنى ببنيانها وتحصينها، لن تدفع الموت عند الأجل (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ) أي: إن تصب المنافقين نعمة نسبوها إلى اللّه تعالى، وإن تصبهم بلية ونقمة نسبوها إلى رسول اللّٰه وَالِيه (قُلْ كُلَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ) ليس كما تزعمون، بل كل خير أو مصيبة فهي بتقدير اله :-اا صفحة 91 [٨٠] ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ) فيه أن طاعة الرسول طاعة لله، لأن الرسول لا يأمر إلا بما أمر اللّٰه به، ولا ينهى إلا عما نهى اللّٰه عنه، فطاعة المبلّغ طاعة لمن قد أرسله (وَمَنْ تَوَلَّى) أي: أعرض عن طاعتك [فهو في الحقيقة إنما يعصي اللّٰه تعالى] (فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) أي: حافظًا لأعمالهم، إنما عليك البلاغ، وليس عليك أن تؤمن قلوبهم. [٨١] (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ)) أي: يقولون إذا كانوا عندك: أَمْرُنا طاعة (فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ) أي: خرجوا من عندك (بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ ) أي: زورت طائفة من هؤلاء القائلين (غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ) لهم أنت وتأمرهم به، وقيل: معناه: غيروا وبدلوا وحرفوا قولك فيما عهدت إليهم وَاللهُ كُتُبُ مَا يُبَيُّتُونَ) أي: يثبته في صحائف أعمالهم ليجازيهم عليه (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) أي: دعهم وشأنهم؛ حتى يمكن الانتقام منهم. [٨٢] (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) أيعرضون عن القرآن فلا بتدبرونه، أي: لا يتفهمونه ولا يتأملون معانيه، وإنهم لو تدبروه حق تدبُّره لوجدوه مؤتلفًا غير مختلف [ولفهموا معنى قوله: (كُلُّ مِنْ عِنْدِ اللهِ) وقوله: (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ)] وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) أي: تفاوتًا وتناقضًا، وعدم المطابقة للواقع، وهذا شأن كلام البشر، لا سيما إذا طال وتعرض قائله للإخبار بالغيب، فإنه لا يوجد منه صحيحًا مطابقًا للواقع إلا القليل النادر. [٨٣] (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ هم جماعة من ضعفة المسلمين، كانوا إذا سمعوا شيئًا فيه أمن نحو ظفر المسلمين وقتل عدوهم، أو فيه خوف نحو هزيمة المسلمين وقتلهم، أفشوه، وقيل: كانوا بسمعون إرجافات المنافقين على المسلمين، والإشاعات الباطلة فيذيعونها فتحصل بذلك المفسدة (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أَولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ) وهم أهل العلم والعقول الراجحة الذين يرجعون إليهم في أمورهم، أو هم الولاة عليهم (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) أي: يستخرجونه بتدبيرهم وصحة عقولهم، والمعنى: أنهم لو تركوا الإشاعة للأخبار حتى يكون النبي وَاليه هو الذي يذيعها، أو يكون أولو الأمر منهم هم الذين يتولون ذلك؛ لأنهم يعلمون ما ينبغي أن يُفشي وما ينبغي أن بُكْرَ. . احصل المطلوب. [٨٤] (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ) يا محمد بنفسك (لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ) أَي: لَسَت مسئولاً عن أصحابك قاتلوا أم لا، فيلزمك أن تفعل ما أمرك اللّٰه ولا يلزمك فعل غيرك (وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) أي: حضِهم على القتال والجهاد (عَسَى اَللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا فيه إطماع للمؤمنين بكف بأس الذين كفروا عنهم، فهو وعد منه سبحانه، ووعده كائن لا محالة (وَاللهُ أَشَدُّ بَأْسًا) أي: أشد صولة وأعظم سلطانًا (وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا) تعذيبًا. [٨٥] (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا) [الشفيع: من يأمر غيره بفعل أمر ويحضه عليه] والشفاعة الحسنة هي في البر والطاعة، فمن شفع في الخير لينفع فله نصيب منها، أي: من أجرها، ومن شفع في الشر، كمن يسعى بالنميمة والغيبة، كان له كفل منها، أي: نصيب من وزرها (وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا) حافظًا لمقادير أعمالكم فيجزيكم عليها. ٨٦] (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ ) التحية: السلام، وقيل: التحية هنا تشميت العاطس، وقال أصحاب أبي حنيفة: التحية هنا: الهدية، لقوله (فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا) بأن يزيد في الجواب على ما قاله المبتدئ بالتحية، فاذا قاا. المبتدئ: السلام عليكم، صفحة 92 قال المجيب: وعليكم السلام ورحمة اللّٰه [ويزيد لطفًا وبشاشة أو رفع صوت] والابتداء بالسلام سنة مرغب فيها، وردّه بمثله فريضة لقوله (فَحَيُّوا بأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) أي: ردوها بمثلها على الأقل، ولا يجوز بأقل منها، ولا بجوز ترك الرد بالكلية، فهو فرض، ولا يجوز نقص وصف الرد من مقدار الابتداء (حَسِيبًا) يحاسبكم على كل شيء. ٨٧] ليَجْمَعَنَّكُمْ) بالحشر إلى حساب يوم القيامة (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) يوم القيام من القبور (لا رَيْبَ فِيهِ) أي لا شكّ في يوم القيامة عند من يعقل عن اللّٰه حُجَجه (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا) [أي: لا أحد أصدق في أخباره وأحاديثه من اللّٰه تعالى؛ لغناه وقدرته وكماله وإحاطة علمه]. [٨٨] (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِتَتَيْنِ) عن مجاهد قال: إن أناسًا من أهل مكة كانوا يأتون النبي وَالِّي فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قومهم فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصالحوا، أي: لم اختلفتم في شأنهم حتى صرتم فيه على رأيين؟ (وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا) أي: ردهم إلى الكفر ونكسهم، فالركس والنكس قلب الشيء على رأسه، أو ردُّ أوله على آخرهِ، أي: أركسهم بسبب كسِبهم، وهو لحوقهم بدار الكفر (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ) للتقريع والتوبيخ، ومن أضله اللّٰه لا تنجح فيه هداية البشر. [٨٩]وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا) هؤلاء المنافقون يودون أن يكفر المؤمنون كما كفروا هم، ويتمنون ذلك عنادًا وغلوًّا في الكفر وتماديًا في الضلال (فَتَكُونُونَ (فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ) أي: سَوَاءً) أي: في الكفر أنصارًا تتولونهم حتى يحققوا إيمانهم بالهجرة (فَإِنْ تَوَلَّوْا) عن ذلك (فَخُذُوهُمْ) إذا قدرتم عليهم (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) في أي مكان، وهذا في قوم ادعوا الإسلام ثم لحقوا بدار الحرب معاندين، وليس في المنافقين الذين كانوا يساكنون المؤمنين بالمدينة. [٩٠] (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ) أي: إلا الذين يتصلون ويدخلون في قوم بينكم وبينهم عهد، بالجوار والحلف، فلا تقتلوهم؛ فإن العهد يشملهم، وقيل: الاتصال هنا هو اتصال النسب (أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ) أي: ضاقت عن القتال، فأمسَكُوا عن قتالكم والقتال معكم لقومهم، فضاقت صدورهم عن قتال الطائفتين، وكرهوا ذلك (وَأَ° جَاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ) ابتلاء منه لكم واختبارًا، أو تمحيصًا لكم، أو عقوبة بذنوبكم ( فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ) ولم يتعرضوا لقتالكم (وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ) أي: [رغبوا في مسالمتكم وَوضع الحرب بينكم وبينهم بعهدٍ يُبْرِمونه معكم] (فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) فلا يحل لكم قتلهم ولا أسرهم ولا نهب أموالهم، فهذا الاستسلام يمنع من ذلك ويحرمه، فنهى اللّٰه المسلمين عن التعرض لقتال كل من الطائفتين، وهم الداخلون في العهد المتمسِّكون به، والمعتزلون للحرب الراغبون في عقد الصلح بينهم وبين المسلمين. [٩١](سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ) فيظهرون لكم الإسلام ويظهرون لقومهم الكفر؛ ليأمنوا من كلا الطائفتين، وهم قوم من أهل تهامة طلبوا الأمان من رسول اللّٰه ول يم يأمنوا عنده وعند قومهم (كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ) أي: دعاهم قومهم إليها وطلبوا منهم قتال المسلمين (أَرْكِسُوا فِيهَا) أي: انقلبوا فيها فرجعوا إلى قومهم [واختلط عليهم الأمر وتحيَّروا، هل يقاتلونكم أو يقاتلون قومهم أو يعتزلون] (فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ) يعطوكم . . ا! - مد ما تطمئنون به إلى عدم صفحة 93 مشاركتهم في قتالكم (وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ) عن قتالكم (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ تَتِفْتُمُوهُمْ) أي: حيث وجدتموهم وتمكنتم منهم (سُلْطَانًا مُبِينًا) أي: حجة واضحة تتسلطون بها عليهم، وتقهرونهم بها بسبب ارتكاسهم في الفتنة بأيسر عمل وأقل سعي. [٩٢] (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَا خَطَأَ) ووجوه الخطأ كثيرة، ويضبطها عدم القصد، إذا لم يتعمد (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) أي: فعليه تحرير رقبة - عبد مؤمن أو أمة مؤمنة - يعتقها كفارة عن قتل الخطأ (وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ )) الدية: مالٌ محدَّد المقدار شرعًا، يعطى عوضًا عن دم المقتول إلى ورثته، والمسلَّمة: المدفوعة المؤداة، والأهل: المراد بهم الورثة، وأجناس الدية وتفاصيلها قد بيَّنتها السنة المطهرة، والدية هنا تلزم عاقله القاتل، وليس القاتل نفسه إلّا أنْ يَصَّدَّقُوا) أي: إلا أن يتصدق أهل المقتول على أهل القاتل بالدية، سمي العفو عنها صدقة ترغيبًا فيها {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوِّ لَكُمْ) وهم الكفار الحربيون، فالمؤمن الذي يقتله المسلمون في بلاد الكفار الذين كان منهم، ثم أسلم ولم يهاجر، فلا دية على قاتله، بل عليه تحرير رقبة مؤمنة، وسقطت الدية؛ لأن هذا الذي آمن ولم يهاجر حرمته قليلة ( وَإِنْ كَانَ) أي: إن كان المؤمن المقتول (مِنْ قَوْمٍ) كفارٍ (بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) مؤقت أو مؤبد وهو مؤمن (فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) أي: فعلى عاقلة قاتِلهِ دية مؤداة إلى أهله من أهل الإسلام وهم ورثته (وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) كما تقدم (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) أي: الرقبة أو لم يتسع ماله لشرائها (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) لم يفصل بين يومين من أيام صومهما إفطار في نهار، فلو أفطر استأنف، وأما الإفطار لعذر كالحيض ونحوه فلا يوجب الاستئناف، واختلف في الإفطار لعروض المرض (والراجح أنه إفطار بعذر، ولا يوجب إستئناف) (تَوْبَةً مِنَ اللهِ» أي: شرع ذلك قبولًا لتوبتكم. [٩٣] (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا) أي: قاصدًا قتله وهو بعلم أنه إنسان مؤمن، وعلامة العمد: ، أن يقتله بما يقتل مثله في العادة كالسيف أو السموم (فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ) ستحقها بسبب هذا الذنب مع كونه خالدًا فيها، وأن غضب اللّٰه عليه ولعنته وإعداده له عذابًا عظيمًا، لكن من تاب تاب اللّٰه عليه، لكن لا بد في توبة قاتل العمد من الاعتراف بالقتل، وتسليم نفسه للقصاص إن كان واجبًا، أو تسليم الدية إن لم يكن القصاء ٠اجبًّا، وكان القاتل غنيًّا متمكنًا من تسليمها أو بعضها، وأما مجرد التوبة من القاتل عمدًا، وعزمه على ألا يعود إلى قتل أحد، من دون اعتراف، ولا تسليم نفس، فنحن لا نقطع بقبولها، والله أرحم الراحمين، هو الذي يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون [لم يذكر اللّٰه له توبة ولا كفّارة كما ذكرهما للقاتل المخطئ فدلّ على انتفائهما ] وقيل: له توبة. [٩٤] (إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ) خرجتم للجهاد [أو ضربتم بالسلاح قتالًا في سبيل الله] (فَتِبَيَّنُوا) أي: تثبتوا لئلا يكون من تضربونه مؤمنًا (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ) أي: لا تقولوا لمن ألقى إليكم كلمة الإسلام وهي الشهادة، لست مؤمنا، وقيل: المعنى: لا تقولوا لمن ألقى إليكم التسليم، فقال (السلام عليكم)): لست مؤمنا، عن ابن عباس قال: مرَّ رجل من بني سليم بنفر من أصحاب رسول اللّٰه ولي وهو يسوق غنمًا له، فسلم عليهم، فقالوا: ما سلم علينا إلا ليتعوَّذ منا، فعمدوا إليه فقتلوه، وأتوا بغنمه إلى النبي وَلِّه فنزلت هذه الآية ( تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) طالبين الغنيمة (فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ مما هو حلال لكم من دون ارتكاب محظور، وتستغنون بها عز فتا ه.. قد استسلم وانقاد، واغتنام ماله صفحة 94 (كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ) أي: كنتم كفارًا فحقنت دماؤكم لما تكلمتم بكلمة الشهادة. [٩٥] ( غَيْرُ أُولِي الضًّرَرِ) أهل الضرر: هم أهل الأعذار؛ لأنها أضرت بهم حتى منعتهم من الجهاد، فإنهم إن كانت نيتهم وكل عزمهم أنهم لولا العذر لخرجوا مجاهدين، فهم بدرجة المجاهدين ولهم مثل أجرهم (دَرَجَةً) هذا بيان لما بين الفريقين من التفاضل، والمراد بالقاعدين هنا: غير أولي الضرر، أي: أعلى ذكرهم ورفعهم بالثناء والمدح (وَكُلَّا) من المجاهدين والقاعدين، وعده اللّٰه (الْحُسْنَى) أي: المثوبة، وهي الجنة. ٩٦] (دَرَجَاتٍ) قيل: هي الدرجة السابقة نفسها، وقيل: فضلهم بدرجة واحدة على القاعدين بعذر، وفضلهم درجات على القاعدين دون عذر، وعن أبي هريرة أن رسول اللّٰه ويَلِيّي قال: ((إن في الجنة مائة درجة أعدها اللّٰه للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض)). [٩٧] (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ)) تتوفاهم بقبض أرواحهم (ظَالِمِي أَنَّفُسِهِمْ) وهم الذين لم يهاجروا من مكة إلى المدينة، بل بقوا بين الكفار يمنعونهم من إظهار إسلامهم وممارسة عبادتهم وشعائر دينهم، وربما قتلهم المسلمون في الحرب مع الكفار وهم لا يعلمون بأنهم مسلمون، تقول لهم الملائكة: (فِيمَ كُنْتُمْ ) سؤال توبيخ، أي: في أي شيء كنتم من أمور دينكم؟ وقيل المعنى: أكنتم في أصحاب النبي وَالي يه أم كنتم مشركين؟ (قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ) لا نقدر على إظهار ديننا، فتقول لهم الملائكة: (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا) أي: فتتخلصوا من ظلم الكفار لكم، وتعبدوا اللّٰه مع المسلمين، والأرض: كل بقعة من بقاع الأرض تصلح للهجرة إليها، ويراد بالأرض الأولى: كل أرض ينبغي الهجرة منها (مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ) أي: لا مسكن لهم إلا النار، فهذه الآية دليل على وجوب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام لمن لم يكن قادرًا على إقامة دينه. [٩٨] إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ) حقيقة ( مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ) كالزَّمنى ونحوهم (لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً) بأسباب التخلص (وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا) أي: لا يعرفون الطريق التي توصلهم إلى أرض الأمان والإسلام. [٩٩]( فَأَولَتِكَ) إشارة إلى المستضعفين الموصوفين بما ذكر اللّٰه (عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ) لتأكيد أمر الهجرة، حتى يظن أن تركها - ممن لا تجب عليه-.ك. ١. ذًا يطلب العفو عنه. [١٠٠] (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ) الهجرة تكون في سبيل اللّٰه إن كانت بقصد صحيح ونية خالصة غير مشوية بشيء من أمور الدنيا، ومنه: الحديث الصحيح ((فمن كانت هجرته إلى اللّٰه ورسوله فهجرته إلى ورسوله، ومن كانت هجرته إلى اللّٰه ورسوله فهجرته إلى اللّٰه ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه)) (يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا) مكانًا يسكن فيه على رغم أنف قومه الذين هاجرهم، أي: على ذلهم وهوانهم (وَسَعَةً) في البلاد وفي الرزق (ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ) قبل أن يصل إلى المكان الذي قصد الهجرة إليه (فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ) أجر هجرته كاملًا ولو لم يصل دار الهجرة (عَلَى اللهِ) أي: ثبت ذلك عنده ثبوتًا لا يتخلف، عن ابن عباس قال: خرج ضمرة بن جندب من بيته مهاجرًا فقال لقومه: احملوني فأخرجوني من أرض الشرك إلى رسول اللّٰه وَالِيِ، فمات في الطريق قبل أن يصل النبي وَلِي فنزلت هذه الآية. [١٠١](وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) سافرتم فيها ( فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ) فيه دليل على أن القصر ليس بواجب على من سافر، بل المسافر إن شاء قصر وإن شاء أتم الصلاة، والقصر: أن تصلم الم لحة الرباعية في السفر ركعتين فقط صفحة 95 {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنِكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) ظاهر هذا أن القصر لا بجوز في السفر إلا مع خوف الفتنة من الكافرين، لا مع الأمن، ولكنه قد تقرر بالسنة أن النبي وَلِيةِ (قصر مع الأمن)). ١٠٢] (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ) هذا خطاب لرسول الله وَلِيِ ولمن بعده من أهل الأمر حكمه - فيصلي كل منهم بأصحابه صلاة الخوف، والصحابة قد صلوها بعد موته أكثر من مرة كما هو معروف (فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ) يعني بعد أن تجعلهم طائفتين: طائفة تقف بإزاء العدو، وطائفة تقوم معك في الصلاة (وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ) أي: الطائفة التي تصلي معه، والطائفة القائمة بإزاء العدو لا بدَّ أن تكون قائمة بأسلحتها، والمراد: أن يكونوا حاملين لسلاحهم ليتناولوه من قرب إذا احتاجوا إليه، وليكون ذلك أقطع لرجاء عدوِّهم من إمكان فرصته فيهم (فَإِذَا سَجَدُوا) أي: فإذا سجد المصلون معه، أي: أتموا الركعة أو جميع الصلاة (فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ ) أي: فلينصرفوا بعد الفراغ إلى مقابلة العدو للحراسة (وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أَخْرَى) وهي القائمة في مقابلة العدو التي لم تصلّ ( فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) على الصفة التي كانت عليها الطائفة الأولى (وَلْيَأْخُذُوا) أي: هذه الطائفة الأخرى (حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) ولم يبين في الآية كم تصلي كل طائفة من الطائفتين، وقد وردت صلاة الخوف في السنة المطهرة على صُوَر مختلفة، وصفات متعددة، وكلها صحيحة مجزئة، من فعل واحدة منها فقد فعل ما أمر به، فارجع إلى كتب الحديث لتعلمها، ويجمعها ما في هذه الآية ( فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً) فيشدُّون عليكم شدَّة واحدة، أي: بكل قوتهم حتى لا يحتاجوا إلى ميلةِ ثانية ( أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ ) رخص لهم في وضع السلاح إذا نالهم أذى من المطر، وفي حال المرض، ثم أمرهم بأخذ الحذر؛ لئلا يأتيهم العدو على غرة وهم غافلون. [١٠٣ ](فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ) فرغتم من صلاة الخوف (فَاذْكُرُوا اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ) أي: في جميع الأحوال حتى في حال القتال (فَإِذَا اطْمَأْنَتْتُمْ) أي: أمنتم ولم يكن هناك عدو تخافون منه (فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) أي: فأتوا بالصلاة التي يدخل وقتها على الصفة المشروعة من الأذكار والأركان والطمأنينة (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) أي: محدودًا معينًا بأوقات معلومة لكل منها بدء ونهاية لا يصلح تقديمها ولا تأخيرها، فإن اللّٰه افترض على عباده الصلوات، وكتبها عليهم في أوقاتها المحدودة، لا يجوز لأحد أن يأتي بها في غير ذلك الوقت إi-1 ٧. شرعي: من نوم أو سهو أو نحوهما، أي: ولذلك أمركم بالصلاة حال الخوف مع حمل السلاح والصفة المبينة، ولم يأذن لكم في تأخيرها عن الوقت. [١٠٤] (وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ) أي: لا تضعفوا في طلبهم وأظهروا القوَّة والجلد (إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ) فليسوا بأولى منكم بالصبر على حر القتال ومرارة الحرب (وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ) من الأجر وعظيم الجزاء (مَا لَا يَرْجُونَ) لكفرهم وجحودهم، فأنتم احق بالصبر منهم. ١٠٥٦] (إِنَّا أَنَزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) سبب نزول هذه الآيات أن رجلًا من المنافقين من بني أبيرق سرق من أحد الأنصار طعامًا وسلاحًا، واتهم به رجلًا صالحًا، ولما شعر بعض الناس بالسارق طفق قومه يدافعون عنه أمام النبي وَلِلية حتى كاد أن يميل إليهم على اعتبار أن من اتهمه لا بيِّنة له، فنزلت الآيات (بِمَا أَرَاكَ اللهُ) إما بوحي، أو بما عرَّفه اللّٰه به وأرشده إليه (وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) أي: مخاصمًا عنهم مجادلًا للمحقِّين بسببهم، وفيه دليل على أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن أحا.مه. .علم أنه غير مُحِقَّ. صفحة 96 ١٠٦] (وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ) استغفر اللّٰه من خصامك عن بني أبيرق، وكان واليي قد قال للمدعي: (عَمَدتَ إلى أهل بيت ذُكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة على غير بت ولا بيِّنة) فلما نزلت الآية ردوا السلاح. [١٠٧] (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ ) أي: لا تحاجج عن الذين يخونون أنفسهم، لأن ضرر معصيتهم راجع إليهم (إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا) الخوَّان: الكثير الخيانة، والأثيم: الكثير الإثم. ١٠٨](يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ) أي يستترون منهم (وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ) أي: لا يستترون بترك الفعل الذميم؛ لأنهم إن فعلوه لم يخف على اللّٰه سبحانه، فكيف يستخفون منه؟! {إِذْ يُبَّتُونَ) أي يديرون الرأي بينهم بالليل {مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ* أي: من الراي الذي ارادوه بينهم. [١٠٩ (مَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ) يعني: القوم الذين جادلوا عن صاحبهم السارق (جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) عند تعذيبهم بذنوبهم، وهو المطلع على كل ما دبروه (أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا) أي: مجادلا ومخاصمًا بالوكالة عنهم. [١١٠] (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا) السوء القبيح الذي يسوء به غيره (أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ)) بفعل معصية من المعاصي التي لا تتعدى إلى غيره (ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ) يطلب منه أن يستر له ما قارفه من الذنوب، ويمحو عنه أثره، بقوله: أستَغْفرُ الله، أو: اللهم اغفر لي (يَجِدِ اللهَ غَفُورًا) لذنبه (رَحِيمًا) به، قال ابن عباس: ((أخبر اللّٰه العباد بحلمه وعفوه وكرمه وسعة رحمته ومغفرته، ولو كانت ذنوب العبد أعظم من السماوات والأرض والجبال فإن اللّٰه يغفرها لمن تاب واستغفر»، وفيه ترغيب لمن وقع من السَّرَق من بني أبيرق أن يتوب إلى اللّٰه ويستغفره، وأنه غفور لمن يستغفره رحيم به، وهي لكل عبد من عباد الله أذنب ذنبًا ثم استغفر اللّٰه سبحانه. [١١١] (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ) عاقبته عائدة عليه [آي: ما كان لاقارب ذلك السارق أن يكونوا في حرج من سرقته يحملهم على الدفاع عنه بالباطل] فليس عليهم من إثم السرقة شيء (عَلِيمًا حَكِيمًا)) [ حيث حكم بهذه القاعدة العظيمة، وأخبركم بها لتعملوا بها]. [١١٢] (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا)) الخطيئة تكون عن عمد وعن غير عمد، والإثم يكون إلا عن عمد وقيل: الخطيئة: الصغيرة، والإثم: الكبيرة (ثُمَّ .". .» رِيثًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا ) البهتان: هو الكذب على البريء بما ينبهت له ويتحير منه. ١١٣](وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ) خطاب لرسول اللّٰه وَيّه، والمراد بهذا الفضل والرحمة لرسول الله: أنه نبهه على الحق في قصة بني أبيرق (لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ) أي: من الجماعة الذين عضدوا بني أبيرق {أَنْ يُضِلُّوكَ) عن الحق [فتحكم خطأً على بريء وتبريء المجرم] (وَمَا يُضِلُوْنَ إِلَّا أَنْفَسَهُمْ) لأن وبال ذلك عائد عليهم (وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ) لأن اللّٰه سبحانه هو عاصمك من الناس، ولأنك عملت بالظاهر ولا ضرر عليك في الحكم به قبل نزول الوحي (وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ) أي: وشرع لك في هذه الآيات وغيرها من القواعد والأحكام ما فيه خير كثير سببه ما حصل في شأن بني أبيرق (وَالْحِكْمَةَ) السنة النبوية، مع إنزال اللّٰه ذلك عليك (وَعَلّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ) من قبل (وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) إذ لا فضل أعظم من النبوة ونزول الوحي. [١١٤] لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ ) النجوى: السر بين الاثنين أو الجماعة إذا تحاثاف. أمر من الأمور سرًّا، فأكثر صفحة 97 ما يتناجى الناس به لا خير فيه، إلا في هذه الأمور الثلاثة: {بِصَدَقَةٍ) أي: صدقة التطوع، (أَوْ مَعْرُوفٍ) المعروف: لفظ عام يشمل جميع أنواع البرِّ (أَوْ إِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ) الإصلاح بين الناس عام في الدماء والأعراض والأموال، وفي كل شيء يقع التداعي والتخاصم فيه (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ أي: من يأمر بهذه الأشياء (ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) ومن فعلها لغير ذلك فهو غير مستحق لهذا المدح والجزاء، بل قد يكون غير ناج من الوزر، والأعمال بالنيات، [عن أم حبيبة قالت: قال رسول الله واليةِ (كلام ابن آدم كله عليه لا له، إلا أمرًا بمعروف أو نهيًا عن منكر ، أو ذكرًا لله وعَل))]. [١١٥] ( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى) المُشَاقَّة، وأصلها المشاققة: المعاداة والمخالفة، فيناجي غيره بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، وتيُن الهدى: ظهوره، بأن يعلم صحة الرسالة بالبراهين الدالة على ذلك ثم يفعل المشاقَّة (وَيَتَّبَعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) أي: غير طريقهمٍ، وهو ما هم عليه من دين الإسلام والتمسك بأحكامه، بل تولّى أهل الكفر والضلال (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى) أي: نلحقه بالكفار والضلال (وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ) أي: نذيقه عذاب نارها. [١١٦](إِنَّ اللَهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) تقدم تفسيرها (الآية ٤٨)، وأخرج الترمذي عن عليٌّ قال: ما في القرآن آية أحب إليَّ من هذه الآية، [أي: لأنها تعطي الأمل للعصاة فلا ييآسون من رحمة اللّٰه]. [ ١١٧](إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا) أي: ما يدعون من دون اللّٰه إلا أصنامًا لها أسماء مؤنثة كاللات والعزة ومناة، وقيل: المراد بالإناث: الملائكة، لقولهم: الملائكة بنات اللّه، عن الضحاك: قال المشركون: إن الملائكة بنات الله، وإنما نعبدهم ليقربونا إلى اللّٰه زلفي، قالٍ: اتخذوهن أربابًا، وصوَّروهنَّ صور الجواري فحلَّوا وقلَّدوا، وقالوا: هؤلاء يشبهن بنات اللّٰه الذي نعبده، يعنون الملائكة (وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا) وهو إبليس لعنه الله، لأنهم إذا أطاعوه فيما سوَّل لهم فقد عبدوه، والمريد: المتمرد العاتي. [١١٨] (وَقَالَ لَأَنَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا) لأجعلن قطعة مقدرة من عباد اللّٰه تحت غوايتي، حتى أخرجهم من عبادة اللّٰه إلى الكفر به. [١١٩] (وَلَأُمَنَّيَنَّهُمْ) الأماني الباطلة الناشئة عن تسويل الشيطان ووسوسته، (وَلَامُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتَّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ) نبتيكها: تقطيعها، أي: فليبتك ..! ... جب أمري، وقد فعَل الكفار ذلك امتثالًا لأمر الشيطان، واتباعًا لرسمه، فشقوا آذان البحائر والسوائب كما هو معروف (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ) قيل: هو الخصاء، وفقء الأعين، وقطع الآذان، وقيل: وهو الصواب: المراد تغيير الفطرة التي فطر اللّٰه الناس عليها [من توحيد اللّٰه تعالى والإقرار له بالربوبية والألوهية والكمال] هذا وقد رخص طائفة من العلماء في خصاء البهائم إذا قصد بذلك زيادة الانتفاع بها لسِمَنٍ أو غيره، أما خصاء بني آدم فلا يحل ولا يجوز، وهو مُثْلَةٌ وتغيير لخلق اللّٰه (وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ) باتباعه وامتثال ما يأمر به من دون اتباع لما أمر اللّٰه به ولا امتثال له (فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا) أي: واضحًا ظاهرًا. [١٢٠] (يَعِدُهُمْ) الشيطان المواعيد الباطلة (وَيُمَنِّيهِمْ) الأماني العاطلة (وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ) بما يوقعه في خواطرهم من الوساوس الفارغة (إِلَّا غُرُورًا) يغرهم به ويظهر لهم فيه النفع، وهو ضرر محض، قال ابن عرفة: الغرور: ما رآيت له ظاهرًا تحبه، وله باطن مكروه. [١٢١ ] ( مَحِيصًا) مكاذًا .٥. من ، إليه مما نزل بهم من المكروه. صفحة 98 [١٢٢] (وَعْدَ اللهِ حَقًّا) أي: وعدهم اللّٰه ذلك وعدًا صادقًا (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا) أي: لا أحد أصدق قولًا من اللّٰه وجَلّ. [١٢٣] (لَيْسَ بِأَمَانِيَّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ) أي: ليس دخول الجنة أو الفضل أو القرب من اللّٰه والخلاص من عذابه يحصل بمجرد التمني، سواء من أهل الكتاب، كقولهم: نحن أبناء اللّٰه وأحباؤه، وقولهم: لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة [أو من المسلمين، كقول بعضهم يوم القيامة: ينادي مناد: من كان اسمه محمدًا فليدخل الجنة، أو من مات يوم الجمعة، أو في بلد كذا دخل الجنة، كلها أماني باطلة] بل (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) فكل من عمل سوءًا من شرك أو غيره من غير فرق بين المسلم والكافر، بجازي بفعله في الدنيا أو الآخرة، وفي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى الشوكة يشاكها، ففي الصحيحين عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما سمعا رسول اللّٰه وَلِيّيه يقول: ((ما بصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر اللّٰه به من سيئاته». [١٢٤] (وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) أي: لا ينقصون ولو شيئًا حقيرًا، والنقير: [ملء] النقرة في ظهر نواة التمر. [١٢٥] (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ) أي: أخلص نفسه له (وَهُوَ مُحْسِنٌ) حال كونه محسنًا، أي: عاملًا للحسنات (وَاتَّبَعَ مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ) أي: دينه حال كون إبراهيم ( حَنِيفًا) أي: مائلًا عن الأديان الباطلة إلى دين الحق، وهو الإسلام (وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) أي: جعله صفوة له وخصه بكراماته، والخليل: أقرب أحبتك إليك الذي تخصه بألفتك ويخصك بمثلها وتفضي إليه بأسرارك. [١٢٦] (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) إشارة إلى أنه اتخذ إبراهيم خليلًا [إكرامًا له] لطاعته، لا للتكثر به والاعتضاد بمخاللته (مُحِيطًا) أحاط علمه بكل شيء - لا بغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها - سبحانه وبحمده. [١٢٧] (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ ) أي: يبين لكم حكم ما سألتم عنه (وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ) أي: والذي نزل من القرآن في أول سورة النساء وهو قوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ) هو نازل (فِي) شأن (يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ) أي: ما فُرِضَ لهن من المهر وغيره (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) أي: ترغبون في أن تتزوَّجوا بهن ١١.- ١. ن، فلا تفعلوا ذلك إلا أن تعطوهن صداقهن كاملًا كأمثالهن (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ) أي: وما يتلى عليكم في يتامى النساء وفي المستضعفين من الولدان، وهو قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) وقد كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا من كان مستضعفًا من الولدان كما سلف، وإنما يورّثون الرجال القائمين بالقتال وسائر الأمور الكبار (وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ) وهو ما تقدم في أول السورة من الوصاية على اليتامى في أموالهم (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ) في حقوق المذكورين (فَإِنَّ اللَهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا ) يجازيكم بحسب فعلكم من خير وشر. [١٢٨] (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا) نشوز الرجل عن زوجته: تباعده عنها وكراهيته لها ورغبته في فِراقها، والإعراض: ألا يكلمها ولا يأنس بها (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا) بأي نوع من أنواعه: إما بإسقاط النوبة، أو بعضها، أو بعض النفقة، أو بعض المهر، وترضى هي بالبقاء عنده مع سقوط شيء مما ذكر (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) أي: إن الصلح الذي تسكن إليه النفوس، ويزول به الخلاف، خير من الفرقة، أو من الخص. مة ه، أُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ) صفحة 99 إخبار منه سبحانه بأن الشح في كل واحد منهما، بل في كل الأنفس الإنسانية، كأنه حاضر لها لا يغيب عنها بحال، بحكم الجبلة والطبيعة والخلقة، فالرجل يشح بما يلزمه للمرأة من حسن العشرة وحسن النفقة ونحوها، والمرأة تشح على الرجل بحقوقها اللازمة للزوج فلا تترك له شيئًا منها (وَإِنْ نُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا) أي: تحسنوا عشرة النساء وتتقوا اللّٰه تعالى فتتركوا ما لا يجوز من النشوز والإعراض والمضارَّة. [١٢٩](وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ) في المحبة والجماع، على الوجه الذي لا ميل فيه ألبتة؛ لما جُبلت عليه الطباع البشرية من ميل النفس إلى هذه دون هذه، بحيث لا يملكون قلوبهم ولا يستطيعون توقيف أنفسهم على التسوية، ولهذا كان النبي وَالِعِ يقول: ((اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا ألك) لا تَمِلُوا ل عن هن إلى الأخرى (كُلِّ الْمَيْلِ) حتى تذروا الأخرى كالمعلقة التي ليست ذات زوج ولا مطلقة، فيكون في ذلك عليهن ضرر كبير، بل ينبغي أن يجعل لها من نفسه نصيبًا وإن قلّ (وَإِنْ تُصْلِحُوا) أي: نصلحوا ما أفسدتم من الأمور التي تركتم من عشرة النساء والعدل بينهن (وَتَتَقُوا) أي: وتتقوا اللّٰه بترك ما يكره، ومنه كل الميل الذي نهيتم عنه (فَإِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا)) لا يؤاخذكم بما فرط منكم. [ ١٣٠] (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلَّا) منهما عن الآخر بأن يهيِّئ للرجل امرأة توافقه وتقَرُّ بها عينه، وللمرأة رجلًا نغتبط بصحبته، ويرزقهما (مِنْ سَعَتِهِ) رزقًا يغنيهما به عن الحاجة، عن علي أنه سئل عن هذه الاية، فقال: هو رجل عنده امرأتان فتكون إحداهما قد عجزت أو تكون دميمة، فيريد فراقها فتصالحه على أن يكون عندها ليلة، وعند الأخرى ليالي ولا يفارقها، فما طابت به نفسها فلا بأس به، فإن رَجَعَتْ - أي: عن الصلح - سوَّى بينهما. [١٣١] (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أمرناهم فيما أنزلناه عليهم من الكتب (وَإِيَّاكُمْ) أي: أمرناكم في هذا القرآن بالتقوى (فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) وفائدة هذا التكرير: التأكيد ليتنبه العباد على سعة ملكه، وينظروا في ذلك، ويعلموا أنه غني عن خلقه، وأنه عليهم قادر، وأن حقه أن يطاع فلا يُعصى. [١٣٣] (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ) أي: يُفْنِكم ويُمِتْكُم (وَيَأْتِ بِأخَرِينَ) أي: بقوم آخرين غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم. ١٣٤٦] ( مَنْ كَانَ يُريدُ ثَوَادَ . ١:٦١١) وهو من يطلب بعمل شيئًا من أمور الدنيا، كالمجاهد يطلب الغنيمة دون الأجر (فَعِنْدَ اللهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) فما باله يقتصر على أدنى الثوابين وأحقر الأجرين؟! وهلا طلب بعمله ما عند اللّٰه سبحانه، وهو ثواب الدنيا والآخرة، فيحرزهما جميعًا ويفوز بهما. [١٣٥ ](يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسْطِ) بالعدل بين الناس فيما تتولونه من أمورهم، وفيمن تحت أيديكم من النساء والأولاد، وتشمل القضاة والأمراء (شُهَدَاءَ لِلّهِ) مراقبين له طالبين لمرضاته بإقامة الشهادة بين الناس على وجهها بالعدل والحق (وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) العدل في شهادتهم على أنفسهم هو الإقرار بما عليهم من الحقوق، أما شهادته على والديه فبأن يشهد عليهما بحق للغير، وذكر الأبوين لوجوب برهما وكونهما أحب الخلق إليه، ثم ذكر الأقربين؛ لأنهم مظنة المودة والتعصب، فإذا شهدوا على هؤلاء بما عليهم فالأجنبي من الناس أحرى أن يشهدوا عليه بالحق (إِنْ يَكُنْ) المشهود له أو عليه (غَنِيَّا) فلا يراعى لأجل غناه استجلابًا لنفعه، أو استدفاعًا لضره، فيترك الشهادة عليه «أَمْ فَقِيرًا) فلا يراعى لأجل فقره صفحة 100 رحمة له وإشفاقًا عليه، فيترك الشهادة عليه ( فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا) بكل واحد منهما [يعني: فيجب العدل في الحكم والشهادة بكل حال] (فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى) الميل مع ما تشتهيه أنفسكم من جلب النفعِ لأنفسكم ووالديكم والأقربين، ودفع الضرر عنهم كراهة ( أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا) أي: تتركوا ما يجب عليكم من الحكم بالعدل أو تأدية الشهادة على وجه الحق بتحريفها عن وجهها بطريقة تخدم ما تهوونه [متعلّلين ومعتذرين عن ذلك بما يعلم اللّٰه تعالى أنه ليس عذرًا لكم] (أَوْ تُعْرِضُوا) أي: عن تأدية الشهادة من الأصل بكتمانها، وهذه الآية تعم القاضي والشهود، أما الشهود فظاهر، وأما القاضي فذلك بأن يعرض عن أحد الخصمين، أو يلوي عن الكلام معه، وقيل: هي خاصة بالشهود كأن تكون عند الرجل الشهادة على ابن عمه أو ذوي رحمه، فيلوي بها لسانه، أو بكتمها مما يري من عسرته حتى يوسر فيقضي حين يوسر ( فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا أي: بما تعملون من الليِّ والإعراض، أو: بكل عمل، وفي هذا وعيد شديد لمن لم يأت بالشهادة كما يجب عليه، أو كان قاضيًا فحكم بغير الحق اتباعًا للهوى. [١٣٦] (آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) أي: اثبتوا على إيمانكم ودوموا عليه (وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ) هو كل كتاب سماوي (فَقَدْ ضَلَّ) عن القصد (ضَلَالَا بَعِيدًا) أي: فليراجع طريق الهداية. [١٣٧] (لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا)) لأنه يبعد منهم كل البعد أَن يخلصو الله ويؤمنوا إيمانًا صحيحًا، فإن هذا الاضطراب منهم، والكفر المتكرِّر، والجحود الدائم، يدل على أنهم متلاعبون بالدين، ليست لهم نية صحيحةٍ ولا قصد خالص، وهؤلاء هم المنافقون والزنادقة، إذا اطُّلع عليهم ادَّعوا الإسلام، فإذا ذهبوا أظهروا الكفر، وقال ابن عباس: ((لا يغفر لهم إن استمروا على كفرهم حتى ماتوا»، وإلا فالكافر إذا آمن وأخلص إيمانه وأقلع عن الكفر فقد هداه اللّٰه السبيل، والإسلام يَجُبُّ ما قبله [١٣٨] (بَشَّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) أمره تبشيرهم تهكمٍ بهم؛ إذ ليس لهم عند اللّٰه تعالى ما يسرُّ. [١٣٩] (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ) يوالونهم على كفرهم ويمالئونهم على ضلالهم (مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) أي: فلا يتخذون المؤمنين أولياء (أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) وما كان منها مع غيره فهو من فيضه وفضله، والحمد الغلبة والامتناع والقوة ونفاذ الأمر. [١٤٠] (فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِه) أي: أن الله تعالى أنزل عليكم في القرآن أنكم عند السماع للكفر والاستهزاء بآيات اللّٰه لا تقعدوا معهم ما داموا كذلك حتى يخوضوا في حديث غير حديث الكفر والاستهزاء، والذي أنزله اللّٰه عليهم في الكتاب هو قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثِ غَيْرِهِ) (سورة الأنعام، آية: ٦٨)، وقد كان جماعة من الداخلين في الإسلام يقعدون مع المشركين واليهود حال سخريتهم بالقرآن واستهزائهم به، فنهوا عن ذلك (إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ) إن فعلتم ذلك ولم تنتهوا فأنتم مثلهم في الكفر، ومن التقوى اجتناب مجالس الذين يكفرون بايات اللّٰه ويستهزئون بها ويخوضون في الحرام [فيشربون الخمور، ويفعلون المعاصي، ولا يتقون اللّٰه في أقوالهم وأفعالهم؛ لأن مجالستهم في تلك الأحوال يوحي إليهم بالرضا عما يفعلون، ويميل بقلب المؤمن مع مرور الوقت إلى موافقه . ~" ، يكون مثلهم]. صفحة 101 [١٤١ ] (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ) أي: ينتظرون بكم ما يتجدد ويحدث لكم من خير أو شر (فَتْحٌ مِنَ اللهِ) بالنصر على من يخالفكم من الكفار (قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ) في الاتصاف بالإسلام والتزام أحكامه، فأعطونا من الغنيمة (وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ) من الغلب لكم والظفر بكم (قَالُوا) للكافرين (أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ) [أي: ألم نبيِّن لكم أننا على ما أنتم عليه، ولكننا كنا نداخل المسلمين لنثبطهم عنكم] (وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) بتخذيلهم وتثبيطهم عنكم حتى ضعفت قلوبهم عن الدفع، وعجزوا عن الانتصاف منكم، والمراد: أنهم يميلون مع من له الغلب والظفر من الطائفتين، ويظهرون لهم أنهم كانوا معهم على الطائفة المغلوبة، وهذا شأن المنافقين أبعدهم الله، ويشبههم من حذا حذوهم من أهل الإسلام من الميل إلى من معه الحظ من الدنيا في مال آو جاه، فيلقاه بالتملق والتودد والخضوع والذلة، ويلقى من لا حظ له من الدنيا بالشدة والغلظة وسوء الخلق، ويزدري به ويجابهه بكل مكروه، فقبَّح اللّٰه أخلاقَ أهل النفاق وأبعدها (فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ففي هذا اليوم تنكشف الحقائق وتظهر الضمائر (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) هذا في يوم القيامة إذا كان المراد بالسبيل: النصر والغلب، أو في الدنيا إن كان المراد به: الحجة، وقيل المعنى: إنه سبحانه لا يجعل للكافرين سبيلًا على المؤمنين ما داموا عاملين بالشرع، فيجب أن يكبتوا الكفار والمنافقين ويظهروا كرامة أهل الإيمان برفع درجات المؤمنين على درجات الكفار والمنافقين. ١٤٢](إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ) بإظهار الإيمان وإبطان الكفر (وَهُوَ خَادِعُهُمْ) يصنع بهم صنع من يخادع من خادعه، وذلك أنه يتركهم على ما هم عليه من التظاهر بالإسلام في الدنيا، فعصم به أموالهم ودماءهم، وأخر عقوبتهم إلى الدار الآخرة، فجازاهم على خداعهم بالدرك الأسفل من النار (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى) يصلون وهم متكاسلون متثاقلون لا يرجون ثوابًا ولا يخافون عقابًا {يُرَاءُونَ) الرياء: إظهار الجميل ليراه الناس، لا لاتباع أمر اللّٰه (وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا) وأخرج مسلم وأبو داود عن النبي وَلِيِ أنه وصف صلاة المنافقين، فقال: ((يقعد أحدهم يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر أربعًا لا يذكر اللّٰه فيها إلا قليلًا)). [١٤٣] (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ) أي: يترددون في أمرهم بين المؤمنين والمشركين، ٧ مخلصين الإيمان، ولا مصرحين بالكفر وفي الحديث الصحيح عن النبي وَلِلِيِ قال : (إن مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة، فلا تدري أيهما تتَّبع» (وَمَنْ يُضْلِلِ الله) أي: يخذله ويسلبه التوفيق (فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ) أي: طريقًا يوصله إلى الحق. [١٤٤] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ) خاصة لكم وبطانة توالونهم (مِنْ دُونِ) إخوانكم من ( الْمُؤْمِنِينَ) كما فعل المنافقون (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) حجة بينة يعذبكم بها بسبب موالاة الكافرين. [١٤٥] (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) الدرك: هو الدرج النازل إلى أسفل، أما الذي إلى أعلى فهو الدرج، قيل: النار دركات سبع، فالمنافق في الدرك الأسفل منها، وهي الهاوية، لغلظ كفره وكثرة غوائله (وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) يخلصهم من ذلك الدرك. [١٤٦ ](إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا) من المنافقين عن النفاق (وَأَصْلَحُوا) ما أفسدوا من أحوالهم (وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ) الاعتصام بالله: التمسك به والوثوق بوعده (وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ غ.. مشوب بطاعة غيره صفحة 102 (مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) في أحكام الدنيا والآخرة، ثم بين ما أعدَّ اللّٰه للمؤمنين الذين هؤلاء معهم فقال: (وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) فيكون للمنافقين الذين يخلصون مثل هذا الأجر. [١٤٧ ] (مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ) أيُّ منفعة له في عذابكم إن شكرتم وآمنتم؛ فإن ذلك لا يزيد في ملكه، كما أن ترك عذابكم لا ينقص من سلطانه، وإنما التعذيب للعصاة على سبيل المجازاة، وفي هذا ألطف دعوة للمنافقين ليصلحوا أنفسهم (وَكَانَ اللَهُ شَاكِرًا عَلِيمًا )) أي: يشكر عباده على طاعته، فيثيبهم عليها ويتقبلها منهم. [١٤٨] (لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ) [كالسباب والشتائم ولو كان ما نسبه إلى المشتوم صحيحًا] (إِلَّا مَنْ ظُلِمَ) أي: لكن من ظُلم فله أن يقول: ظلمني فلان، وقيل: هو أن يدعو على من ظلمه، ويقول: فلان ظلمني، أو: هو ظالم، فيجوز لمن ظُلِمَ أن يتكلم بالكلام الذي هو من السوء في جانب من ظَلَمه، وفي الحديث الصحيح ((ليٌّ الواجد ظلمٌ يُحِلّ عرضه وعقوبته» [وليس للمظلوم أن يزيد فيما يجهر به من السوء على مقدار حقه، وإلا كان معتديًا].. [١٤٩] (أَوْ تَعْفُو عَنْ سُوءٍ ) تصابون به { فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوَّا) عن عباده (قَدِيرًا) على الانتقام منهم بما كسبت أيديهم، أي: فاقتدوا به سبحانه؛ فإنه يعفو مع المقدرة، وفي حديث أبي هريرة أن النبي وَلِي قال: ((المتسابَّان ما قالا فعلى البادئ منهما ما لم يعتد المظلوم)) [وأخذ الإنسان حقه كاملا فضيلة والعفو أفضل، ولكن ممن هو قادر على أخذ حقه فيتركه لله، أما العاجز فلا قيمة لعفوه]. [١٥٠](إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ) لما كفرِوا بالبعض كان ذلك كفرًا بالله وبجميع الرسل (وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ) كفروا بالرسل بسبب كفرهم ببعضهم، وآمنوا بالله فكان ذلك تفريقا بين اللّٰه وبين رسله وَيَقولونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ) هم اليهود، آمنوا بموسى، وكفروا بعيسى ومحمد، عليهم صلوات اللّٰه وسلامه وكذلك النصارى: آمنوا بعيسى، وكفروا بمحمد (وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا) أي: يتخذوا بين الإيمان والكفر دينًا متوسطًا بينهما [فيتخلّصوا من الحجَّة اللازمة لهم]. [١٥١] (أَولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) أي: الكاملون في الكفر (حَقَّا) أي: كفرًا حقيقيًا. [١٥٢] (وَلَمْ يُفَرِّّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) بل آمنوا بهم جميعًا. [١٥٣] (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ) هم اليهود سألوا النبي الالِهِ أن يرقى إلى السماء وهم يرونه، فينزل عليهم كتابًا مكتوبًا فيما يدعيه، يدل على صدقه، دفعة واحدة، كما أتى موسي بالتوراة، وكان هذا السؤال تعنتًا منهم، أبعدهم اللّٰه (فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً) أي: عيانًا ( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ) هي الصعقة التي نزلت عليهم من السماء فماتوا ثم بعثهم اللّٰه (بِظُلْمِهِمْ) أي: بسبب ظلمهم لامتناع رؤية العباد اللّٰه عيانًا في الدنيا، وهذا لا يستلزم امتناع رؤية العباد لربهم يوم القيامة، فقد جاءت بها الأحاديث المتواترة، ومن استدلَّ بهذه الآية على امتناع الرؤية يوم القيامة فقد غِلط غلطًا بيِّنّا، ومن الأحاديث في ذلك قول النبي وَا ليه: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تُضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تُغْلَبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها، فافعلوا) (ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ) إلهًا، وعبدوه من دون الله، وقصة عبادتهم للعجل مبيَّنة في (سورة البقرة، الاية: ٥٤، وسورة الاعراف، الاية: ١٤٨- ١٥٣، وسورة طه، الآية: ٩٨-٨٨) (البَيِّنَاتُ) المعجزات من اليد والعصا وفلق البحر (فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ) أي: عما كان منهم من التعنت وعبادة ١١-١٠ ( وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا) صفحة 103 أي: حجة بينة، وهي الآيات التي جاء بها، وسميت الحُجَّة سلطانًا؛ لأن من جاء بها قهر خصمه. [١٥٤] (وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطَّورَ بِمِيثَاقِهِمْ) روي أنهم امتنعوا من قبول شريعة موسى، فرفع اللّٰه عليهم الجبل، حتى كان فوق رؤوسهم مثل الظلة (وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا) أي: أمرناهم بدخول باب مدينة بيت المقدس [بانحناء وتذلل وخضوع شكرًا لله تعالى]، وكان ذلك حين أذن اللّٰه لهم بافتتاحها بعد موسى الَّات، فبدَّلوا، فدخلوا يزحفون على أعجازهم حتى لا يكونوا ساجدين (وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ) [ بمِزاولة الأعمال فيه] فتأخذوا ما أمرتم بتركه فيه من الحيتان (وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) وهو العهد الذي أخذه عليهم في التوراة بمراعاة يوم السبت. [١٥٥] فبِمَا نَقِضِهِمْ مِيثاقَهُمْ) أي: فب بسبب نقضه عهدهم مع الله، حرمنا عليهم طيباتِ أُحِلَّت لهم؛ لأن هذه القصة ممتدة إلى قوله: (فَبِظُلْمِ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا) الآَيَة ١٦٠، ونقضهم الميثاق أنه أخذ عليهم أن يبينوا صفة النبي وَلا يمة (وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ) يحيى وزكريا وغيرهما (وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ) جمع أغلف وهو المغطى بالغلاف، أي: قلوبنا في أغطية فلا نفقه ما تقول (بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ) أي: ليس عدم قبولهم للحق بسبب كونها غلفًا بحسب مقصدهم الذي يريدونه، بل بحسب الطبع من اللّٰه عليها (فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ) فسبب عدم استجابتهم قلة إيمانهم أو انعدامه. ١٥٦]وَبِكُفْرِهِمْ) بالمسيح (وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا) هو رميها بيوسف النجار، وكان من الصالحين. [١٥٧] (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) كذبوا بأنهم قتلوه وافتخروا بقتله، ولعلهم إنما ذكروه بالرسالة استهزاء؛ لأنهم ينكرونها ولا يعترفون بأنه رسول حق من عند اللّٰه (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ) يكذبهم اللّٰه في ادعائهم أنهم قتلوا عيسى وصلبوه [وهي أعظم أكذوبة في التاريخ] (وَلَكِنْ شُبَّةَ لَهُمْ) أي: أَلقِيَ شَبَهُهُ على غيره، وقتلوا الذي قتلوه يظنونه عيسى (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ) أي: في شأن عيسى، فقال عضهم: قتلناه، وقال من عاين رفعه إلى السماء: ما قتلناه، وقيل: إن الاختلاف بينهم هو أن النسطورية من النصارى قالوا: صُلِبَ عيسى من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته، وقالت الملكانية: وقع القتل والصلب على المسيح بكماله: ناسوته ولا هوته، قاتلهم اللّٰه أنى يؤفكون (لَفِي شَكَّ مِنْهُ) فهم مترددون مرتابون، في شكهم .....١.، وفي جهلهم يتحيرون ( مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمِ إِلَّا اتَّبَاعَ الظَّنِّ) أي: لكنهم يتبعون الظن فهم مضطربون مترددون (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا) أي: قتلا يقينًا: أي ليس هذا عندهم بيقين. [١٥٨] (بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ) وقد تقدم ذكر رفعه عليتَات في (سورة آل عمران، الاية: ٥٥). [١٥٩] (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) أي: لا يموت يهودي أو نصراني إلا وقد آمن بالمسيح، وقيل: المعنى أنه لا يموت عيسى [الذي هو الآن حيٌّ في السماء] حتى يؤمن به كل كتابيٌّ في عصره، وقيل: المعنى سيدرك أناس من أهل الكتاب عيسى حين يبعث وسيؤمنون به، والمراد: الإيمان به عند نزوله في اخر الزمان، كما وردت بذلك الأحاديث (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ) عيسى على أهل الكتاب (شَهِيدًا) يشهد على اليهود بالتكذيب له، وعلى النصارى بالغلوّ فيه حتى قالوا هو ابن اللّٰه [وعلى من آمن به بحق كذلك]. [١٦٠]( فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا ) أي: فبسب ظلم عظيم من اليهود وهو ما تقدم تعديده من الذنوب في الايات السابقة ( حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيَّبَاتٍ أَجاً :. آمُمْ ) لا بسبب شيء آخر كما صفحة 104 زعموا أنها كانت محرمة على من قبلهم، والطيبات منها ما نصَّه اللّٰه سبحانه: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرِ) إلى آخر الآية ١٤٦) من سورة الأنعام (وَبِصَدِّهِمْ) أنفسهم وغيرهم (عَنْ سَبِيلِ اللهِ) وهو اتباع محمد وَال لِم وتحريفهم وقتِلهم الأنبياء والدعاة إلى الحق. [١٦١] ( وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ) أي معاملتهم فيما بينهم وبين الناس بالربا، وأكلهم له وهو محرم عليهم {وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ) كالرشوة والسحت الذي كانوا يأخذونه. ١٦٢] (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ) الراسخ: هو المتمكن في علم الكتاب الثابت فيه، والمراد بالمؤمنين: إما من آمن من أهل الكتاب، أو من المهاجرين والأنصار، أو من الجميع (يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) أي: هذا شأنهم، لا كاليهود الذين قتلوا الأنبياء وآذوهم، قال ابن عباس: نزلت في عبد اللّٰه بن سلام واثنين معه فارقوا اليهود وأسلموا {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ) أي: وأعني: المقيمين (وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) هم مؤمنو أهل الكتاب، وقيل المراد بهم: المؤمنون من المهاجرين والأنصار كما سلف أنهمِ جامعون بين هذه الاوصاف. [١٦٣] (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أوْحَيْنَا إِلَى نَوحَ وَالنّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) المعنى: أن أمر محمد وَا لي كأمر من تقدمه من الأنبياء، وخص نوحًا لكونه أول نبي شرعت على لسانه الشرائع (وَالْأَسْبَاطِ)) وهم القبائل من ذرية يعقوب، أي: أوحينا إلى الأنبياء منهم، والله أعلم (وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا)) الزبور: كتاب داود، قال القرطبي: وهو مائة وخمسون سورة، ليس فيها حُكْمٌ ولا حلال ولا حرام، وإنما هي حِكَمٌ ومواعظ، والمزمور: فصل يشتمل على كلام لداود يستغيث فيه بالله من خصومه، ويدعو اللّٰه عليهم، ويستنصره، وتارة يأتي بمواعظ. [١٦٤] (وَرُسُلًا) أي: وأرسلنا رسلًا (قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ) أي: قصصنا أخبارهم (مِنْ قَبْلُ) قصِّهم عليك في هذه السورة (وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) أي: تكليمًا حقيقة لا مجازًا، وتخصيص موسى بالتكليم تشريف لقدره، ولذلك سُمِّي موسى (كليم اللّٰه)، ففي حديث أبي ذرِّ الذي أخرجه ابن حبان في صحيحه قال: ((قلت يا رسول الله: كم الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، قلت: كم الرسل منهم؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر، جمٌّ غفير». [١٦٥] رُسُلًا مُبَشَّرِينَ مَمُنْ! .. ) أي: مبشرين لأهل الطاعات ومنذرين لأهل المعاصي (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) أي: معذرة يعتذرون بها كما في قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابِ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُوْلًا فَنَتَّبَعَ آيَاتِكَ) [ فلا حجَّة لأحد على اللّٰه تعالى] بعد إرسال الرسل، ففي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول اللّٰه لَا ي ( لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن؛ ولا أحد أحب إليه المدح من الله، من أجل ذلك مدح نفسه؛ ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث اللّٰه النبيين مبشرين ومنذرين». [١٦٦ ] ( أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) أي: بعلمه الذي لا يعلمه غيره، من كونك أهلا لما اصطفاك اللّٰه له من النبوة، وأنزله عليك من القرآن (وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا) فلا شهادة أعظم من شهادة اللّٰه تعالى، أي: فلا تحزن لتكذيب مَن كذَّبك مِن الكفار؛ فإن شهادة اللّٰه لك كافية، ومعجزاته التي أعطاك دلالات بيِّنات. ١٦٧٦](وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ) وهو دين الإسلام، بإنكارهم نبوة محمد واليية وبقولهم: ما نجد صفته في كتابنا، وإنما النبوة في ذريَّة هارون وداو ٠، م.ة. لهم: إن شرع موسى لا يُنسَخ صفحة 105 (قَدْ ضَلُّوا ضَلَا لَا بَعِيدًا) لأنهم مع كفرهم منعوا غيرهم عن الحق. [١٦٨] (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) بجحدهم (وَظَلَمُوا) غيرهم بصدهم عن السبيل، أو ظلموا محمداً بكتمانهم نبوته، أو ظلموا أنفسهم بكفرهم (لَمْ يَكُنِ اللَهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ) إذا استمروا على كفرهم وماتوا كافرين. [١٦٩] (إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ)) لكونهم اقترفوا ما يوجب لهم ذلك بسوء اختيارهم وفرط شقائهم (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًّا) أي: خلودًا دائمًا لا نهاية له (وَكَانَ ذَلِكَ) أي: نخليدهم في جهنم إلى الأبد (عَلَى اللهِ يَسِيرًا)) لأنه سبحانه لا يصعب عليه شيء. [ ١٧٠](فَامِنُوا خَيْرًا لَكُمْ) أي: فآمنوا يكن الإيمان خيرًا لكم (وَإِنْ تَكْفُرُوا) أي: وإن تستمروا على كفركم ( فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ومن كان خالقًا لكم ولها، فهو غني عن إيمانكم وهو قادر على مجازاتكم بقبيح أفعالكم. ١٧١) (يَا أَهْل الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ) الغُلُوُّ: هو التجاوز للحدود بالإفراط أو التفريط، فمن الإفراط: غلو النصارى في عيسى حتى جعلوه ربًّا، ومن التفريط غلو اليهود فيه عليه الصلاة والسلام حتى جعلوه لغير رشدة (وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ) كقول اليهود: عزير ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن اللّٰه (وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى تَرْيَمَ) أي: كوَّنه بقول: ((كن)) فكان بشرًا من غير أب (وَرُوحٌ مِنْهُ) أي: أرسل جبريل فنفخ في درع مريم، فحملت بإذن الله، وهذه الإضافة للتفضيل، وإن كان جميع الأرواح من خلقه تعالى (فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ) أي: بأنه سبحانه إله واحدًا لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وبأن رسله صادقون، ولا تكذبوهم ولا تغلوا فيهم، فتجعلوا بعضهم آلهة (وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ)) أي: لا تقولوا هم ثلاثة، والنصارى مع تفرق مذاهبهم متفقون على التثليث، ويعنون بالثلاثة: الثلاثة الأقانيم، فيجعلون اللّٰه سبحانه جوهرًا واحدًا، وله ثلاثة أقانيم، ويعنون بالأقانيم: آقنوم الوجود، وأقنوم الحياة، وأقنوم العلم، وربما يعبِّرون عن الأقانيم بالأب والابن وروح القدس، وقيل: المراد بالآلهة الثلاثة: اللّٰه سبحانه وتعالى، ومريم، والمسيح، وقد اختبط النصارى في هذا اختباطًا طويلًا (انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ) أي: انتهوا عن اعتقاد التثليث؛ يكن انتهاؤكم خيرًا من بقائكم على ما أنتم عليه من الكفر (إِنَّمَا اللَهُ إِلَهُ وَاحِدٌ)) لا شريك له (سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدُ ه أم . هو منزَّه تنزيهًا عن أن يكون له ولد (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) وما جعلتموه له شريكًا أو ولدًا هو من جملة ما يملكه، والمملوك لا يكون شريكًا ولا ولدًا. [١٧٢ ] (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ) أي: لن يأنف عن عبوديته لله، ولن يرى ذلك عيبًا، بل تلك هي الكرامة حقًّا، ولن يتنزه عنها، [والنصارى يقرأون في الإنجيل أن عيسى التَام كان يتضرع إلى اللّٰه ويتعبَّد له، ويقول: الرب إلهنا إله واحد] (وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) أي: لن يستكبروا عن أن يكونوا عبادًا لله (وَيَسْتَكْبِرْ) أي: يأنف تكبراً ويعد نفسه كبيرًا عن أن يكون لله تعالى عبدًا (فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا) المستنكف وغيره، فيجازي كلًّا بعمله. [١٧٤ ](يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبَّكُمْ ) بما أنزله عليكم من كتبه، وبمن أرسله إليكم من رسله، وما نصبه لهم من المعجزات (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا) وهو القرآن، وسماه نورًا؛ لانه يهتدى به من ظلمة الضلال. [١٧٥] ( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ) أي: بالله، وقيل: بالنور المذكور (وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا)) لا عوج فيه، وهو التمسك با ٧١ ٠.٠..ملام وترك غيره من الأديان. صفحة 106 ١٧٦] قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ) تقدم بيان الكلالة ما هي في أول سورة النساء (الآية: ١٢) (هَلَكَ) أي: مات، والولد يطلق على الذكر والأنثى، واقتصر على عدم الولد هنا - مع أن عدم الوالد معتبر أيضًا في الكلالة - اتكالًا على ظهور ذلك، والله أعلم (وَلَهُ أَخْتُ) والمراد هنا الأخت لأبوين أو لأب، لا لأم، فإنّ فَرْضَ الأخت لأمِّ السدس كما ذكر سابقًا، وذكر هنا أن للأخت الشقيقة أو لأب النصف إذا انفردت، وهو موضع إجماع، وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن الأخوات لأبوين أو لأب عصبة مع البنات، وإن لم يكن معهن أخ، فيرثن معهن باقي المال، ففي بنت وأخت، للبنت النصف وللأخت النصف، وفي بنت وبنت ابن وأخت، للبنت النصف ولبنت الابن السدس وللأخت الباقي تعصيبًا (وَهُوَ يَرِثُهَا) أي: المرء يرثها، أي: يرث الأخت (إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدْ)) ذكر [ويرث أيضًا ما أبقت الفروض، فلو كان للمرأة المتوفاة زوجٌ، أخَذَ الزوجُ النصفَ وأخَذَ أخوها الباقي وهو النصف تعصيبًا، وهذا شأن كل العصبات، يأخذون كل المال إن لم يكن معهم ذو فرض، وإلا فيأخذون الباقي بعد الفرض] (فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ) أي: فإن كانت الأخوات اثنتين فأكثر ( فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ) الميت إن لم يكن له ولد كما سلف (وَإِنْ كَانُوا) أي: من يرث بالأخوَّة (إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً) أي: مختلطين ذكورًا وإناثًا (فَلِلِذَّكَرِ) منهم (مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ) فيما يأخذونه تعصيبًا (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلَّوا)) أي: يبين لكم حكم الكلالة وسائر الأحكام كراهة أن تضلوا، عن عمر قال: ما سألت النبي ومَالحي عن شيء أكثر مما سألته في الكلالة، حتى طعن بإصبعه في صدري، وقال: ((أما تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء؟» وعن عمر قال: ثلاث وددت أن رسول اللّٰه وَتِلٍّ كان عهد إلينا فيهن عهدًا ننتهي إليه: الجد والكلالة، وأبواب من أبواب الربا (وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [أي: ومن جملة ذلك سمة مواريثكم بين من تخلفونه بعدكم من القرابات والأزواج على ، الطريقة المثلى التى تقتضيها الحكمة البالغة]. تفسير سورة المائدة وهي مدنية. عن عائشة قالت: ((هي آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرِّموه)) [ تعني: أنه ليس فيها آية منسوخة ]. [١] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْنُ . .: » ردِ هي التي عقدها اللّه على عباده وألزمهم بها من الأحكام، فالتزَموها بقولهم: سمعن وأطعنا ونحوها، والعقود: التي يعقدونها بينهم من عقود المعاملات، والوفاء به في حدود التعاون على الخير، لا في الإثم والعدوان على الناس، والمعني: أوفوا بعقد اللّٰه عليكم، وبعقدكم بعضكم من بعض {أَحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنَّعَامِ) الأنعام: اسم للإبل والبقر والغنم (إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) وَهَو ما نص اللّٰه على تحريمه في الآية التالية من الميتة ونحوها (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) استثناء من بهيمة الانعام. أي: إلا الصيد وأنتم محرمون، فيحرم على المُحْرِم الاصطياد في البر وأكل صيده. من مُحْرِم بالحج أو العمرة أو بهما. وأيضًا يحرم صيد حرم مكة على المحرم وغير المحرم. [٢] (لَا تُحِلّوا شَعَائِرَ اللهِ) المراد بها هنا: جميع مناسك الحج: الصفا والمروة وغيرهما. فلا تُحلوها بأن يقع منكم الإخلال بشيء منها، أو بأن تحولوا بينها وبين من أراد تعظيمها وعبادة اللّٰه فيها، وقيل: المراد بالشعائر هنا: فرائض الله، وحرمات اللّه (وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ) هي جميع الأشهر الحرم الأربعة: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرَّم، ورجب، فلا تحلوها بالقتال فيها (وَلَا الْمَاْءَ ) هو ما يهدى إلى بيت اللّٰه صفحة 107 من ناقة أو بقرة أو شاة، الواحدة: هَدِيَّة، نهاهم أن يُحلوا حرمة الهدي بأن يأخذوه على صاحبه، أو يحولوا بينه وبين البيت الحرام (وَلَا الْقَلَائِدَ) وهي الأنعام المقلَّدة بالقلائد عند إهدائها للبيت، وإحلالها بأن تؤخذ غصبًا. عَطَفه على الهدي لزيادة التوصية بالهدي (وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ) أي: لا تحلوا قاصديه، والمعنى: [لا تستحلوا دماءهم ولا أموالهم] ولا تمنعوا من قصد البيت الحرام لحج، أو عمرة، أو ليسكن عنده من المسلمين، أو ليتاجر فيه. وقيل: إن سبب نزول هذه الآية: أن المشركين كانوا يحجون ويعتمرون ويهدون، فاراد المسلمون أن يُغيروا عليهم، فنزل (يَا أَيَّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَحِلَوا شَعَائِرَ الله) الاية، ثم نسخ اللّٰه هذا الحكم بقوله: (فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) وقال قوم: الآية محكمة وهي في الحجاج والعمار المسلمين (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا) يبتغون الفضل والأرباح في التجارة ويبتغون بالحج رضوان اللّٰه (وَإِذَا حَلَلْتُمْ) أي: من إحرامكم فَاصْطَادُوا) أي: من غير الحَرَم (وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ) لا يحملنكم بغضكم لهم - لما وقع منهم من الصد لكم عن المسجد الحرام- على الاعتداء عليهم (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) أي: ليُعن بعضكم عضًا على ذلك (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ) معصية اللّٰه (وَالْعُدْوَانِ) التعدي على الناس بما فيه ظلم [٣] (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ) تقدم تفسيرها في سورة (البقرة الآية: ١٧٣)، (وَالْمُنْخَنِقَةُ) هي التي تموت بالخنق بفعلها، أو بفعل آدمي أو غيره، وقد كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة، فإذا ماتت أكلوها (وَالْمَوْقُودَةُ) هي التي تُضرب بحجر أو عصا حتى تموت من غير تذكية (وَالْمُتَرَدِّيَةُ) هي التي تقع من علوٍ إلى سُفل فتموت (وَالنَّطِيحَةُ) وهي التي تنطحها أخرى فتموت من دون تذكية (وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ) أي: ما افترسه ذو ناب كالأسد أو النمر أو الذئب أو الضبع فمات من دون تذكية (إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ) راجع على المنخنقة وما بعدها، أي: ما أدركتم ذكاته من المذكورات سابقًا وفيه حياة (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ تعظيمًا لها. والنُّصُب كان ينصب فيعبد، ويُصَبُّ عليه دماء الذبائح. وقال مجاهد: هي حجارة كانت حوالي مكة يذبحون عليها (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ) والأزلام للعرب ثلاثة: أحدها مكتوب فيه (افعل» والثاني مكتوب فيه ((لا تفعل»، والثالث مهمل لا ؛ معليه، فإذا أراد أن يطلب معرفة حظِّه في زواج أو سفر أو أمر مُهِم جعلها في خريطة معه، ثم أدخل يده، وهي متشابهة، فيخرج واحدًا منها، فإن خرج الأول فعل ما عزم عليه، وإن خرج الثاني تركه، وإن خرج الثالث أعاد الضرب، حتى يخرج واحد من الأولين. والاستقسام: طلب القَسْم والنصيب. وقد حرمه الله؛ لأنه تعرُّض لدعوى علم الغيب، وضربٌ من الكهانة (ذَلِكُمْ فِسْقُ) الفسق: الخروج عن طاعة اللّٰه (الْيَوْمَ يَيْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ) حصل لهم اليأس من إبطال دينكم، وأن يردوكم إلى دينهم (فَلَا تَخْشَوْهُمْ) أي: لا تخافوا منهم أن يغلبوكم أو يبطلوا دينكم (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) أحكامه التى يحتاج المسلمون إليها من الحلال والحرام. نزلت هذه الآية في حجة الوداع، في وقفة عرفات، وكان يوم جمعة، وقد اظهر اللّه الإسلام ونصر نبيَّه ولله الحمد (وَأْتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) بإكمال الدين، وبفتح مكة وقهر الكفار وإياسهم عن الظهور عليكم، كما وعدتكم بقولي (وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ) (وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ) الذي أنتم عليه اليوم دِينا) باقيًّا إلى انقضاء أيام الدنيا {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَمَ. أي: دعته الضرورة في مجاعة صفحة 108 إلى أكل الميتة وما ذكر بعدها من المحرمات (غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْم) غير مائل إلى معصية الله. [٤] (وَمَاَ عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ ) أي: وأحل لكم صيد ما علمتم من الجوارح، وهي الكواسب من الكلاب والفهود وسائر السباع، وسباع الطير، كالصقر والبازي. قال القرطبي: إن الكلب إذا لم يأكل من صيده الذي صاده، وأثَّر فيه بجرح أو تنييب، وصاد به مسلم، وذكر اسم اللّٰه عند إرساله، فإن صيده صحيح يؤكل بلا خلاف (مُكَلِّبِينَ) المكلِّب: معلِّم الكلاب لكيفيه الاصطياد، ومعلِّم سائر الجوارح مثله ( تُعَلَّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ) بما خلقه فيكم من العقل الذي تهتدون به إلى تعليمها وتدريبها حتى تصير قابلة لإمساك الصيد [وعلامة كون الكلب أصبح معلمًا بعد تدريبه: أن يمسك الصيد مرة بعد أخرى، ثم لا يأكل منه] (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ) فإن أكل منه فإنما أمسكه على نفسه، فلا يحل، ولقوله لَال له لعدي بن حاتم: ((إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم اللّٰه عليه، فكل مما أمسك عليك، فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه)) (وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ) على الجارح عند إرساله على الصيد، فإن ترك الصائد التسمية لم يحل، إلا إن تركها نسيانًا [وإذا أدرك الصائد الصيد وفيه حياة مستقرة فليذبحه وليسمِّ اللّٰه عليه]. [٥] وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلُّ لَكُمْ) الطعام: اسم لما يؤكل، ومنه الذبائح، فجميع طعام اليهود والنصارى من غير فرق بين اللحم وغيره حلال للمسلمين، فذبائحهم حلال، ما عدا ما حرمه الله، كالميتة والخنزير. وقال علي وعائشة وابن عمر: إذا سمعت الكتابي يسمِّي غير اللّٰه فلا تأكل. وقال مالك: إنه يكره ولا يحرم، وأما مع عدم العلم فهي حلال، وقد أكل النبي وَالِيِي من الشاة المصلية التي أهدتها إليه اليهودية، وهو في الصحيح. أما المجوس فلا تؤكل ذبائحهم [وكذا أهل الأوثان والملحدون، وكل كافر غير اليهود والنصارى] ولا نتزوج نساءهم، لأنهم ليسوا بأهل كتاب، أما غير الذبائح من طعامهم فهو حلال بالإجماع (وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ) أي: وطعام المسلمين حلال لأهل الكتاب (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ) العفائف دون الفاجرات، أي: هن حلال لكم أيها المؤمنون (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُونُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي: هن حلال لكم أيضًا بالزواج. ولم يذكر أن نساءنا المؤمنات <١ .١٨ حالهم كما أحل طعامنا لهم، فدل على تحريم نسائنا عليهم، ومن الشرط في الكتابية التي تحل لنا أن تكون محصنة، فيدخل تحت هذه الآية الحرة العفيفة من الإسرائيليات والنصرانيات، دون الفاجرات منهن (إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) أي: مهورهن (مُحْصِنِينَ) طالبين بالنكاح الإحصان (غَيْرَ مُسَافِحِينَ) غير مجاهرين بالزنى {وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ) الأخدان: الخليلات في السر. شرط اللّٰه في الرجال العفة، وعدم المجاهرة بالزنى، وعدم اتخاذ أخدان، كما شرط في النساء أن يكن محصنات، فالكتابية الزانية لا تحل للمسلم. [٦] (إِذَا قَمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) الوضوء لكل صلاة مندوب، ولا يجب الوضوء إلا على من أحدث، عن أنس بن مالك قال: ((كان النبي وَا يه توضأ عند كل صلاة. فقيل له: فأنتم كيف كنتم تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات بوضوء واحد ما لم نحدث) (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) بالماء، قيل: ومِن غَسْل الوجوه: المضمضة والاستنشاق، وقد ورد الدليل بتخليل اللحية (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) المرفق: المفصل الذي بين الساعد والعضد. وإذا توضأ أدار الماء على مرفقيه (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ) أي: امسحوارءوسكم بال - ١. طءَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) صفحة 109 أي: واغسلوا أقدامكم إلى الكعبين، وفي كل رِجْل كعبان [وهما العظمان الناتثان في أسفل عظم الساق] والمسحِ على الخفين ثابت بالأحاديث المتواترة (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنْبًا فَاطِّهَّرُوا) أي: فاغتسلوا بالماء (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرِ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ) تقدم تفسير هذا في سورة (النساء الآية: ٤٣) مستوفى، وكذلك تقدم الكلام على ملامسة النساء، وعلى التيمم، وعلى الصعيد ( مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج) أي: ما يريد بأمركم بالطهارة بالماء أو التراب التضييق عليكم في الدين (وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) من الأدران والذنوب (وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) أي: بالترخيص لكم في التيمم عند عدم الماء، أو بما شرعه لكم من الشرائع التي عرَّضكم بها للثواب ( لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) نعمته عليكم. [٧] (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ) هي الإسلام (وَمِيثَاقَهُ) الميثاق قيل المراد به هنا: ما أخذه على بني آدم، كما قال (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ) الآية، قال مجاهد: ونحن وإن لم نذكره فقد أخبرنا اللّٰه به. وقيل: هو العهد الذي أخذه النبي وَالِيّيِ ليلة العقبة عليهم، وهو السمع والطاعة في المَنْشَط والمكره، ثم كان من دخل في الإسلام بايعه على ذلك. وأضافه اللّٰه تعالى إلى نفسه لأنه عن أمره وإذنه، كما قال: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَابِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَابِعُونَ اللهَ) وبيعة العقبة المذكورة في كتب السيرة، وهذا متصل بقوله: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) أي: وقت قولكم هذا، [فإنكم بذلك قطعتم على أنفسكم عهدًا مع الله] ( عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) ما تخفيه القلوب. [٨] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ) قد تقدم تفسيرها في (سور النساء الآية: ١٣٥) وقوله: (قَوَّامِينَ) يفيد أنهم مأمورون بأن يقوموا بها أتم قيام (لِلَّهِ) طمعًا في ثوابه، وخوفًا من عقابه. والقسط: العدل (وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ) أي: لا يحملنكم بغضُ قوم على ترك العدل فيهم، وكتم الشهادة التي تنفعهم (اعْدِلُوا هُوَ) أي: العدل (أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) التي أمرتم بها غير مرة: أي: أقرب لأن نتقوا اللّٰه أو: لأن تتقوا النار. [١١] {إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا) عن ابن عباس: أن بني النضير هموا أن يطرحوا حجرًا على النبي ومَالِيِ ومن معه، نجاء جبريل، فأخبره بما هموا به، فقام ومن معه، فنزلت هذه الآية. وقيل: سبب نزولها هو ما رواه جابر بن عبد اللّٰه ((أن النبي وَالِي نزل منزلًا، فتفَرَّق الناسُ في العِضَاهِ [أي: الشجر البريّ] يستظلون تحتها، فعا " وَا يه سلاحه بشجرة، فجاء أعرابيٌّ إلى سيفه، فأخذه فسلَّه، ثم أقْبَلَ على رسول اللّٰه لَا يرها، فقال: من يمنعك مني؟ قال: الله. قال الأعرابي مرتين أو ثلاثا: من يمنعك مني؟ والنبي وَالِي يقول: الله، فشامَ الأعرابيُّ السيفَ [أي: أغمده] فدعا النبي وَالحي أصحابه. خبرهم بصنعِ الاعرابي، وهو جايس إلى جنبه لم يعاقبه ا ١٢] (وَلَقَدْ أخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) أخ عهدهم الموثق بما في آخر هذه الآية (وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا) النقيب: كبير القوم - إذا اختير ليدبرِّ أمورهم. قيل: إن هؤلاء النقباء كفل كل واحد منهم على سبطه بأن يؤمنوا ويتقوا الله، وهذا معنى بعثهم (وَقَالَ اللهُ إِنّي مَعَكُمْ) أي: قال ذلك لبني إسرائيل، [أي: هذا هو مضمون الميثاق] والمعنى: إني معكم بالنصر والعون (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ) أديتموها على الوجه الأكمل كما شرعها اللّٰه (وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ) الصدقات التي افترضها اللّٰه عليهم (وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ) أي: عظمتموهم، أو رددتم عنهم أعداءهم ونصرتموهم ومنعتموهم (وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضًا حَسَنًا ) أي: أنفقتم في وجوه الخير صفحة 110 (فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ) أي: بعد هذا الميثاق (فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ أي: خرج عن الطريق الموصل إلى رضوان اللّٰه [وهكذا لما أراد النبي وَلِّي الهجرة إلى المدينة واستجاب له الأوس والخزرج جعل عليهم اثني عشر نقيبًا منهم وأخذ عليهم الميثاق ألا يشركوا بالله شيئًا وأن يقيموا شرائع الإسلام، وأن يحموه وينصروه وجعل لهم على الوفاء بذلك الجنة كما هو في السيرة]. [١٣] ( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ)) أي: فبسبب نقض اليهود ميثاقهم مع اللّٰه (لَعَنَّاهُمْ) أي: طردناهم وأبعدناهم من رحمتنا (وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً) أي: صلبة لا تعي خيرًا ولا تعقله ولا تلين له (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ) أي: ببدلونه بغيره، أو يتأولونه على غير تأويله (انظر تفسي سورة النساء الآية: ٤٦) (وَلَا تَزَالَ تَطلِعُ عَلَى خَائِنَةِ مِنْهُمْ ) الخائنة: الخيانة والكذب والفجور (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ) أمره اللّٰه أن يعفو عنهم ويصفح ويتركِ قتالهمٍ، ثم نسخ ذلك في (سورة التوبة الآية: ٢٩) فقال: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) فأمره بقتالهم حتى يعطوا الجزية عن يدوهمِ صاغرون. [١٤](وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ) أي: أخذنا من النصارى ميثاقهم مِثل ميثاق المذكورين قبلهم من بني إسرائيل (فَنَسُوا حَظّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) أي: أهملوا من الميثاق المأخوذ عليهم نصيبًا وافرًا عقب أخذه عليهم (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ) أي: بين اليهود والنصارى، وقيل: بين النصارى خاصة: افترقوا إلى اليعقوبية والنسطورية والملكانية، وكفّر بعضُهم بعضًا، وتظاهروا بالعداوة في ذات بينهم (وَسَوْفَ يُنَبَئُهُمُ اللَهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) أي: سيلقون جزاء نقض الميثاق. [١٥] (قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا) أي: محمد واليه ( يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ) المنزل عليكم، وهو التوراة والإنجيل، كآية الرجم، وقصة أصحاب السبت الممسوخين قردة (وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرِ) مما تخفونه، فيترك بيانه. وقيل معناه: يعفو عن كثير منكم فلا يؤاخذهم بما يصدر منهم (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ) النور محمد وَالِيهِ وقيل: الإسلام، أو القرآن. ١٦] (يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ) أي: ما رضيه اللّٰه (سُبُلَ السَّلَامِ) طرق السلامة من العذاب الموصلة إلى دار السلام وهي الجنة، المنزهة -. ½، آفة (وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُّمَاتِ) الكفرية (إِلَى النُّورِ) الإسلامي. عن عكرمة قال: إن نبي اللّٰه أتاه اليهود يسألونه عن الرجم، فقال: أيكم أعلم؟ فأشاروا إلى ابن صُوريَّا، فناشده النبي وَالِيه بالذي أنزل التوراة على موسى، والذي رفع الطور، وبالمواثيق التي اخذت عليهم، حتى أخذه أفكل، فقال: إنه لما كثر فينا جلدنا مائة جَلْدَة وحلقنا الرؤوس [أي: وتركوا الرجم] فحكم النبي وَلِيمة على الزانيينِ اليهوديينِ بالرجم، ونزلت هذه الآية. ١٧](لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) أي: صاروا بقولهم هذا من الكافرين (قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا) أي: فمن يقدر أن يمنع اللّٰه تعالى: (إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ) وإذا لم يقدر أحد أن يمنعه من ذلك عُلِمَ أنه لا إله إلا الله، ولا رب غيره، ولا معبود بحق سواه، ولو كان المسيح إلهًا كما تزعم النصارى لكان له من الأمر شيء، ولقدر أن يدفع عن نفسه [ وأنتم تزعمون أنه صُلِب وقُتِل، فهلا دفع عن نفسه الصلب والقتل لو كان إلهًا] ولم يقدر أيضًا أن يدفع عن أمه الموت عند نزوله بها، فإذا لم يقدر على الدفع عنها كان أعجز عن أن يدفع عنكم شيئًا من أمر اللّٰه (يخْلُقُ مَا يَشَاءُ) [كما خلق عيسى من أم : ٦٨ أ، ٢٠ صفحة 111 ١٨] وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) أثبتت اليهود لأنفسها ما أثبتته لِعُزَيْر، حيث قالوا: (عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ) وأثبتت النصارى لأنفسها ما أثبتته للمسيح، حيث قالوا: (الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ) وأثبتوا لأنفسهم أنهم أحباء اللّٰه بمجرد الدعاوى الباطلة والأماني العاطلة (قُلْ فَلِمَ يُعَذَّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ)) فما باله يعذبكم بما تقترفونه من الذنوب، بالقتل والمسخ، وبالنار في يوم القيامة كما تعترفون بذلك، فإن الابن من جنس أبيه، لا يصدر عنه ما يستحيل على الأب، وأنتم تُعذَّبون؛ فهذا يدل على أنكم كاذبون (بَلْ أَنْتُمْ بَشَرُ مِمَّنْ خَلَقَ) أي: جنس من خلق اللّٰه تعالى كسائر عباد الله، يحاسبهم على الخيرِ والشر، ويجازي كل عامل بعمله. عن ابن عباس قال: أتى رسولَ اللٰه وَلِيِ تُعْمانُ بن أضاء، وبحريُّ بن عمرو، وشاس بن عدي فكلموه، وكلمهم رسول اللّه وَالِية و دعاهم إلى اللّٰه وحذرهم نقمته، فقالوا: ما تخوِّفنا يا محمد (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) فأنزل اللّٰه فيهم (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنِّصَارَى) إلى آخر الآية. [١٩] (يَا أَهْل الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا)) هو محمد (عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ) انقطع الرسل قبل بعثه لَلِلِه مدة من الزمان (أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ ) كراهة أن تقولوا هذا القول معتذرين عن تفريّطكم (فَقُدْ جَاءَكُمْ) أي: لا تعتذروا فقد جاءكم بشير ونذير، وهو عن ابن عباس قال: كان بين ميلاد عيسى لحمد وستم ومحمد وعلي خمسمائة سنة وتسع وستون سنة. [٢٠] (وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا) [أي: وقد قدَّر أن يجعل منكم ملوكا] وقال: وجعلكم كما تقول قرابة الملك: نحن الملوك. وقيل: المراد بالملك أنهم ملكوا أمرهم بعد أن كانوا مملوكين لفرعون. وعن مجاهد قال: وجعلكم ملوكًا: أي: لكم بيوت وزوجات وخدم. وعن عبد اللّٰه بن عمرو بن العاص: ((أنه سأله رجل: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ قال: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم، قال: فأنت من الأغنياء، قال: إن لي خادمًا، قال: فأنت من الملوك» (وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) وهو التوراة [وما فيها من أحكام اللّٰه تعالى]. ٢١] (الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ) هي: فلسطين، والمقدسة: المطهرة، وقيل: المباركة (الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ) أي: قسمها وقدرها لهم في سابق علمه، وجعلها مسكنًا لكم [أي: عندما كانوا صالحين، فلما أفسدوا أخرجهم منها] (وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ) أي: لا ترجعوا عن أمري وتتركوا طاعتي وما أوجبته ٢ ١٢. من قتال الجبارين جبنًا وفشلًا ( فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) لخير الدنيا والآخرة. [٢٢] (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ) قوم عظام الاجسام طوال متعاظمون، وهم العماليق [الكنعانيون] (فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ) تصريح أن امتناعهم من الدخول ليس إلا لهذا السبب. [٢٣] (قَالَ رَجُلَانِ) هما يُوشعٍ وكالَب ابن يوفَنَّا، وكانا من الاثنى عشر نقيبًا (مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ) أي: بخافون من اللّٰه تجَّلّ، وقيل: من الذين يخافون ضعف بني إسرائيل وجبنهم (أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا) بالإيمان واليقين حصول ما وعدوا به من النصر والظفر (ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ) أي: باب بلد الجبارين (فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ) قالاه ثقة بوعد الله . [٢٤](قَالُوا) أي: قال بنو إسرائيل لموسى (إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا) وكان هذا القول منهم فشلا وجبنًا، أو عنادًا وجَراءة على اللّٰه وعلى رسوله (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا) قالوا: هذا جهلًا بالله وعجَل وبصفاته، وكفرًا بما يجب له صفحة 112 (إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ) أي: لا نبرح هذا المكان، ولا نتقدم لعك ولا نتأخر عن هذا الموضع [وكان ذلك في جبل نبو المشرف على الأرض المقدسة من أرض الأردن]. [٢٥] (قَالَ) موسى (رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي) قاله يأسًا منهم، يعني: أما هم فقد خرجوا عن طاعتي (فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) وميّزنا عن جملتهم، ولا تلحقنا بهم في العقوبة. وقيل المعنى: فاقض بيننا وبينهم [٢٦] (قَالَ فَإِنَّهَا) أي: الأرض المقدسة (مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ) أي: على هؤلاء العصاة بسبب امتناعهم من قتال الجبارين ( أَرْبَعِينَ سَنَةً) لا زيادة عليها، قيل: إنه لم يدخلها أحد ممن قال: (إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا) (يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ) يتحيرون فيها، يذهبون ويجيئون على غير هدى [وهي أرض سيناء والنقب] وقد كان معهم في التيه موسى عاليَّاف، وعن ابن عباس قال: تاهوا أربعين سنة، فهلك موسى وهارون، وكل من جاوز الأربعين سنة، فلما مضت الأربعون سنة نهض بهم يوشع بن نون، وهو الذي قام بالأمر بعد موسى، وهو الذي افتتحها، [أي: بالجيل الذي رباه موسى على يديه جهادًا وصبرًا]. [٢٧] (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ) واسمهما قابيل وهابيل، قيل: كان قربان قابيل حزمة من سنبل؛ لأنه كان صاحب زرع، واختارها مِن أردأ زرعه، وكان قربان هابيل كبشًا لأنه كان صاحب غنم، أخذه من أجود غنمه، فتقبل اللّٰه قربان هابيل، فرفع إلى الجنة، ولم يتقبل قربان قابيل، حسده، وقال: لا بد أن أقتلك، وكان ذلك منه غيره وحسدًا (قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) كأنه يقول لأخيه: إنما أُتيتَ من قِبلَ نفسك لا من قبلي، فإن عدم تقبل قربانك بسبب عدم تقواك. [٢٨](لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي) أي: إن قصدت قتلى (مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ) أي: فلن أقصد قتلك. وهذا استسلام من هابيل للقتل، كما ورد في الحديث ((إذا كانت الفتنة فكن كخير ابن آدم)». أما في شرعنا فيجوز دفعه إجماعًا [وهو مأمور به، وفي وجوب ذلك عليه خلاف، والأصح: وجوب ذلك لما فيه من النهي عن المنكر، ولقوله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ) وقوله: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ)] وهذا في غير الفتنة والشبهة، أما حين تكون الفتنة ويرى كل من الطرفين أنه يقاتل الآخر في سبيل الله، فقد قيل: الأولى ترك الدفع بدلالة هذه الآيات [والأحاديث الموافة ٢١٠١. [٢٩](إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي) أي: بإثم قتلك لي (وَإِثْمِكَ) الذي قد صار عليك بذنوبك من قبل قتلي. ٣٠١] (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ) أي: سهَّلت نفسه عليه الأمر وشجعته، وصورت له أن قتل أخيه طوع يده سهل عليه، وأنَّ فيه كسبًا له وشرفًا. [٣١] ( فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ) لما قتل أخاه لم يدر كيف يواريه؛ لكونه أول ميت مات من بني آدم، فبعث اللّٰه غرابين أخوين فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له، ثم حثا عليه (قَالَ يَا وَيْلَتَا) كلمة تحسُّر وحزن، والويلة: الهلكة. عن ابن مسعود قال: قال رسول الله والِيه: ( لا تُقْتَلُ نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كِفْلٌ من دمها؛ لأنه أول من سن القتل)) (فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي) اي: جيفته، فواره بدفنه في التراب. [٣٢] (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ) المعنى: أن نبأ ابني آدم هو الذي تسبَّب عنه الكَتْبُ المذكورُ على بني إسرائيل، ولعله إنما خص بني إسرائيل، لأنهم أول أمة نزل الوعيد عليهم في قتل الأنفس، ولكثرة سفكهم للدماء، وقتلهم الأنبياء (بِغَيْرِ نَفْسٍ) أم.. .: .نفس وجب القصاص بها صفحة 113 (أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ) هو الشرك، وقيل: الفساد في الأرض: قطع الطريق، وسفك الدماء، وهتك الحرم، ونهب الأموال، والبغي على عباد اللّٰه بغير حق، وهدم البنيان، وقطع الأشجار وتغوير الأنهار (فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) عن مجاهد قال: المعنى أن الذي يقتل النفس المؤمنة متعمدًا جعل اللّٰه جزاءه جهنم، وغضب عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيمًا، فلو قتل الناس جميعًا لم يزد على هذا (وَمَنْ أَحْيَاهَا) أي: من عفا عمن وجب قتله، وعن مجاهد أن إحياءها إنجاؤها من غرق، أو حرق، أو هدم، أو هلكة (فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) أي: وجب على الكل شكره، وقيل: كأنما أحيا الناس جميعًا في الأجر (ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) [أي: إنه مع هذا التشديد الذي كتبه اللّٰه على بني إسرائيل في قتل الأنفس تجد كثيرًا منهم يسرفون على أنفسهم بالقتل المحرم والفساد في الأرض]. [٣٣] (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ) نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع الطريق، ويسعى في الأرض بالفساد. وهذه الآية تعم المشرك وغيره ممن ارتكب ما ضمنته. ومحاربة الله: عصيانه، ومحاربة رسول اللّٰه وَلِ يه هي: حمل السلاح ضده، ومثلها محاربة المسلمين في عصره، ومن بعد عصره إذا خرجوا على الناس بالسلاح، وقطعوا الطريق لأخذ الأموال، والفتك بالنفوس من غير شبهة ولا إرادة إصلاح أو دفع فساد (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا) أي: يعيثون فيها مفسدين (أَنْ يُقَتَّلُوا) إن قَتَلوا نفسًا معصومة (أَوْ يُصَلَّبُوا ) الصلبُ: أن يعلَّق على جذع أو خشبة. فيصلبون إن أخذوا المال وقتلوا، وقد قيل: الصلب إنما يكون بعد القتل، ولا يجوز أن يصلب قبل القتل لئلا يحال بينه وبين الصلاة. والتفصيل في كتب الفقه في باب (حد قطع الطريق) (أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ) إذا أخذوا المال ولم يَقْتُلوا، والمراد بهذا: قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى فقط (أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) إذا لم يقتلوا ولم يأخذوا مالًا، بل قاطع الطريق بالسلاح بطْلَب بالخيل والرجال حتى يؤخذ فيقام عليه الحد، أو يَخْرُجَ من دار الإسلام هربًا. وعن الشافعي: أنهم يُخْرَجون من بلد إلى بلد، ويطلبون لتقام عليهم الحدود. وعن مالك: أنه يُنفى من البلد الذي أحدث فيه إلى غيره، ويحبس فيه، كالزاني. والظاهر من الاية: أنه يطرد من الأرض التي وقع منه فيها ما .ة . . غير سجن ولا غيره. [وقيل: الإمام بالخيار في المحاربين بين العقوبات الثلاث] { ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا} الخزي: الذل والفضيحة. [٣٤] (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ) استثنى التائبين قبل القدرة عليهم، فلا يطالب المحارب التائب قبل القدرة عليه بشيء من العقوبات المنصوص عليها في الآية السابقة. وذهب بعض أهل العلم إلى: أنه لا يسقط القصاص وسائر حقوق الآدميين بالتوبة قبل القدرة. وأما التوبة بعد القدرة فلا تسقط بها العقوبة المذكورة في الاية. وليس إلى طالب الدم من أمر المحاربين شيء، ولا يجوز عفو ولي الدم، بل الأمر إلى الإمام. [٣٥] (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) أي: اطلبوا ما يقربكم إلى اللّٰه تعالى. والوسيلة هي القربة، وتصدق على التقوى، وعلى غيرها من خصال الخير التي يتقرب العباد بها إلى ربهم (وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ) أي: جاهدوا من لم يقبل دينه. [٣٦] (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ) من الأموال والمنافع والبلاد (وَمِثَلَهُ مَعَهُ) أي: وانضاف على ذلك بمقداره صفحة 114 (لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابٍ يَوْمِ الْقِيَامَةِ) أي: ليقدموه إلى اللّٰه تعالى بدلًا عن تعذيبهم (مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ) ذلك. [٣٧] (وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا) هذه للكفار وليست العصاة المسلمين. [٣٨] (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ)) لما ذكر اللّٰه سبحانه حكم من يأخذ المال جهارًا، وهو المحارب، عقّبه بذكر من يأخذ المال خفية، وهو السارق. والسرقة: أخذ الشيء في خفية من الأعين (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) أي: اليد اليمنى من كل واحد منهما، تقطع من الرسغ، والسرقة [التي يجب فيها الحد] لا بد أن تكون ربع دينار فصاعدًا، [فلا قطع في أقل من ذلك] ولابد أن تكون من حرز، فإن أخذ من غير حرز فلا تقطع بها، [قلا قطع على مختلس ولا منتهب ] (جَزَاءً بِمَا كَسَبَا) من السرقة (نَكَالًا) عذابًا رادعا للسارقين (مِنَ اللهِ) أي: فلا تحزنوا عليهم. [٣٩] (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ) أي: فمن تاب من بعد أن قَطِعَت يده بسبب السَّرِقة وأصلح أمره، تاب اللّٰه عليه. عن النبي وتالِّية أنه قال لسارقٍ بعد قطعه: ((تب إلى الله، ثم قال: تاب اللّٰه عليك». وفي السنة ما يدل على أن الحدود إذا رفعت إلى الأئمة وجبت وامتنع إسقاطها. [٤١] (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ) نزلت هذه الآيات في رجل من اليهود وامرأة منهم زنيا، وكانت اليهود قد حرفت حكم الرجم للزناة، وعاقبوهم بغيره تخفيفًا، فأتوا النبي وَالِية ليحكم لهم كما كانوا يحكمون، ليحتجوا بذلك عند الله، فأمر برجمهما. والقصة في كتب الحديث فليُرْجَع إليها {الّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ المرادِ هنا: وقوعهم في الكفر بسرعة عند وجود فرصة (مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَقْوَاهِهِمْ ) هم المنافقون (وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا) يعني: اليهود، أي: ومن الذين هادوا قوم (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ) أي: قابلون لكذب رؤسائهم المحرفين للتوراة (سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ) يستمعون قول هؤلاء (لَمْ يَأْتُوكَ) أي: لم يحضروًا مجلسك، وهم طائفة من اليهود كانوا لا يحضرون مجلس رسول اللّٰه وَلِلِهِ تكبُّرا وتمردًا [ولكن يوجهون إليه بعضًا منهم ليحضروا مجلسه، ويزودونهم بإرشاداتهم] (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) هذا من جملة صفات القوم المذكورين، اي: يميلونه عن مواضعه التي وضعه اللّٰه فيها من حيث لفظه، أو من حيث معناه، ولعل المراد أنهم حرفوا التوراة، ومما حرفوه: الرجم على الزاني والزانية، جعلوا بدله تسويد الوجه (يَقُولَونَ إِنْ أ.:دُ هَذَا فَخُذَوهُ) أي: إن أوتيتم من جهة محمد هذا الكلام الذي حرفناه، فخذوه واعلموا به، وإن لم تؤتوه بل جاءكم بغيره فاحذروا من قبوله والعمل به (وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ) أي: ضلالته ( فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا ) أي: فلا تستطيع دفع ذلك عنه، ولا تقدر على نفعه وهدايته { أولَئِكَ الَذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهَّرَ قُلُوبَهُمْ) من أرجاس الكفر والنفاق، كما طهر اللّٰه قلوب المؤمنين (لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ) بظهور نفاق المنافقين، وبضرب الجزية على الكافرين، وظهور تحريفهم وكتمهم لما أنزل اللّٰه في التوراة. [٤٢ ] (أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) السحت: المال الحرام، لأنه يُسحِتُ الطاعات: أي يذهبها ويمحو أجرها، وقيل: هو الرشوة (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) فيه تخيير لرسول اللّٰه والِيه ين الحكم بينهم والإعراض عنهم. وقد أجمع العلماء على أنه يجب على قضاة المسلمين أن يحكموا بين المسلم والذمي إذا ترافعا إليهم، واختلفوا في أهل الذمة إذا ترافعوا فيما بينهم، فقيل: يجب الحكم بينهم، وقيل: هو جائز وله أن يردهم ولا يحكم بينهم بشيء {وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا) أي: إن اخترت الإعراض عن الحكم ... فلا سبيل لهم عليك صفحة 115 (وَإِنْ حَكَمْتَ) أي: وإن اخترت الحكم بينهم (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) أي: بالعدل الذي أمرك اللّٰه به وأنزله عليك. [٤٣] (وَكَيْفَ يُحَكّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ) فيه تعجيب له وَالِيِ من تحكيم إياه، مع كونهم لا يؤمنون به ولا بما جاء به، مع أن ما يحكِّمونه فيه هو موجود عندهم في التوراة كالرجم ونحوه، وإنما يأتون إليه للي و يحكِّمونه طمعًا منهم في أن يوافق تحريفِهم وأهواءهم. [٤٤] (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدى وَنُورٌ) وهو بيان الشرائع والتبشير بمحمد ليه وإيجاب اتباعه (يَحْكُمُ بِهَا النَّبُّونَ) هم أنبياء بني إسرائيل (الَّذِينَ أَسْلَمُوا ) صفة مادحة للنبيين، وفيه إرغام لليهود بأن أنبياءهم كانوا يدينون بدين الإسلام الذي دان به محمد وَلِيه [ فلا يجوز أن يقال لنبي من الأنبياء: إنه يهودي أو نصراني، بل كانوا جميعًا مسلمين] (وَالرَّبَّانِيُّونَ» الأتقياء المعظمون لله تعالى (وَالْأَحْبَارُ) العلماء (بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ أي: أمرهم الأنبياء بحفظ التوراة وتعلمها وحفظها عن التغيير والتبديل (وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) أي: على كتاب الله، والشهداء: الرقباء، فهم يحمونه عن التغيير والتبديل بهذه المراقبة. والخطاب بقوله: (فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ) لرؤساء اليهود (وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنَّا قَلِيلًا) [أي: لا تتركوا الحكم ما أنزل اللّٰه خوفًا من أحد، أو رغبة في مصلحة أو رشوة] (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) إن فعلوه. وحكم هذه الآية لكل من ولي الحكم فحكم بغير شرع اللّٰه تعالى وهو يعلم. وقيل: هو محمول على أن الحكم بغير ما أنزل اللّٰه وقع استخفافًا، أو استحلالًا، أو جحدًا [لا على من حَكَمَ به لرغبة أو رشوة أو رهبة]. عن ابن عباس: من جحد الحكم بما أنزل اللّٰه فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق. وعن ابن عباس أيضا: ليس بكُفرٍ ينقل عن الملة، بل كفرٌ دون كفرٍ، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق [٤٥] (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) أي: وكتبنا على اليهود في التوراة القصاص بقتل النفس بالنفس، كبيرة أو صغيرة، ذكرا أو أنثى. إن كان القتل عمدًا عدوانًا. وشرع من قبلنا المذكور في كتابنا يلزمنا إذا لم ينسخ (وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ) أي: إن العين إذا فقئت، أو قلعت عمدًا عدوانًا ولم يبق فيها مجال للإدراك، فإنها تفقاً عين الجاني المماثلة لها قصاصًا أو تقلع بها (وَالْأَنْفَ) إذا جدع جميعه فإنه يجدع أنف الجاني به، والأذن إذا قطعت جميعها، فإنها تقطع أذن الجاني بها (وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ) أ ... كن لك السن إذا قلعت أو كسرت تؤخذ بها مثيلتها من الجاني، كالثنايا، والأنياب، والأضراس، والرباعيات، يؤخذ بعضها ببعض، ولا فضل لبعضها على بعض، ويجب أن يكون المأخوذ في القصاص من الجاني هو المماثل للمأخوذ من المجني عليه، كالأذن اليمنى بالأذن اليمنى مثلا دون اليسرى، والناب بالناب (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) فيقتص من الجاني بجرحٍ مثل ما جَرَحَ، إن كان لا يُخاف من القصاص تلف النفس، ويُعْرَف مقدار الجرح عمقًا وطولًا وعرضًا. وقد قدر أئمة الفقه أرش كل جراحة بمقادير معلومة [بالرجوع إلى السنة المطهرة، تؤخذ في حال الجناية خطأ، أو إذا عفا المجني عليه عمدًا عن القصاص وطلب الدية] (فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ) بأن عفا عن الجاني، فهو كفارة للمتصدق، يكفر اللّٰه عنه بها ذنوبه (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) أي: إن هذا الظلم الصادر منهم ظلم عظيم بالغ إلى الغاية، [لأنه ترك للعمل بشريعة اللّٰه تعالى ورغبة عنها إلى غيرها مما يشرعه الب".. ٢ صفحة 116 [٤٦] (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) أي: جعلنا عيسى ابن مريم يتبع آثار النبيين الذين أسلموا من بني إسرائيل (وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدَّى وَنُورُ) أي: إن الإنجيل أوتيه عيسى، مشتملًا على الهدى والنور (وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ) يوافقها ويثبت ما فيها من الحق. [٤٧] (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَهُ فِيهِ) يأمر اللّٰه تعالى قضاة النصارى أن يحكموا بالأحكام التي فرضها اللّٰه عليهم في الإنجيل، ولا يتركوا ذلك لرغبة في الدنيا أو رهبة من الناس أو أعذار ينتحلونها، فإنه قبل البعثة المحمدية حق. وأما بعدها فقد أمروا في غير موضع بأن بعملوا بما أنزل اللّٰه على محمد والِي في القرآن؛ لأن القرآن ناسخ لما خالفه في كل الكتب المنزلة.. [٤٨] (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) خطاب لمحمد الفيف والكتاب: القرآن (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ) من كتب اللّٰه المنزلة؛ لكونه مشتملا على الدعوة إلى اللّه، والأمر بالخير، والنهي عن الشر، كما اشتملت عليه (وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) شاهدًا بصحة الكتب المنزلة، ومقررًا لما فيها مما لم ينسخ، وناسخًا لما خالفه منها، ورقيبًا عليها، وحافظًا لما فيها من أصول الشرائع، وغالبًا لها؛ لكونه المرجع في المحكم منها والمنسوخ، ومؤتمنًا عليها لكونه مشتملًا على ما هو معمول به منها، وما هو متروك [ومبينًا لكثير مما حرفه علماء اليهود والنصارى فِيهما]«فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ) في القرآن (وَلَا تَتَّبعْ أَهْوَاءَهُمْ ) أي: أهواء أهل الملل السابقة وتحريفاتهم، ولا تعدل أو تنحرف (عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) أي: الحق الذي أنزل اللّٰه عليك، فإن كل ملة من الملل تهوى أن يكون الأمر على ما هم عليه، وما أدركوا عليه سلفهم، وإن كان باطلًا منسوخًا، أو محرفًا عن الحكم الذي أنزله اللّٰه على الأنبياء، كما أرادوا في الرجم ونحوه مما حرفوه من كتب اللّٰه (لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) جعل التوراة لأهلها، والإنجيل لأهله، وهذا قبل نسخ الشرائع السابقة بالقرآن، وأما بعده فلا شرعة ولإمنهاج إلا ما جاء به محمد الِيه (وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) بشريعة واحدة، وكتاب واحد، ورسولٍ واحد (وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ) باختلاف الشرائع (فِي مَا آتَاكُمْ) فيما أنزله عليكم من الشرائع المختلفة، أي: ليختبر مقدار اتباع كل طائفة لشريعتهم، هل تعملون بذلك وتذعنون له، أو تتركونه، وت. ١ .١. إلى الهدى، وتشترون الضلالة بالهدى. وفيه: دليل على أن اختلاف الشرائع هو لهذه العلة (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) أي: فسابقوا أيها المسلمون غيركم من أصحاب الشرائع الذين عملوا على أساسها بطاعة اللّٰه، واعملوا بطاعة اللّٰه على أساس شريعتكم لتسبقوهم في الطاعات. [٤٩ ] (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ ) أي: إن جاؤوك لتحكم بينهم، فأردت أن تحكم، فليكن حكمك طبقًا لما أنزله اللّٰه عليك، لا طبقًا لما تهواه أنفسهم، أو طبقًا لما في كتبهم من التحريف (وَاحْذَرْهُمْ أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْض مَا أنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ) أي: يضلوك عنه (فَإِنْ تَوَلّوْا فَاعْلَمْ أَنّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ) أَي: إن أعرضوا عن قبول حكمك بما أنزل اللّٰه عليك، فذلك لما أراده اللّٰه من تعذيبهم ببعض ذنوبهم، وهو ذنب التولي عنك، والإعراض عما جئت به. [ ٥٠] ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَةِ يَبْغُونَ) أيعرضون عن حكمك بما أنزل اللّٰه عليك، ويتولون عنه، ويبتغون حكم الجاهلية (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْه وُ قدُ. ةَ أي: لا أحسن من حكم اللّٰه صفحة 117 عند أهل اليقين، بخلاف أهل الجهل والأهواء، الذين لا يرضون إلا بما يوافق أهواءهم ولو كان باطلا. ٥١](يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ) تناصرونهمِ وتحالفونهم وتحبونهم من دون اللّٰه ورسوله (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) بعض اليهود أولياء البعض الآخر منهم، وبعض النصارى أولياء البعض الآخر منهم، [ولن يكونوا إذا تولوكم صادقين]، وقيل: المراد أن اليهود يوالون النصارى، والنصارى يوالون اليهود على عداوة النبي عاليم وعداوة ما جاء بِه، وإن كانوا في ذات بينهم متعادين متضادين (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) أي: فإنه من جملتهمٍ وفي عدادهم، وهو وعيد شديد (إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَالِمِينَ) [أي: الظالمين لأنفسهم بموالاة الكفرة]. [٥٢] وفْتَرَى الذِينَ فِي قَلْوبِهِمْ مَرَض) مرض النفاق والشك في الدين (يُسَارِعُونَ فِيهِمْ) في موالاتهم (يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ) أي: نخشى أن تظفر الكفار بمحمد وَا اير فتكون الدولة لهم، وتبطل دولته، فيصيبنا منهم مكروه ( بِالْفَتْحِ ) ظهور النبي وَالقِ على الكافرين، كقتل مقاتلة بني قريظة وسبي ذراريهم، وإجلاء بني النضير، وقيل: هو فتح بلاد المشركين على المسلمين (أوْ أمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ) ما تندفع به صولة اليهود ومن معهم وتنكسر به شوكتهم، وقيل: هو إظهار أمر المنافقين، وإخبار النبي وَاليّي بِما أسروا في أنفسهم، وأمره بقتلهم (عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنَفُسِهِمْ) من النفاق الحامل لهم على الموالاة (نَادِمِينَ) على ذلك لبطلان الأسباب التي تخيَّلوها، وانكشاف خلافها. [٥٣]الإشارة بقوله: ( أَهَؤُلَاءِ) إلى المنافقين، أي : يقول الذين آمنوا مخاطبين لليهود مشيرين إِلى المنافقين (أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ) بالمناصرة والمعاضدة في القتال، وجهد الأيمان: أغلظها، أي: أقسموا بالله جاهدين (حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) أي: بطلت الأعمال التي عملوها في الموالاة، أو كل عمل يعملونه. [٥٤] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ) شروع في بيان أحكام المرتدين، بعد بيان أن موالاة الكافرين من المسلم كفر، ونوع من أنواع الردة (فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ هم أبو بكر الصديق نَّ ه وجيشه منْ الصحابة والتابعين الذين قاتل بهم أهل الردة، وكلّ مِن جاء بعدهم من المقاتلين للمرتدين في جميع الزمن {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِ. 6 أي: يظهرون العطف والحنو والتواضع للمؤمنين، ويظهرون الشدة والغلظة والترفع على الكافرين، ويجمعون بين المجاهدة في سبيل الله، وعدم خوف الملامة في الدين، بل هم متصلبون لا يبالون بما يفعله أعداء الحق وحزب الشيطان، من الازدراء بأهل الدين، وقلب محاسنهم مساوئ، ومناقبهم مثالب، حسدًا وبغضًا وكراهة للحق وأهله. [٥٥] (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ) هو الولي الذي تجب موالاته (وَهُمْ رَاكِعُونَ) والمراد بالركوع: الخشوع والخضوع لله، أي: يقيمون الصلاة وهم خاشعون خاضعون لا يتكبرون على أحد من المؤمنين، ويؤتون الزكاة، فيضعونها في مواضعها، غير متكبِّرين على الفقراء ولا مترفعين عنهم. [٥٦] (وَمَنْ يَتَوَلّ اللهَ وَرَسُولَهُ ) وعد من اللّٰه سبحانه لمن يتولى اللّٰه ورسوله والذين آمنوا بأنهم الغالبون لعدوهم (فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) حزب اللّٰه هم المؤمنون القائمون بنصر شريعة الله. سبب نزولها: ما ورد أنه لما حاربت بنو قينقاع صفحة 118 من اليهود رسول اللّٰه وَلِيِ ت مسَّك عبد اللّٰه بن أَبَيِّ بحِلفِه معهم. أما عُبادة بن الصامت فمشى إلى رسول اللّٰه وَلِّيهِ، وتبرأ من حلفهم، وكان له من حلفهم مثل ما لعبد اللّٰه بن أَبَيّ، لكنه خَلَعهُم إلى رسول اللّٰه وَلِي، وقال: أتبراً إلى الله وإلى رسوله من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم. [٥٧] (لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا) هذا النهي عن موالاة المتخذين للدين هزواً ولعبًا، يعم كل من حصل منه ذلك من المشركين وأهل الكتاب وأهل البدع المنتمين إلى الإسلام (وَالْكُفَّارَ) أي: ولا تتخذوا سائر الكفار (أَوْلِيَاءَ) مناصرين لكم. [٥٨] (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا) كان بعض اليهود إذا سمع الأذان سخروا به، وقالوا: لعن اللّٰه الكاذب، فإذا قام المسلمون إلى الصلاة فركعوا وسجدوا، ضحكوا منهم وسخروا بهم (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا بَعْقِلُونَ) لأن الهزؤ واللعب شأن أهل السفه والخفة والطيش، فكيف بمن يهزأ بشعائر دين اللّٰه تعالى؟ [٥٩] (قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا)) أي: هل تعيبون، أو تسخطون أو تكرهون منا، إلا إيماننا بالله، وبكتبه المنزلة، وقد علمتم بأنا على الحق (وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ) بترككم للإيمان، والخروج عن امتثال أوامر الله. [٦٠] (قُلْ هَلْ أُنَبَئُكُمْ بِشَرِّ مِنْ ذَلِكَ) بين اللّٰه سبحانه لرسوله أن هناك قومًا فيهم من العيب ما هو أولى بالعيب، وهو ما هم عليه من الكفر الموجب للعن اللّٰه وغضبه ومسخه ( مَثُوبَةً) جزاء ثابًا ( مَنْ لَعَنَهُ اللهُ) أي: طرده من رحمته وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ) فإن اللّٰه مسخ أصحاب السبت قردة، قيل: ومسخٍ من النصارى - كفار مائدة عيسى منهم - خنازير (وَعَبَدَ الطّاغُوتَ) وجعل منهم من يبالغ في عبادة الطاغوت، والطاغوت: الشيطان أو الكهنة {أولَئِكَ شَرٌ نَكَانَا) منزلة يوم القيامة (وَأَضَل عَنْ سَوَاءِ السَّبِيل) [مما ترونه من ضلال المسلمين في اعتقادكم الباطل]. [٦١] (وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا) أظهروا الإسلام (وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ) دخلوا عندك متلبسين بالكفر، وخرجوا من عندك متلبسين به، لم يؤثر فيهم ما سمعوا منك، بل خرجوا كما دخلوا (وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ) عندك من الكفر [مع إظهارهم الإسلام وظهور البشاشة لك في وجوههم]. [٦٢] (وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ) .. " منافقين، أو اليهود، أو الطائفتين جميعًا (يُسَارِعُونَ فِي الإِثْم) يبادرون إلى الكذب. أو الشرك، أو الحرام (وَالْعُدْوَانِ) الَظلم المتعدي إلى الغير، أو مجاوزة الحد في الذنوب و( السُّحْتَ) المال الحرام. [٦٣] (لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ) أي: [لقد ترك علماؤهم نهيهم عن المنكر الذي يقولونه بألسنتهم، وما يأكلونه من الحرام والرشاد والظلم] (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) [فبئس الصنيع من علمائهم هذا التهاون في إبقائهم واقعين في الحرام دون إنكار ولا تغيير]. [٦٤] (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ)) مراد اليهود هنا - عليهم لعائن الله- أن اللّٰه بخيل (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) دعاء عليهم بالبخل، ويجوز أن يكون المراد: غَلُّ أيديهم حقيقة بالأسر في الدنيا، أو بالعذاب في الآخرة (وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ) أبعدوا من رحمة اللّٰه بسبب قولهم: يد اللّٰه مغلولة. [قيل: إنها نزلت في فنحاص اليهودي الذي قال: (إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ) فضربه أبو بكر الصديق. انظر (سورة آل عمران، الآية: ١٨١) وقيل: في يهوديٍّ آن ، ال إن ربك بخيل لا ينفق] صفحة 119 (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) أي: بل هو في غاية ما يكون من الجود [وهل ما في السماوات والأرض من النعم إلا من فضل يديه سبحانه وبحمده] (يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) أي: إنفاقه على ما قتضيه مشيئته، فإن شاء وسَّع، وإن شاء ضيَّق، فهو الباسط القابض، فإن قبض كان ذلك لما تقتضيه حكمته الباهرة (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ) من اليهود والنصارى (مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) من القرآن المشتمل على هذه الأحكام الحسنة (طُغْيَانًا وَكُفْرًا) إلى طغيانهم وكفرهم، لأجل ما عندهم من الحسد (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ) أي: بين اليهودِ، أو بين اليهود والنصارى (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ أي: كلما جمعوا للحرب جمعًا، وأعدوا لها عدة [أو اشعلوها بمؤامراتهم الدنيئة] شتت اللّٰه جمعهم، وذهب بريحهم، فلم بظفروا بطائل، ولا عادوا بفائدة. وهكذا لا يزالون يهيجون الحروب ويجمعون عليها، ثم يبطل اللّٰه ذلك (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا) أي: يجتهدون في فعل ما فيه فساد، ومن أعظمه ما يريدونه من إبطال الإسلام وكيد أهله. [٦٥] (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا) بما جاء به محمد اليه كما أمروا بذلك في كتب اللّٰه المنزلة عليهم (وَاتَّقَوْا) المعاصي (لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ) التي اقترفوها، وإن كانت كثيرة متنوعة. [٦٦] (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ) أي: أقاموا ما فيهما من الأحكام التي من جملتها الإيمان بما جاء به محمد وَالفِ ( وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ) من سائر كتب اللّٰه (لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} بتيسير أسباب الرزق لهم، وكثرتها وتعداد أنواعها (مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ) هم المؤمنون، كعبد اللّٰه بن سلام ومن تبعه، وطائفة من النصارى (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) المصرون على الكفر، المتمردون عن إجابة محمد عَلِيّي والإيمان بما جاء به. [٦٧] (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) أمره أن يبلغ جميع ما أنزله اللّٰه إليه لا يكتم منه شيئًا، فلم يُسِرَّ إلى أحد مما يتعلق بما أنزله اللّٰه إليه شيئًا (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ) بل كتمت ولو بعضًا من ذلك (فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) وقد بلَّغ رسول اللّٰه وَا ليه لأمته ما نزل إليهم، وقال لهم في مواطن ((هل بغلت؟)) فيشهدون له بالبيان وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) أي: يحميك بعد اليوم ممن يريدك منهم بسوء، أي: فلا تكتم شيئًا. عن عائشة قالت: ((كان رسول اللّٰه وَلِيّه يُحْرَسُ، حتى نزلت: (وَاللهُ بَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) فأخرج رأ. ٨.. القبة، فقال: أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله». [٦٨] (قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ) هذا ما أُمِرَ النبي وَلَ يه أن يبلغه بعد أن عصمه الله. عن ابن عباس قال: جاء نافع بن حارثة، وسلَّام بن مشكم ومالك بن الصيف ورافع بن حرملة، فقالوا: يا محمد: ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها من اللّٰه حق؟ فقال النبي وَلِّية. ((بلى ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ عليكم من الميثاق، وكفرتم منها بما أمرتم أن تبينوه للناس، فبرئت من إحداثكم»، قالوا: فإنا نأخذ بما في أيدينا، وإنا على الهدى والحق، ولا نؤمن بك ولا نتبعك، فأنزل اللّٰه هذه الآية: أي: لستم على شيء من الحق يعتد به (حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) أي: تعملوا بما فيهما من أوامر اللّٰه ونواهيه، التي من جملتها: أمركم باتباع محمد وعايّ ونهيكم عن مخالفته، [وتتركوا ما حرفتم فيها، وتظهروا ما كتمتم] (وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبَّكُمْ ) هو القرآن، فإن إقامة الكتابين لا تصح بغير إقامته (طُغْيَانًا وَكُفْرًا) أي: كفرًا إلى كم. ه .، . طغيانًا إلى طغيانهم صفحة 120 (فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) أي: دع عنك التأسف على هؤلاء، وفي المتبعين لك من المؤمنين غنى لك عنهم. [٦٩](وَالَّذِينَ هَادُوا) أي: دخلوا في دين اليهود (وَالصَّابِئُونَ) تقدم بيانهم في سورة البقرة (مَنْ آمَنَ) منهم (بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) عند لقاء اللّٰه (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) فمن آمن من هذه الطوائف إيمانًا خالصًا على الوجه المطلوب، وعمل عملًا صالحًا، فهو الذي لا خوف عليه ولا حزن. [٧٠]( وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا) ليعرفوهم بالشرائع وينذروهم (فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ) فممن كذبوه: عيسى وأمثاله من الأنبياء، وممن قتلوه: زكريا ويحيى. [٧١] (وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةُ)) أي: ظن هؤلاء أن لا يقع عليهم ابتلاء واختبار بالشدائد لمدى تمسكهم بالميثاق المذكور، اغترارًا بقولهم: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) بل قد أنزل اللّٰه بهم فتنًا عظيمة (فَعَمُوا وَصَمُّوا) أي: عموا عن إبصار الهدى، وصموا عن استماع الحق (ثُمَّ تَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ) حين تابوا، فكشف عنهم الفتن والمصائب (ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ) إشارة إلى ما وقع منهم بعد التوبة من قتل يحيى بن زكريا، وقصدهم لقتل عيسى. [٧٢] (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) والقائلون لهذه المقالة هم فرقة من النصارى يقال لهم اليعقوبية، وقيل: هم الملكانية، قالوا: إن اللّٰه وعجمَك حلّ في ذات عيسى، فردَّ اللّٰه عليهم بقوله: (وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ) أي: والحال أنه قد قال المسيح هذه المقالة، فكيف يدعون الإلهية لمن يعترف على نفسه بأنه عبد مثلهم؟ (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) قيل: هوٍ من قول عيسى [٧٣] (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ) والمراد بالثلاثة: اللّٰه سبحانه، وعيسى، ومريم، وقيل المراد: قولهم ثلاثة أقانيم: أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم روح القدس (وَمَا مِنْ إِلَهِ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ)) ليس في الوجود إله حق إلا اللّٰه سبحانه، وقيل: هذا من تمام مقالة النصارى، أي: أنهم قالوا: هم ثلاثة، وقالوا: هم واحد (وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ) من الكفر ويتركوه. [٧٤] (أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ) [ من هذا الافتراء على اللّٰه الذي يُغضب الله، ويعاقب اللّٰه عليه]. [٧٥] ( مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْ - الَّا سُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) أي: مقصور على الرسالة، لا يجاوزها كما زعمتم [إلى أن يكون إلهًا أو ابنا لله] بل هو من جنس الرسل الذين مضوا من قبله، وما وقع منه من المعجزات لا يوجب كونه إلهًا، فقد كان لمن قبله من الرسل مثلها، فإن اللّٰه أحيا العصا في يد موسى، وخلق آدم من غير أب ولا أم، فإن كان كما تزعمون إلهًا أو ابنا لله لذلك، فمن قبله من الرسل آلهة (وَأمُّهُ صِدِّيقَةٌ)) أي: صادقة فيما تقوله مصدقة لما جاء به ولدها من الرسالة، وذلك لا يستلزم الإلهية لها، بل هي كسائر من يتصف بهذا الوصف من النساء (كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ) كسائر أفراد البشر، أي: من كان يأكل الطعام كسائر المخلوقين فليس برب [لأنه لا يأكل الطعام إلا من هو محتاج إليه، ولو ترك الأكل لهلك، والرب لا يموت، وكل من اكل الطعام يذهب إلى الخلاء لقضاء الحاجة. تعالى اللّٰه عن قولهم علوًّا كبيرًا] (انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ) تعجيب من حال هؤلاء الذين يجعلون تلك الأوصاف مستلزمة للإلهية (ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ» أي: كيف يُصرفون عن الحق ٠-١ هذا البيان؟ صفحة 121 [٧٦] (مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا تَفْعًا) أي: ومن كان لا ينفع ولا يضر، فكيف تتخذونه إلهًا وتعبدونه؟ والمراد هنا: المسيح وأمه يا (وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) أي: ومن كان كذلك فهو القادر على الضر والنفع؛ لإحاطته بكل مسموعٍ ومعلوم، فهو الإله الحق. قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ) نهاهم عن الغلو والمجاوزة للحد، كإثبات الإلهية لعيسى، وسلوك طريقة الإفراط بغير حق، وأما الغلو في الحق، بإبلاغ كلية الجهد في البحث عنه واستخراج حقائقه، فليس بمذموم (وَلَا تَتِّبِعُوا أهْوَاءَ قَوْمِ قَدْ ضَلّوا مِنْ قَبْلُ) وهم بعض أسلاف طائفتي اليهود والَنصارى، أيٍ: قبل البعثة المحمدية (وَأَضَلُّوا كَثِيرًا) من الناس (وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) المراد: أن أسلافهم ضلوا من قبل البعثة، وأضلوا كثيرًا من الناس إذ ذاك، وضلوا من بعد البعثة؛ لكونهم سنوا لهم ذلك ونهجوه. ٧٨](لعِنَ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) أي: في الزبور والإنجيل بما فعلوه من المعاصي، كاعتدائهم في السبت وكفرهم بعيسى، أي: ذلك اللعن بسبب المعصية والاعتداء، لا بسبب آخر. (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ)) كانوا لا ينهون العاصي عن معاودة معصية قد فعلها، أو تهيأ لفعلها. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهمّ القواعد الإسلامية، وأجلِّ الفرائض الشرعية (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) أي: من تركهم لإنكار ما يجب عليهم إنكاره. عن ابن مسعود قال: قال رسول اللّٰه وَا يه: ((إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل، كان الرجل يلقى الرجل فيقول له: يا هذا اتق اللّٰه ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد، فلا يمنعه ذلك من أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب اللّٰه قلوب بعضهم ببعض، ثم لعنهم». [٨٠] (تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ) أي: من اليهود (يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: المشركين وليسوا على دين حق (لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ) أي: ما قدموه لأنفسهم لِيَرِدُوا عليه يوم القيامة ( أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ) أي: قدموا لأنفسهم في الآخرة سخط الله، فإذا رجعوا يوم القيامة نزلوا بمنزل السخط الإلهي الذي أعدوه لأنفسهم.. [٨١] (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ) من الكتاب (مَا اتَّخَذُوهُمْ) أي: ١١. كين {أَوْلِيَاءَ) لأن اللّٰه ورسوله نهاهم عن ذلك (وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ أي: خارجون عن ولاية الله. [٨٢] (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) والخطاب لكل من يصلح له، والمعنى: أن اليهود والمشركين - لعنهم اللّٰه- أشد جميع الناس عداوة للمؤمنين وأصلبهم في ذلك، وأن النصارى أقرب الناس مودة للمؤمنين (ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْيَانًا) أي: لأن في النصارى قُسُسَا ورهبانًا، يعلمونهم التواضع لله والرحمة، ونفع الناس، والتماس الحق. والمراد بالقسيسين في الآية: المتبعون للعلماء والعباد، والرهبانية والترهب: التعبد في الصوامع (وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) عن قول الحق، بل هم متواضعون، بخلاف اليهود فإنهم على ضدذلك. [٨٣] (تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ) يبكون عند سماع القرآن بملء أعينهم (مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ) أي: بسبب ما سمعوه في القرآن مما علموا أنه حق، بسبب معرفتهم لكتابهم (يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا) أي: امنا بهذا الكتاب النازل من عندك على محمد، وبمن أنزلته عليه (فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) على الناس يوم القيامة من أمة محمد، أو مع الشاهدين بص.ا ة. محمد وأنه رسولك إلى الناس. صفحة 122 [٨٤] (وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللهِ) أي: أيُّ سبب يحول بيننا وبين ذلك، مع وجود المقتضي له، وهو الطمع في إنعام اللّٰه (وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ) [أي: لن نلتفت لشيء يجعلنا نكفر بالله ورسوله، ونحن نطمع في الجنة بصحبة الصالحين من الأنبياء وأتباعهم المطيعين لله ]. [٨٥] ( فَأَتَابَهُمُ اللهُ بِمَا قَالُوا) أثابهم اللّٰه على هذا القول مخلصين له معتقدين لمضمونه. بعث رسول اللّٰه وَاليّي عمرو بن أمية الضمري وكتب معه كتابًا إلى النجاشي، فأرسل النجاشي إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم، ثم أمر جعفر بن أبي طالب أن يقرأ عليهم القرآن، فقرأ عليهم سورة مريم، فآمنوا بالقرآن، وفاضت أعينهم من الدمع، وهم الذين أنزل اللّٰه فيهم (وَلَتَجِدَنْ أَقَرَبَهُمْ مَوَدَّةً) إلى قوِله: (مِنَ الشَّاهِدِينَ). [٨٧] (لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلّ اللهُ لَكُمْ) الطيبات هي: المستلذات مما أحله اللّٰه لعباده، نهاهم أن يحرموا على أنفسهم شيئًا منها، إما لظنهم أن في ذلك طاعة الله وتقربًا إليه، وأنه من الزهد في الدنيا، أو لقصد أن يحرَّموا على أنفسهم شيئًا مما أحله لهم، كما يقع من كثير من العوام، من قولهم: حرام علي، وحرمته على نفسي، ونحو ذلك من الألفاظ التي تدخل تحت هذا النهي القرآني (وَلَا تَعْتَدُوا) فتحلُّوا ما حرم اللّٰه عليكم، أي: تترخصوا فتحلِّلوا حرامًا كما نُهيتُم عن التشديد على أنفسكم بتحريم الحلال. وقال أبو حنيفة وأحمد ومن تابعهما: إن من تناول شيئًا كان قد حرمه على نفسه لزمته كفارة اليمين، [وهو الظاهر من الاية التالية: (٨٩)]. [٨٨] ( حَلَالًا طَيِّبَّا) غير محرم ولا مستقذر . [٨٩] (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ) أيمان اللغو لا يؤاخذ اللّٰه الحالف بها ولا تجب فيها الكفارة. وهي قول الرجل: لا والله، وبلى والله، في كلامه غير معتقد لليمين (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَدْتُمُ الْأَيْمَانَ) أي: بأيِمانكم المعقودة الموثقة بالقصد والنية إذا حنثتم فيها (فَكَفَّارَتُهُ) أي: من حلف يمينًا معقودة وحنث فيها فعليه أن يخرج عنها الكفارة. وهي (إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ) أي: من المتوسط مما تعتادون إطعام أهليكم منه، ولا يجب عليكم أعلاه، ولا يجوز لكم أدناه، حتى يشبعوا، وقال عمر وعائشة: يدفع إلى كل واحد من العشرة نصف صاع من بُر أو تمر (أَوْ كِسْوَتُهُمْ) ما يكسو البدن ولو كان ثوبًا واحدًا، قيل: المراد بالك .:١٠٠ تجزئ به الصلاة (أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) أي: إعتاق مملوك من الرق، أي: والحالف مخير بين هذه الثلاثة المتقدمة يخرج أيها شاء (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةٍ أَيَّام) أي: فمن لم يجد شيئًا من الأمور المذكورة، فيكفيه عن الكفارة صيام ثلاثة أيام متتابعات أو متفرقات (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ) أمرهم بحفظ الأيمان وعدم المسارعة إليها أو إلى الحنث بها [وإذا حنثوا فيه فلا يتساهلوا بترك الكفارة] (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ما أنعم اللّٰه به عليكم من بيان شرائعه وإيضاح أحكامه. [ ٩٠](إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ) تقدم تفسيره في (سورة البقرة، الآية: ٢١٩) (وَالْأَنْصَابُ) هي الأصنام المنصوبة للعبادة [أو هي حجارة كانوا ينصبونها ويذبحون عليها] (وَالْأَزْلَامُ) قد تقدم تفسيرها في أول هذه السورة (رِجْسٌ) الرجس يطلق على العَذِرَة والأقذار (مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) بسبب تحسينه لذلك وتزيينه له (فَاجْتَنِيُوهُ) أكد تحريم الخمر والميسر فقرنهما بعبادة الأصنام، وجعلهما رجسًا، أي: نجسَيْن نجاسة معنوية، وقيل: في الخمر نجاسة - ..ة أ.نما، ومن عمل الشيطان، صفحة 123 والشيطان لا يأتي منه إلا الشر البحت، وأمر بالاجتناب، وجعل الاجتناب من أسباب الفلاح، وذكر ما ينتج منهما من الوبال. وعن ابن عمر قال: أنزل في الخمر ثلاث آيات، فأول شيء: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) الآية، فقيل: حرمت الخمر، فقيل: يا رسول الله: دعنا ننتفع بها كما قال الله، فسكت عنهم. ثم نزلت بعدها الآية: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) فقيل: حرمت الخمر، فقالوا يا رسول اللّه: لا نشربها قرب الصلاة، فسكت عنهم، ثم نزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ) الآية، فقال رسول اللّٰه وَالِيه: حُرِّمت الخمر، وعن ابن عباس قال: كل القمار من الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب. [٩١] (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ) هذا من المفاسد الدنيوية في الخمر والميسر، وفيهما من المفاسد الدينية: (وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) أي: هل أنتم تاركون لهما نهائيًّا . قال عمر رَوالَهُ، لما سمع هذا: انتهينا. [٩٢] (وَاحْذَرُوا) أي: مخالفة اللّٰه ورسوله. [٩٣] (فِيمَا طَعِمُوا) من المطاعم التي يشتهونها (إِذَا مَا اتَّقَوْا) أي: اتقوا ما هو محرم عليهم كالخمر وغيره (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) من الأعمال (ثُمَّ اتَّقَوْا) ما حرم عليهم بعد ذلك مع كونه كان مباحًا فيما سبق {وَآمَنُوا) بتحريمه (ثُمَّ اتَّقَوْا) ما حرمٍ عليهم بعد التحريم المذكور قبله مما كان مباحًا من قبل (وَأَحْسَنُوا) أي: عملوا الأعمال الحسنة. سبب نزولها: أنه لما نزل تحريم الخمر، قال قوم من الصحابة: كيف بمن مات منا وهو يشربها، ويأكل الميسر، وماتوا وهي في بطونهم؟ [ أي: فكان الجواب أنهم ماتوا قبل تحريمها فلم يكن عليهم في شربها إثم، وكانوا أتقياء]. [٩٤] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ) كان الصيد أحد معايش العرب، فابتلاهم اللّٰه بتحريمه مع الإحرام وفي الحرم، كما ابتلى بني إسرائيل ألا يعتدوا في السبت [ عن مقاتل قال: أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبية، فكانت الوحش والطير والصيد تغشاهم في رحالهم لم يروا مثله قط فيما خلا، فنهاهم اللّٰه عن قتله وهم محرمون] (تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} [أي: دون حاجة إلى السهام والجوارح والطرد، ابتلاء من اللّٰه تعالى] (لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ) ليتميز عند اللّٰه من يخافه منكم خفية عن الناس كما يخافه بمرأى من الناس ومسمع منهم، فالخوف بالغيب برهاد: ١١.٠٧١،. [٩٥] (لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنَّتُمْ حُرُمُ) أي: في حال الإحرام (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا) فلا كفارة على غير المتعمد، وقيل: عليه أيضًا الكفارة (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ) أي: فعليه جزاء مماثل لما قتله (مِنَ النَّعَمِ) أي: من الإبل أو البقر أو الغنم (يَحْكُمُ بِهِ) أي: بالجزاء، أو بمثل ما قتل ( ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) أي: رجلان معروفان بالعدالة بين المسلمين، فإذا حكما بشيء لزم (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) المعنى: أنهما إذا حكما بالجزاء فإنه يفعل به ما يفعل بالهدي من الإرسال إلى مكة والنحر هنالك، ولم يُرِدِ الكعبة بعينها، فإن الهدي لا يبلغها، وإنما أراد الحرم أي: مكة وما حولها إلى أنصاب الحرم، ولا خلاف في هذا (أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا) وقد قرر العلماء عدل كل صيد من الإطعام والصيام، وأن الجاني يخيَّر بين الأنواع المذكورة (لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ) الوبال: سوء عاقبة قتله للصيد (عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ) قبل نزول التحريم (وَمَنْ عَادَ) إلى قتل الصيد بعد هذا البيان (فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ) في الآخرة، فيعذبه بذنبه، وقيل: ينتقم منه بالكفارة مة١١ . شريح وسعيد بن جبير : صفحة 124 بُحكَم عليه في أول مرة، فإذا عاد لم يحكم عليه، بل يقال له: اذهب ينتقمِ اللّٰه منك، أي: أن ذنبك أعظم من أن يكفر. [٩٦] (أَحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ) وصيد البحر: ما يصاد فيه من الحيوانات المائية، والمراد بالبحر هنا: كل ماء يوجد فيه صيد بحري، وإن كان نهرًا أو غديرًا (وَطَعَامُهُ) ما قذف به البحر وطفا عليه ( مَتَاعًا لَكُمْ) تمتيعًا لكم: أي: لمن كان مقيمًا منكم يأكله طريًا (وَلِلسَّيَّارَةِ) المسافرين منكم يتزودونه (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا)) ما دمتم محرمين. ويحرم صيد غير المحرم على المحرم، إن صاده لأجله. [٩٧] (قِيَامًا لِلنَّاسِ) مدارًا لمعاشهم ودينهم، فيه ما يصلح دينهم ودنياهم: يأمن فيه خائفهم، ويُنصر فيه ضعيفهم، ويربح فيه تاجرهم، ويتعبد فيه متعبِّدهم {وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ) الأشهر الحرم: ذو القعدة، ذو الحجة، ومحرم، ورجب، لا يطلبون فيها دمًا، ولا يقاتلون بها عدوًّا، ولا يهتكون فيها حرمة، فكانت من هذه الحيثية قيامًا للناس (وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ) [أي: إذا قلد هديه عُلِمَ أنه حاج أو معتمر فلا يعترض له أحد] فكان في ذلك تيسير لحياتهم وأسفارهم. [٩٩] (إِلَّا الْبَلَاغُ) لهم، فإن لم يمتثلوا ويطيعوا فما ضروا إلا أنفسهم، وما جنوا إلا عليها، وأما الرسول عليه الصلاة والسلام فقد فعل ما يجب عليه، وقام بما أمره اللّٰه به. [١٠٠](قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَِّّبُ) أي: الحرام والحلال، وقيل: الكافر والمؤمن، وقيل: العاصي والمطيع، وقيل: الرديء والجيد (وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) لأن حبث الشيء يبطل فائدته، ويمحق بركته، ويذهب بمنفعة (فَاتَّقُوا اللهَ يَا أولِى الْأَلْبَابَ) [اختاروا صالح الأعمال على ميئها، وكونوا مع صالحي الناس دون أشرارهم]. ١٠١٦]يَا أيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أشْيَاءَ أى: لا تسألوا النبي وَالِيّيِ عن أشياء لا حاجة لكم بالسؤال عنها، ولا هي مما يعينكم في أمر دينكم (إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) أي: إذا ظهرت ساءتكم، ولأن السؤال عما لا يعني، ولا تدعو إليه حاجة، قد يكون سببًا لإيجابه على السائل وعلى غيره (وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ) مع وجود رسول اللّٰه وَلِيِ بِين أظهركم، ونزول الوحي عليكم {تُبْدَ لَكُمْ) أي: تظهر لكم بما يجيبكم به النبي ومالخي أو ينزل به الوحي (عَفَا اللهُ عَنْهَا ) [أي: هناك أشياء سكت عنها القرآن، ولم يكلفكم فيها بشيء، فلا تسألوا عنها، ولكن إن سألتم عنها ينزل عليكم التكليف حكمها، أي: فلا تكثروا مز 1 ؛١١،] قال رسول الله بولالِهِ (أعظم المسلمين في المسلمين جُرْمًا من سأل عن شيء لم يحرَّم، فيحرَّم من أجلِ مسألته». [١٠٢] (قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ) سألوا عن مثلها في كونها مما لا حاجة إليه، ولا توجبه الضرورة الدينية، ثم لما كُلَّفوا لم يعملوا بها. ١٠٣٦ مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيْرَةٍ) هي الناقة التي كان أهل الجاهلية يَبْحَرُون أذنها، أي: يشقونها، ويجعلون لبنها للطواغيت، فلا يحتلبها أحد من الناس، وجُعِلَ شقَّ أذنها علامة لذلك (وَلَا سَائِبَةٍ) هي الناقة تسيَّب، أو البعير يسيَّب بنذر على الرجل، إن سلمه اللّٰه من مرض، أو بلغه منزله، فلا يحبس السائبة عن رعي ولا ماء، ولا يركبه أحد (وَلَا وَصِيلَةٍ) قيل: هي الناقة إذا ولدت أنثى بعد أنثى، فهي لهم، وإن ولدت ذكرًا فهو لآلهتهم (وَلَا حَامِ ) الحامي هو الفحل إذا نُتجَ من صلبه عشرة، قالوا: قد حمّى ظهره، فلا يُرْكَب ولا يمنع من كلأ ولا ماء (وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ) [ حيث حرموا هذه الأشياء تديُّنًا وتعبدًا ولم يحرموا اله عابهم]. صفحة 125 [١٠٤ ] (قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ) أي: قالوا: لن نؤمن بالقرآن، ولا بالرسول، ويكفينا دين آبائنا (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) أي: هل يبقون على دين آبائهم ولو كانوا جهلة ضالين، فلا ينبغي لأحد أن يبقى على ما وجد الناس عليه لمجرد ذلك، وخاصة إن نبين فيه الفساد، أو كان مخالفاً لكتاب اللّٰه أو سنة رسوله. [١٠٥] (عَلَيْكُمْ أَنَّفُسَكُمْ) أي: الزموا أنفسكم، ولا تبالوا بالناس (لَا يَضُرُّكُمْ) المعنى: لا يضركم ضلال ( مَنْ ضَلَّ) من الناس (إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) أنتم في أنفسكم. وهذا فيمن لا يقدر على القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو لا يظن التأثير بحال من الأحوال، أو يخشى على نفسه أن يحل به ما يضره ضررًا يسوغ لِه معه الترك. [١٠٦ ] يَا أَيُّهَا الْذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ) هذه الآيات الثلاث التالية أصعب ما في القرآن إعرابًا ونظمًا وحكمًا، والشهادة هنا: هي الشهادة التي تؤدى من الشهود (إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) حضرت علاماته (حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ) أي: شهادة اثنين (ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) من المسلمين {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) من الكفار، فيكون في الآية دليل على جواز شهادة الكفار على المسلمين في السفر في خصوص الوصايا (إِنْ أَنَّتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) هو السفر ( فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ) فنزل بكم الموت وأردتم الوصية، ولم تجدوا شهودًا عليها مسلمين، ثم ذهبا إلى ورثتكم بوصية الميت وما تركه، فارتابوا في أمرهما، وادَّعوا عليهما خيانة (تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ) تقفونهما لليمين بعد صلاة العصر، وقيل: أو غيرها من الصلوات (فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ) أي: يقسم بالله الشاهدان على الوصية من الكفار (ارْتَبْتُمْ) أي: شككتم أنهما كاذبان (لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا) أي: فيحلفان بالله لا نبيع حظنا من اللّٰه تعالى بهذا العرض النزر، فنحلف به كاذبين لأجل المال الذي ادعيتموه علينا (وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) أي: ولو كان المشهود له قريبًا، فإنا نؤثر الحق والصدق (وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللهِ) هذا داخل الحكم المقسم عليه. [١٠٧] (فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا) إذا اطلع بعد التحليف على أن الشاهدين، أو الوصيين، استحقا إثمًا: إما بكذب في الشهادة، أو اليمين، أو بظهور خيانة ( فَآخَرَانِ يَقُومَانٍ مَقَامَهُمَا) أي: فحالفان آخران يقومان مقام الأولين، فيشهدان أو يحلفان، على ما هو الحق (مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ * أم .. من أقرب الناس إلى ( فَيُقِسِمَانِ بِاللهِ) على الشاهدين الكافرين: الميت لشهادتنا - على أنهما كاذبان خائنان- أحق من شهادتهما، أي: من يمينهما على أنهما صادقان أمينان (وَمَا اعْتَدَيْنَا) [أي: ما حلفنا هذا زورًا عليهما]. [١٠٨ ] (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا ) أي: أقرب إلى أن يؤدي الشهود المتحمِّلون للشهادة على الوصية الشهادة على وجهها، فلا يحرفوا ولا يبدلوا ولا يخونوا (أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ) أي: تردُّ على الورثة، فيحلفون على خلاف ما شهد به شهود الوصية، فيفتضح حينئذ شهود الوصية، والحاصل: أن من حضره الموت ولم يجد شاهدين مسلمين جاز له أن يُشْهِد رجلين كافرين منهم على وصيته. فإن ارتاب بهما ورثة الموصي، حلف الكافران بالله على أنهما شهدا بالحق، وما كتما من الشهادة شيئًا، ولا خانا مما تركه الميت شيئًا، فإن تبين بعد ذلك خلاف ما أقسما عليه، أو ظهور شيء من تركة الميت، وزعما أنه قد صار في ملكهما بوجه من الوجوه، حلف رجلان م.. ال..ثة وعمل بذلك. صفحة 126 [١٠٩](يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ) هو يوم القيامة (فَيَقُولُ مَاذَا أَجِبْتُمْ) أي: ماذا أجابتكم به أممكم الذين بعثكم اللّٰه إليهم؟ (قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا) مع أنهم عالمون بما أجابوا به، لكن قالوا هذا إظهارًا للعجز وعدم القدرة، وهو تفويض الجواب إلى اللّٰه. [١١٠] (اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ) ذكَّره سبحانه نعمته عليه وعلى أمه؛ لقصد تعريف الأمم بما خصهما اللّٰه به من الكرامة، وميَّزهما به من علو المقام، ولتوبيخ الذين اتخذوهما إلهَيْن، ببيان أن ذلك الإنعام عليهما كله من عند اللّٰه سبحانه، وأنهما عَبْدان من جملة عباده، مُنْعَمُ عليهما بنعم اللّٰه سبحانه، ليس لهما من الأمر شيء (أَيَّدْتُكَ) قويتك (بِرُوحِ الْقَدُسِ) الروح الطاهرة التي خصه اللّٰه بها، وقيل: هو جبريل اليا ( تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ) حال كونك صبيًّا (وَكَهْلًا) لا يتفاوت كلامك في الحالتين (وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ) أي: الكتابة والخط (وَالْحِكْمَةَ) هي الكلام المحكم (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) أي: تصوِّر طينًا مثل صورة الطير (فَتَنْفُخٌ فِيه) في الهيئة المصورة (فَتَكُونُ طَيْرًا) كسائر الطيور (وَتُبْرِئُ الأَكْمَةَ)) هو الأعمى {وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى) من قبورهم [أحياء]، فيكون ذلك آية لك عظيمة (بِإِذْنِي)) كله من جهة اللّٰه ليس لعيسى عاليَان فيه فعل إلا مجرد امتثاله لأمر اللّٰه سبحانه (وَإِذْ كَفَفْتُ) دفعت وصرفت (بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ) حين هموا بقتلك (إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ) والمعجزات الواضحات ( فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) لما عظم ذلك في صدورهم، وانبهروا منه، لم يقدروا على جحده بالكلية، بل نسبوه إلى السحر. [١١١] وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي ) أي: ألهمت الحواريين وقذفت في قلوبهم بالتوحيد والإخلاص والتصديق، وقيل معناه: أمرتهم على ألسنة الرسل أن يؤمنوا بي ويؤمنوا برسالة رسولي (قَالُوا آمَنَّا) أي: استجاب الحواريون لدعوة عيسى عليه الصلاة والسلام. [١١٢] (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ بَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ) الحواريون هم تلاميذ عيسى، لم يشكّوا في استطاعة الباري سبحانه؛ فإنهم كانوا مؤمنين عارفين بذلك. وإنما طلبوا الطمأنينة، كما قال إبراهيم عايات: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْي الْمَوْتَى) الآية، ويدل على ٥أ/ ة. اسع من بعد: (وَتَطْمَيْنَ قُلُوبُنَا)، والمائدة: الخِوَان إذا كان عليه الطعام (قَالَ اتَّقُوا اللّٰهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي: اتقوه ودعوكِم من هذا السؤال وأمثاله، إن كنتم صادقين في إيمانكم، فإنَّ شأنَ المؤمن تركُ الاقتراح على ربه على هِذه الصفة. [١١٣] (قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا} [كان معه جمع كبير لهم يجدوا طعامًا يكفيهم] (وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا) بكمال قدرة الله، أو بأنك مرسل إلينا من عنده، أو بأن اللّٰه قد أجابنا إلى ما سألناه (وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا) أي: نعلم علمًا يقينًا بأنك قد صدقتنا في نبوتك (وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ ) عند من لم يحضرها من بني إسرائيلِ، أو من سائر الناس. [١١٤ ] (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا) أي: يكون يوم نزولها لنا عيدًا (لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا) أي: لمن في عصرنا، ولمن يأتي بعدنا من ذرارينا وغيرهم (وَآيَةً مِنْكَ) أي: دلالة وحجة واضحة على كمال قدرتك، وصحة إرسالك من أرسلته (وَارْزُقْنَا) رزقًا نستعين به على عبادتك، ٧٠ مملي سواك. صفحة 127 [١١٥] فأجاب اللّٰه سبحانه سؤال عيسى علي فقال: ( إِنَّي مُنَزَّلُهَا عَلَيْكُمْ) ووعده الحق وهو لا يخلف الميعاد (فَمَنْ كْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ) أي: بعد تنزيلها (فَإِنِّى أَعَذَبُهُ عَذَابًا) أي: مذيبًا (لَا أعَذَبُهُ)) أي: لا أعذب مثل ذلك التعذيب (أحَدَّ مِنَ الْعَالَمِينَ) [أي: لأنهم يكونون قد كذبوا بما رأوه بأم أعينهم وذلك أشد العناد]، عن ابن عباس قال: نزلت المائدة على عيسى ابن مريم والحواريين: خوان عليه سمك وخبز. ١١٦] (وَإِذْ قَالَ اللهُ ) يعني: اذكر يا محمد يوم القيامة يوم يقول اللّٰه تعالى هذا القول لعيسى بن مريم. وقيل: بل هذا قول قاله اللّٰه تعالى لعيسى عند رفعه إلى السماء لما قالت النصارى فيه ما قالت [وإنما يساله اللّٰه تعالى عن هذا القول، وهو يعلم أنه لم يقله؛ توبيخًا للنصارى وقطعًا حجتهم ] (قَالَ سُبْحَانَكَ) أي: أنزهك تنزيهًا (مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقِّ) أي: ما ينبغي لي أن أدَّعي لنفسي ما ليس من حقها (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ) رد ذلك إلى علمه سبحانه (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي) ما أكتمه في صدري عن الناس لا يخفي عليك، سبحانك (وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) نفى عيسى عن نفسه علم غيب اللّٰه تعالى وما يريد اللّٰه أن يفعله (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) وهو كل ما غاب عن حواسٌ بني آدم وإدراكهمِ. [١ ١٧]مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أمَرْتَنِي بِهِ) من توحيدك بالربوبية والعبادة (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) أي: حفيظً ورقيبًا أرعى أحوالهم، وأمنعهم عن مخالفة أمرك (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي) أي: رفعتني إلى السماء. وليست الوفاة هنا بمعنى الموت، بل عيسى عَاليَان باق في السماء على الحياة التي كان عليها في الدنيا حتى ينزل إلى الأرض آخر الزمان، أي: فلما رفعتني إلى السماء (كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) أي: كنت الحافظ لهم، والعالم بهم، والشاهد عليهم. ١١٨]{إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ) تصنع بهم ما شئت، وتحكم فيهم بما تريد (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ) أي: القادر على ذلك (الْحَكِيمُ) في أفعاله، قاله عيسى الي النا على وجه الاستعطاف كما يُسْتَعْطَف السيد لعبده [ففي هذا القول من عيسى عليَلف تبرُّؤ من القدرة على الحكم في أمته يوم القيامة، بل الحكم فيهم إلى اللّٰه وحده. ورد أن النبي وَلِيه صلَّى بهذه الآية ليلةً حتى الصباح يرددها]. ١١٩] (قَالَ اللهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) أي: صدقهم في الدنيا، وقيل: في الآخ : (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ) بما عملوه من الطاعات الخالصة له (وَرَضُوا عَنْهُ) بما جازاهم به مما لم يخطر لهم على بال، ولا تتصوره عقولهم [بحيث لم يبق لهم مطلوب ومرغوب لم يتحقق] والفوزُ: الظَّفَرُ بالمطلوب على أتم الأحوال. [١٢٠] (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) دون عيسى وأمه وسائر من ادُّعيتْ لهم الربوبية، ودون سائر مخلوقات اللّٰه تعالى (وَمَا فِيهِنَّ) أي: من جميع الخلائق كلهم مِلك الله تعالى، فليس له ولد ولا والد (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أي: فلن يحتاج منهم إلى نصير ينصره تفسير سورة الأنعام وهي مكية إلا ست آيات منها. عن ابن عمر دَو للَهُ قال، قال رسول اللّ وَلّة: ((نزلت عليَّ سورة الأنعام جملة واحدة بشيِّعها سبعون ألِف ملك لهم زَجلٌ بالتسبيح والتحميد». ١الحَمْدُ لِله)، بدأ سبحانه هذه السورة بالحمد لله، للدلالة على أن الحمد كله له، ولإقامة الححة على الذين هم بربهم يعدلون صفحة 128 (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)، إخبار عن قدرة اللّٰه الكاملة الموجبة لاستحقاقه لجميع المحامد (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ)، سواد الليل وضياء النهار، وظلمة الكفر ونور الإيمان (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ»، أي: وبعد العلم بهذا الخلق العظيم يعدلون به ويساوون به ما لا يقدر على شيء مما يقدر عليه، وهذا نهاية الحمق وغاية الرقاعة. [٢] (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينِ)، المراد: آدم اليات ( ثُمَّ قَضَى أَجَلًا)، يعني: الموت (وَأَجَلٌ مُسَمَّى عِنْدَهُ)، يعني: القيامة. وقيل: الأول مدة الدنيا، والثاني عمر الإنسان إلى حين موته (ثُمَّ أَنَّتُمْ تَمْتَرُونَ)، أي: كيف تشكَّون في البعث، مع مشاهدتكم في أنفسكم من الابتداء والانتهاء ما يذهب بذلك، فإن من خلَقَكم من طين وصيركم أحياء تعلمون وتعقلون، وخلق لكم هذه الحواس والأطراف. ثم سلب ذلك عنكم، فصرتم أمواتًا، وعدتم إلى ما كنتم عليه من الجمادية، لا يعجزه أن يبعثكم، ويعيد هذه الأجسام كما كانت، ويرد إليها الأرواح. [٣] (وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ)، أي: هو المعبود أو المالك أو المتصرف في السماوات والأرض. وقيل: المعنى: وهو اللّٰه يعلم سركم وجهركم في السماوات وفي الأرض فلا تخفى عليه خافية. [٤] (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ)، كمعجزات الأنبياء، وما يصدر عن قدرة اللّٰه الباهرة مما لا يشك من له عقل أنه فِعْلُ اللّٰه سبحانه، والآيات التي يجب أن يستدلوا بها على توحيد الله. [٥] ( فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ)، وهو القرآن، أي: إن كانوا معرضين عنها فقد كذبوا بما هو أعظم من ذلك وهو الحق (فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ)، أي: سيعرفون أن هذا الشيء الذي استهز أوا به ليس بموضع للاستهزاء، وذلك عند إرسال عذاب اللّه عليهم. [٦] (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ)، القرن: يُطلَق على أهل كل عصر، أي: ألم يعرفوا بسماع الأخبار، ومعاينة الآثار، كم أهلكنا قبلهم من الأمم الموجودة في عصر بعد عصر لتكذيبهم أنبياءهم (مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ)، أي: أعطينا القرون الذين هم قبلكم ما لم نعطكم من الدنيا وطول الأعمار وقوة الأبدان، وقد أهلكناهم جميعًا، فإهلاككم وأنتم دونهم أهون (وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا)، هو المطر الكثير (من تَحْتِهِمْ)، من تحت أشجارهم ومنازلهم. ٧] (فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ). .. يجتمع لهم الإدراك بحاسة البصر وحاسة اللمس (لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا)، منهم (إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ)، ولم يصدقوا ولم يعملوا بما شاهدوا ولمسوا، وإذا كان هذا حالهم في المرئي المحسوس، فكيف فيما هو مجرد وحي إلى رسول اللّه وَالِيم. بواسطة ملك لا يرونه ولا يحسونه. ٨]وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ)، أي قالوا: هلا أنزل اللّٰه عليك ملكًا نراه، ويكلمنا أنك نبيٌّ، حتى نؤمن بك ونتبعك (وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا)، أي: لو أنزلنا ملكًا على الصفة التي اقترحوها بحيث يشاهدونه ويخاطبونه ويخاطبهم (لَقُضِيَ الْأَمْرُ)، لأهلكناهم [فورًا] إذا لم يؤمنوا عند نزوله ورؤيتهم له (ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ)، أي: لا يمهلون بعد نزولِه ومشاهدتهم له. [٩] (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا)، أي: لو جعلنا الرسول إلى النبي ملكًا يشاهدونه ويخاطبونه، لجعلنا ذلك الملك رجلًا [أي: في صورة رجل]، لأنهم لا يستطيعون أن يروا الملك على صورته التي خلقه اللّٰه عليها إلا بعد أن يتجسم بالأجسام الكثيفة المشابهة لأجساء .. آ. ، إذ لو جعل اللّٰه سبحانه صفحة 129 الرسول إلى البشر ملكًا بصورته الحقيقية مشاهدًا مخاطبًا، لفروا منه ولم يأنسوا به ولداخلهم الرعب، وحصل معهم من الخوف ما يمنعهم من كلامه ومشاهدته (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ)، لأنهم إذا رأوه في صورة إنسان قالوا: هذا إنسان وليس بملك، فيعود الأمر إلى الالتباس عليهم. [١٠] (فَحَاقَ بالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِنُونَ)، أي: فنزل بهم ما كانوا به يستهزئون، وأحاط بهم: وهو الحق حيث أهلكوا من أجل الاستهزاء به. [١١] قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ)، سافروا في الأرض، وانظروا آثار من كان قبلكم، لتعرفوا ما حل بهم من العقوبات، بعد ما كانوا فيه من النعيم العظيم، فأنتم بهم لاحقون وبعد هلاكهم هالكون إن سرتم على طريقتهم في التكذيب. [١٢ ] (قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض قُلْ لِلَّهِ)، المعنى: قل لهم هذا القول، فإن قالوا لمن هو؟ فقل: هي لله، إما باعترافهم، أو بقيام الحجة عليهم، أي: فالله قادر على أن يعاجلهم بالعقاب، ولكنه (كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)، فلا يعاجلهم بالعقوبة، بل يقبل منهم الإنابة والتوبة. ومن رحمتِهِ لهم إرسال الرسل، وإنزال الكتب، ونصب الأدلة. عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّٰه وعَيّة: ((لما قضى اللّٰه الخلق كتب كتابًا، فوضعه عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي) (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)، ليمهلنكم وليؤخرنَّ جمعكم في القبور إلى اليوم الذي أنكرتموه (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنَفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)، [أي: إن الذين لا يؤمنون بذلك سيتبين لهم يوم الجمع أنهم بعملهم هذا قِد خسروا وجودهم]. [١٣ ] (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) ، [أي: كل شيء. فإن الأشياء منها ما هو ساكن كل الوقت وهو الجمادات، ومنها ما يسكن في الليل وهو أغلب الحيوانات، ومنها ما يسكن في النهار ككثير من الطيور والحشرات والسباع] وقيل المراد: وله ما سكن في اليل والنهار وما تحرك فيهما. [١٤ ] (قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَنَّخِذُ وَلِيًّا)، قال لهم ذلك لما دعوه إلى عبادة الأصنام، أي: كيف أتخذ غير اللّٰه معبودًا {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، هو الذي ابتدأ خلقهما من العدم (وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ)، [أي: يرزق الناس ما يأكلون، وهو غني عن الطعام لا يأكل، فلا يحتاج إلى من بطعمه] (قُلْ إِنِّي أَمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ)، أمره اللّٰه بعدما تقدم من إنكاره اتخاذ غير اللّٰه وليًا أن يقول لهم بأنه مأمور أن يكون أول من أسلم ٠حمه الله [من هذه الأمة]. [١٦ ] (مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ)، أي: من يصرف عنه العذاب يوم القيامة (فَقَدْ رَحِمَهُ)، الله، [أي: عُلِمَ أنه من أهل الرحمة وسيدخل جنة اللّٰه ]. [١٧] (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرِّ)، أي: إن يُنْزِل اللّٰه بك ضررًا من فقر أو مرض (فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ)، أي: لا يقدر على رفع الضرر الذي ينزل بك أحدٌ غير الله (وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ)، من رخاء أو عافية (فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، ومن جملة ذلك المس بالشر والخير. ١٨]وَهُوَ الْقَاهِرُ)، الغالب (فَوْقَ عِبَادِهِ)، بفوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم. وفي القهر معنى زائد ليس في القدرة، وهو منع الغيرِ عن بلوغ المراد. [١٩ ] (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً)، أيُّ شاهد أكبر شهادة (قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ)، هو الجواب؛ لأنه إذا كان اللّٰه هو الشهيد بينه وبينهم، كان أكبر شهادة له وَاليِيه وقيل: إنه قد تم الجواب عند قوله: (قُلِ اللهُ»، يعني: اللّٰه أكبر شهادة، ثم ابتدأ فقال: (شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ)، أي: هو شهيد بيني وبينكم (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ)، لأجل أن أنذركم به، وأنذر به من بلغ إليه القه آن محميع شعوبهم وأصنافهم. صفحة 130 فأحكام القرآن شاملة للبشر والجن جميعًا من كان منهم موجودًا يوم الرسالة أو يوجد بعدها [إلى يوم القيامة] إذا للغتهم دعوة الإسلام وسمعوا بهذا القرآن (قُلْ لَا أَشْهَدُ)، أي: فأنا لا أشهد معكم بأن مع اللّٰه آلهة أخرى لكون هذه الشهادة من أبطل الباطل (وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ)، أي: من الأصنام التي تجعلونها آلهة، أو: من إشراككم بالله. [٢٠](الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ)، التوراة والإنجيل وغيرهما: يعرفون رسول اللٰه لِلِ ( كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُم)، أي: فإن الإنسان لا يعرفه أحد كما يعرفه أبوه وأمه {الذِينَ خَسِرُوا أَنَّفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ»، أي: إنَّ الكفار الخاسرين لأنفسهم بعنادهم وتمردهم هم الذين لا يؤمنون بما جاء به رسول اللّه وَالِّ [٢١] (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا)، أي: لا أحد أظلم ممن اختلق على اللّٰه الكذب، فجعل في التوراة أو الإنجيل أو القرآن ما لم يكن فيها (أَوْ كَذَّبَ بآيَاتِهِ)، من المعجزات الواضحة البينة، أو من آيات القرآن العظيم. فجمع بين كونه كاذبًا على الله، ومكذبًا بما أمره اللّٰه بالإيمان به. [٢٢] (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا))، أي: اذكر لهم خبر يوم القيامة يوم يجمع اللّٰه عنده بين العابدين وبين المعبودين من دون اللّٰه ( أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ)، لم تكن شركاء لله في الحقيقة، بل سموها شركاء، فأضيفت إليهم، وهي ما كانوا يعبدونه من دون الله، أو يعبدونه مع اللّٰه (الَذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ)، أي: تزعمونها شركاء، فوبخهم بندائه لهم: أين هي لتنفعكم. [٢٣] (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ)، أي: لم تكن عاقبة كفرهم الذي افتخروا به وقاتلوا عليه (إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، أي: لم يكن جوابهم إلا الجحود والتبري من ذلك الفعل. [٢٤] (انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَيٍ أَنْفُسِهِمْ)، بإنكار ما وقع منهم في الدنيا من الشرك (وَضَلّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ)، أي: زال وذهب افتراؤهم، وتلاشى وبطل ما كانوا يظنونه من أن الشركاء يقربونهم إلى الله، وفارقهم ما كانوا يعبدون من دون الله، فلم يغن عنهم شيئاً. [٢٥] (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ)، هذا كلام مبتدأ لبيان ما كان يصنعه بعض المشركين في الدنيا، يستمع إليك حين تتلو القرآن (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً))، أي: وقد جعلنا على قلوبهم أغطية تمنعهم أن يفقهوا القرآن وهي كراهتهم له. والوقر الصمم. فقلوبهم لا تعذا .. أ. ماعهم لا تدرك (حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ)، والمعنى أنهم بلغوا من الكفر والعناد أنهم إذا جاءوك مجادلين لم يكتفوا بمجرد عدم الإيمان، بل يقولون (إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)، أي: ليس هذ القرآن إلا مما سطره الأولون في الكتب من القصص والأحاديث والترهات [زعموا أن محمدا الِي أخذ القرآن من تلك القصص والأخبار، وما هو إلا تنزيل العزيز الحميد]. [٢٦] (وَهُمْ يَنْهَوْنَ»، أي: ينهى المشركون الناس عن الإيمان بالقرآن، أو بمحمد وَلِلية و يبعدون هم في أنفسهم عنه. وقيل: إنها نزلت في أبي طالب، فإنه ينهى الكفار عن أذية النبي واليف ويبعد هو عن إجابته (وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ)، أي: ما يهلكون بما يقع منهم من النهي والنأي إلا أنفسهم، بتعريضها لعذاب اللّٰه وسخطه، وما يشعرون بهذا البلاء الذي جلبوه على أنفسهم. [٢٧] (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ)، حُبسوا بقربها معاينين لها، لرأيت منظرًا هائلًا وحالًا فظيعًا (فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ)، أي: إلى الدنيا (وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبَّنَا )، تمنوا الرد وألا يكذبوا وأن يكمنام ، المؤمنين. صفحة 131 [٢٨] (بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ)، أي: ظهر لهم ما كانوا يخفون من النفاق والكفر وسيئ الأعمال، وعرفوا أنهم هالكون بشركهم، فعدلوا إلى التمني والمواعيد الكاذبة [ويحتمل أن المراد: ظهر لهم حقيقة ما كانوا يخفونه في قلوبهم من صدق محمد وَالِيِ في أخباره، وإن ادَّعوا في مجامعهم تكذيبهم له] (وَلَوْ رُدُّوا)، إلى الدنيا حسبما تمنوا (لَعَادُوا)، لفعل ما نهوا عنه من القبائح التي رأسها الشرك، كما عاين إبليس ما عاين من آيات اللّٰه ثم عاند (وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)، في وعدهم بأن يكونوا مؤمنين، وإنما يقولون ذلك لمجرد الخلاص مما هم فيه. [٢٩] (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا)، [أي: فنحن نعمل كل أعمالنا لحياتنا الدنيا، ولن نعمل للآخرة لأنها يست موجودة] (وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ)، بعد الموت. [٣٠] (وَلَوْ تَرَى إِذْوُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ)، أي: حبسوا على ما كون من آمر ربهم فيهم، لشاهدت أمراً عظيمًا، فيقول لهم: (ألَيْسَ هَذَا بالحَقَ)، أى: أليس هذا البعث الذى تنكرونه كائنًا موجودًا، وهذا الجزاء الذي تجحدونه حاضرًا (قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا)، اعترفوا بما أنكروا، وأكدوا اعترافهم بالقَسَم (قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ)، أي: بسبب كفركم به. [٣١](قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ)، والمراد: تكذيبهم بالبعث، وبالجزاء (حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ)، أي: القيامة (بَغْتَةً))، فجأة (قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا))، والحسرة: الندم الشديد (عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا)، بترك الاعتداد لها، والاحتفال بشأنها، والتصديق بها {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ )، أي: ذنوبهم يحملون ثقلها على الظهور {أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ)، أي: بئس ما يحملون. [٣٢] (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوُ)، والمقصود بالآية تكذيب الكفار في قولهم ما هي إلا حياتنا الدنيا [أما الحياة الحقيقية التي ينبغي العمل لها فهي دارٍ الآخرة؛ لأنها الدائمة بلا انقطاع] (وَلَلِدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ)، أي: للذين يتقون اللّٰه بالحذر من الشرك والمعاصي. [٣٣] (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ)، أي: فلا تحزن (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذَبُونَكَ)، أي: لا ينسبونك أنت إلى الكذب، فإنهم يعترفون لك بالصدق، ولكنٍ تكذيبهم راجع إلى ما جئت به، ولهذا قال: (وَلَكِنَّ الظّالِمِينَ بآيَاتِ اللهِ جْحَدُونَ)، أي: إنما هم يكذبون في الحقيقة آيات اللّٰه وكتابه. [٣٤] (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُدُا . : قَبْلِكَ)، فاصبر كما صبروا على ما كذبوا وأوذوا، حتى يأتيك نصرنا كما أتاهم، وأنت منصور على المكذبين، ظاهر عليهم. وقد كان ذلك ولله الحمد (وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ)، أي: بعض أخبارهم وكيفية إنجاء اللّٰه لهم ومن معهم من المؤمنين، وكيف أهلك اللّٰه المكذبين. [٣٥] (وَإِنْ كَانَ كَبُر عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ )، كان النبي وَالِي يكبر عليه إعراض قومه ويتعاظمُه ويحزن له، فبيَّن له اللّٰه سبحانه، أنَّ هذا الذي وقع منهم من الإعراض عما دعا إليه هو كائن لا محالة، لما سبق في علم اللّٰه وعمّل، وليس في استطاعة النبي وَاليه وقدرته إصلاحهم وإجابتهم قبل أن يأذن اللّٰه بذلك (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًّا فِي الْأَرْضِ)، فتأتيهم بآية منه {أَوْ سُلَّمَا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ)، منها فافعل. ولكنك لا تستطيع ذلك، فدع الحزن. والنفق: السَّرَب والمنفذ، والسُّلّم: الدرج الذي يُرتقى عليه. ولله سبحانه في ذلك حكمة، فلوجاء لرسوله وَالِيه بآية تضطرهم إلى الإيمان لم يبق للتكليف الذي هو الابتلاء والامتحان معنى، ولهذا قال: (وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى)، جمع إلجاءٍ وقَسْر، ولكنه لم يشأ ذلك، ولله الحكمة البالغة (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ)، صفحة 132 فإن شدة الحرص والحزن لإعراض الكفار عن الإجابة قبل أن يأذن اللّٰه بذلك هو صنيع أهل الجهل ولست منهم. [٣٦] (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ)، سماع تفهم حسبما تقتضيه العقول، وتوجبه الافهام، وهؤلاء ليسوا كذلك بل هم بمنزلة الموتى، الذين لا يسمعون (وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ )، [أي: كما أن اللّٰه يبعث الموتى، كذلك هؤلاء الكفار قد يُقْبِلُ اللّٰه بقلوبهم إلى فهم ما جئت به]. [٣٧](وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ)، ومرادهم بالآية هنا: هي المعجزة التي تضطرهم إلى الإيمان، كنزول الملائكة بمرأى منهم ومسمع، أو نتق الجبل، فأمره أن بجيبهم بأن (اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزَّلَ آيَةً)، ولكنه ترك ذلك لتظهر فائدة التكليف الذي هو الابتلاء والامتحان، وأيضًا لو أنزل آية كما طلبوا ثم كذبوا بها لم يمهلهم بعد نزولها، بل سيعاجلهم بالعقوبة. [٣٨] (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمّ أَمْثَالُكُمْ)، [أصناف مصَنفة لكلَّ منها تَقويمها الخاص في تكوينها ومعاشها وتجمُّعها وتغذِّيها وغير ذلك من شئون حياتها] خلقهم اللّٰه كما خلقكم، ورزقهم كما رزقكم، وهي داخلة تحت علمه وتقديره وإحاطته بكل شيء. وقيل: أمثالكم في ذكر اللّٰه والدلالة عليه (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) من شئونكم وشئون تلك الأمم، والمراد بالكتاب: اللوح المحفوظ، فإن اللّٰه أثبت فيه جميع الحوادث (ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) يعني الأمم المذكورة. وفيه دلالة على أنها تحشر كما يحشر بنو آدم. عن أبي هريرة قال: ((ما من دابة ولا طائر إلا سيحشر يوم القيامة، ثم يُقْتَصّ لبعضها من بعض، حتى يقتصٍ للجلحاء من ذات القرن». [٣٩](وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمُّ) أي: لا بِ تي سمعون بأسماعهم (وَبُكْم) لا ينطقون بألسنتهم (فِي الظلَمَاتِ) أي: في ظلمات الكفر والجهل والحيرة [أي: إنهم كرجل أعمى أخرس في ظلمة شديدة لا يستطيع أن يرى طريقه، ولا أن يدعو الناس فيدلوهُ عليها، ولا يراه أحد من بعيد فيدله، فكيف يصل إلى غرضه ويهتدي إلى سبيلِ النجاة؟]. [٤٠] (أَرَأَيْتَكُمْ)، أي: أخبروني (أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ)، أي: أتدعون في هذه الحالة -وهي حالة مجيء العذاب، أو قيام الساعة- أحدًا غير اللّٰه من الأصنام التي تعبدونها، أم تدعون اللّٰه سبحانه: (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)، في دعواكم أن أصنامكم تضر وتنفع، وأنها آلمة ٢ . ا تزعمون. [ ٤١] (بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ) لا تدعون غيره، بل تخلصون له الدعاء في هذه الأحوال المهمة (فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ) أي: فيرفع اللّٰه ما تدعونه لرفعه من العذاب إن شاء ( وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ) الأصنام ونحوها [وكانوا لا يدعون في الشِدائد إلا اللّٰه تعالى]. [٤٢]( فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ) البأساء: الفقر والمصائب في الأموال (وَالضَّرَّاءِ) المرض والمصائب في الأبدان (لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ) أي: يدعون اللّٰه بضراعة، وهي التذلل. [٤٣] (فَلَوْلَا) أي: فهلا (إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا)، لكنهم لم يتضرعوا، لشدة تمردهم وغلوهم في الكفر (وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ)، أي: صلبت وغلظت (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، أي: أغواهم بالتصميم على الكفر. [٤٤] (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكَّرُوابِهِ)، لما تركوا الاتعاظ بما ذكروا بِه من البأساء والضراء، وأعرضوا عن ذلك (فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ) استدرجناهم بفتح أبواب كل نوع من أنواع الخير عليهم (حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أَوتُوا) من الخير على أنواعه فَرَحَ بطرٍ وأشَرٍ، وأعجبوا.١١ ٦ء.، . ظنوا أنهم إنما أعطوه لكون صفحة 133 كفرهم الذي هم عليه حقًّا وصوابًا {أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً)، أي: فجأة وهم غير مترقبين لذلك (فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ)، المبلس: الحزين الآيس من الخير لشدة ما نزل به من سوء الحال. [٤٥] (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا )، أي: استؤصلوا جميعًا حتى آخرهم، [فلا يعودون بعد ذلك إلى النماء والتكاثر] (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، أي: على هلاكهم وفيه تعليم للمؤمنين كيف يحمدونه عند نزول النعم التي من أجَلِّها هلاك الظلمة، اللهم أرح عبادك المؤمنين من ظلم الظالمين، واقطع دابرهم، وأبدلهم بالعدل الشامل. [٤٦] (قُلْ أَرَأَيْتُمْ) أي: أخبروني (إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ)، أخذ القوى التي فيهما، أو طمس الجهازين طمسًا (وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ ) حتى ما عاد بإمكانها أن تعقل شيئًا، (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ)، بذلك المأخوذ (انْظُرْ)، يا محمد (كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ)، تعجيبًا له من ذلك، والتصريف: المجيء بها على جهات مختلفة، تارةً إنذار، وتارةً إعذار، وتارة ترغيب، وتارة ترهيب (ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ) يعرضون. [٤٧] (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَنَاكُمْ عَذَابُ اللهِ)، أي: أخبروني عن ذلك إذا أتاكم (بَغْتَةً) فجأة: أي من دون مقدمات تدل على العذاب، بل هم عنه غافلون، (أَوْ جَهْرَةً) الجهرة: أن يأتي العذاب علانيةً بعد ظهور مقدمات تدل عليه، فهم لذلك يرونه آتيًا (هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ»، أي: ما يهلك هلاك تعذيب وسخط إلا القوم الظالمون. [٤٨] (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ مُبَشَّرِينَ)، لمن أطاعهم بما أعد اللّٰه لهم من الجزاء العظيم، (وَمُنْذِرِينَ) لمن عصاهم بما لهم عند اللّٰه من العذاب الوبيل، (فَمَنْ آمَنَ) بما جاءت به الرسل (وَأَصْلَحَ) حال نفسه بفعل ما يدعونه إليه (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ)، بوجه من الوجوه (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)، على ما فاتهم من الدنيا. [٥٠] (قُلْ) يا محمد (لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ، أي: ما عنده من الخيرات حتى يأتيهم بما اقترحوا من الآيات (وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ)، حتى يخبرهم به ويعرِّفهم بما سيكون في مستقبل الدهر (وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ) ، حتى تكلفوني من الأفعال الخارقة للعادة ما لا يطيقه البشر (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) ما أمرت بتبليغه إليكم، (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ)، لا يستوي الضال والمهتدي، أو مسلم والكافر (أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ) في ذلك حتى تعرفوا عدم الاستواء بينهما، فتتبعوا طريقة . . أ.- و واهتدى؟ [٥١] (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ ) لأن الإنذار يؤثر فيهم لِمَا حل بهم من الخوف من الله، بخلاف من لا يخاف الحشر من طوائف الكفر لجحودهم وإنكارهم، فإنه لا يؤثر فيه ذلك، فيشمل كل من آمن بالبعث من المسلمين وأهل الذمة وبعض المشركين، وإن لم يكن مصدقًا به في الأصل، لكنه يخاف أن يصح ما أخبر به النبي وعَلِيّيه فإن من كان كذلك تكون الموعظة فيه أنجع، والتذكير له أنفع {لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ ) لا نصير يناصرهم، ولا شفيع يشفع لهم عند اللّٰه لينجيهم من عذابه. وفيه رد على من زعم من الكفار المعترفين بالحشر أن آباءهم يشفعون لهم، وهم أهل الكتاب، أو أن أصنامهم تشفع لهم، وهم المشركون. [٥٢] (وَلَا تَطْرُهِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ )، يصلون له صباحًا ومساء، ويذكرونه وهم مخلصون في عبادتهم، لا يريدون بذلك إلا وجه اللّٰه تعالى: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْء ) حساب هؤلاء ه. ١٥ أنفسهم، ما عليك منه شيء، صفحة 134 وحسابك على نفسك ما عليهم منه شيء، فعلام تطردهم؟ أي: فأقبِلْ عليهم وجالِسْهم، ولا تطردهم مراعاة لمن ليس على مثل حالهم في الدين والفضل {فْتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظالِمِينَ )، أي: إن طردتهم كنت من الظالمين. [٥٣] (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ)، فتنا المتكبرين بالمستضعفين (لِيَقُولُوا)، ليقول الأولون {أَهَؤُلَاءِ) مع فقرهم هم الذين (مَنَّ اللهِ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا) أكرمهم بإصابة الحق دوننا، ( أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ)، يقول اللّٰه لهم: فما بالكم تعترضون على اللّٰه بالجهل، وتنكرون عليه أن يمنّ بفضله على من شاء. [٥٤] (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا))، هم الذين نهاه اللّٰه عن طردهم، وهم المستضعفون من المؤمنين (فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ)، تطيبًا لخواطرهم وإكرامًا لهم. وقد كان النبي وَاليلي بعد نزول هذه الآية إذا رأى فقراء الصحابة بدأهم بالسلام، (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)، أي: أوجب ذلك على نفسه إيجاب فضل وإحسان ( أنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ)، فعل فعل الجاهلين، لا فعل أهل الحكمة والتدبير، وكل ذنب فهو بجهالة، انظر (سورة النساء الآية: ١٧) (ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ)، أي: من بعد عمله السوء (وَأَصْلَحَ)، ما أفسده بالمعصية، فراجَعَ الصواب، وعمل الطاعة (فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) . [٥٥] (وَكَذَلِكَ نُفَصَّلُ الآيَاتِ)، من أمر الدين، ونُبيِّنُ لهم حكم كل طائفة (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ)، أي: تظهر لك طريقة الكفار والمعاندين الذين يأمرونك بطرد المستضعفين، من طرِيق المؤمنين. [٥٦] (لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ))، مقاصدكم الفاسدة التي بتسبب عنها الوقوع في الضلال، فيما طلبتموه منّي من عبادة معبوداتكم، وطرد من أردتم طرده {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)، إن فعلت ذلك. [٥٧] (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي)، أي: إني على برهان من ربي ويقين، لا على هوى وشك، كما هم عليه من اتباع الشبه الداحضة، والشكوك الفاسدة، التي لا مستند لها إلا مجرد الأهواء الباطلة (وَكَذَبْتُمْ بِهِ)، أي: بالرب، أو بالبينة (مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ)، كانوا يستعجلون نزول العذاب، أو مجيء الآيات التي اقترحوها، (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) في كل شيء، ومن جملة ذلك ما تستعجلون به من العذاب أو الآيات المقترحة، (يَقُصُّ الْحَقَّ) أي: يُبين الحق فيما يحكم به، أو بقص القصص الحق (وَهُوَ ذَءُ اأْذَاِمِلِينَ)، أي: بين الحق والباطل بما يقضي بِه بين عباده ويفصّله لهم. ٥٨] (قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ) ، أي: لو أن ما تطلبون تعجيله، مقدورًا لي وفي وسعي (لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ)، لو كان العذاب الذي تطلبونه وتستعجلون به عندي وفي قبضتي لأنزلته بكم، وعند ذلك يُقضى الأمر بيني وبينكم. [٥٩] (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ))، أي: مخازِن الغيب، وقيل: المعنى: مفاتيح خزائن الغيب (لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ)، لا علم لأحد من خلقه بشيء من الأمور الغيبية التي استأثر اللّٰه بعلمها، وهذا ما يدفع أباطيل الكهان والمنجّمين والرمليين وغيرهم من المدعين ما ليس من شآنهم. روي أن النبي وَليّي قال: (مفاتيح الغيب خمسٌ لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم أحدٌ متى تقوم الساعة)) (وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) ، من حيوانٍ وجمادٍ علمًا مفصلًا، (وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ) من ورق الشجر (إِلَّا يَعْلَمُهَا) يعلم زمان سقوطها ومكانه، (وَلا حَبَّة) كائنةَ (فِي ظُلُمَاتِ الأَبْن )، أي: في الأمكنة المظلمة، صفحة 135 في بطن الأرضِ، (وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ) يشمل جميع الموجودات (إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) هو اللوح المحفوظ. [٦٠] (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بَاللَّيْلِ)، أي: ينيمكم فيه، فيقبض فيه نفوسكم التي بها تميِّزون {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ)، أي: كسبتم بجوارحكم من الخير والشر (ثُمَّ تَبْعَثْكُمْ فِيهِ) أي: في النهار، يعني اليقظة (لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمَّى)، أي: معيَّن لكل فرد من أفراد العباد من حياة ورزق. [٦١(وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ)، الغالب على أمره فيهم (وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً)) ملائكة جعلهم اللّٰه حافظين لكم من الآفات، ويحفظون أعمالكم (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا)، هم ملك الموت وأعوانه. ومعنى توفته قبضت روحه (وَهُمْ لَا يُفَرِّّطُونَ)، أي: لا بقصِّرون ولا يضيِّعون فيما أمروا به من الإكرام أو الإهانة. [٦٢] (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ)، أي: تَرُدُّ ملائكة الموت أرواح العباد بعد قبضها إلى اللّٰه (وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) لا يحتاج إلى ما يحتاجون إليه من الفكر والرَّوِيَةِ والتدبر. [٦٣] (قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ)، شدائدهما العظيمة، من ينجيكم من ذلك حال دعائكم له متضرعين ومخفين (لَئِنْ أَنَّجَانَا)، أي: قائلين لئن أنجيتنا (مِنْ هَذِهِ) الشدة التي نزلت بنا، وهي الظلمات المذكورة (لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)، لك على تخليصنا من هذه الشدائد. [٦٤] (قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا)، من الظلمات (وَمِنْ كُلِّ كَرْبِ)، والكرب: الغم يأخذ بالنفس (ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ) بالله سبحانه بعد أن أحسن إليكم بالخلوص من الشدائد وذهاب الكروب، والشركاء لا ينفعونكم، فكيف وضعتم هذا الشرك موضع ما وعدتم بهِ من أنفسكم من الشكر؟ [٦٥] (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا)، من كل جانب (مِنْ فَوْقِكُمْ)، وهو ما ينزل من السماء من البَرَدِ والصواعق (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ)، وهو الخسف والزلازل والغرق (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا)، يجعلكم مختلفي الأهواء، مختلطي النِّحَل، متفرقي الآراء، فِرَقًا يقاتل بعضكم بعضًا (وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ)، من قتل وأسر ونهب { انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ)، نبين لهم الحجج والدلالات من وجوه مختلفة (لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) الحقيقة، فيعودون إلى الحق الذي بينَّاه لهم بيانات متنوعة، وأخرج مسلم وأحمد عن سعد بن أبي وقاص: أن النبي وعَلِيّي دعا ربه طويلًا، ثم انصرف إلينا فقال: ((سألت ربي ثلاثًا، فأمطا: اثنتين، ومنعني واحدة: سألته ألا يهلك أمتي بالغرق، وسألته ألا يهلك أمتي بالسَّنة فأعطانيهما، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» . [٦٦] (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ)، هم قريش (وَهُوَ الْحَقُّ»، أي: كذبوا بالقرآن أو العذاب، والحال أنه حق (قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ )، أي: لست بحفيظ على أعمالكم حتى أجازيكم عليها. ٦٧] (لِكُلِّ نَبَإِ مُسْتَقَرُّ)، أي: لكل خبر عن المستقبل نهاية يظهر بها أنه حق أو باطل (وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)، نهاية ما أخبرتكم به بحصوله ونزوله بكم [٦٨] (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا )، بالتكذيب والرد والاستهزاء (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ)، فدعهم ولا تقعد معهم لسماع مثل هذا المنكر العظيم [أي: وإن جالست قومًا فخاضوا فقم عنهم] (حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ )، مغاير له، أمره اللّٰه بالإعراض عن أهل المجالس التي يستهان فيها بآيات الله. وعن ابن عباس أن الآية في مجالسة الذين يتجادلون في آيات اللّٰه ويتخاصمون فيها، (وَمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى) إن أنساك الشيطان أن تقوم عنهم، فلا تقعد معهم إذا تذكرت أمرنا بل ة. ف. الحال. صفحة 136 [٦٩] (وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، أي: ليس على الذين يتقون اللّٰه بترك الخوض في آيات اللّٰه في مجالستهم للخائضين فيها أي شيء من الإثم لو جالسوهم، فإن إثم الخائض على نفسه (وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)، أي: ولكن قوموا عنهم تذكيرًا لهم بعظمة الإثم الذي هم واقعون فيه بسبب هذا الخوض لعلهم يتركونه. [٧٠] (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا)، أي: اترك هؤلاء الذين اتخذوا الدين الحق -الذي كان يجب عليهم العلم به والدخول فيه- اتخذوه لعبًا ولهوًا، ولا تعلق قلبك بهم، فإنهم أهل تعنُّت، وإن كنت مأمورًا بإبلاغهم الحجة (وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا)، حتى آثروها على الآخرة وأنكروا البعث، (وَذَكِّرْ بِهِ) أي: بالقرآن، حذرًا من {أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ)، الإبسال: تسليم المرء نفسه للهلاك، أي: لعله يتذكر فينجو بنفسه من العذاب قبل أن يحيط بها فلا تجد مخلصًا (وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا))، أي: وإن بَذَلْتَ تلك النفس التي سُلِّمت للهلاك كل فدية، لا يؤخذ منها ذلك العدل حتى تنجو به من الهلاك، ( أُولَيِكَ) المتخذون دين الإسلام لعبًا ولهوًا، هم (الَّذِينَ أَبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا)، أي: هؤلاء الذين سلموا للهلاك بما كسبوا (لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمِ )، وهو الماء الحار، يشربونه فيقطع أمعاءهم. ٧١](قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَتْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا)، أي: كيف ندعو من دون اللّٰه أصنامًا لا تنفعنا بوجه من وجوه النفع إن أردنا منها نفعًا، ولا نخشى ضرها بوجه من الوجوه، ومن كان هكذا فلا يستحق العبادة (وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا)، ونرجع إلى الضلالة التي أخرجنا اللّٰه منها (كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ)، وهم الغيلان أو مَرَدةُ الجنّ، يدعونه باسمه واسم أبيه وجده فيتبعها، ويرى أنه على الطريق، فيصبح وقد ألقته في مضلة من الأرض يهلك فيها عطشًا، فهذا مثل من أجاب دعاة الآلهة التي تعبد من دون الله، (حَيْرَانَ)) لا يهتدي جهة (لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى)، أي: له رفقة يدعونه إلى الطريق الذي يوصله إلى بلده واهله، يقولون له: ائتنا فلا بجيبهم ولا يهتدي بهديهم؛ لأنه متحير لا يدري أي الطرفين يدعوه إلى الطريق الصحيح، {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى) أي: دينه الذي ارتضاه لعباده وما عداه باطل، (وَأَمِرْنَا لِنُسْلِمَ) أي: وأمرنا بأن نسلَم أمورنا لله. ٧٢] (وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ)، المعنى: أمرنا بأن سلم، وبأن نقيم الصلاة، .. أن: : تمي الله، أي فهذا هو الهدى، (وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) أي: تحشرون إليه وحده، ولا ينفعكم يومئذ إلا ما قدمتموه من الأعمال الصالحة ورأسها التقوى والصلاة. [٧٣] (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)، خلقًا (بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ)، يأمر بالبعث والحشر، فتطيعه الخلائق، أي: فكيف ندعو من دونه ما لا ينفعنا ولا يضرنا، ونرتد على أعقابنا، (وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ)، الصور: قرن يُنْفَخ فيه النفخة الأولى للفناء، والثانية للإنشاء (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ)، العالم بما غاب وما حضر من كل شيء (وَهُوَ الْحَكِيمُ)، في جميع ما يصدر عنه (الْخَبِيرُ))، بكل شيء. [٧٤] (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ)، قيل إن اسمِ والد إبراهيم (تارخ)) وقيل: كان له اسمان: آزر وتارخ، (أَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً) أي: أتجعلها آلهة لك تعبدها (إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ) الموافقين لك في عبادة الأصنام (فِي ضَلَالٍ) عن طريق الحق ( مُبِينٍ) واضح: [٧٥] (وَكَذَلِكَ نُرِي إ: ٥١. - لَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، صفحة 137 ما فيهما من الخلق، وقيل: كشف اللّٰه له عن ذلك حتى رأى إلى العرش، وإلى أسفل الأرضين، وقيل: رأى من ملكوت السماوات والأرض ما قصه اللّٰه في هذه الآية، نُرِي: أي: أريناه، فهو حكاية حالٍ ماضية، وقد كان آزر وقومه يعبدون الأصنام والكواكب والشمس والقمر، فأراد أن ينبههم على الخطأ (وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ)، أي: أريناه ما أريناه من عجائب الخلق، وغرائب الملكوت ليكون نبيًّا ذا علم، وليكون علمه عن يقين لا يخالجه شك في عِظمة اللّٰه وقدرته على كل شيءٍ. [٧٦] ( فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ)، أي: ستره بظلمته (رَأَى كَوْكَبًا)، قيل: رأى المشترى، وقيل: الزهرة (قَالَ هَذَا رَبِّي)، قيل: وكان هذا منه عند قصور النظر لأنه في زمن الطفولية، وقيل: أراد إقامة الحجة على قومه كالحاكي لما هو عندهم وما يعتقدونه لأجل إلزامهم، فَلَمَّا أَفَلَ) أي: غرب قَالَ) إبراهيم: فإن الذي يغرب لا يكون إلهًا، لأن الإله قيوم السماوات والأرض، (لَا أَحِبُّ الْآفِلِينَ) أي: الآلهة التي تغرب. [٧٧] ( فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا)، أي: طالعًا ( فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي) إلى من هو الإله الحق (لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالَينَ)، الذين لا يهتدون للحق، فيظلمون أنفسهم ويحرمونها حظها من الخير . ](قَالَ هَذَا رَبِّي) هذا الشيء الطالع (هَذَا أَكْبَرُ)، أي: مما تقدمه من الكواكب والقمر، فهو حري بأن يكون الإله، (قَالَ يَا قَوْمٍ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ»، أي: من الأشياء التي تجعلونها شركاء لله وتعبدونها، قال هذا لما لمهر له أن هذه الأشياء مخلوقة لا تنفع ولا تضر وليس أي واحد منها إله الكون مستدلاً على ذلك بأفولها. ](إنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ) كلي وذاتي وعبادتي (لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)، ابتدأ خلقهما (حَنِيفًا ) مائلًا إلى الدين الحق. [٨٠] (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ)، أي: جادلوه في التوحيد الذي توصل إليه، وأرادوا أن يقنعوه بصحة اتخاذ الآلهة الأخرى، وخوفوه من ضررها وغضبها (قَالَ أُنُحَاجُونِي فِي اللهِ)، أي: في كونه هو الإله الحق (وَقَدْ هَدَانِ)، أي: هداني إلى توحيده، وأنتم تريدون أن أكون مثلكم في الضلالة والجهالة وعدم الهداية، (وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ) أي: إني لا أخاف ما هو مخلوق من مخلوقات الله، الذي هو حجر لا يضر ولا ينفع، (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا) من الضرر لي بذنب عملته، ذالأ. اليه، وذلك منه، لا من معبوداتكم، (وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) أي: إن علمه محيط بكل شيء، وإذا شاء إنزال شرِّ بي كان. [٨١] (وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزَّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا )، أي: كيف أخاف ما لا يضر، ولا ينفع، ولا يخلق، ولا يرزق، والحال أنكم أنتم لا تخافون ما صدر منكم من الشرك بالله، وهو الضار النافع، الخالق الرازق (فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ)، فريق المؤمنين بالله القوي القادر، الكافرين بالصنم العاجز، أم فريق المؤمنين بالصنم العاجز، الكافرين بالله القوي القادر؟ فأخبروني: أي الفريقين أحق بالأمن وعدم الخوف (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) وتعرفون البراهين الصحيحة، وتميزونها عن الشبه الباطلة. [٨٢] (الَّذِينَ آمَنُوا)، أي: هم أحق بالأمن من الذين اشركوا (وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمِ)، أي: لم يخلطوه بظلم، والمراد بالظلم: الشرك، [لأنه جَعْلٌ العبادة لغير من يستحقها، والظلم منع الحق أهله وجعله لغير أهله] وورد عن ابن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية شق ذلك ، ١ أصحاب رسول الله ولال يه صفحة 138 وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول اللّٰه وَالِية: ((ليس هو كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان: (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِك بِاللهِ إِنَّ الشَّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ))). [٨٣] (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا))، أي: ما تقدم من الحجج التي أوردها إبراهيم عليهم ( آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ)، أي: نصرناه بتعليمها له فغلب بها قومه، (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ)) بالهداية، والإرشاد إلى الحق، وتلقين الحجة، كما رفعنا إبراهيم درجات. [٨٤] (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ)، ولدًا هبة منا، ووهبنا له يعقوب ولد ابنه إسحاق (كُلَّا هَدَيْنَا)، أي: فقد جعلنا كلًّا منهما نبيًّا، ( وَمِنْ ذُرَّيَّتِهِ) أي: من ذرية نوح، فإن يونس ولوطًا ما كانا من ذرية إبراهيم؛ إذ إن لوطًا هو ابن أخي إبراهيم، (دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ) عدّ الله سبحانه هداية هؤلاء الأنبياء من النعم التي عددها على إبراهيم؛ لأن شرف الأبناء متصل بالآباء (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)، أي: كما جزينا هؤلاء الأنبياء الذين أحسنوا أعمالهم بالجهاد والدعوة والصبر، كذلك نجزي كل مُحْسِن. [٨٥] (وَإِلَيَاسَ)، قيل: إلياس هو إدريس، وليس صحيح، فإن إدريس كان قبل نوح، وإلياس من ذرية نوح، كما تدل عليه هذه الآيات. [٨٦](وَالْيَسَعَ)، قيل هو الخضر. وقيل هو صاحب إلياس، وكانوا قبل يحيى وعيسى (وَكُلَّاّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ)، أي: كل واحدٍ من هؤلاء النبيين فضلناه بالنبوة على غيره من الناس، فالأنبياء أفضل البشر. [٨٧](وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ)، هدينا بعض آبائهم وذرياتهم وأزواجهم (وَاجْتَبَيْنَاهُمْ)، الاجتباء: الاصطفاء، أو التخليص، أو الاختيار. ٨٨] (ذَلِكَ هُدَى اللهِ )، الهداية والتفضيل والاجتباء المفهومة مما تقدم (يَهْدِي بِهِ) اللّٰه (مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)، وهم الذين وفقهم للخير واتباع الحق، (وَلَوْ أَشْرَكُوا) أي: هؤلاء المذكورون (لَحَبِطَ عَنْهُمْ)، بطل من حسناتهم (مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). [٨٩] أولَئِكَ)، الأنبياء المذكورون سابقًا آتيناهم كتبنا (وَالْحُكْمَ) العلم (وَالنُّبوَّةَ) الرسالة، (فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ) أي: كفار قريش المعاندون لرسول اللّٰه وايه ( فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمَا)، أي: وفقنا للإيمان بها قومًا (لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ»، قيل: هم لمها جرون والأنصار، وفقناهم لحملها حتى كأنهم موكلون بها. [٩٠] (أَولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ)، كان وَالِيله مأ مورًا بالاقتداء بمن قبله من الأنبياء فيما لم يرد عليه فيه نص، (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَمْ أَمْ"ا) أمره اللّٰه بأن يخبرهم بأنه لا يسألهم أجرًا على دعوتهم إلى الهدى (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى)، يعني القرآن (لِلْعَالَمِينَ)، أي: موعظَة وتذكَير للخلق كافة الموجودين عند نزوله ومن سيوجد من بعد. [٩١] (وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ)، أي: لم يعرفوا مقداره تعالى حق معرفته (إِذْ قَالُوا مَا أَنَزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ)، فأنكروا إرساله للرسل بالكلية، وإنزاله للكتب وَقُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى)، وهم يعترفون بذلك ويذعنون له، ويعلمونه بالإخبار من اليهود، وقد كانوا يصدقونهم (تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ)، أي: تجعلون التوراة في قراطيس [مفرَّقة] ليتم لكم ما تريدونه من التحريف والتبديل، وكتم صفة النبي وَالِيه المذكورة فيه، (تُبْدُونَهَا) تظهرون بعض تلك القراطيس (وَتُخْفُونَ كَثِيرًا)، أي: وتخفون كثيرًا منها، (وَعُلَمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ) والذي علموه هو الذي أخبرهم به نبينا محمد وَاِيهِ من الأمور التي أوحى اللّٰه إليه بها، فإنها اشتملت على ما لم يعلموه من كتبهم، ولا على لسان أنبيائهم، ولا علمه آباؤهم، (قُلِ اللهُ) أي: أنزله اللّٰه (ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) في باطلهم يصنعون صنع الصبيان الذين يلعبوا . صفحة 139 [٩٢]وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ) ، على محمد لَالِيه فكيف تقولون: (مَا أَنْزَلَ الِلَهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ)، والمبارك الكثير البركة (مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَّيْهِ)، أي: موافق لما انزله اللّٰه من الكتب على الانبياء من قبله كالتوراة والإنجيل {وَلِتُنْذِرَ)، أي: أنزلناه للبركات ولتنذر أمَّ الْقَرَى)، وهي مكة أعظم القرى شأنًا، بها أول بيت وضع للناس، ولكونها قبلة هذه الأمة ومحل حجهم، فالإنذار لأهلها مستتبع لإنذار سائر أهل الأرض، (وَمَنْ حَوْلَهَا) أي: من الناس في أرض اللّٰه الواسعة (وَالَذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ)، من حق من صدَّق بالدار الآخرة أن يؤمن بهذا الكتاب؛ لأن التصديق بالآخرة يوجب قبول من دعا الناس إلى ما ينال به خيرها، ويندفع به ضرها. [٩٣] (وَمَنْ أظلَمُ مِمَّن افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا)، أي: كيف تقولون ما أنزل اللّٰه على بشر من شيء، وذلك يستلزم تكذيب الأنبياء عليهم السلام، ولا أحد أظلم ممن افترى على اللّٰه كذبًا، فزعمِ أنه نبي، وليس بنبي، أو كذب على اللّٰه في شيء من الأشياء (أَوْ قَالَ أَوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ )، وقد صان اللّٰه أنبياءه عما تزعمون عليهم، وإنما هذا شأن الكذابين رءوس الإضلال، كمسيلمة الكذاب، والأسْوَد العَنْسي وسَجاح، (وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللهُ) ادعى أنه قادر على معارضة القرآن بقرآن مثله، وهم القائلون: (لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا) وقيل: هو عبد اللّٰه بن أبي سرح: فإنه كان يكتب الوحي لرسول اللّٰه وليه فأملى عليه رسول الله وَلِيه: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) فقال عبد الله: (فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) فقال رسول الله: ((هكذا أنزلت»، فشكَ عبد اللّٰه حينئذ، وقال: لئن كان محمد صادقًا لقد أوحي إليَّ كما أوحي إليه، ولئن كان كاذبًا لقد قلت كما قال، ثم ارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين، ثم أسلم يوم الفتح كما هو معروف، (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ) شدائد النزع، ويدخل فيه الجاحدون لما أنزل الله، والمدَّعون للنبوَّات، والمنتصبون للمعارضة، أي: لرأيت أمرًا عظيمًا (وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ )، لقبض أرواح الكفار، وقيل للعذاب وفي أيديهم مطارق الحديد (أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ)، أي قائلين لهم أخرجوا أنفسكم من هذه الغمرات التي وقعتم فيها، أو: أخرجوا أنفسكم من أيدينا وخلصوها من العذاب، أو: أخرجوا أرواحكم لنقبضها من أجسادكم وسلموها إلينا، (بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ) أيِ .. ، قولكم هذا، من إنكار إنزال اللّٰه كتبه على رسله وبسبب ادعائكم أن لله شركاء، (وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) عن التصديق لها والعمل بها، فكان ما جوزيتم به من عذاب الهوان جزاء وفاقًا. [٩٤] (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى)، واحدًا واحدًا، كل واحد منفرد عن أهله وماله [ومن ينصره] وما كان يعبده مِن دون الله، فلم ينتفع بشيء من ذلك، (كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةِ) أي: على الصفة التي كنتم عليها عند خروجكم من بطون أمهاتكم، حفاة عراة غرلًا (وَتَرَكْتُمْ خَوَّلْنَاكُمْ)، أي: أعطيناكم، والخول ما أعطاه اللّٰه للإنسان من متاع الدنيا، فلم تأتونا بشيء منه، ولا انتفعتم به بوجهٍ من الوجوه (وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ)، أي: الذين عبد تموهم وقلتم (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى) و (زَعَمْتُمْ أنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لله يستحقون منكم العبادة كما يستحقها (لَقَدْ تَقَطّعَ بَيْنِكُمْ)، أي: تقطع الوصل بينكم أنتم وشركاؤكم، (وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) من الشركاء والشرك، وحيل بينكم وبينهم. [٩٥] (إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَ ،النَّرَى)، فالق الحب فيخرج منه صفحة 140 الزرع، وفالق النوى فيخرج منه الشجرة، والنوى: جمع نواة، يطلق على كل ما فيه عَجَمٌ كالتمر والمشمش والخوخ (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ)، أي: يخرج الحيوان من مثل النطفة والبيضة وهي ميتة، (وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ) مخرج النطفة والبيضة وهي ميتة من الحي، أو المعنى: يخرج المؤمن من الكافر بالولادة، ويخرج الكافر من المؤمن كذلك، (ذَلِكُمُ) أي: صانع ذلك الصنع العجيب المذكور سابقًا هو (اللهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)، فكيف تصرفون عن الحق مع ما ترون من بديع صنعه وكمال قدرته؟ [٩٦] (فَالِقُ الْإِصْبَاحِ)، أي: فالق ظلمةِ الإصباح، وهي الغبش، عن بياض النهار (وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا) يسكن فيه الناس عن الحرِكة في معاشهم، ويستريحون من التعب والنصب، (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا) أي: جعلهما محل حساب الأيام، الذي تتعلق به مصالح العباد؛ لأن سيرهما على تقدير لا يزيد على مدى الدهور والأعصار ولا ينقص، ليدل عباده بذلك على عظيم قدرته وبديع صنعه {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)، ومن جملة معلوماته تسييرهما على هذا التدبير المحكم [٩٧] (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا)، أي: خلقها للاهتداء بها (فِي ظُلُمَاتٍ) الليل عند المسير في (الْبَرِّ وَالْبَحْرِ)، عند اشتباه طرقهما التي لا يهتدى فيها إلا بالنجوم، وهذه إحدى منافع النجوم التي خلقها اللّٰه لها. [٩٨] (وَهُوَ الّذِي أنْشَأْكُمْ مِنْ نَفْسِ وَاحِدَةٍ) أي: آدم (فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ )، فلكم مستقر على ظهر عَ اليَامر الأرض ما دمتم أحياء، ومستودع، أي: مكان تحفظ فيه أبدانكم في باطن الأرض بعد موتكم، وقيل: المستقر ما كان في الرحم، والمستودع ما كان في الصلب [٩٩](وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً)، هو ماء المطر ( فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ) ، يعني: كل صنف من أصناف النبات المختلفة (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا) أي: أخضر، والخضر: رطب البقول (نُخْرِجُ مِنْهُ حَبَّا مُتَرَاكِبًا) أي: مركبًا بعضه على بعضه كما في السنابل، (وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ) أي: ويخرج بأمر اللّٰه تعالى من طلع النخل عُذوقَه، وهي عناقيده، والدانية القريبة التي ينالها القائم والقاعد. قال الزجاج: المعنى منها دانية، ومنها بعيدة، فحذف، (وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهِ) متشابه في الحجم واللون، وغير متشابه في الطع : أ. هم سبحانه بأن ينظروا نظر اعتبار إلى ثمره إذا أثمر وإلى ينعه إذا أينع [أي: إدراكه ونضجه حين يكون ملائمًا لأبدانهم كل الملاءمة] (إِنَّ فِي ذَلِكُمْ) ما تقدم ذكره مجملاً ومفصلا. [١٠٠](وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْحِنَّ)، أي: جعلوا الجن شركاء لله، فعبدوهم وعظموهم، كما عبدوه وعظموه، (وَخَلَقَهُمْ) أي: وقد علموا أن اللّٰه خلق الجن، أو: خلق ما جعلوه شريكًا لله (وَخَرَقُوا لَهُ بَنينَ وَبَنَاتٍ)، أي: اختلقوا واخترعوا؛ لأن المشركين ادعوا أن الملائكة بنات الله، والنصارى ادعوا أن عيسى ابن اللّٰه (بِغَيْرِ عِلْم)، بل عن جهل خالص (سُبْحَانَهُ) ، أي: تنزيهًا له وتقديسًا ( وَتَعَالَى) تباعد وارتفع عن قولهم الباطل الذي وصفوه به. [١٠١] (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، أي: مبدعهما [على غير مثال سبق، على هذا الوضع المتقن] ( أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدُ) أي: من كان هذا وصفه، وهو أنه خالق السماوات والارض وما فيهما كيف يكون له ولد؟ وكيف يتخذ ما يخلقه ولدًا ؟ (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ))، والصاحبة الزوجة، وإذا لم توجد الزوجة استحال وجود الولد، (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ )... . الملائكة والمسيح وعُزير. صفحة 141 [١٠٢](ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ)، أي: المتصف بالأوصاف العليّة السابقة هو ربكم لا رب لكم غيره من الأصنام والأنداد (فَاعْبُدُوهُ)، أي: فهو الحقيق بالعبادة، ولا تعبدوا غيره. [١٠٣ ] (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) أي: أنه تعالى لا يراه أحد في هذه الدنيا، لا تبلغ كنه حقيقته الأبصار، ويراه المؤمنون في الآخرة من غير إحاطةٍ به، لقوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ). والرؤية في الآخرة قد ثبتت بالأحاديث المتواترة تواترًا لا شك فيه ولا شبهة، (وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) يحيط بها ويبلغ كنهها، لا تخفى عليه منها خافية، (وَهُوَ اللَّطِيفُ) أي: الرفيق بعباده [وقيل: اللطيف من يُدْرِك الأسرار بيسر] و (الْخَبِيرُ) الذي أحاط بالأشياء علمًا ظواهرها وبواطنها. [١٠٤ ] (قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبَّكُمْ)، حجج وبراهين واضحة، من عَقَلها أبصر الحق، وذلك فيما أورده القرآن في هذه السورة وغيرها (فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ) فمن تعقَّل الحجة وأذعن لها فنفْعُ ذلك لنفسه (وَمَنْ عَمِيَ)، عن الحجة ولم يتعقلها ولا أذعن فضرر ذلك على نفسه (وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ)، برقيب أحصي عليكم أعمالكم، وإنما أنا رسولٌ أَبلغكم رسالات ربي وهو الحفيظ عليكم. [١٠٥] (وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ)، في الوعد الوعيد، والوعظ والتنبيه (وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ)، وسوف يقول المشركون إذا سمعوا هذا البيان إنك يا محمد لم تآت بهذا وإنما درست علم أهل الكتاب وتعلمت منهم، (وَلِنْبَيَّنَهُ) أي: القرآن. [١٠٦] (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ)، أمره اللّٰه ألا بشغل خاطره بهم، بل يشتغل باتباع ما أمره الله، (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) وهذا قبل نزول آية القتال. ١٠٧ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكُوا)، أي: إن اللّٰه تعالى قادرٌ أن يجعلهم كلهم مؤمنين غير مشركين، فالأمر بيده، فلا تحرص عليهم كل الحرص، وفيه أن الشرك بمشيئة اللّٰه سبحانه: (وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) أي: رقيبًا (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) أي: قيِّم بما فيه نفعهم فتجلبه إليهم، يس عليك إلا إبلاغ الرسالة. [١٠٨] وَلَا تَسُبّوا الذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا الله عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْم)، أي: لا تسبوا آلهة المشركين وأصنامهم وإن كانت أحقر شيء وأحقّه بالسبّ لئلا يسبوا اللّٰه عدوانًا وتجاوزًا عن الحق، وجهلًا منهم بما يجبُ له تعالى من التقديس، ( كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ) ١٠٠٦ أفظع حال من زُيِّنَ له أن يسب ربه تبارك وتعالى وتقدس انتصارًا لصنم أو طاغوت]، وقد ورد في الصحيح أن رسول اللّٰه وَلِفِيِ قال: ((ملعون من سب والديه، قالوا: يا رسول اللّٰه وكيف يسب الرجل والديه؟ قال يسب أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمه» فكيف بمن تسبَّب إلى سبِّ اللّٰه تعالى وتقدَّسٍ. [١٠٩] (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَيِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيَؤْمِنُنَّ بِهَا)، أي: حلفوا بالله أَشد أيمانهم التي بلغتها قدرتهم، [ أنه إذا جاءهم محمد وعَلِيّي بمعجزة واحدة لسوف يؤمنون به]، وقد كانوا يعتقدون أن اللّٰه هو الإله الأعظم، فلهذا أقسموا به، (قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللهِ) هذه الآيات التي تقترحونها وغيرها، ليس عندي من ذلك شيء، فهو سبحانه إن آراد إنزالها انزلها، وإن أراد ألا ينزلها لم ينزلها (وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ)، أي: وما يدريكم أيها المؤمنون بأنهم يؤمنون بها إذا جاءتهم. إنهم لن يؤمنوا، هذه هي الحقيقة أخبرتكم بها، فلا تحرصوا عليهم. عن محمد بن كعب القرظي قال: ((كلم رسول اللّٰه والي قريشًا، فقالوا: يا محمد: تخبرنا أن موسى كان معه عصا يضرب بها الحد ،، أن عيسى كان يحيي الموتى. صفحة 142 وأن ثمود لهم ناقة، فأتنا من الآيات حتى نصدقك، فقال رسول اللّٰه وَالِيه: ((أي شيء تحبون أن آتيكم به))، قالوا: جعل لنا الصفا ذهبًا، قال: فإن فعلت تصدقوني؟ قالوا: نعم والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون، فقام رسول اللٰه وَالِّهِ. يدعو، فجاءه جبريل، فقال له: إن شئت أصبح ذهبًا، فإن لم بصدقوا عند ذلك لنعذبنهم، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم. فقال: بل يتوب تائبهم، فأنزل اللّٰه هذه الآية». [١١٠] (وَنُقَلَّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ)، يوم القيامة على لهب النار وحر الجمر، وقال ابن عباس: لما جحدوا ما أنزل اللّٰه لم تثبت قلوبهم على شيء. ورُدَّت عن كل أمر ( كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ)، فتقلبوا في آرائهم في القرآن، وقالوا فيه أقوالًا مختلفة، (وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) في الدنيا، أي: نمهلهم ونتركهم متحيرين. ١١١](وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ)، حتى يروهم عيانًا، وكلموهم وأخبروهم بصدقك كما اقترحوه (وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى)، الذين يعرفونهم بعد إحيائنا لهم، فقالوا لهم: إن هذا النبي صادق مرسل من عند اللّٰه فآمنوا به، (وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ) ما سألوه من الآيات (قُبُلًا) أي: مواجهة، أو جماعة جماعة (مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ»، [أي: فلا تكترث لعدم إيمانهم وبلِّغهم كَما أُمِرْتَ] (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ) [ ذلك فلا يلتجئون إليه تعالى ملتمسين الهداية]. [١١٢] (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلَّ نَبِيِّ عَدُوًّا))، المعنى: كما ابتليناك بهؤلاء فقد ابتلينا الأنبياء من قبلك، فجعلنا لكل واحد منهم عدوًا من كفار زمنهم (شَيَاطِينَ الْإِنْسِ) من الكهان والسحرة ورؤساء الكفر الذين لا يخافون الله، (وَالْجِنِّ) شياطينهم ولد إبليس لعنه الله، يضلون سائر الجن، ويضلون الإنس (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) يوسوس بعضهم لبعض، خفية بينهم، وجعَلَ تمويههم (زُخْرُفَ الْقَوْلِ)، لتزيينهم إياه (غُرُورًا) [ يخدع به بعضهم بعضًا ]. [١١٣] (وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْتِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ) [أي: تميل إلى الباطل وإلى زخرفة شياطين الإنس والجن قلوب أهل الباطل وعشاق الدنيا] (وَلِيَرْضَوْهُ) لأنفسهم بعد الإصغاء إليه، (وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ» من الآثام. ١١٤] (أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا )، أمره اللّٰه تعالى أن ينكر عليهم ما طلبوه منه، من أن يجعل بينه وبينهم حكمًا فيما اختلفوا فيه، وإن اللّٰه هو الحك ١.-١١ بينه وبينهم (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلَا)، مبينًا واضحًا مستوفيًا لكل قضية على التفصيل (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ)، وإن أظهروا الجحود والمكابرة فإنهم (يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقَّ)، أي: يعلمون أن القرآن منزل من عند الله، بما دلتهم عليه كتب اللّٰه المنزلة كالتوراة والإنجيل، (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) [أي: لا يدخل في صدرك شيء من الشك بسبب اقتراحهم وعدم مجيء الآيات التي يطلبونها]. [١١٥ ]وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ)، أي: إن اللّٰه قد أتم وعده ووعيده، وأنزل شرعه، فظهر الحق، وانطمس الباطل (صِدْقًا وَعَدْلًا) [صدقا في الأخبار، وعدلا في الأوامر والأحكام] (لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ)، لا خلف فيها ولا مغيّر لما حكم به. [١١٦] (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ)، لأن عادة اللّٰه في خلقه جرَتْ على أن الحق لا يكون إلا بيد الأقلين [أما أكثر الناس فإنهم يتبعون في أمور الدين أهواءهم] (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظِّنَّ)، الذي لا أصل له، وهو ظنهم أن معبوداتهم تستحق العبادة، وأنها تقربهم إلى الله، (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُهُ . نَ أي: يحدسون ويقدِّرون. صفحة 143 [١١٨] ( فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ»، أي: لا تحرِّموا منه على أنفسكم شيئًا، ولا نمتنعوا عن أكله تديُّنًا، لأن كل ما ذكر الذابح عليه اسم اللّٰه فهو حلال، إن كان مما لم يحرِّم اللّٰه أكله (إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ)، بأحكامه من الأوامر والنواهي. [١١٩] (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) أي: ما المانع لكم من أكل ما سميتم عليه بعد أن أذن لكم بذلك؟ (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) أي: بيَّن لكم المحرمات من الأطعمة بيانًا مفصلا يدفع الشك، ويزيل الشبهة بقوله: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ..) إلى آخر الآية {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ)، أي: من جميع ما حرمه عليكم، فإن الضرورة تبيح الحرام (وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمِ )، هم أئمة الكفار الذين كانوا يحرمون البحيرة والسائبة ونحوهما كانوا يضلون الناس فيتبعونهم، ولا بعلمون أن ذلك جهل وضلالة [وهكذا في كثير من الشعوب تحريمات راجعة إلى الهوى والجهل]. [١٢٠](وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْم وَبَاطِنَهُ)، الظاهر: كأفعال الجوارح، والباطن: كأفعال القلب، وقيل: ما أعلنتم وما أسررتم، وقيل: الزنا الظاهر والزنا المكتوم (إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ)، توعّد الكاسبين للآثام ومنتهكي المحارم بالعذاب جزاء لهم على اقترافهم لها محادّة لله تعالى. [١٢١] ( وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) كالميتات، وما ذبح على اسم غير الله، وأما ما ذبحه المسلم: فإن ترك التسمية عمدًا فما ذبحه حرام أكله عند الجمهور، وإن تركها نسيانًا لم يضر، وقال الشافعي وغيره: التسمية مستحبة وليست واجبة، وإن تركها المسلم ولو عمدًا لم يضر. فإن اسم اللّٰه على كل مسلم وقيل: الآية واردة في الميتات التي لم تذبح أصلاً، وفيما ذبح لغير الله، (وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) أي: إن أكل ما ذبح على اسم غيرِ اللهِ وأكل الميتة ونحوها خروج عن أمر اللّٰه تعالى وحكمه، (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ) يلقون إليهم بالشبه، ما يستندون إليه في مجادلتكم كقولهم: ((أنتم لا تأكلون مما قتل اللّٰه وتأكلون مما قتلتم أنتم)» (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ) فيما يأمرونكم به وينهونكم عنه (إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)، مثلهم. ومن اعتقد إحلال ما حرّم اللّٰه يقينًا فقد كفر. عن ابن عباس قال: لما نزلت الآية: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) أرسلت فارس إلى قريش أن خاصموا محمدًا، فقولوا له: ما تذبح أنت بيدك بسكين فهم -٦) .، وما ذبح اللّٰه بشمشار من ذهب: يعني الميتة، فهو حرام؟ فنزلت الآية. [١٢٢] (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتَا فَأْحْيَيْنَاهُ)، كان كافرًا فهديناه إلى الإسلام (وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ)، والنور عبارة عن الهداية والإيمان، وقيل: هو القرآن، وقيل: الحكمة، فصاحب القرآن والحكمة يسير في أمور حياته بين الناس على صيرة من ربه (كَمَنْ مَثَلَهُ فِي الظلَمَاتِ، ظلمات الكا والضلال (لَيْسَ بِخَارجُ مِنْهَا)، [لن يتاح له أن ينسلخ من الكفر والضلالة]. عن زيد بن أسلم في تفسير هذه الآية قال: نزلت في عمر بن الخطاب، وأبي جهل بن هشام، كانا ميتين في ضلالتهما، فأحيا اللّٰه عمر بالإسلام وأعزَّه، وأقرَّ أبا جهل في ضلالته وموته، وذلك أن رسول اللّٰه وَالِيّية دعا فقال: «اللهم أعِزّ الإسلام بأبي جهل بن هشام، أو بعمر بن الخطاب»، [أي: فاستجيب له في عمر اَة (كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، أي: قد زيّن الشيطان للكافرين وحسن في أعينهم ما يفعلونه من عبادة الأصنام وأكل الميتة وفعل المنكرات وهو أقبح القبائح لو يعقلون. [١٢٣] (وَكَذَلِكَ جَهَاْذَا ة كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا)، صفحة 144 هم الرؤساء والعظماء. وخصهم بالذكر لأنهم أقدر على الفساد، (لِيَمْكُرُوا فِيهَا) المكر: الحيلة في مخالفة الاستقامة، (وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنَّفُسِهِمْ)، أي: وبال مكرهم عائد عليهم، (وَمَا يَشْعُرُونَ) بذلك لفرط جهلهم وسيرهم مع أهوائهم. [١٢٤] (وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ)، أي: إذا أخبرت الأكابر والرؤساء من قريش بشيء من الآيات التي أنزلها اللّٰه عليك (قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللّهِ} يريدون أنهم لا يؤمنون حتى يكونوا أنبياء، (اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) وقد اختار أن يجعل الرسالة في محمد صفيه وحبيبهِ، أي: فدعوا طلب ما ليس من شأنكم، (سَيُصِيدُ الَذِينَ أجْرَمُوا صَغَارُ) أي: ذل وهوان، فإن هؤلاء الأكابر لم يقولوا ما قالوه إلا بسبب ما في قلوبهم من الكبر . [١٢٥] (فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَام)، يوسع صدره حتى يقبله بصدر منشرح. ورد عن أبي جعفر المدائني، قال: ((سئل النبي وَالِيِ عن هذه الآية، قالوا: كيف ينشرح صدره يا رسول الله؟ قال: («نور يُقذف فيه فينشرح له وينفسح)) قالوا: فهل لذلك من علامةٍ يعرف بها؟ قال: ((الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت))، أخرجه عبد الرزاق وابن جرير وغيرهما، وهو حديث ضعيف لكونه مرسلًا وله شواهد، (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا) لا مكان فيه للإيمانِ والهداية (حَرَجًا) قال الزجاج: الحرج أضيق الضيق (كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) إذا تكلف الإيمان فكأنما يتكلف صعود السماء [والصواب في تفسيرها أن من صعد في السماء يحس بأشد الضيق في صدره وقرب الاختناق لقلة الهواء. وهذا التشبيه من معجزات القرآن، فلم ينكشف معناه الصحيح إلا في هذه العصور المتأخرة]. وكذلك من يُدعى إلى الإسلام وقد قدر عليه الضلال، يجد أشد الضيق لذلك، (كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّٰه الرِّجْسَ) النتن، وقيل: هو العذاب [١٢٧ ] (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ)، الجنة؛ لأنها دار السلامة من كل مكروه، وَهُوَ وَلِيُّهُمْ) أي: ناصرهم [والمتولي أمرهم حتى يدخلوا الجنة آمنين من كل ظلم وكل مكروه] (بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) بسبب أعمالهم الطيبة. [١٢٨] (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا)، أي: يحشر البشر والجن كلهم (يَا مَعْشَرَ الْحِنِّ) أي: يوم الحشر يقول اللّٰه تعالى لهم: يا جماعة الجن (قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ) من إغوائهم وإضلالهم حتى د ١..ا في حكم الأتباع لكم، فحشرناهم معكم. وقيل: المراد بالاستمتاع التلذذ من الجن بطاعة الإنس لهم ودخولهم فيما يريدون منهم، (وَقَالَ أَوْلِبَاؤُهُمْ مِنَ الإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ ) واستمتاع الإنس بالجن حيث قبلوا منهم تحسين المعاصي، فوقعوا فيها وتلذذوا بها. ومنه أيضًا أن كهان الجاهلية ومن شاكَلَهم كانوا يصدّقون الجن فيما يلقونه إليهم ويتلذذون بذلك، وينالون به شيئًا من حظوظ الدنيا، (وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا) أي: يوم القيامة، اعتراف منهم بالوصول إلى ما وعدهم اللّٰه مما كانوا يكذبون به، (قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ) أي: موضع مقامكم (خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ) إلا في الوقت الذي يشاء اللّٰه عدم بقائهم فيها، عن ابن عباس قال: في هذه الآية: لا ينبغي لأحد أن يحكم على اللّٰه في خلقه، لا ينزلهم جنة ولا نارًا. [١٢٩] (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا))، نسلط ظَلَمة الجن على ظلمة الإنس، ونسلط بعض الظلمة على بعض، فيهلكه ويذله. عن الأعمش قال: سمعتهم يقولون: إذا فَسَد الزمان أَمِّر عليهم شِرارُهم. وقال فضيل بن عياض: إذا رأيت ظالمًا ينتقم من ظالم فقف وانظر متعجبًا (بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، بسبب كسبه. 11أ :. ب وَلَيْنَا بعضهم بعضًا. صفحة 145 [١٣٠](يَا مَعْشَرَ الْحِنِّ وَالْإِنْسِ)، أي: يوم نحشرهم نقول لهم (أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ) [أي: من الإنس يتلون كتب اللّٰه على الإنس والجن] (يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي) أي: يتلونها عليكم (قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنَّفُسِنَا)، هذا إقرار منهم بأن حجة اللّٰه لازمة لهم بإرسال رسله إليهم، (وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) فصرفتهم عن الإيمان بالرسل، ألهتْهُم بزخرفها وزينتها فمالت قلوبهم إليها، حتى دعاهم ذلك إلى تكذيب الرسل، (وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) شهادة أخرى منهم على أنفسهم ب (أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) في الدنيا بالرسل المرسلين إليهم، والآيات التي جاءوا بها. [١٣١] (ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمِ )، ما كان اللّٰه مهلك أهل القرى بظلم منه، فهو يتعالى عن الظلم، بل إنما يهلكهم بعد أن يستحقوا ذلك، وترتفع الغفلة عنهم بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين. [١٣٢] (وَلِكُلَّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) أي: لكل من الجن والإنس درجات متفاوتة في الآخرة، في الجنة والنار حسب أعمالهم. [١٣٣] (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ)، أي: هو سبحانه المستغني عن خلقه لا يحتاج إليهم ولا إلى عبادتهم، لا ينفعه إيمانهم ولا يضره كفرهم. ومع كونه غنيًّا عنهم فهو ذو رحمة بهم، والرحمة لهم مع كمال الغنى عنهم هو غاية الكرم والفضل (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ )، أيها العباد العصاة، فيستأصلكم بالعذاب (وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ) أي: من بعد إهلاككم (مَا يَشَاءُ) من خلقه ممن هو أطوع له منكم (كَمَا أَنَشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْم آخَرِينَ) قيل: هم أهل سفينة نوح. [١٣٤ ] (إِنّ مَا تُوعَدُونَ* من البعث والمجازاة (لَآتٍ) لا محالة، فإن اللّٰه لا يخلف الميعاد، (وَمَا أَنْتُمْ مُعْجِزِينَ) لن تفوتوني عما هو نازل بكم من العذاب. [١٣٥] (قُلْ يَا قَوْم اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ)، أي: اثبتوا على ما أنتم عليه، فإني غير مُبالٍ بكم ولا مكترث بكفركم، بل إني ثابت على ما أنا عليه (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ) النصر في دار الدنيا، ووراثة الأرض، ومن له الدار الآخرة. ١٣٦] (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا )، الكلام مع كفار العرب، أي: جعلوا لله سبحانه مما خلق [من زروعهم وثمار أشجارهم] ونتاج دوابهم نصيبًا، ولآلهتهم نصيبًا من ذلك، يصرفونه إلى سَدَنتها والقائمين بخدمتها، فإذا ذهب ما لآلهتهم بإنفاقه في ذلاء .. .،. نموا عنه ما جعلوه لله، وقالوا: اللّٰه غني عن ذلك (فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللهِ أي: إلى المصارف التي شرع اللّٰه الصرف فيها، كالصدقة، وصلة الرحم، وقِرى الضيف (وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ)، أي: يجعلونه لآلهتهم وينفقونه في مصالحها، (سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) في إيثار آلهتهم على اللّٰه سبحانه. [١٣٧] (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ)، أي: حسَّن الشياطين في أعين أهل الجاهلية قتل الأولاد. وقيل: شركاؤهم هاهنا هم الذين كانوا يخدمون الأوثان [من الكهنة وسدنة الأصنام] زينوا لهم دفن البنات مخافة السبي والحاجة، وقتل الأولاد مخافة الفقر. وكان الرجل يحلف بالله لئن وُلد له كذا من الذكور لينحرَنَّ أحدهم، كما فعله عبد المطلب، (لِيُرْدُوهُمْ) أي: ليهلكوهم بقتل الأنفس البريئة المحرمة، (وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ) ليخلطوه عليهم فلا يعلمون ما هو مشروع مما ليس بمشروع، (وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا فَعَلُوهُ) أي: إن هذا الإجرام منهم واقع بإرادة الله الكونية لحكمةٍ يعلمها، (فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) أي: فاتركهم وافتراءهم على اللّٰه الكذد ،، ذان. ذلك لا يضرك. صفحة 146 [١٣٨] (وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ)، أي: حرام لمنوعة، يعنون أنها لأصنامهم، لا يأكل منها إلا من بشاءون بزعمهم، وهم خدام الأصنام كما يزعمون أن ذلك دين لهم، (وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا) وهي البحيرة والسائبة والحامي. فهذه الأنواع من الأنعام كانوا بجهلهم بحرمون ركوبها أو الحمل عليها، (وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا) وهي ما ذبحوا لآلهتهم، فإنهم يذبحونها باسم أصنامهم لا باسم الله، وقيل: إن المراد لا يحجون عليها (افْتِرَاءً عَلَيْهِ) أي: كذبوا بادّعائهم أن هذا من دين الله. [١٣٩] (وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ)، يعنون البحائر والسوائب، من الأجنَّة، عن ابن عباس قالَ: كانت الشاة إذا ولدت ذكرًا ذبحوه، فكان للرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تركوها فلم تذبح، وإن كانت ميتة كانوا فيها شركاء، وخَالِصَا لِذُكُورنَا) أى: حلال لهم (وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا) وهن النساء، فيدخل في ذلك البنات والأخوات ونحوهن. وقيل: هو اللبن، جعلوه حلالًا للذكور، ومحرمًا على الإناث، (وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً) أي: وإن يكن الذي في بطون الأنعام ميتة (فَهُمْ فِيهِ) أي: في الجنين الميت (شُرَكَاءُ) يأكل منه الذكور والإناث، ( سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ) أي: سيجزيهم بقولهم هذا ما يستحقون. [١٤٠] (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا)، أي: قتلوا بناتهم بالوأد الذي كانوا يفعلونه سفهًا، وهو الطيش والخفة، لا لحجة عقلية ولا شرعية، (وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ الله ) من الأنعام التي سموها بحائر وسوائب (افْتِرَاءً عَلَى اللهِ كذبًا عليه، فإن اللّٰه لم يحرم من هذا شيئًا. [١٤١](وَهُوَ الّذِي أَنْشَأ جَنَّاتٍ)، أي: خلق البساتين (مَعْرُوشَاتٍ) مرفوعات على الأعمدة (وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ)، أي: وخلق جناتٍ أخرى غير مرفوعات عليها. وقيل: المعروشات ما انبسط على وجه الأرض مما يعرش، مثل: الكرم، والزرع، والبطيخ، وغير المعروشات ما قام على ساق مثل النخل وسائر الأشجار، (مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ) في الطعم [أي: ختلف ثماره وما يؤكل منه من ورق أو حب، يمتن اللّٰه تعالى بما في اختلاف الأطعمة من الرفق بعباده] (وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ أي: وأنشأ الزيتون والرمان (مُتَشَابِهًا وغَيْر مُتَشَابِهِ)، وقد تقدم الكلام على تفسير هذا في (الآية: ٩٩) (إِذَا أَثْمَرَ) ، وإن لم يدرك (وَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) قيل: هي في زكاة الزرع والثمر، وقيل: يجب على المالك يوم الحصاد أن يُعطي من حضر من المساء . الة خمة والضغث ونحوهما، (وَلَا تُسْرِفُوا) أي: في [الأكل أو] في التصدق. [١٤٢ ] (وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًّا)، أي: وأنشأ لكم من الأنعام، وهي الأصناف الثمانية الآتي ذكرها، حمولة وفرشًا. والحَمولة: ما يحمل عليها، وهو يختص بالإبل، والفَرْش: ما يتخذ من الوبر والصوف والشعر فراشًا يفترشه الناس. وقيل: الحمولة الإبل، والفَرْش: الغنم، وقيل: الحمولة كبار الإبل والفرش: صغارها التي لا يحمل عليها، (كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ) من هذه الأشياء، (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) كما فعل المشركون، من تحريم ما لم يحرمه الله، وتحليل ما لم يحلله. [١٤٣ ] (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ)، يعني ثمانية أفراد؛ لأن كل واحد من الذكر والأنثىّ زوج بالنسبة إلى الآخر، ويقال لهما أيضًا: زوجان ( مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ) ذكر وأنثى، والضأن: ذوات الصوف من الغنم (وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ)، والمعز من الغنم خلافِ الضأن، وهِي ذوات الأشعار والأذناب القصار (قُلْ الذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ)، المراد بالذكرين: الكبش والت .. ٠م الأنثيين: النعجة والعنز، صفحة 147 والمعنى: الإنكار على المشركين في أمر ما حرَّموه منها ( نَبَئُونِي بِعِلْمٍ)، أي: بعلم مستند إلى خبر مُخْبِر صادق (إِنْ كُتُمْ صَادِّقِينَ) أي: إن كنتم صادقين فهاتوا الدليل من كلام اللّٰه تعالى. [١٤٤] (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللهُ بِهَذَا)، أي: إن لم يكن بيدكم مستند علم، فهل كنتم شهداء حاضرين مشاهدين إذ وصَّاكم اللّٰه بهذا التحريم؟ (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا)، أي: لا أحد أظلم ممن افترى على اللّٰه كذبًا، فحرم شيئًا لم يحرمه الله، ونسب ذلك إليه افتراء عليه، كما فعله كبراء المشركين [وفي هذه الآية بيان عِظَم إثم من يحرم شيئًا مما خلقه اللّٰه بغير مستند صحيح]. [١٤٥](قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أَوحِيَ إِلَىَّ مُحَرَّمَا)، فدل ذلك على انحصار المحرمات فيها، لولا أنها مكية؛ وقد نزل عدها بالمدينة سورة المائدة وزيد فيها على هذه المحرمات: المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبُع، والخمر؛ وورد عن رسول اللّٰه وَلِيِ تحريم كل ذي نابٍ من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وتحريم الحُمُر الأهلية. ولكن قد روي عن ابن عباس وعائشة: أنه لا حرام إلا ما ذكره اللّٰه في هذه الآية ( عَلَى طَاعِمِ يَطْعَمُهُ ) أي: من المأكولات والمشروبات (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً) وهي غير المذكَّى {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا)، أي: جاريًا، أما غير المسفوح فهو معفو عنه كالدم الذي يبقى في العروق بعد الذبح، ومنه الكبد والطحال، وهكذا ما يتلطخ به اللحم من الدم عند الذبح (أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرِ فَإِنَّهُ)، أي: الخنزير (رِجْسٌ)، والرجس: النجس (أَوْ فِسْقَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ) أي: ذبح على الأصنام (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ) قد تقدم تفسيره في (سورة البقرة الآية: ١٧٣) عَن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء، ويتركون أشياء تقذّرًا، فبعث اللّٰه نبيه، وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، ثم تلا هذه الآية، {فَإِنّ رَبَّكَ غَفْورٌ رَحِيمُ* آي: للمضطر إن أكل. [١٤٦ ] (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا) [أي: والذي حرمناه في التوراة هو هذا، فمن أين لأهل الجاهلية تحريم ما حرموه وليس في التوراة ولا في القرآن] (حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرِ)، عن مجاهد قال: هو كل شيء لم تنفرج قوائمه من البهائم، وما انفرج أكلته اليهود، قال: انفرجت قوائم الدجاج والعصافير، فيهود تأكله، ولم ينفرج خف البعير ولا النعامة، ولا قائمة الوز، فلا :أكا " هود الإبل ولا النعام، ولا كل شيء لم تنفرج قائمته كذلك، (وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا) هو شحم الكلية والشحمَ الرقيقَ الذي يكون على الكرش، ثم استثنى اللّٰه سبحانه من الشحوم ما حملت ظهورهما من الشحم، فإنه لم يحرمه اللّٰه عليهم (أَوِ الْحَوَايَا)، وهي المباعر التي يجتمع البعر فيها، فما حملته من الشحم غير حرام عليهم، (أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمِ) ما لصق بالعظام من الشحوم في جميع مواضع الحيوان، ومنه الآلية فإنها لاصقة بعجب الذنب {ذَلِكَ) التحريم (جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ ) بظلمهم [أي: وهذه الأشياء التي حرمت على اليهود ولم تحرم في القرآن، هي من الطيبات لكنها حرمت عليهم عقوبة لهم على بغيهم]. [١٤٧ ](فَإِنْ كَذَّبُوكَ)، أي: فإن كذبك اليهود، وقيل المراد: فإن كذبك المشركون الذين قسَّموا الأنعام إلى تلك الأقسام، وحللوا بعضها وحرموا بعضها (فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ) ومن رحمته حلمه عنكم، وعدم معاجلته لكم بالعقوبة (وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) إذا أنزله .*. . ... حقوا المعاجلة بالعقوبة. صفحة 148 [١٤٨](سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا)، مشركو قريشِ وغيرهم، يريدون أن ما فعلوه حق، ولو لم يكن حقّا لأرسل اللّٰه إلى آبائهم رسلا يأمرونهم بترك الشرك، وبترك التحريم لما لم يحرمه الله، والتحليل لما يحرِّمه (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي: بمثل هذه الحجة كذب الذين من قبلهم بالمرسلين إليهم {حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا)، أي: العذاب الذي أنزلناه بهم (قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمِ )، أي: دليل يدل على أن اللّٰه رضي منكم أن تشركوا به، وتحللوا وتحرموا من دونه، وأما مجرد وقوعٍ الفساد منكم فلا يدل على رضاه عنكم (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظِّنَّ) أي: ما يتبعون إلا الظن الذي هو محل الخطأ ومكان الجهل (وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا خْرُصُونَ) أي: تتوهمون مجرد توهم. [١٤٩] {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ))، التي تنقطع عندها معاذيرهم، وتبطل شبههم وظنونهم وتوهماتهم (فَلَوْ شَاءَ) هدايتكم جميعًا ( لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) . [١٥٠] (قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ)، أي: هاتوهم وأحضروهم، يأمرهم بإحضار الشهود على أن اللّٰه حرم تلك الأشياء (فَإِنْ شَهِدُوا) بغير علم، بل مجازفة وتعصبًا ( فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ) أي: فلا تصدقهم ولا تسلم لهم، {وَلَا تَتَّبَعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا)) أي: ولا تتبع أهواءهم، فإنهم رأس المكذبين بآياتنا، وهم يكفرون بالآخرة، (وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) أي: يجعلون له عدلًا من مخلوقاته، كالأوثان، فكيف تتبع من هكذا عقولهم؟ [١٥١ ] (قُلْ تَعَالَوْا أَثُلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ)، أقرأ عليكم الآيات المشتملة على ما حرمه اللّٰه عليكم {أَلَّا تُشْرِكُوا ) أِي: ألزمكم أو أحثكم على ألا تشركوا به، (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) بالبر بهما، وامتثال أمرهما ونهيهما، وفيه نهي عن عقوقهما، (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ) الإملاق: الفقر، فقد كانت الجاهلية تفعل ذلك بالذكور والإناث خشية الإملاق، وتفعله بالإناث خاصة خشية العار، (وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ) أي: المعاصي، ومنه الزنى (مَا ظَهَرَ) ما أعلن به منها، (وَمَا بَطَنَ) ما أسرَّ به، (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) ومن الحق قتلُها قصاصًا، وقتلها بسبب زنى المحصن، وقتلها سبب الردة، وهذه الأسباب التي ورد الشرع بها (ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ) أي: أمركم به وأوجبه عليكم. [١٥٢ ]وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيم)، أي: لا تتعرضوا له بوجه من الوجوه (إِلَّا بِ) الخصلة ااّ. هِيَ أَحْسَنُ) من غيرها، وهي ما فيه صلاح ونفع لليتيم وزيادة في ماله وحَتّى يَبْدِ شُدَّهُ بلوغه وإيناس رشده. وهو آن يكون في تصرفاته بمال سالكا مسلك الراشدين، لا مسلك أهل السفه والتبذير، (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ) أي: بالعدل في الأخذ والإعطاء عند البيع والشراء (لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا» أي: إلا طاقتها في كل تكليف من التكاليف، ومنه التكليف بإيفاء الكيل والوزن بما يمكن الاحتراز عنه في الزيادة النقصان، (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا ) في خبر أو شهادة أو جرح أو تعديل فاعدلوا فيه وتحروا الصواب، ولا تتعصبوا في ذلك لقريب ولا على بعيد، ولا تميلوا إلى صديق ولا على عدو، بل سووا بين الناس (وَلَوْ كَانَ) المقول فيه، أو المقول له (ذَا قُرْبَى) أي: صاحب قرابة لكم (وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا)، [أي: إذا عاهدتم اللّٰه أو عاهدتم بالله فأوفوا. ومن أسلم فقد عاهد اللّٰه على طاعته] (ذَلِكُمْ) ما تقدم ذكره (وَصَّاكُمْ بِهِ) أمركم به أمرًا مؤكدًا. [١٥٣ (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا ) [ السبيل الموصل إلى رضايَ، وهو دين الله]، ثم أمرهم باتباعه ونهاهم عن اتباع سائر (السُّبْلَ) أي: الأديان المتبا. ما دا (فَتَفَرَّقَ بِكُمْ ) أي: تميل بكم صفحة 149 (عَنْ سَبِيلِهِ) أي: عن سبيل اللّٰه المستقيم الذي هو دين الإسلام، وهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية والمجوسية، وسائر الملل، والبدع والضلالات من الأهواء والشذوذ. عن ابن مسعود قال: («خط رسول اللّٰه لَالِفه خطًّا بيده ثم قال هذا سبيل اللّٰه مستقيمًا، ثم خط خطوطًا عن يمين ذلك الخط وعن شماله، ثم قال: وهذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا) الآية)) . [١٥٤ ] (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ)، أي: ثم إننا قد آتينا موسى الكتاب قبل إنزالنا القرآن على محمد وَالِيه ( تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ»، أي: أتممناه على الأمر الذي هو أحسن الأمر. وقيل المعنى: تمامًا للنعمة جزاءً على إحسان موسى بطاعة اللّٰه ال: (وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءِ)، لأحكام كل شيء. [١٥٥]وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ)، الإشارة إلى القرآن، والمبارك الكثير البركة لما هو مشتمل عليه من المنافع الدنيوية والدينية، (وَاتَّقُوا) مخالفَتَهُ والتكذيب بما فيه ( لَعَلَّكُمْ)، إن قبلتموه ولم تخالفوه (تُرْحَمُونَ) برحمة الله. ١٥٦]أَنْ تَقُولُوا) أي: لئلا تقولوا (إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ) أي: التوراة والإنجيل (عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا) وهم: اليهود والنصارى، ولم ينزل علينا كتاب، (وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ) أي: عن تلاوة كتبهم بلغاتهم (لَغَافِلِينَ) أي: لا ندري ما فيها. ١٥٧٦] (أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزَلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ) ، كما أنزل على الطائفتين من قبلنا (لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ)، فإن هذه المقالة والمعذرة منهم مندفعة بإرسال محمد واليّية وإنزال القرآن عليه (فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبَّكُمْ)، أي: كتاب أنزله اللّٰه على نبيكم، وهو منكم يا معشر العرب، فلا تعتذروا بالأعذار الباطلة، وتعللوا أنفسكم بالعلل الساقطة (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللهِ) التي هي رحمة وهدى للناس (وَصَدَفَ عَنْهَا) فضَلّ بانصرافه عنها. [١٥٨] (هَلْ يَنْظُرُونَ)، أي: لا ينتظرون (إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ)، أي: ملائكة الموت لقبض أرواحهم (أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ) يوم القيامة لفصل القضاء بينهم، (أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ) أمارات الساعة الدالة على مجيئها، (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ) التي اقترحوها، وهي التي تضطرهم إلى الإيمان، كطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة التي تكلمهم (لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا) لارتفاع اليكا: .. ذلك؛ لأن الكل يرون الحق رأي العين، فيؤمنون جميعًا، فلا ينفعهم حينئذ الإيمان (لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ) أي: من قبل مجيء بعض الآيات، فأما التي قد كانت آمنت من قبل مجيء بعض الآيات فإيمانها ينفعها، (أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا) بعمل صالح قدَّمته، فمن آمن من قبل فقط ولم يكسب خيرًا في إيمانه، أو كسب خيرًا ولم يؤمن، فإن ذلك غير نافعه. قال رسول اللّه وَالِيه: ((لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها، ثم قرأ الآية». [١٥٩](إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ)، جعلوا دينهم متفرقًا، فأخذوا ببعضه وتركوا بعضه. والمراد بهم: اليهود والنصارى والمشركون، عبد بعضهم الصنم وبعضهم الملائكة، وكل من ابتدع وجاء بما لم يأمر به الله، (شِيَعًا) فرقًا وأحزابًا، فتصدق على كل قوم كان أمرهم في الدين واحدًا مجتمعًا، ثم اتبع كل جماعة منهم رأي كبير من كبرائهم يخالف الصواب، ويباين الحق، (لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) أي: أنت بريء من بدعهم وافتراقهم، وإنما عليك الإنذار (إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ) فهو مُجازٍ لهم بما تقتضيه مشيئته، (ثُمَّ) هو .. مالة امة (يُنبَتُّهُمْ) أي: يخبرهم صفحة 150 (بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) من الأعمال التي تخالف ما شرعه اللّٰه لهم وأوجبه عليه. [١٦٠] مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) وهذا ما أوجبه اللّٰه تعالى على نفسه، وقد يزيد، كمثل حبة أنبتت سبع سنابل، وورد في بعض الحسنات أن فاعلها يجازى عليها بغير حساب {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ) من الأعمال السيئة (فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا) من دون زيادة عليها، على قدرها في الخفة والعظم، فيُجزى على سيئة الشرك بخلوده في النار، وفاعل المعصية من المسلمين يُجازى عليها بمثلها مما ورد تقديره من العقوبات. وهذا إن لم بتب، أما إذا تاب أو غلبت حسناته سيئاته أو تغمده اللّٰه برحمته وتفضل عليه بمغفرته فلا مجازاة، (وَهُمْ) أي: من جاء بالحسنة ومن جاء بالسيئة (لَا يُظْلَمُونَ) بنقص ثواب حسنات المحسنين ولا بزيادة عقوبات المسيئين. [١٦١] (إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمِ) وهو ملة إبراهيم الَالم (دِينًا قِيَمًا) هو الدين المستقيم الذي لا عوج فيه (حَنِيفًا) الحنيف: المائل إلى الحق. [١٦٢] (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي)، جمع نسيكة، وهي الذبيحة، وقيل: عبادتي (وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي)، أي: ما أعمله في حياتي من أعمال الخير، ومن أعمال الخير بعد الممات بالوصية بالصدقات وأنواع القربات، وقيل المراد: نفس الحياة، ونفس الموت (لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) أي: خالصًا له. [١٦٣ ] (لَا شَرِيكَ لَهُ)، أي: لا أشرك به شيئًا في صلاتي ولا نسكي ولا محياي ولا مماتي (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)، أول مسلمي أمته. عن علي: أن النبي وَلِلِهِ كان إذا قام إلى الصلاة قال: ((وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض.. إلى قوله: وأنا أول المسلمين)). [١٦٤] (قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبَّا))، كيف أطلب غير اللّٰه ربًّا مستقلًا وأترك عبادة الله، أو كيف أطلب شريكًا لله فأعبدهما معًا، والحال أنه رب كل شيء، والذي تدعونني إلى عبادته مربوب له، ومخلوق مثلي، لا يقدر على نفع ولا ضر، (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسِ إِلَّا عَلَيْهَا} أي: فلا يقدر أحدٌ أن يكتسب لغيره ذنبًا، (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) فلا يحمل بريء ذنب غير بريء، وفيه رد لما كانت عليه الجاهلية من مؤاخذة القريب بذنب قريبة، والواحد من القبيلة بذنب الآخر، وفي الآية الأخرى: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلَّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمِ). [١٦٥] (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكِّمْ خَلَمِيِة ، الْأَرْضِ) ، خلفاء الأمم الماضية والقرون السالفة، خلفتموهم في عمران الأرض. وقيل المراد: أن هذا النوع الإنساني خلفاء اللّٰه في أرضه وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضِ دَرَجَاتٍ، في الخلق والرزق والقوة والفضل والعلم، إلى درجات متعددة (لِيَبْلَوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ)، أي: ليختبركم فيم آتاكم من تلك الأمور، (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ فإنه وإن كان في الآخرة فكل آتٍ قريب، (وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيْمٌ ) أي: كثير الغفران والرحمة لمن آمن بالله وبرسله وكتبه، واتبع ما أنزله من الهدى [وقد أكد اللّٰه تعالى حقيقة كونه غفورًا رحيمًا أشد من تأكيده لسرعة عقابه، وهذا يُبين أن رحمة اللّٰه تعالى أشد وأعظم من غضبه، وقد قال رسول اللّٰه وعَلِّة: ((لما خلق اللّٰه الخلق كتب في كتاب عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلبُ غضبي» رواه مسلم]. مسير سورة الأعراف [١] المص) قد تقدم الكلام على هذه الحروف المقطعة في أول تفسير سورة البقرة. صفحة 151 [٢] ( كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ) أي: هذا كتاب (فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ) أي: لا يكون في صدرك ضيق منه من إبلاغه إلى الناس مخافة أن يكذبوك ويؤذونك؛ فإن اللّٰه حافظك وناصرك، ولا يضق صدرك حيث لم يؤمنوا به، ولم يستجيبوا لك ( فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ)، وقيل المراد: لا يكن في صدرك شك ولا لَبْس في كون هذا القرآن كتاب اللّٰه أنزله إليك لدعوة عباد اللّٰه إلى دين اللّٰه {لِتُنْذِرَ بِهِ) أي: أنزلنا إليك القرآن لتنذر به الناس (وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) أي: أنزلناه ليكون تذكيرًا لهم [فالكتاب بذكرهم انا بعد آن بربهم، وما يحق له من الطاعة]. [٣] اتبعُوا مَا أَنْزل إِلَيْكَمْ مِنْ رَبَكَمْ) هو القرآن العظيم، والسنة معه؛ لأنها تبيّنه وتفسره، قد قال اللّٰه تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) تعبدونهم وتجعلونهم شركاء لله، أو لا تتبعوا من دون كتاب اللّٰه أولياء تقلدونهم في دينكم، كما كان يفعله أهل الجاهلية من طاعة الرؤساء فيما يحللونه لهم ويحرمونه عليهم (قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) [أي: إن البشر يتذكرون الحق في شأن الإيمان قليلًا، وينسون ذلك أو يجهلونه كثيرًا]. [٤] (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا) أي: أردنا إهلاكها (فَجَاءَهَا بَأْسُنَا) أي: أهلكنا كثيرًا من أهل القرى المكذبة بالحق، فكان أن جاءها عذابنا (بَيَاتًا) أي: ليلًا وهم نائمون (أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) والقيلولة: الاستراحة في وسط النهار، وخص الوقتين لأنهما وقت السكون والدعة، فمجيء العذاب فيهما أشد وأفظع. [٥] ( فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) أي: فما كان دعاؤهم ربهم عند نزول العذاب إلا اعترافهم بالظلم على أنفسهم. [٦] ( قَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ) من الأمم السالفة عما أجابوا به رسلهم عند دعوتهم لهم (وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) أي: الأنبياء الذين بعثهم الله، نسألهم عما أجابتهم به أممهم، ومن أطاع منهم ومن عصى [وكل ذلك يكون معلومًا اننا ما ظلمنا اهل تلك القرى عندما أهلكناهم، بل كانوا ظالمين بتكذيبهم للرسل]. [٧] (فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمِ) أي: على الرسل والمرسل إليهم ما وقع بينهم عندً الدعوة منهم، أي: فنحن عالمون بالأمر كيف وقع بينهم حينما جاءتهم الرسل (وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ) عنهم حتى يخفى علينا شيء مما وقع بينهم. [٨] (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقَّبَ أم.. وزن أعمال العباد يوم القيامة بالميزان وزنًا حقيقيًّا طبقًا للعدل الذي لا ظلم معه (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ) أي: فمن رجحت أعماله الصالحة الموزونة. [١٠ ]وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ) أي: جعلنا لكم فيها مكانًا، وهيأنا لكم فيها أسباب المعايش. [١١]وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ) خلقنا آدم من تراب (ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) [أي: صورنا آدم، وأنتم بالتبع] وقيل: المعنى ولقد خلقنا الأرواح أولًا، ثم صورنا الأشباح (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) أمرناهم بذلك فامتثلوا الأمر، وفعلوا السجود بعد الأمر (إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) أبى السجود تكبراً. [١٢ ](قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ) السؤال: لإقامة الحجة، للتقريع والتوبيخ، وإلا فهو سبحانه عالم بذلك (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ) كان المانع له من السجود بزعمه هو اعتقاده أنه أفضل من آدم، وإنكار أن يؤمر مثله بالسجود لمثله (خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) اعتقادًا منه أن عنصر النار أفضل من عنصر الطين. [١٣] (قَالَ فَاهْبِطَ مِنْهَا) أي: من السماء التي هي محل المطيعين من الملائكة ١١أ .. ٧ يعصون اللّٰه فيما أمرهم، صفحة 152 إلى الأرض التي هي مقر من يعصي ويطيع ( فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا) فإن السماء لا تصلح لمن يتكبر ويعصي أمر ربه مثلك ( فَاخْرُجْ) أي: من الجنة {إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) من أهل الصغار والهوان على اللّه، وعلى صالحي عباده، جزاء استكبارك، وكل من تردى برداء الاستكبار، عوقب بلبس رداء الهوان والصغار، ومن لبس رِداء التواضع رفع اللّٰه قدره. ١٤] (قَالَ أَنَّظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) كأنه طلب ألا بموت أبدًا؛ لأن يوم البعث لا موت بعده، والمراد: إلى أن بعث آدم وذريته ليوم القيامة. [١٥] (قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ) أي: المُمْهلين [لا إلى يوم البعث لكن إلى يوم الصعق]، قيل: الحكمة في إنظاره: ابتلاء العباد ليعرف من يطيعه ممن يعصيه. [١٦](قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ) أي: فبسبب إضلالك إياي -حتى تركتُ السجود لآدم، فعاقبتني العقوبة المهلكة- لأجهدن في إغوائهم حتى يفسدوا سببي -كما فسدتُ بسبب تركي السجود لأبيهم. [١٧] (ثُمَّ لاتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِم وعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ) الجهات الأربع؛ لأنها هي التي يأتي منها العدو عدوه، وترك ذكر جهة الفوق والتحت، لأن الرحمة تنزل من فوقهم، أي: سوف آتيهم من كل الجهات، محاولاً إغواءهم عن صراطك المستقيم بكل وسيلة أقدر عليها (وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) لتأثير وسوستي فيهم وإغوائي لهم، فهو يضلهم عن الأعمال الصالحة ويحاول إفسادها. ١٨](قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا) من السماء أو الجنة (مَذْءُومًا) أي: مذمومًا، والمدحور: المطرود (لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ) قسم وإنذار منه تعالى لمن ترك طاعة الرحمن، واتبع سبيل الشيطان. [١٩] (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ)) أي: وقلنا: يا آدم، وهذا القول بعد إخراج إبليس من الجنة (فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا) من أي نوع من أنواع ثمار الجنة شئتما أكله (وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ) أباح لهم جميع شجر الجنة ما عدا هذه الواحدة، ولم يرد في تعيين نوعها خبر صحيح، ولا جدوى من البحث في ذلك. [٢٠] (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ) أي: حدثهما بصوت خفي (لِيُبْدِيَ لَهُمَا) أي: ليظهر لهما (مَا وُورِيَ) أي: ما سُتِرَ وغُطِّىَ (عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا) أراد الشيطان أن بسوءهما بظهور ما كان مسترًا .م* ما من عوراتهما؛ فإنهما كانا لا يريان عورة أنفسهما، ولا يراها أحدهما من الآخر. ثم قد قيل: إنما بدت عورتهما لهما لا لغيرهما (وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ) أكل (هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ) لئلا تكونا ملكين (أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ) في الجنة، أي: من الذين لا يموتون. [٢١] (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) أي: حلف لهما، وقيل: إنهما أقسما له بالقبول، كما أقسم لهما على المناصحة، أيٍ: فصدقه آدم وحوَّاء، ولم يخطر ببالهما أنه كاذب مُضِلّ. [٢٢] (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ) التدلية والإدلاء: إرسال الشيء من أعلى إلى أسفل، والمعنى: أنه أهبطهما بذلك من الرتبة العلية، وهي رتبة الطاعة والكرامة، بما خدعهما به من اليمين الكاذبة. (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْاتُهُمَا) أي: لما أكلا من الشجرة ظهرت لهما عوراتهما (وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) أخذا يقطعان الورق، قيل: هو ورق التين، ويلزقانه بعورتهما ليستراها طبقة فوق طبقة (وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا) قائلًا لهما (أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ) وهذا عتاب من اللّٰه لهما ٠٦٠. خ، حيث خالفا أمر اللّٰه صفحة 153 فأكلا من الشجرة بعينها، ولم يحذرا ما حذرهما منه وهو مكايد الشيطان، بقوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ) أي: ظاهر العداوة لا يخفيها. [٢٣] (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا) اعتراف بالذنب، وأنهما ظلما أنفسهما مما وقع منهما من المخالفة، [خلافًا لإبليس الذي لم يعتذر عن معصيته، ولم يستغفر ربه، بل استكبر]. [٢٤](قَالَ اهْبِطُوا)) والخطاب لأدم وحواء وذريتهما، ولإبليس (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٍّ جعل العداوة نوعًا من العقوبة (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرُّ) موضع استقرار {و) لكم فيها (مَتَاعٌ) تتمتعون به في الدنيا، وتنتفعون به، من المطعم والمشرب ونحوهما (إِلَى حِينٍ) إلى وقت، وهو وقت موتكم، أو المراد: إلى وقت قيام الساعة. [٢٥] قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَ جُونَ * أي: في الأرض تحيون، وفيها يأتيكم الموت، فهي داركم ومنها تخرجون إلى دار الاخرة. [٢٦] (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنَّزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ ) [وذلك من الصوف والقطن، ومما علمكم اللّٰه تعالى صناعته من سائر الملابس، امتنَّ اللّٰه بها على بني آدم؛ ليستر عوراتهم التي أبداها لهم إبليس] (وَرِيشًا) المراد بالريش هنا: لباس الزينة، أي: إن الملابس التي ألهم اللّٰه بني آدم اتخاذها حكمتها الستر والزينة (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) لباس الإيمان والعمل الصالح، والورع، واتقاء معاصي الله، والخشية من الله، فذلك خير لباس وأجمل زينة، وقيل: هو الدرع والمغفر الذي يلبسه من يجاهد في سبيل اللّٰه (ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ) [أي: إنزال الملابس وبيان لباس التقوى آيات من عند اللّٰه ]. [٢٧] (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَكُمُ الشَّيْطَانُ ) [أي: احذروا أن يفتنكم الشيطان فيغويكم عن طاعة الله، فينزع عنكم اللباس، أو التقوى، ويحرمكم من دخول الجنة، أو يسوّل لكم إظهار العورة وكشفها لمن لا يحل له، فقد فتن أبويكم] (يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا) [أوقعهما في المعصية التي كانت عقوبتها ظهور ما كان خافيًا عنهما من السواة] (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلَهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ أي: فاحفظوا أنفسكم من رؤيته لكم عراة، حيث نهاكم اللّٰه عن إبداء العورة؛ لأن من كان بهذه المثابة -يرى بني آدم من حيث لا يرونه- كان عظيم الكيد، وكان حقيقًا بأن يُحْتَرَس منه أبلغ احتراس (وقبيله) أعوانه من الشياطين وجنوده. [٢٨] (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَاا. ا مَحَاْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَهُ أَمَرَنَا بِهَا) نزلت في المشركين كانوا يطوفون بالبيت عُراةً، اقتداء بآبائهم وادعوا أنهم مأمورون بذلك من جهة اللّٰه سبحانه. ووجود آبائهم على القبح لا يسوِّغ لهم فعله، والأمر من اللّٰه سبحانه لهم لم يكن بالفحشاء، بل أمرهم باتباع الأنبياء، والعمل بالكتب المنزلة، ونهاهم عن مخالفتها (قُلْ إِنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) فكيف تدَّعون ذلك عليه سبحانه ( أَنَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) فإن القول بالجهل إذا كان قبيحًا في كل شيء، فكيف إذا كان في التقوُّل على اللّٰه؟ [٢٩] (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ) أي: هذه أوامر اللّٰه تعالى، فأين أمركم بالتعري والفواحش؟ والقسط: العدل، وفيه: أن اللّٰه سبحانه أمر بالعدل لا كما زعموه من أن اللّٰه أمرهم بالفحشاء (وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) أي: صلوا له تعالى متوجهين إليه في صلاتكم في أي مسجد كنتم (وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) اعبدوه حال كونهم مخلصين الدعاء أو العبادة له وحده لا تدعوا أحدًا غيره (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) كما أنشأكم في ابتداء الخلق يعيدكم، وقيل: كما أخرجكم من بطون أمهاتكم تعودون إإ.ه ك١iء، ليس معكم شيء. صفحة 154 [٣٠] (فَرِيقًا هَدَى) أيٍ: تعودون فريقين: سعداء وأشقياء، والفريق الذي (حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ)) هم الكفار (إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللهِ) أي: ذلك بسبب أنهم أطاعوا الشياطين في معصية اللّٰه. [٣١] (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدِ) يأمر اللّٰه تعالى عباده بالتزين وستر العورة عند الحضور إلى المساجد للصلاة والطواف (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ) نهاهم عن الإسراف [وأمرهم بأن يأكلوا من الطيبات خلافًا لمن يزعمون أنهم أهل الزهد] فلا زهد في ترك مطعم ولا مشرب؛ وتاركه بالمرة قاتل لنفسه، وهو من أهل النار؛ والمقلل منه على وجه يضعف به بدنه، ويعجز عن القيام بما يجب عليه القيام به من طاعة أو سعي على نفسه وعلى من يعول، مخالف لما أمر اللّٰه به وأرشد إليه. والمسرف في الإنفاق على وجه لا يفعله إلا أهل السفه والتبذير، مخالف لما شرعه اللّٰه لعباده، واقع في النهِي القرآني. [ ٣٢] (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ الزينة: ما يتزين به الإنسان من ملبوس أو غيره من الأشياء المباحة كالمعادن والجواهر ونحوها. فلا حرج على من لبس الثياب الجديدة الغالية القيمة [إذا لم يدخل في حد الإسراف، ولم بكن مما حرمه الله، ولا حرج على من تزين بشيء من الأشياء التي لها مدخل في الزينة ولم يمنع منها مانع شرعي، ومن زعم أن ذلك يخالف الزهد فقد غلط] (الطَيِّبَاتِ) من المطاعم والمشارب، فإنه لا زهد في ترك الطيب منها، ولهذا جاءت الاية للإنكار على من حرم ذلك على نفسه، أو حرمه على غيره، وَتَرَك أكل الطيبات المستلذات من الطعام من اللحم والفاكهة والحلويات وغيرها مما طاب كسبًا ومطعمًا فهو داخل في هذا النهي. وقد أخرج أحمد والنسائي عن عبد اللّٰه بن عمرو عن النبي وَلِّي قال: «كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير مخيلة ولا سرف؛ فإن اللّٰه سبحانه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده) {قَلّ هِيَ لِلْذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدَّنْيَا) أى: إنها لهم بالأصالة، وإن شاركهم الكفار فيها ما داموا في الحياة (خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: مختصة بهم يوم القيامة لا يشاركهم فيها الكفار. [٣٣] (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ) المعاصي التي اشتدت شناعتها (مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) أي: ما أُعْلِن منها وما أُسِرَّ (وَالْإِثْمَ) يتناول كل معصية يتسبب عنها العقاب (وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقَّ ) 11نا١ للناس المجاوز للحد (وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزَّلْ بِهِ سُلْطَانًا) أي: وأن تجعلوا لله شريكًا لم ينزل عليكم به حجة (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) أن اللّٰه قاله، وهذا مثل ما كانوا ينسبون إلى اللّٰه سبحانه من التحليلات والتحريمات التي لم يأذن بها. [٣٤] (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) أي: وقت معين محدود يميتهم فيه (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ) أي: إذا جاء أجل كل أمة من الأمم كان ما قدَّره عليهم واقعًا في ذلك الأجل. آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ) المعنى: إن أتاكم ( وسُلْ مِنكَم يَنصُوَةَ عَلَيْكَم آباني المعى الير ونكم بأحكامي، ويبينونها لكم، أي: فأطيعوا هؤلاء الرسل وصدِّقوهم وتابعوهم {فَمَنِ اتَّقَى) معاصي اللّه (وَأَصْلَحَ) حال نفسه باتباع الرسل، وإجابتهم (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) من ظلم أو عذاب ينالهم (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) يوم القيامة على ما أصابهم في الدنيا. [٣٧] (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ) أي: لا أحد أظلم ممن اقترف معصية الكذب على اللّٰه فشرع من الدين ما لم يأذن: اله .ه، أو كذب بما جاءت به الرسل صفحة 155 (أُولَئِكَ) الكاذبون على الله، والمكذبون لما أتاهم من اللّٰه (يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ) أي: مما كتبِ اللّٰه لهم من خير أو شر، [ومن زينة الدنيا وطيباتها] (حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا) ملك الموت وأعوانه (قَالُوا أَيْنَ مَا كُنَتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أي: أين الالهة التي كنتم تدعونها من دون اللّٰه وتعبدونها؟ ابحثوا عنها لتنفعكم اليوم (قَالَوا ضَلّوا عَنَّا) [أضاعونا فلا يدرون أين نحن] أو: ذهبوا عنا وغابوا فلا ندري أين هم (وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) أي: أقرُّوا بالكفر على أنفسهم. [٣٨] (قَالَ ادْخُلُوا فِي أَمَمِ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي: ادخلوا في جملة الأمم التي قدّ مضت من الأمم الماضية من بلكم ( مِنَ الحِنِّ وَالْإِنْسِ) وهم الكفار من الطائفتين من الأمم (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ) من الأمم الماضية (لَعَنَتْ أُخْتَهَا) أي: الأخرى التي سبقتها إلى النار (حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا) والتدارك: التلاحق والتتابع والاجتماع في النار قَالَتْ أخْرَاهُمْ) أي: قالت أخراهم دخولًا وهم سفلتهم وأتباعهم (لأُولَاهُمْ) دخولًا، وهم رؤساؤهم وكبارهم (رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلَّونَا) فإن المضلين هم الرؤساء، ويجوز أن يراد أنهم أضلوهم؛ لأنهم تبعوهم واقتدوا بدينهم من بعدهم؛ لأن أخراهم تبعت دين أولاهم (فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ) الضعف: الزائد على مثله مرة أو مرات (قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ) لكل طائفة منكم [٣٩] (وَقَالَتْ أَولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ) قال السابقون للاحقين، أو المتبوعون للتابعين (فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ) أي: تخفيف من العذاب، فإن العبرة بكسب الإنسان وعمله، ولا عذر له في اتباع الباطل، بل الفريقان سواء في الكفر بالله واستحقاق عذابه (فَذُوقُوا الْعَذَابَ) عذاب النار كما ذقناه (بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ) من معاصي اللّٰه والكفر به. [ ٤٠] (لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ) لا تفتح أبواب السماء لأرواحهم إذا ماتوا، وقيل: لا تفتح أبواب السماء لأدعيتهم إذا دعوا [ولا لأعمالهم إذا عملوا، فلا ترفع إلى اللّه] ولا تقبل، بل تُردُّ عليهم فيضرب بها في وجوههم (وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ) لا يدخلون الجنة بحال من الأحوال، ولهذا علَّقه بالمستحيل، فقال: (حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمَّ الْخِيَاطِ) وخص سمَّ الخياط، وهو ثقب الإبرة، لكونه غاية في الضيق. والجمل: الذكر من الإبل، وقيل: الحبل الغليظ من القِنَّب [٤١(مِهَادُ) المهاد: الذُعبه وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ) الغواشي: اللُّحُف، أي: نيران تغشاهم من فوقهم كالأغطية. [٤٢] (لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) أي: نكلف العباد بما يدخل تحت وسعهم ويقدرون عليه، ولا نكلفهم ما لا يدخل تحت وسعهم. [٤٣] (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلَّ) ينزع اللّٰه ما في قلوب أهل الجنة من الحقد بعضهم على بعض، حتى تصفو قلوبهم، ويودُّ بعضهم بعضًا، فإن الغل لو بقي في صدورهم كما كان في الدنيا لكان في ذلك تنغيص لنعيم الجنة، وقيل: نزع الغلِّ في الجنة ألا يحسد بعضهم بعضًا في تفاضل المنازل (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا) أي: لهذا الجزاء العظيم، وهو الخلود في الجنة، بالهداية لسببه من الإيمان والعمل الصالح في الدنيا (وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ) أي: لا نطيق أن نهتدي بهذا الأمر لولا هداية اللّٰه لنا (لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ) قالوا هذا اغتباطًا بما صاروا فيه (وَنُودُوا) [تهنئة لهم بنعمة الله] (أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ورثتم منازلهم بعملكم، قال رسول اللّٰه وَلِفِهِ فيما صح عنه: ((سدِّدُوا وقاربوا، واعلموا أنه لن ١٠ خا الجنة أحد بعمله، قالوا: ولا صفحة 156 أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّٰه برحمته) ولولا التفضل من اللّٰه سبحانه وتعالى على العامل بإقداره على العمل لم يكن عَمِل أصلًا. عن النبي وَلِيِهِ قال: ((نودوا أن صِحُّوا فلا تسقموا، وانعَموا فلا تبأسوا، وشِبُّوا فلا تهرموا، واخلدوا فلا تموتوا». [٤٤]وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّار) أى: ينادونهم بعد أن يستقرَّ كلّ من الفريقين في منازله (أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا) أي: إنا قد وصلنا إلى ما وعدنا اللّٰه به من النعيم، فهل وصلتم إلى ما وعدكم اللّٰه به من العذابِ الأليم؟ (قَالُوا نَعَمْ) أي: وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ) أي: فنادى مناد بين الفريقين، قيل: هو من الملائكة. [٤٥] (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) يمنعون الناس عن سلوك سبيل الحق (وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا) أي: ينفرون الناس عنها، ويقدحون في استقامتها بقولهم: إنها غير حق، وإن الحق ما هم فيه. [٤٦] (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ) أي: بين الفريقين، أو بين الجنة والنار سور (وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ الأعراف: هي شرفات السور المضروب بينهم. والأعراف في اللغة: الأمكنة المرتفعة. وقد اختلف العلماء في أصحاب الأعراف، فقيل: هم الشهداء، وقيل: هم فضلاء المؤمنين، فرغوا من شغل أنفسهم وتفرَّغوا لمطالعة أحوال الناس، ذكره مجاهد. وقيل: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، قد قصَّرت بهم أعمالهم عن دخول الجنة، ثم يدخلون الجنة بفضل اللّٰه ورحمته، وهم آخر من يدخلها؛ وقيل: هم ملائكة موكلون بهذا السور، يميزون الكافرين من المؤمنين قبل إدخالهم الجنة والنار (يَعْرِفُونَ كُلَّاّ بِسِيمَاهُمْ) علاماتهم كبياض الوجوه وسوادها (وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ) نادى رجال الأعراف أصحاب الجنة حين رأوهم {أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) تحية لهم وإكرامًا وتبشيرًا (لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ) أي: لم يدخل الجنة أصحاب الأعراف، ولكنهم يطمعون في دخولها، [لما يرون من فضل اللّٰه ورحمته على أهل الجنة، وأن اللّٰه تعالى تغلب رحمته غضبه، وروي أن النبي وَاليّةُ قال: («إذا فرغ رب العالمين من الفصل بين العباد قال لأصحاب الأعراف: أنتم عتقائي فارعوا من الجنة حيث شئتم»]. [٤٧] (وَإِذَا صُرفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أصْحَاب النّارِ قَالُوا) أي: قال أهل الأعراف: (رَبَّنَا لَا تَجْعَلَنَا مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ) سألوا اللّٰه ألا يجعلهم منهم. [٤٨] (وَنَادَى أَصْحَابُ الأَيْ-اف رِجَالاً) من الكفار (يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ) أي: بعلاماتهم (مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ) الذي كنتم تجمعون للصدِّ عن سبيل اللّٰه (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) أيٍ: وما نفَعَكم استكباركم؟ ٤٩٦] (أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَتَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ) قالوا المقالة اذتَّوا الجَّ لا حَوَتْ عَلَيكُمْ لا أَم تخرتُونَ) مذ. قول أصحاب الأعراف: أي قالوا للمسلمين: ادخلوا الجنة. وقيل: إن هذا الكلام يقال لأصحاب الأعراف أنفسهم فيدخلهم ربهم الجنة برحمته. عن السدَي قال: أصحاب الأعراف يعرفون الناس بسيماهم: أهل النار بسواد وجوههم، وأهل الجنة ببياض وجوههم، فإذا مروا بزمرة يُذْهَب بهم إلى الجنة قالوا: سلام عليكم، وإذا مروا بزمرة يذهب بها إلى النار، قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمِين. [٥٠] (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ) طلبوا منهم أن يواسوهم بشيء من الأشربة أو الأطعمة (إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا) أي: الماء وما رزقهم اللّٰه من غيره (عَلَى الْكَافِرِينَ) فلا نو !..>. . ثميء مما حرَّمه اللّٰه عليكم. صفحة 157 [٥١] ( فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ) نتركهم في النار أبدًا كنسيانهم لقاء يومهم هذا (وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) أي: ينكرونها. [٥٢]وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ) هو القرآن، والتفصيل: التبيين (عَلَى عِلْم) أي: عالمين بما نفصِّله. [٥٣] (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ) هل ينتظرون إلا ما وعدوا به في الكتاب من العقاب الذي يؤول الامر إليه (يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ) وهو يوم القيامة (يَقُولُ الّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ) أي: تركوه من قبل أن يأتي تأويله (قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ) أي: أقروا به حيث لا ينفعهم الإقرار برسالات الرسل (فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ) معناه: التمني (فَيَشْفَعُوا لَنَا) عند ربنا فيعفينا من عذاب النار ( أَوْ نُرَدُّ) أو يشفعوا لنا حتى يرجعنا اللّٰه إلى الدنيا فَنَعْمَلَ) أي: أننا إن رجعنا نعمل أعمالًا صالحة (غَيْرَ الّذِي كُنّا نَعْمَلَ) أي: غير ما كنا نعمل من المعاصي (قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ)) أي: لم ينتفعوا بها فكانت أنفسهم بلاء عليهم ومحنة لهم، فكأنهم خسروها كما يخسر التاجر رأس ماله {وَضَل عَنْهُم مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) بطل كذبهم الذي كانوا يقولونه في الدنيا، أو غاب عنهم ما كانوا يجعلونه شريكًا لله، فلم ينفعهم. [٥٤] (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِنَّةِ أَيَّامٍ) قيل: هذه الأيام من أيام الدنيا، وقيل: من أيام الآخرة، وقيل: هذه الأيام الست أوَّلها الأحد وآخرها الجمعة، وهو سبحانه قادر على خلقها في لحظة واحدة، يقول لها: كوني؛ فتكون، ولكن لكل شيء عنده أجل (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) والاستواء: هو العلوُّ والاستقرار، والله أعلم بكيفية ذلك، بل على الوجه الذي يليق بجلاله تعالى. والعرش: هو سرير الملك. عن أم سلمة في قوله: ( اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به إيمان، والجحود كفر. وعن مالك أن رجلًا سأله كيف استوى على العرش؟ فقال: الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ) أي: يجعل الليل كالغشاء للنهار فيغطي بظلمته ضياءه (يَطْلُبُهُ حَثِيثًا) أي: حال كون الليل طالبًا للنهار طلبًا سريعًا لا يفتر عنه بحال {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنَّجُومَ) خلقها (مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ) تسير طبقًا لما اراده اللّٰه منها دون تخلف (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) أي: أن الكون كله خلقه، والأمر فيه أمره [وهي أوامر التكوين وأحكام الشريعة] (تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) أي: كثرت بركته وات - -. [٥٥] (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا) أي: بضراعة وتذلل وابتهال ورغبة إليه تعالى (وَخُفْيَةً) الخفية: الإسرار به؛ فإن ذلك أقطع لعرق الرياء (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) أي: المجاوزين لما أمروا به في الدعاء وفي كل شيء، ومن الاعتداء في الدعاء: أن يسأل الداعي ما ليس له كالخلود في الدنيا، أو إدراك ما هو محال في نفسه، أو بطلب الوصول إلى منازل الأنبياء في الآخرة، أو يرفع صوته بالدعاء صارخًا به. [٥٦] (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ) بقتل الناس، وتخريب منازلهم، وقتل حيواناتهم وقطع أشجارهم، وتغوير أنهارهم. ومن الفساد في الأرض: الكفر بالله، والوقوع في معاصيه [وإلغاء العمل بالشرائع بعد تقررها وانتظامها] {بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) بعد أن أصلحها اللّٰه بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وتقرير الشرائع [وبعد أن عمرها مؤمن أو كافر] (وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا) خائفين من اللّٰه ألا يستجيب لكم طامعين في استجابته (إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) وفي هذا ترغيب للعباد في الخير وتنشيط لهم [والمحسنون اهم الذين جمعوا بين الإمان اللّٰه والإيمان بالغيب، وأدّوا صفحة 158 فرائض اللّٰه واجتنبوا محارمه، وراقبوا اللّٰه فأحسنوا أعمالهم]. [٥٧] (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ) يتضمن ذكر نعمة من النعم التي أنعم اللّٰه بها على عباده، مع ما في ذلك من الدلالة على وحدانيته، وثبوت إلاهيته (بُشْرًا)) أي: الرياح تبشر بالمطر (حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا) المعنى: حتى إذا حملت الرياح سحابًا قد ثقلت بالماء الذي صارت تحمله (سُقْنَاهُ) أي: السحاب (لِبَلَدٍ مَيِّتٍ) أي: مجدب ليس فيه نبات. (فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ) أي: بالبلد ( فَأَخْرَجْنَا بِهِ) أي: بالماء (مِنْ كُلِّ التَّمَرَاتِ) أي: من جميع أنواعها ( كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى) أي: مثل إخراج الثمر على تلك الصورة العجيبة، فما الذي يعجز اللّٰه تعالى عن إخراج الموتى من قبورهم (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) فتعلمون عظيم الّ ي صنعت، أن در على بعثكم [٥٨] ( وَالْبَلَدُ الطَّيَّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ)) أي: الأرض الطيبة تخرج نباتها بإذن اللّٰه وتيسيره إخراجًا حسنًا تامًا وافيًا (وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا) أي: والتربة الخبيثة لا يخرج نباتها إلا نكدًا، أي: لا خير فيه. وهذا مَثَل للقلوب، فشبه القلب القابل للوعظ بالبلد الطيب، والنائي عنه بالبلد الخبيث (لِقَوْم يَشْكُرُونَ) اللّٰه ويعترفون بنعمته. عن ابن عباس في قوله: " وَالبَلَدُ الطَّيِّبُ)، قال: مثل ضربه اللّٰه للمؤمن، يقول: هو طيب وعمله طيب، كما أن البلد الطيب ثمرها طيب، والذي خبث ضُرِب مثلاً للكافر، فهو كالأرض السبخة المالحة التي لا تخرج منها البركة، فالكافر هو الخبيث وعمله خبيث. [٥٩] (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ) نوح أول الرسل إلى أهل الأرض بعد آدم، وكان بأرض العراق، وقيل: إن إدريس قبل نوح (فَقَالَ يَا قَوْم اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) أي: اعبدوه لأنه ليس لكم إله غيره حتى يستحق منكم أن يكون معبودًا (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمِ عَظِيمٍ» أي: إن لم نعبدوه أخاف عليكم عذاب يوم القيامة، أو عذاب يوم الطوفان [وكان قوم نوح يعبدون أصنامًا لهم ذكرها اللّٰه تعالى في سورة نوح، وأسماؤها: وَدٌّ، وسُواعٌ، ويَغوث، ويَعوق، ونَسْر، وكانت دعوة نوح لهم لإعادتهم إلى ديانة التوحيد التي كان عليها آدم والخليقة من بعده]. ٦٠] قَالَ الْمَلَأُ الملأ: أشراف القوم ورؤساؤهم {إِنَّا لَرَاكَ) في دعائك إلى عبادة اللّٰه وحده (فِي ضَلَالٍ) عن طريق الحق. [٦١] (وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) أرسلني إليكم ليسوق الخير إليكم، ٥٠٠- الشر عنكم، نفى عن نفسه الضلالة، وأثبت لها الرسالة. [٦٢] (أبَلَغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي) ما أرسله اللّٰه به إليهم مما أوحاه إليه (وَأَنْصَحُ لَكُمْ) أخلص النية لكم عن شوائب الفساد، بل أريد صلاح أموركم (وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) بإخبار اللّٰه له بذلك. [٦٣] (أَوَعَجِبْتُمْ) استبعدتم، أو أكذبتم، أو أنكرتم وعجبتم (أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبَكُمْ) أي: وحي وموعظة (عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ) أي: على لسان رجل منكم تعرفونه ليس من جنس آخر كالملائكة والجن فتنفروا عنه، بل هو بشرٍ مثلكم تأنسون به، وهو رجل منكم تعرفونه منذ نشأ، لا ضالا ولا كذَّابًا (وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) بسبب ما يفيده الإنذار لكم، من التعرُّض لرحمة اللّٰه ورضوانه عنكم. [٦٤] (فِي الْفُلْكِ) وهي السفينة التي أمره اللّٰه تعالى ببنائها لينجو عليها هو ومن معه من المؤمنين من خطر الطوفان (وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) واستمروا على ذلك ولم يرجعوا إلى التوبة [أغرقهم في الطوفان وهم بأرضهم] (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَا عَمِينَ) أي: أغرقنا المكذبين لكونهم عُمْيَ القلوب، لا تنجع فيهم ال.. عناة، ولا يفيدهم التذكير. صفحة 159 وقد فَصَّلَ اللّٰه تعالى قصة نوح وقومه، وكيف أنجاه في السفينة وأغرق قومه بالطوفان، انظر: (سورة هود، الآيات: ٤٨-٣٥). [٦٥] (وَإِلَى عَادٍ) أي: وأرسلنا إلى قبيلة عاد { أَخَاهُمْ ) أي: واحدًا من قبيلتهم [هو نبي اللّٰه هود. وكانت قبيلة عاد تقيم في الأحقاف من أرض حضرموت باليمن]. [٦٦]( سَفَاهَةٍ) السفاهة: الخفة والحمق، نسبوه إلى الخفة والطيش زورًا وكذبًا (وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) مؤكدين ظنهم كذبه فيما ادعاه من الرسالة. [٦٩] (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْم نُوح) أذكرهم نعمة من نعم اللّٰه عليهم، أي: جَعْلُهُم سكان الأرض بعد هلاك قوم نوح (وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً)) أي: طولاً في الخلق، وعِظَمًا في الأجسام، زيادة على ما كان عليه غيرهم في الأبدان (فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ) نعمه عليكم، ومن جملتها: نعمة الاستخلاف في الأرض، والبسطة في الخلق، وغير ذلك مما أنعم به عليهم ( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) لأن الذكر للنعمة سبب باعثِ على شكرها، ومن شكر فقد أفلح. [٧٠](قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ) وإنما كان هذا ستنكرًا عندهم؛ لأنهم وجدوا آباءهم على خلاف ما دعاهم إليه (وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) أي: نترك الذي كانوا يعبدونه (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) هذا استعجال منهم للعذاب الذي كان هود يعدهم به؛ لشدة تمردهم على اللّٰه. ٧](قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبَّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ) أي: قد استحققتم عذاب اللّٰه وغضبه فهو واقع بكم لا محالة، جعل ما هو متوقع كالواقع؛ تنبيهًا على تحقق وقوعه، والرجس: العذاب الشديد (أَتُّجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ) يعني: أسماء الأصنام التي كانوا يعبدونها، جعلها مجرد أسماء؛ لأن مسمياتها لا حقيقة لها، بل تسميتها بالآلهة باطلة، فكأنها معدومة لم توجد، بل الموجود أسماؤها فقط (سَمَّيْتُمُوهَا أَنَّتُمْ وَآبَاؤُكُمْ) أي: سميتم بها معبوداتكم آلهةً من جهة أنفسكم أنتم وآباؤكم، ولا حقيقة لذلك ( مَا نَزَّلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ) أي: حجة تحتجون بها على ما تدَّعونه لها من الدعاوى الباطلة. ثم توعَّدهم بأشدٍّ وعيد، فقال: (فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) أي: فانتظروا ما طلبتموه من العذاب، فإني معكم من المنتظرين له وهو واقع بكم لا محالة ونازِل عليكم ولا شك. ٧٢٦] ( فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَمَهُ - حْمَةٍ مِنَّا) أخبر اللّٰه سبحانه أنه نجَّى هودًا ومن معه من المؤمنين به من العذاب النازل بمن كفر به ولم يقبل رسالته (وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا ) استأصلناهم فلم يبق منهم أحد يخلفهم (وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ) أي: استأصلنا هؤلاء القوم الجامعين بين التكذيب وعدم الإيمان [وكان العذاب الذي أخذهم اللّٰه به ريحًا عاصفة شديدة البرد، دمَّرت ديارهم وأشجارَهم، وكانت تحمل الحجارة فتقذفها في وجوههم، وتحملهم فتضربهم بالأرض، قال اللّٰه تعالى في سورة الحاقة: (وَأَمَّا عَادٌ فَأَهْلِكُوا بِرِيحِ صَرْصَرِ عَاتِيَةٍ. سَخّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّام حَسَُّوْمًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْل حَاويَةٍ) ]. [٧٣] (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا) أي: وأرسلنًا إلى ثمود أخاهم، وثمود قبيلة [كانت تسكن الحِجْر في بلاد العرب شمال المدينة النبوية] بين الحجاز والشام قرب وادي القرى (قَالَ يَا قَوْم اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) أمرهم بعبادة اللّٰه التي لأجلها خلق اللّٰه الخلق، وأخبرهم أن العبادة لا تصلح إلا لله وحده، وهذان الأمران هما خلاصة دعوة الرسل، كما قال اللّٰه تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُو لَا أَن اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) صفحة 160 (قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيَّنَةٌ مِنْ رَبَّكُمْ) أي: معجزة ظاهرة، وهي إخراج الناقة من الحجر الصلد (فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ أي: اتركوها ترعى في أرض الله، فهي ناقة الله، والأرض أرضه، فلا تمنعوها مما ليس لكم ولا تملكونه {وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ) أي: بشيء من السوء، أي: لا تتعرضوا لها بوجه من الوجوه التي تسوؤها وتضرُّها. [٧٤](وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ) أي: استخلفكم في الأرض، أو جعلكم ملوكًا فيها (وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ) أي: جعل لكم فيها مباءة، وهي المنزل الذي نسكنونه (تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُوْلِهَا قُصُورًا) ترابها يتخذون منه اللبن والآجُرَّ ونحو ذلك، فيبنون به القصور (وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتَّا) كانوا لقوتهم وصلابة أبدانهم ينحتون الجبال، فيتخذون فيها كهوفًا يسكنون فيها، قيل: لأن الأبنية والسقوف كانت تفنى قبل فناء أعمارهم ( فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ تقدم تفسيره في القصة التي قبل هذه (وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) لا تكثروا فيها من الفساد. (قَالَ الْمَلَأُّ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ) أي: قال الرؤساء المستكبرون من قوم صالح للمستضعفين الذين استضعفهم المستكبرون: (أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ) قالوا: هذا عن طريق الاستهزاء والسخرية (قَالَوا إِنّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ) أي: قال المؤمنون أتباع صالح: لسنا فقط نعلم صدقه، بل نؤمن به ونتبعه ونطيع أمره. [٧٧] (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ) قتلوها بنحرها، أو قطع عرقوبها، وإنما عقرها واحد منهم، لكن كان ذلك برضاهم وموافقتهم، فلذلك نسبه إليهم (وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ) أي: استكبروا وعاندوا (وَقَالُوا يَا صَالِحُ اثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا) أي: من العذاب، قالوا ذلك تحديًا واستخفافًا. ٧٨] (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ)) أيٍ: الزلزلة، وقيل: كانت صيحة شديدة خلعت قلوبهم (فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ) أي: بلدهم (جَاثِمِينَ) لاصقين بالأرض على ركبهم ووجوههم كما يجثم الطائر، ميتين لا حراك بهم. [٧٩] ( فَتَوَلَّى عَنْهُمْ) ذهب عن أرضهم مولِّيَّا لهم ظهره عند اليأس من إجابتهم (وَقَالَ) لهم هذه المقالة ( لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) أبان عن نفسه أنه لم يألُ جهدًا في إبلاغهم الرسالة ومحض النصح، لكن أبوا ذلك، فحق عليهم العذاب، ونزل بهم ما كذبوا به واستعجلوه. ويحتمل أنه قال ا. ١١٨ بعد موتهم، تحسُّرًا على ما فاتهم من الإيمان والسلامة من العذاب. [٨٠] (وَلُوطًا) أي: وأرسلنا لوطًا، ولوط هو ابن أخي إبراهيم، هاجَرَ مع عمه إبراهيم من أرض العراق إلى أرض بيت المقدس، فأرسله اللّٰه رسولًا إلى قرية تسمى سدوم، بقرب بيت المقدس (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ) أي: الخصلة الفاحشة الشديدة شناعتها، وهي اللواط (مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ) أي: لم يفعلها أحد قبلكم، فإن اللواط لم يكن في أمة من الأمم قبلهم [٨١] (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً) أي: لا غرض لهم إلا مجرد قضاء الشهوة من غير أن يكون لهم في ذلك غرض يوافق العقل والفطرة السليمة، فهم في هذا كالبهائم التي ينزو بعضها على بعض، لما يتقاضاها من الشهوة (مِنْ دُونِ النِّسَاءِ) [أي: وتتركون ما خلق اللّٰه لكم من أزواجكم اللواتي هن أصلح لكم بحسب الفطرة] وهن محل لقضاء الشهوة، وموضع لطلب اللذة (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) إخبار لهم بأن هذا الخروج عن مقتضى الفطرة، إنما سببه الإسراف والخمد عن حد الاعتدال البشري. صفحة 161 [٨٢] (وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ) الواقعين في هذه الفاحشة عما أنكره عليهم منها (إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ ) أي: لوطًا وأتباعه (مِنْ قَرْيَتِكُمْ) وكان حق قوم لوط أن بصدِّقوا نبوته ويطيعوا أمره ويجيبوه بالموافقة، لكنهم أجابوا بهذا الجواب الذي ينبعث من نفوسهم الخبيثة، وفطرتهم المنكوسة (إِنَّهُمْ أَنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) يتنزهون عن الوقوع في هذا العمل، فلا يساكنوننا في قريتنا. ٨٣(فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ) أنجى اللّٰه لوطًا وأهله إذ أخرجهم من سَدوم في الليلة التي وقع العذاب على تلك القرية في صبيحتها، في قصة فصلتها (سورة هود، الآيات: ٨٣-٧٧) واستثنى امرأته من الأهل؛ لكونها لم تؤمن به ( كَانَتْ مِنَ الغَابِرِينَ) من الباقين في عذاب الله. [٨٤] (وَأمْطرْنَا عَلَيْهِمْ مَطْرًّا) غير ما يعتادونه، والمطر كان هو رميهم بالحجارة (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيل). [٨٥] (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا) أي: وأرسلنا إلى مدّين وهي قبيلة من ولد إبراهيم رسولًا منهم هو نبيُّ اللّٰه شعيب (قَالَ يَا قَوْم اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهِ غَيْرُهُ) دعاهم إلى الله، وذكرهم بأنهم قومه، وأنه واحد منهم، يحبُّ ما فيه صلاحهم، وأمَرَهم بتوحيد اللّٰه وإفراده بالعبادة، وذلك رأس دعوة الرسل. وأنكر أن يكون شيء مما اتخذوه آلهة قد كان إلهًا بحق، بل هي باطلة زائلة (فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ) [أي: لا تنقصوا المشتري أو البائع حقه باستعمال مكيال أو عيار ناقص، أو زائد عن المعروف، أو بغير ذلك من الطرق] كانوا أهل معاملة بالكيل والوزن، وكانوا لا يوفونهما (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) البخس: النقص، وهو يكون بالتعييب للسلعة، أو التزهيد فيها، أو المخادعة لصاحبها، والاحتيال عليه، وكل ذلك من أكل أموال الناس بالباطل. وقيل: كانوا مكَّاسين بمكسون كل ما دخل إلى أسواقهم (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا قد تقدم تفسيرها قريبًا (الآية: ٥٦). [٨٦]وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ) الصراط: الطريق (تُوعِدُونَ) الناس بالعذاب، قيل: كانوا يقعدون في الطرقات المفضية إلى شعيب، فيتوعدون من أراد المجي إليه، ويقولون: إنه كذاب فلا تذهب إليه (وَتَصُدُّّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ) والمراد: منعهم من الوصول إلى شعيب، وقيل: المراد نهيهم عن القعود على طرق الدين ومنع من أراد سلوكها، وليس المراد القعود على الطرق حقيقة (وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ) أي .. ١١٦ . ن لسبيل اللّٰه أن تكون معوجة غير مستقيمة (وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا) عددكم (فَكَثَّرَكُمْ) بالنسل، وقيل: المعنى: كنتم فقراء فأغناكم (وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) من الأمم الماضية، فإن اللّٰه أهلكهم ومحا أثرهم. ٨](فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) وحكم اللّٰه بين الفريقين هو كالحكم بين الخصمين: القضاء بينهما، ونصر المحقين على المبطلين، وفيها أمر للمؤمنين بالصبر على ما يحل بهم من أذى الكفار حتى ينصرهم اللّٰه عليهم. [٨٨] (قَالَ الْمَلَأُّ أي: قال الأشراف المستكبرون (لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ) لم يكتفوا بترك الإيمان والتمرد عن الإجابة، بل جاوزوا ذلك بغيًا وبطرًا وأشرًا، إلى توعَّد نبيِّهم ومن آمن به، بالإخراج من قريتهم، أو عوده هو ومن معه في ملتهم الكفرية: أي: لا بد من أحد الأمرين: إما الإخراج أو العود (قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ) أي: أتعيدوننا في ملتكم في حال كراهتنا للعود إليها، أو: أتخرجوننا من قريتكم في حال كراهت ١١ ١٠خ مج منها، فليس لكم ذلك ولا صفحة 162 بصح لكم أن تكرهونا على ما لا نريد، فإن المكره لا اختيار له، ولا تعد موافقته موافقة، ولا عوده عودًا. [٨٩] (قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ) التي هي الشرك [فإن الشرك كله كذب على الله، وهو محض اختلاق؛ إذ ليس للكون كله إلا إله واحد هو اللّٰه وهو خالقه ومدبِّره ومعبوده، فمن ادعى أن الله تعالى شريكًا فقد افترى على اللّٰه الكذب: ادعى نقص ألوهيته وربوبيته] (بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللّٰهُ مِنْهَا) [أي: والعود لو حصل أعظم للذنب ممن كان في الأصل كافرًا لم يتبيَّن له الحق؛ لأن من ارتد بعد الإيمان أعظم كفرًا وأشدِ إلحادًا] (وَمَا يَكُونُ لَنَا)) أي: ما يصح لنا ولا ستقيم (أَنْ نَعُودَ فِيهَا) بحال من الأحوال بعدما نجانا اللّٰه بنها (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ ) [أي: ما لم يرد اللّٰه بنا ذلك] (وَسِعَ رَبُّنَا كُلّ شَيْءٍ عِلْمًا) أي: أحاط علمه بكل الموجودات (عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا) عليه اعتمدنا في أن يثبتنا على الإيمان، ويحول بيننا وبين الكفر وأهله، ويتم علينا نعمته، ويعصمنا من نقمته (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْتَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ) أي: احكم بيننا وبين وقومنا بالحق، بنصر المحقين على المبطلين، فكأنهم طلبوا نزول العذاب بالكافرين. [٩٠] (لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا ) أي: دخلتم في دينه وتركتم دينكم (إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ) وخسرانهم: هلاكهم، أو ما بخسرونه بسبب إيفاء الكيل والوزن، وترك التطفيف الذي كانوا يعاملون الناس به. ٩١] ( فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) أي: الزلزلة، وقيل: الصيحة (فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَائِمِينَ) قد تقدم تفسيره في قصة صالح. [٩٢] ( كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا) أي: أصبحت بعد العذاب خرابًا خالية، يقال: غَنِيتُ بالمكان: إذا أقمت به، أي: كأن لم يقيموا في دراهم؛ لأن اللّٰه سبحانه استأصلهم بالعذاب (كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ) لأنفسهم وما ملكوا [أي: ولم يكن الخسران نصيب المؤمنين بشعيب، كما ادَّعى الملأ المستكبرون، بل كان الخسران لهم هم ومن وافقهم]. [٩٣] ( فَتَوَلَى عَنْهُمْ) أي: شعيب لما شاهد نزول العذاب بهم (فَكَيْفَ آسَى) أي: أحزن (عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ) بالله مصرين على كفرهم متمردين عن الإجابة. [٩٤] (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيِّ) من الأنبياء، فكذّب أهلها، إلا أخذناهم (بِالْبَأسَاءِ) البؤس والفقر (وَالضَّرَّاءِ) الضر والمرض (لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ) أي: لكي يتضرعوا ويتذللوا لله تعال . ذَاَعوا ما هم عليه مِن الاستكبار وتكذيب الأنبياء. [٩٥] (ثُمَّ بَدَّلْنَا) أي: ثم بعد الأخذ لأهل القرى بأحوال الفقر والمرض، ولم يتعظوا، بدلناهم (مَكَانَ السَّيِّئَةِ) التي أصبناهم بها من البلاء والامتحان (الْحَسَنَةَ) أي: الخصلة الحسنة، فصاروا في خير وسعة وأمن (حَتَّى عَفَوْا) أي: كثروا في أنفسهم وفي أموالهم (وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ) أي: إن هذا الذي مسَّنا من البأساء والضراء، ثم من الرخاء والخصب من بعد، هو أمر وقع لآبائنا قبلنا مثله، ومعناه: أن هذه هي العادة الجارية في السلف والخلف، ولم يصدّقوا أن ذلك من اللّٰه سبحانه ابتلاء لهم، وعقوبة على ظلمهم (فَأْخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً) أي: فجأة [دون مقدِّمات تدلُّ على قرب مجيء العذاب] (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) بذلك ولا يترقبونه. [وهذا من اللّٰه تعالى لمزيد عقوبتهم، فلم يأخذهم وهم في حال البؤس والمرض، ولكن أخذهم بعد أن أصبحوا في حال نعمة وافرة؛ ليكون أشد لعذابهم]. ٩٦] (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الةُ * التي أرسلنا إليها رسلنا { آمَنُوا) صفحة 163 بالرسل المرسلين إليهم (وَاتَّقَوْا) تركوا ما صمموا عليه من الكفر، ولم يصروا على ما فعلوا من القبائح ( لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) أي: يسرنا لهم خير السماء والأرض، كما يحصل التيسير للأبواب المغلقة بفتح أبوابها. والمراد بخير السماء: المطرِ، وخير الأرض: النبات وسائر الخيرات (وَلَكِنْ كَذَّبُوا) بالآيات، والأنبياء، ولم يؤمنوا، ولا اتقوا (فَأَخَذْنَاهُمْ) بالعذاب (ب) سبب ( مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) من الذنوب. ٩٧](أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى) هم أهل القرى المذكورة قبله، وقيل: المراد بالقرى مكة وما حولها؛ لتكذيبهم للنبي مَ يه ( أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا ) أي: في الليل. [٩٨] (ضُحَى) ضحوة النهار، إذا أشرقت الشمس وارتفعت (وَهُمْ يَلْعَبُونَ) أي: يشتغلون بما لا يعود عليهم بفائدة. [٩٩] (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ) ما يدبره لهم من العقوبة وهم لا يشعرون، وقيل: مكر اللٰه هنا هو استدراجه لهم بالنعمة والصحة. [ ١٠٠] (أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ) المعنى: ألم يتبين لمن يسكن الأرض بعد إهلاك أصحابها، أن اللّٰه لو شاء أهلكهم بذنوبهم كما أهلك من كان يسكن تلك الأرض قبلهم (وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ) الطبع: الختم الإغلاق فلا ينفذ إليها شيء، أي: ولكنهم صاروا بسبب الطبع على قلوبهم، لا يسمعون ما يتلوه عليهم من أرسله اللّٰه إليهم، من: الوعظ، والإعذار، والإنذار، فلا يتبينون هذا الأمر مع وضوحه؛ لعدم الفرق بينهم وبين من قبلهم. ١٠١٦]تِلْكَ الْقُرَى) أي: التي أهلكناها، وهي قرى: قوم نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، المتقدم ذكرها (نَقُصُّ عَلَيْكَ) أي: نتلو عليك (مِنْ أَنْبَائِهَا) أي: من أخبارها (فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا) عند مجيء الرسل بالمعجزات (بِمَا كَذَّبُوا) أي: بسبب تكذيبهم (مِنْ قَبْلُ) مجيئهم بها، أو فلما رأوها لم يؤمنوا بما كذبوا به من قبل رؤيتها، بل حالهم عند مجيئهم بها كحالهم قبله (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ) فلا ينجع فيهم بعد ذلك وعظ، ولا تذكير. [١٠٢] (وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ) بل دأبهم نقض العهود في كل حال، والمراد بالعهد: هو المأخوذ عليهم في عالم الذر، وقيل: هم الكفار على العموم، لا عهد لهم ولا وفاء، و القليل منهم قد يفي ١٠٠٠ . ويحافظ عليه (وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ) أي: وقد وجدنا أكثرهم خارجين عن طاعتنا خروجًا شديدًا. عن ابن عباس في قوله: (وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ) قال: ذاك أن اللّٰه إنما أهلك القرى لأنهم لم يكونوا حفظوا ما وصاهم به اللّٰه. [١٠٣] (بِآيَاتِنَا) أي: المعجزات الآتي ذكرها. من الحية واليد، وغيرهما (إِلَى فِرْعَوْنَ) ملك مصر، وكل من كان يملك أرض مصر كان يسمى فرعون (وَمَلَئِهِ) أشراف قومه، وتخصيصهم بالذكر لأن من عداهم كالأتباع لهم (فَظَلَمُوا بِهَا) أي: كذبوا بها، والتكذيب بما هو أصدق الصدق ظلم عظيم. وقيل المعنى: ظلموا الناس بسببها لما صدوهم عن الإيمان بها، أو ظلموا أنفسهم بسببها (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) أي: نهاية أمر المكذبين بالآيات الكافرين بها، وهي ما في آخر القصة من إغراق فرعون وجنوده. [١٠٤] (وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) أي: ومن كان مرسلاً من جهة من هو رب العالمين أجمعين، فهو حة .: ٠القبول. صفحة 164 [١٠٥] (حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ) أي: أنا حريص على أن أخبركم بما أرسلت به كما هو، وأنا جدير بذلك (قَدْ جِتُكُمْ بِبِيَّةِ مِنْ رَبَكُمْ)) أي: بما يتبين به صدقي، وأني رسول من رب العالمين ( فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) طلب منه أن يترك بني إسرائيل يذهبون معه إلى الأرض المقدسة. وقد كانوا باقين لديه مستعبَدين ممنوعين من الرجوع إلى وطنهم. ١٠٦] قَالَ) له فرعون (إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ) من عند اللّٰه كما تزعم (فَأْتِ بِهَا) حتَى نشاهدهَا وننظَر فيها. ١٠٧]( فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ) حية عظيمة من ذكور الحيات (مُبِينٌ) أن كونها حية في تلك الحال أمر مرئي ظاهر واضح لا لبس فيه. [٠٨] (وَنَزَعَ يَدَهُ)) أي: أخرجها وأظهرها من جيبه، أو من تحت إبطه (فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ) بيضاء تتلألاً نورًا يظهر لكل مبصر دون أن يكون بها برص. [١٠٩](قَالَ الْمَلَأُّم أي: الأشراف، لما شاهدوا انقلاب العصاحية، ومصير يده بيضاء من غير سوء (إِنَّ هَذَا) أي: موسى ( لَسَاحِرٌ عَلِيمُ) أي: قوي العلم بالسحر. [١١٠](يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ) هي أرض (فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) أي: قال بعضهم لبعض: ماذا مصر تأمرون به من الرأي؟ [١١١] (قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ) قال الملأ جوابًا لكلام فرعون: أرجئ موسى وأخاه وأخرهما إلى وقت آخر (وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ) أي: أرسل جماعة في المدائن التي فيها السحرة حتى يجمعوهم ويُحضروهم إليك. ١١٢] (يَأُنُوكَ) أي: يأتيك هؤلاء الذين أرسلتهم { بِكُلَّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ) بكل ماهر في السحر قوي العلم بصناعته. ١١٣م (وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ) أي: فبعث في المدائن حاشرين وجاء السحرة فرعون (قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا) سألوا فرعون أن يجعل لهم مكافآت إن غلبوا موسى بسحرهم. [١١٤]فأجابهم فرعون بقوله: (نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) أي: إن لكم لأجرًا، وإنكم مع هذا الأجر المطلوب منكم لمن المقربين لدينا، وعَدَهم بِالمناصب. [١١٥] (قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ) خيَّروا موسى بين أن يبتدئ بإلقاء ما يريد إلقاءه أو يبتدئوا هم بذلك، ثقة من أنفسهم بأنهم غالبوه وإن تأخروا. [١١٦ ] فأجابهم موسى بقوله: ( أَلْقُوا) اختار أن يكونوا المتقدمين عليه بإلقاء ما يلقونم ذ مبال بهم ولا هائب لما جاءوا به (فَلَمَّا أَلْقَوْا) أي: حبالهم وعصيهم (سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ) أي: غيروها عن صحة إدراكها بما جاءوا به من التمويه والتخييل الذي يفعله المشعوذون وأهل الخفة (وَاسْتَرْهَبُوهُم) أي: أدخلوا الرهبة في قلبهم إدخالًا شديدًا (وَجَاءُوا بِسِحْرِ عَظِيم) في أعين الناظرين، لما جاءوا به، وإن كان لا حقيقة له في الواقع، [وهذا السحر وهو سِحْرُ التخييل وخفَّة اليد. قيل: ومن السِّحر ما له حقيقة وتأثير. والله أعلم. وانظر تفسير (سورة البقرة، الآية: ١٠٢)]. [١١٧] (فَإِذَا هِيَ) أي: العصا ( تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ) تبتلع حبالهم وعصيهم، وسماه إفكًا؛ لأنه لا حقيقة له في الواقع، بل هو كذب وزور وتمويه وشعوذة. [١١٨] ( فَوَقَعَ الْحَقُّ) أي: ظهر وتبيَّن لمَّا جاء به موسى (وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) من سحرهم، أي: تبين بطلانه. ١١٩](فَغُلِبُوا) أي: السحرة (هُنَالِكَ) أي: في الموقف الذي أظهروا فيه سحرهم (وَانْقَلَبُوا) من ذلك الموقف (صَاغِرِينَ) أذلاء مقهورين. [١٢٠] (وَأَلْقِيَ السَّحَةُ احدِينَ) أي: خروا ساجدين، صفحة 165 لم يتمالكوا مما رأوا [لأنهم كانوا يعرفون سحر التخييل وهذا ليس منه]. [١٢٢-١٢١](قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ. رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) صرحوا بأنهم آمنوا برب العالمين: رب موسى وهارون: لئلا يتوهم متوهم من قوم فرعون المقرَّبين بإلا هيته أن السجود له.. [١٢٣]قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ) [وهذا من سوء رأيه؛ فإن الإيمان بالحق لا يحتاج إلى إذن أحد؛ لأن فيه نجاة النفس، وفي تركه هلاكها] (إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ) أي: حيلة احتلتموها أنتم وموسى عن مواطأة بينكم سابقة (لِتُخْرِجُوا مِنْهَا) أي: من مدينة مصر (أَهْلَهَا) من القبط وتستولوا عليها، وتسكنوا فيها أنتم وبنو إسرائيل، ومعنى (فِي الْمَدِينَةِ) أن هذه الحيلة والمؤامرة كانت بينكم وأنتم بالمدينة، قبل أن تبرزوا أنتم وموسى إلى هذه الصحراء. [١٢٤](لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ) أي: الرجل اليمنى واليد اليسرى من كل إنسان منكم، أو الرجل اليسرى واليد اليمنى (ثُمَّ لَأُصَلَّبَنَّكُمْ) على جذوع النخل. [١٢٥] (قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبَّنَا مُنْقَلِبُونَ) وسيجازيك اللّٰه صنعك بنا، ويحسن إلينا بما أصابنا في ذاته، فتوعدوه بعذاب اللّٰه في الآخرة، لما توعدهم بعذاب الدنيا. [١٢٦] (وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا) أي: لست تعيب علينا وتنكر منا (إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا)) مع أن هذا هو الشرف العظيم، والخير الكامل، وهو حقيق بالثناء الحسن، لا بالإنكار والانتقام. ثم تركوا خطابه، والتفتوا لخطاب الجناب العلي، مفوضين الأمر إليه قائلين (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا) أي: اصببه علينا حتى يفيض ويغمرنا طلبوا أبلغ أنواع الصبر استعدادًا منهم لما سينزل بهم من العذاب، وتوطينًا لأنفسهم عِلى التصلب في الحق، وثبوت القدم على الإيمان (وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ) غير محرِّفين ولا مبدلين ولا مفتونين. عن السُّدِّي قال: فقطعهم وقتلهم. [١٢٧] (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ... لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) بإيقاع الفرقة، وتشتيتَ الشمل [وتبديل الدين الذي استقامت عليه أحوال أهل هذه الأرض] (وَيَذَرَكَ) أي: أتترك موسى أيضًا يتخلى عن عبادتك (وَآلِهَتَكَ) فيل: كان له أصنام يعبدها قومه تقربًا، وقيل: كان يعبد الشمس (قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ) أي: الذكور من أولادهم، ونستبقي الإناث (وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) أي: مستعلون عليهم بالقهر والغلبة، ولم يعا ما ١٠ بره اللّٰه لهم. [١٢٨](وَاصْبِرُوا) على المحنة (إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) وهو وعد من موسى لقومه بالنصر على فرعون وقومه، ثم بشَّرهم بأن (الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) أي: النهاية المحمودة في الدنيا والآخرة للمتقين من عباده، وهم موسى ومن معه. وعاقبة كل شيء: اخره. ١٢٩] (قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْل أَنْ تَأْتِيَنَا) أي: من قبل أن تأتين رسولًا، وذلك بقتل فرعون أبناءنا عند مولدك (وَمِنْ بَعْدِ مَا حِثْتَنَا) رسولا، بقتل أبنائنا الآن، وقيل المعنى: أوذينا من قبل أن تأتينا باستعمالنا في الأعمال الشاقة بغير أجر، وبما صرنا فيه الآن من الخوف على أنفسنا وأولادنا وأهلنا (وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ) هو تصريح بما رَمَز إليه سابقًا من أن الأرض لله، أي: فيجعلَ لكم فيها الأمر والملك (فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) هل تكونون مثل فرعون وقومه، أم على ما يرضاه الله. [١٣٠]وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ) المراد بآل فرعون هنا: قومه (بِالسِّنِينَ) أي: بالسنين المجدبة، والجوائح المتتالية (وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ) بسبب القحط، وكثرة العاهات (لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) فيتعظ. .... جعون عن غوايتهم. صفحة 166 [١٣١] (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ) الخصب وصلاح الثمرات ورخاء الأسعار (قَالُوا لَنَا هَذِهِ) أُعطيناها باستحقاق، وهي مختصة بنا (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةُ)) من الجدب والقحط وكثرة الأمراض ونحوها من البلاء (يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ) أي: يتشاءموا بهم (أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ) أي: سبب خيرهم وشرهم بجميع ما ينالهم من خصب وقحط هو من عند الله، ليس بسبب موسى ومن معه، وكان هذا الجواب على نمط ما يعتقدونه وبما يفهمونه، ولهذا عبر بالطائر عن الخير والشر الذي بجري بقدر اللّٰه وحكمته ومشيئته، وليس المراد إثبات الاعتقاد بالتطير (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) بهذا، بل نسبون الخير والشر إلى غير اللّٰه جهلا منهم. [١٣٢] (وَقَالَوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا ) [داخَلَهم العناد والإصرار، وادعوا أنه لا فرق بين المعجزة والسحر] (فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) أرادوا تيئيسه حتّى لا يراجعهم بالدعوة. [١٣٣] ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطَّوفَانَ) وهو الماء الشديد [المغرق للأرض المتلف للدور والشجر]. وقيل الطوفان: الموت (وَالْجَرَادَ) أرسله اللّٰه لأكل زروعهم فأكلها (وَالْقُمَّلَ) قيل: هي الدَّبا، والدَّبا الجراد قبل أن تطير، وقيل: البراغيث (وَالضَّفَادِعَ) الحيوان المعروف الذي يكون في الماء (وَالدَّمَ) روي: أنه سال النيل عليهم دمًا، وقيل: هو الرعاف (آَيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ) أي: بينات ظاهرات (فَاسْتَكْبَرُوا) أي: ترفعوا عن الإيمان بالله (وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ) لا يهتدون إلى حق، ولا ينزعون عن باطل. [١٣٤] (وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ)) أي: العذاب بهذه الأمور، وقيل: كان هذا الرجز طاعونًا مات به من القبط في يوم واحد ألوف (قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ) أي: ما اختصك به من النبوة، أو ادع لنا متوسلًا إليه بعهده عندك (لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ) أي: لنصدقن بنبوتك (وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) وقد كانوا حابسين لهم عندهم يمتهنونهم في الأعمال، فو عدوه بتخليتهم ليذهبوا معه. [١٣٥] ( فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ ) أي: رفعنا عنهم العذاب إلى الأجل المضروب لإهلاكهم بالغرق (إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ» أي: ينقضون ما عقدوه على أنفسهم، فامتنعوا من إرسال بني إسرائيل مع موسى كما التزموا ذلك. [١٣٦] (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ) لما نكثوا (فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ) في البحر (بِأَنَّهُمْ كَذّبُوا .١٠:١٠٦* أي: لذلك السبب. ١٣٧] (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ) يعني: بني إسرائيل ( الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ) أي: يُستَذَلون ويمتهنون بالخدمة لفرعون وقومه {مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ) [ وهي أرض بيت المقدس وفلسطين من نهر الأردن إلى البحر] والبركة فيها: إخراج الزرع والثمار منها على أتم ما يكون وأنفع ما يتفق (وَتَمَّتْ كَلِمَةٌ رَبِّكَ الْحُسْنَى أي: مضت واستمرت على التمام، والكلمة هي: (وَنُرِيدُ أن نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ. وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ) ( عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ) بسبب صبرهم على ما أصيبوا به من فرعوِن وقومه [وصبرهم على الجهاد] (وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) من الجنات، وقيل يعرشون: يبنون. [١٣٨] (وَجَاوَزْنَا بِيَني إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ) أي: مكنَّاهم من قطعه وعبوره لما ضربه موسى بعصاه فانفلق فمروا، وهو بحر السويس (فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامِ لَهُمْ) يعبدونها، قيل: هم من لخم، كانت أصنامهم تماثيل بقر، وقيل: كانوا من الكنعاني . «اأُرِايَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا) صفحة 167 أي: صنمًا نعبده كالذي لهؤلاء القوم (قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ نَجْهَلُونَ) لأنهم قد شاهدوا من آيات اللّٰه ما يزجر من له أدنى علم عن طلب عبادة غير الله، ولكن بني إسرائيل أشد خلق اللّٰه عنادًا وجهلًا وتلونًا. وقد وَرَد في السنة أن الصحابة رأوا للمشركين شجرة يسمونها ((ذات أنواط)) يعكفون عندها ويعلقون بها أسلحتهم، فقالوا للنبي وَلِيه:. ((اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط» فقال: («كدتم تقولون كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة». [١٣٩] (إِنَّ هَؤُلَاءٍ) العاكفين على الأصنام ( مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ) التبار: الهلاك والتدمير، والذي هم فيه: هو عبادة الأصنام (وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أي: ذاهب مضمحل تميع ما كانوا يعملونه من الأعمال مع عبادتهم للأصنام. [ ١٤٠] (قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا) أي: كيف أطلب لكم غير اللّٰه إلهًا تعبدونه؟ وقد شاهدتم من آياته العظام ما يكفي البعضُ منه (وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) بما أنعم به عليكم من إهلاك عدوكم، واستخلافكم في الأرض، وإخراجكم من الذل والهوان، إلى العز والرفعة [وهدايتكم إلى الدين الحق] فكيف تقابلون هذه النعم بطلب عبادة غيره!؟ [١٤١] (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ) يعذبونكم به حتى ألفتموه، كالإبل التي ألفت المراعي (وَفِي ذَلِكُمْ) أي: في هذا الإنجاء من تلك الأضرار الجسيمة (بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ) نعمة كبيرة يبتليكم بها ويختبركم، هل تقومون بحق شكرها، فكيف تطلبون إلهًا غيره؟! [١٤٢ ] (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً) من جملة ما كرَّم اللّٰه به موسى عاليَا وشرفه، ضرب اللّٰه هذه المدة موعدًا لمناجاته ومكالمته [ولعل ذلك ليزداد إيمانًا ويقينًا، كما فعل بمحمد والي ليلة الإسراء، وليعهد إليه ويعطيه التوراة ] (وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ) أي: زدناه عشرًا بعد أن جاء للميقات (وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي) أي: كن خليفتي فيهم، قال موسى هذا لما أراد الذهاب إلى المناجاة (وَأْصْلِحْ) أمر بني إسرائِيل بحسِن سياستهم، والرفق بهم، وتفقَّد أحوالهم (وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) أي: لا تسلك سبيل العاصين، ولا تكن عونًا للظالمين، بل اسلُكْ سبيل أهل الصلاح والإصلاح. [١٤٣] (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا) أي: لكلام اللّٰه في الموعد المضروب لذلك (وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) أي: أسمعه من كلامه من غير واسطة (قَالَ رَدِّ . أَ. : أَنَّظُرْ إِلَيْكَ) عن قتادة قال: لما سمع موسى الكلام طمع في الرؤية، أي: اشتياقًا (قَالَ لَنْ تَرَانِي) يفيد أنه لا يراه هذا الوقت الذي طلب رؤيته فيه، وأما رؤيته في الآخرة فقد ثبتت بالأحاديث المتواترة تواترًا لا يخفى على من يعرف السنة المطهرة (وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) معناه: أنك لا تثبت لرؤيتي، ولا يثبت لها ما هو أعظم منك جرمًا وصلابة وقوة، وهو الجبل، قيل: هو جبل الطور (فَإِنِ اسْتَقَرَّ) مكانه ولم يتزلزل عند رؤيتي له (فَسَوْفَ تَرَانِي) وإن ضعف عن ذلك فأنت أضعف منه، فهذا الكلام بمنزلة ضرب المثل لموسى الَايا بالجبل (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ) ظهر له، وتجلى الشيء: أي انكشف (جَعَلَهُ دَكَّا) أي: جعله مدكوكًا مدقوقًا، فصار ترابًا. وفي حديث أنس مرفوعًا: فساخ الجبل (وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا ) أي: مغشيًّا عليه مأخوذًا من الصاعقة (فَلَمَّا أَفَاقَ) من غشيته (قَالَ سُبْحَانَكَ) أي: أنزهك تنزيهًا (تُبْتُ إِلَيْكَ) عن العود إلى مثل هذا السؤال (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) بك قبل قومي المعترفين بعظمتك وجلالك. [١٤٤](إِنِّي اصْطَفَيْدَاءَ، عَاَ النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي ) صفحة 168 أي: اخترتك على الناس فخصصتك بالرسالة والتكليم من غير واسطة (فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ) أمره بأن يأخذ ما آتاه، أي: ما أعطاه من هذا الشرف الكريم (وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) على هذا العطاء العظيم، والإكرام الجليل. [١٤٥] (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) أي: من كل ما يحتاج إليه بنو إسرائيل في دينهم ودنياهم. وهذه الألواح هي لتوراة (مَوْعِظَةً) لمن يتعظ بها من بني إسرائيل (وَتَفْصِيلًا ) الأحكام المحتاجة إلى التفصيل (فَخُذْهَا بَقُوَّةٍ) أى: خ الألواح، أو خذ المواعظ والتفاصيل بجد ونشاط واعمل بما فيها ( وَأَمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا) أي: بأحسن ما فيها ممَّا أجره أكثر من غيره، ومن الأحسن الصبر على الغير، والعفو عنه، وفعل المأمور يه على أحسن وجوهه، وترك المنهي عنه وعدم مقاربته (سَأْرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) قيل: هي منازل الكفار من الجبابرة والعمالقة، ليعتبروا بها. [١٤٦] (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتكَبَّرُونَ) سأمنعهم فهم كتابي، وقيل: سأصرفهم عن الإيمان بها (وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا) مع كثرتها ووضوح دلالتها {ذَلِكَ) الصرف (بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) بسبب تكذيبهم بالآيات وتغافلهم عنها، أي: إن اللّٰه تعالى صرف قلوبهم عن الإيمان والتصديق بالرسالة لكونهم أصرُّوا على التكذيب والإعراض وتجبّرًا وكبرًا على كثرة ما رأوا من المعجزات. [ ١٤٧](وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ) أي: وصولهم إلى ما وعدوا به فيها (حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ) أي: بَطَل ما عملوه مما صورته صورة الطاعة، كالصدقة والصلة، وإن كانوا في حال كفرهم لا طاعاتِ لهم تبطل، بعد ما كانت مرجوة النفع ( هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أي: فلم يظلمهم اللّٰه تعالى شيئًا، ولم يزدهم على العقوبة التي يستحقونها. [١٤٨] (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ) أي: من بعد خروجه إلى الطور ( مِنْ حُلِيِّهِمْ) ما معهم من حلي الذهب (عِجْلًا) أي: صنعوا منها تمثالًا بصورة عِجْل (جَسَدًا) من البقر لا روح فيه [وكانت عبادة البقر واتخاذها الهة عادة من عادات قوم فرعون] (لَهُ خُوَارٌ) الخوار: صوت الثور إذا خار. روي أنه لما وعد موسى قومه ثلاثين ليلة، فأبطأ عليهم، في العشر المزيدة، قال السامري لبني إسرائيل، وكان مطاعًا فيهم: إن كان معكم حليًّا من حلي آل فرعون الذي استعرتموه منهم لتتزينوا به في العيد، وخرجتم وهو معكم، وقد أغرق اللّٰه أهله، فهاتوها، فدفعوها إليه، فصَنَعَ منها العجل المذكور (أَ بَ: أَمُ لَا يُكَلَّمُهُمْ ) فضلًا عن أن يقدر على جلب نفع لهم، أو دفع ضر عنهم (وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا) لا يدلهم على طريق خير حسيٍّ أو معنوي (اتَّخَذُوهُ) إلهَا (وَكَانُوا ظَالِمِينَ) لأنفسهمٍ في اتخاذه، أو في كل شيء. [١٤٩ ] (وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ) أي: ندموا وتِحيروا. قيل: كان ذلك بعد عودة موسى من الميقات (وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا) أي: باتخاذهم العجل، ، أنهم قد ابتلوا بمعصية اللّٰه سبحانه (قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا) لجأوا إلى الاستغاثة بالله والتضرع والابتهال في السؤال. [١٥٠] (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا) أي: حزينًا. وقيل: الأسف منزلة وراء الغضب أشد منه (قَالَ بِنْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِيٍ) بئسِ العمل ما عملتموه من بعد غيبتي عنكم (أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبَّكُمْ) أعَجِلتم عن انتظار ميعاده الذي وعدنيه، وهو الأربعون، ففعلتم ما فعلتم، أو تعجلتم سخط ربكم بعبادة العجل (وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ) أي: طرحها من شدة الغضب والأسف، حين أشرف على قومه وهم عاكفون على عبادة العجل (وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُدُّمُ اآ مه أخذ برأس أخيه هارون، صفحة 169 أو بشعر رأسه، لكونه بقي معهم وما غيّر ما رآه من عبادة بني إسرائيل للعجل (ابْنَ أَمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي) فلم أطق تغيير ما فعلوه، وإنما قال: ابن أمّ؛ لأنها كلمة لين وعطف، ولأن أمهما كانت كما قيل مؤمنة (فَلَا نَشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ) فلا تسرَّهم بمعاقبتك لي {وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أي: لا تجعلني بغضبك عليَّ في عداد القوم الظالمين، يعني: الذين عبدوا العجل، أي: فإني لم أفعل مثل فعلهم، أو لا تعتقد أني منهم. ١٥١] (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي) ليزيل عن أخيه ما خافه من الشماتة، فكأنه تذمَّم مما فعله بأخيه، وأظهر أنه لا وجه له، وطلب المغفرة له من اللّٰه بدل ما فرط في جانبه. [١٥٢] (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ) إلهًا ( سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ) لعل الغضب ما نزل بهم من العقوبة في الدنيا بقتل أنفسهم، انظر (سورة البقرة، الآية: ٥٤) (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وذلك مختص بالمتخذين للعجل إلهًا، لا لمن بعدهم من ذراريهم، ومجرد ما أمروا به من قتل أنفسهم هو من غضب اللّٰه عليهم (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ) ومنهم هؤلاء الذين جعلوا تمثال العجل إلهًا وليس بإله. فمن افترى على اللّٰه بعدهم سيناله من اللّٰه غضب وذلة في الحياة الدنيا. [١٥٣] (وَالَّذِينَ عَمِلُوا المَّيِّئَاتِ) أي: سيئة كانت (ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا) أي: من بعد ما عملوها (وَآمَنُوا) بالله (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا) أي: من بعد هذه التوبة، أو من بعد عمل هذه السيئات، وآمن بالله (لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) كثير الغفران والرحمة لهم. [١٥٤] (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ) لما سكن {أَخَذَ الأَلْوَاحَ ) التي ألقاها عند غضبه (وَفِي نُسْخَتِهَا هُدّى وَرَحْمَةً)) أي: فيما نسخ من الألواح المتكسرة، ونقل إلى الألواح الجديدة، والهدى: ما يهتدون به من الأحكام، والرحمة ما يحصل لهم من اللّٰه عند عملهم بما فيها من الرحمة الواسعة. [١٥٥](وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ) أي: من قومه (لِمِيقَاتِنَا) للوقت الذي وقَّتناه له بعد أن وقع في قومه ما وقع، أمره أن يأتي على الطور في موعدٍ وقَتَهُ له، في وفد من بني إسرائيل يعتذرون إليه سبحانه من عبادة العجل و(الرَّجْفَةُ) الزلزلة الشديدة، قيل: إنهم زُلزلوا حتى ماتوا (قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ) قاله عليات تحسرًا وتلهفًا، أي: لو شئت إهلاكنا لأهلكتنا [بذنوبنا قبل أن نأتي إليك فيقول بنو إسرائيل: إنني أخذتهم بمكيدة مني إلى القتل] « أَمْ اكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا) قيل المراد بهم: السامري وأصحابه (إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنُتُكَ أي: قد كانت مسألة السامري وعبادة العجل اختبارًا منك (تُضِلِّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ) [فأنت الذي بيدك الهداية والضلال، ولو شئت لهديتهم] ثم رجع إلى الاستعطاف والدعاء فقال: ( أَنتَ وَلِيُّنَا) أي: المتولي لأمورنا (فَاغْفِرْ لَنَا) ما أذنبناه (وَارْحَمْنَا) برحمتك التي وسعت كل شيء. [١٥٦] (وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدَّنْيَا حَسَنَةٌ) بتوفيقنا للأعمال الصالحة، أو تفضَّل علينا بإفاضة النعم في هذه الدنيا من العافية وسعة الرزق (وَفِي الْآخِرَةِ) أي: واكتب لنا في الآخرة الجنة (إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ) إنا تبنا إليك ورجعنا عن الغواية (قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ) المراد: الرجفة، أو يندرج نحته كل عذاب ويدخل فيه عذاب هؤلاء (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ من المكلفين وغيرهم ثم أخبر سبحانه أنه سيكتب هذه الرحمة الواسعة (لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) الذنوب (وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) المفروضة عليهم (وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) أي: يصدقون : ام.أع:ون لها. صفحة 170 [١٥٧] (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ) وهو لحمد عليه الصلاة والسلام، والأمي: [أي: من الأمم، من غير أهل الكتاب]. وقيل: الأمي الذي لا يكتب ولا يقرأ المكتوب (الَّذِي يَجِدُونَهُ) يعني: اليهود والنصارى يجدون نعته (مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) وهما مرجعهم في الدين. عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد اللّه بن عمرو بن العاص، فقلت له: أخبرني عن صفة رسول اللّٰه عَا يه قال: ((أجل والله، إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحِرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي. سميتك المتوكل، ليس بفظٌ ولا غليظٍ ولا صخَّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه اللّٰه حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا)) (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ) بكل ما تعرفه القلوب ولا تنكره من مكارم الأخلاق (وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ) أي: ما تنكره القلوب من مساوئ الأخلاق، وقبيح الأفعال والأقوال (وَيُحِلّ لَهُمُ الطََّّاتِ) أي: المستلذات وخاصة ما حرم على بني إسرائيل بسبب ذنوبهم (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) أي: النجاسات والمستخبثات حقيقة لما فيها من القبح والضرر، كالحشرات والخنازير (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ) التكاليف الشاقة الثقيلة (وَالْأَغْلَالَ الّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) التكاليف الشاقة التي كانوا قد كلفوها [مما لم يكن فيه مصلحة لذاته، بل كلفوا بها كعقوبة لهم على سيء أعمالهم] (فَالَّذِينَ آمَنُوا) منكم يا بني إسرائيل ومن غيركم (بِهِ) أي: بمحمد لل يه ( وَعَزَّرُوهُ) أي: عظموه ووقروه (وَنَصَرُوهُ) أي: قاموا بنصره على من يعاديه (وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ) أي: اتبعوا القرآن الذي أنزل عليه، مع اتباعه بالعمل بسنته مما يأمر به وينهى عنه [وهذه الصفات تنطبق أول كل شيء على صحابة رسول اللّٰه ويلِيم الكرام البررة، الذين امنوا وجاهدوا معه، وعزروه، وحموه، وبذلوا أنفسهم في سبيل نشر دعوته، ثم على التابعين لهم بإحسان، ثم على كل من سار على نهجهم. ومن امن به من بني إسرائيل ونَصَره شملته البشارة] (أَولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الفائزون بالخير والفلاح لا غيرهم من الأمم. [فكتب الرحمة يومئذ لهذه الأمة الإسلامية]. عن ابن عباس ة١].. ". مأل موسى ربه مسألة فأعطاها محمدا الِهِ (فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) فأعطى محمدا وعين كل شيء ساله موسى ربه في هذه الايات». [١٥٨] (قَلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ) أمر اللّٰه سبحانه نبيه محمدا وَلي أن يقول هذا القول المقتضي لعموم رسالته إلى الناس جميعًا، لا كما كان غيره من الرسل عليا يبعثون إلى قومهم خاصة (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) لأن من ملك السماوات والأرض وما فيهما هو الإله على الحقيقة، وهكذا من كان (يُحْيِي وَيُمِيتُ) هو المستحق لتفرده بالربوبية ونفي الشركاء عنه (الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ) ما أنزله اللّٰه عليه وعلى الأنبياء من قبله {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) أي: فإن الهداية في أمور الدين في اتباعه، من بني إسرائيل وغيرهم من الأمم والشعوب. [١٥٩] (وَمِنْ قَوْمٍ مُوسَى أُمَّةً)) لما قص اللّٰه ما وقع من السامري وأصحابه وما حصل من بين إسرائيل من التزلزل في الدين، قص علينا اللّٰه سبحانه أن من قوم موسى أمة مخالفة لأولئك (يَهْدُونَ بِالْحَقِّ) أي: يدعون الناس إلى الهداية متلبسين بالحق (وَبِهِ) أي: بالحقِ ا أُرنَ) بين الناس في الحكم. صفحة 171 [١٦٠] (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا ) أي: قطعنا قوم موسى، والمعنى: أنه ميز بعضهم من بعض حتى صاروا أسباطًا، كل سبط معروف على انفراده، لكل سبط نقيب (أَمَمَّا) أي: كل سبط قبيلة أبوهم أب واحد من أولاد يعقوب الاثني عشر (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ ) لما أصابهم العطش في التيه (فَانْبَجَسَتْ) أي: فضرب فانفجرت {مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا) بعدد الأسباط، لكل سبط عين يشربون منها (قَدْ عَلِمَ كُلّ أَنَاس مَشْرَبَهُمْ) أي: كل سبط عرف العين المختصة به التي يُشرب منها (وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ) أي: جعلناه مظللا عليهم في التيه يقيهم حرٍ الشمس، يسير بسيرهم، ويقيم بإقامتهم (وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى) تقدم تحقيقه في (سورة البقرة، الآية: ٥٧) ( كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) أي: وقلنا لهم كلوا من المستلذات التي رزقناكم {وَمَا ظَلَمُونَا) بما وقع منهم من المخالفة، وكفران النعم، وعدم تقديرها حق قدرها. [ ١٦١] ( اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ) أي: أرض بيت المقدس (وَكُلُوا مِنْهَا) مما فيها من الخيرات (حَيْثُ شِئْتُمْ) أي: في أي مكان شئتم من أمكنتها (وَقُولُوا حِطَّةٌ) تقدم فا (سورة البقرة، الآية: ٥٨) (وَاِدْخُلُوا الْبَابَ) أي: باب مدينة بيت المقدس (سُجَّدًا) ساجدين (نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ ) أي: متى دخلتم بيت المقدس منتصرين، وأنتم مع ذلك متذللون لله، خاشعون لله، سامعون مطيعون، يكون ذلك مغفرة لذنوبكم (سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) بما يتفضل به عليهم من النعم. [١٦٢] (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلَا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ) قد تقدم بيان ذلك في البقرة (رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ) عذابًا ( بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ) بسبب ظلمهم. [١٦٣ ] (وَاسْأَلَّهُمْ) [تذكيرًا لهم بما وقع لقدمائهم كيف مسخهم اللّٰه تعالى عِندما تلاعبوا بدينه، وتحايلوا على أمره ونهيه] (عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ) قيل: هي أيلة التي بجوار العقبة، وقيل: طبرية (إِذْ يَعْدُونَ) أي: يتجاوزون حدود اللّٰه بالصيد يوم السبت الذي نهوا عن الأعمال فيه. [وهم على ما قيل لم يأخذوا الحيتان مجاهرة وإنما احتالوا لأخذها بحيلة هي أنهم نصبوا لها الشِّبَاك يوم الجمعة، فوقعت فيها يوم السبت، فأخذوها يوم الأحد. وظاهر الآية: أنهم كانوا يأخذونها يوم السبت مجاهرة، والله أعلم بما كان ] (إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبتُونَ لَا تَأَد. : كَلِكَ نَبْلُوهُمْ ) ابتلاهم اللّٰه تعالى بسبب ظهور الفسوق فيهم، بأن تأتيهم الأسماك يوم السبت ظاهرة على وجه البحر، قريبة المأخذ يسهل صيدها، وفي سائر الأيام لا تأتي، ولا يقدرون عليها. وفي ذلك امتحان لمدى قدرتهم على الصبر عن محارم الله. [١٦٤] (وَإِذْ قَالَتْ أَمَةٌ)) جماعة من صلحاء أهل القرية لآخرين، ممن كان يجتهد في وعظ المعتدين في السبت، حين أيسوا من قبولهم للموعظة، وإقلاعهم عن المعصية لِمَ تَعِظُونَ قَوْمَا اللهُ مُهْلِكُهُمْ) أي: مستأصل لهم بالعقوبة (أَوْ مُعَذَّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا) بما انتهكوا من الحرمة وأصروا على المعصية بحيلة مفضوحة (قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبَّكُمْ) أي: قال الواعظون: موعظتنا لهم معذرة إلى الله، حتى لا يؤاخذنا بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللذين أوجبهما علينا (وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) يقلعون عما هم فيه من المعصية. هذا وإنَّ بني إسرائيل افترقوا ثلاث فرق: فرقة عصت وصادت، وفرقة اعتزلت فلم تنه ولم تعص، وفرقة اعتزلت ونهت ولم تعص. [١٦٥] ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكَّرُوا بِهِ أَنَّجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ) أي: لما ترك العصاة من أها الة. بة ما ذكَّرهم به الصالَحون صفحة 172 الناهون عن المنكر (وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا) وهم العصاة المعتدون في السبت (بِعَذَابِ بَثِيسٍ) أي: شديد (بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) أي: بسبب خروجهم عن أمر اللّٰه لهم بترك أخذ الصيد وسائر الأعمال يوم السبت. [١٦٦](فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ) أي: تجاوزوا الحد في معصية اللّٰه تمردًا وتكبرًا (قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً) أي: فصاروا كما أمرناهم، وبذلك مسخناهم قردة (خَاسِئِينَ) أذلاء مطرودين. وعن ابن عباس أيضًا قال: نجا الناهون وهلك الفاعلون، ولا أدري ما صُنع بالساكتين، والله لأن أكون علمت أن القوم الذين قالوا لم تعظون قومًا نجوا مع الذين نهوا عن السوء أحب إلي من حُمْرِ النَّعَمِ، ولكن أخاف أن تكون العقوبة نزلت بهم جميعًا. وعن عكرمة قال: فما زلت أبصّره حتى عرف أنهم قد نجوا، فكساني حلة. [١٦٧](وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ) أعلَمَ إعلامًا ظاهرًا (لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ) أي: ليسلطن على بني إسرائيل {إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُوْمُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ) أي: من أعدائهم يسلطون لليهم، فلم يزالوا هكذا أَذلاء مستضعفين معذبين بأيدي أهل الملل، ويسلّمون الجزية. [١٦٨] (وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمَا ) فليس قطر من أقطار الأرض إلا وفيه منهم طائفة (مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ) هم الذين آمنوا بمحمد واليه ومن مات قبل البعثة المحمدية غير مبدِّل (وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ) أي: دون الطائفة الأولى في الصلاح (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ) أي: امتحنَّاهم بالخير والشر، من الآمن والخوف، والرخاء والبلاء، ليرجعوا عما هم فيه من الكفر والمعاصي. [١٦٩] ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ) أولاد وذرية خلفوا أولئك، وأجيال نشأوا بعدهم، والخَلْفُ: خَلَفُ السوء (وَرِثُوا الْكِتَابَ) أي: التوراة من أسلافهم يقرأونها ولا يعملون بها (يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى) هو الدنيا يتعجلون مصالحها بالرشاوى والسحت في مقابلة تحريفهم لكلمات الله، وتهوينهم للعمل بأحكام التوراة، وكتمهم لما يكتمونه منها (وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا) أي: يعللون أنفسهم بالمغفرة مع تماديهم في الضلالة (وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضُ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ) ويتعللون بالمغفرة أيضًا، وهكذا مرة بعد مرة (أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِثَاقُ الْكِتَابِ) أي: التوراة (أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ) دون تحريف أو تبديل رغبة أو رهبة (وَدَرَسُوا مَا فِيهِ) تركوا العمل بالميثاق وقد درسوا ما في الكتاب وعلموه، ذكان. ١١: .ك منهم عن علم لا عن جهل، وذلك أشد ذنبًا وأعظم جرمًا (وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ) من ذلك العرض (لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) اللّٰه ويجتنبون معاصيه، ويحذرون من تحريف كلام اللّٰه والتحايل عليه. [ ١٧٠]وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ) أي: ومنهم طائفة يتمسكون بالكتاب، أي: التوراة ويعملون بما فيها، ويرجعون إليه في أمر دينهم، فهم المحسنون الذين لا يضيع أجرهم عند الله، وذلك التمسك منهم هو الإصلاح. [١٧١ ]وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ) أي: رفعنا الجبل مِن جذوره، وهو الطور (كَأَنّهُ ظلّةٌ) سحابة تظلهم (وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعُ بِهِمْ) أي: ساقط عليهم (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ) أي: وقلنا لهم: خذوا، والقوة: الجد والعزيمة (وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ) من الأحكام التي شرعها اللّٰه لكم ولا تنسوه. عن قتادة قال: انتزع اللّٰه الجبل من أصله، ثم جعله فوق رؤوسهم، ثم قالٍ: لتأخذُنَّ أمري أو لأرمينكم به. [١٧٢](وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) المعنى: أن اللّٰه سبحانه لما خلق آدم مسح ظهره فاستخرج منه ذريته وأخذ عليهم الحما ،، هؤلاء هم عالم الذر صفحة 173 {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنَّفُسِهِمْ) أي: أشهد كل واحد منهم قائلاً له: (أَلَسْتُ بِرَبَّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا) أي: على أنفسنا بأنك ربنا (أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) أي: لئلا تقولوا: لم يكن عندنا علم بكون اللّٰه ربنا وحده لا شريك له. [١٧٣] (وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ) لا نهتدي إلى الحق، ولا نعرف الصواب، وإنما استمر العمل بيننا بما كان عليه أوائلنا (أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) من آبائنا ولا ذنب لنا لجهلنا وعجزنا عن النظر واقتفائنا آثار سلفنا. [١٧٤] (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) إلى الحق ويتركون ما هم عليه من الباطل. ١٧٥]( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ) [أي: ذكّر بني إسرائيل بأمر آخر وقع لبعض أسلافهم حين ترك أمر اللّٰه لهوى نفسه كيف صنع اللّٰه به] عن ابن عباس قال: هو رجل من مدينة الجبارين يقال له: بَلْعَم، تعلم اسم اللّٰه الأكبر، فلما نزل بهم موسى أتاه بنو عمه وقومه، فقالوا: إن موسى رجل حديد، ومعه جنود كثيرة، وإنه إن يظهر علينا يهلكنا، فادع اللّٰه أن يرد عنا موسى ومن معه، قال: إني إن دعوت اللّٰه آن يرد موسى ومن معه مضت دنياي وآخرتي، فلم يزالوا به حتى دعا اللّٰه فسلخ ما كان فيه ( فَانْسَلَخَ مِنْهَا) انخلع منها بالكلية كما تنسلخ الشاة عن جلدها (فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ) أي: لحقه فأدركه وصار قرينًا له (فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) المتمكنين في الغواية وهم الكفار. ١٧٦] (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا) أي: لأكرمناه ورفعنا قدره بمعرفة الكتاب (وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ) مال إلى الدنيا، ورغب فيها وآثرها على الآخرة (وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) اتبع ما يهواه، وهو ما أعطاه الجبارون من حطام الدنيا الواسعة ليدعو على أهل الحق ويمكر بهم (إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ) إن حُمِّل الحكمة لم يحملها، وإن تركِ لم يهتد لخير، وقيل: المعنى: إن وعظته ضلَّ، وإن تركته ضلَّ، فهو في ضلال ملازم لانسلاخه عن آيات ربه، فهو كالكلب إن كان رابضًا لهث، وإن يطرد لهث {ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ) أي: ذلك المثل الخسيس مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا من اليهود وغيرهم، بعد أن علموا بها وعرفوها فحرَفوا وبدلوا وكذبوا بها (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ) الذي هو صفة الرجل المنسلخ عن الآيات، فإن مَثلَهُ المذكور كمثل هؤلاء القوم المكذبين لك من اليهود (لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) فينزجرون عن الضلال، ويقبلون على الصواب. ١٧٧٦]«سَاءَ مَثَلّا الْقَوْمُ ااَّ: . . كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ) أي: قَبُحِ مثلهم، بقبح أفعالهم (وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ) أي: ما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم. [١٧٨] (مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي) لِمَا أمر اللّٰه به وشرعه لعباده (وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) الكاملون في الخسران. [١٧٩]( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ) خلقهم وهو يعلم أن عاقبتهم متكون إلى النار؛ لأنهم بعمل أهلها يعملون. وقد علم ما هم عاملون قبل كونهم {لَهُمْ قَلوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا) كما يفقه غيرهم (وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا) انتفى من الأعين إبصار ما فيه الهداية بالتفكر والاعتبار، وإن كانت مبصرة في غير ذلك، وانتفى من الاذان سماع المواعظ النافعة، والشرائع التي اشتملت عليها الكتب المنزلة، وما جاءت به رسل الله، وإن كانوا يسمعون غير ذلك ( أُولَئِكَ) المتصفون بهذه الأوصاف (كَالْأَنْعَامِ) في انتفاء انتفاعهم بهذه الحواس (بَلْ هُمْ أَضَلُّ) من البهائمِ؛ لأنها تدرك ما ينفعها ويضرها فتنتفع بما ينفع، وتجتنب ما يضر، وهؤلاء لا يميزون بين ما ينفع وما يضر باعتبار ما طلبه الأه م كانهم به. صفحة 174 [١٨٠] (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) أي: لله أحسن الأسماء لدلالتها على أحسن مسمى، وأشرف مدلول [من الرحمة والقدرة والعلم والحكمة والخبرة والعزة وغيرها] (فَادْعُوهُ بِهَا) [قائلين: يا رحمن، يا حليم، يا عليم] فإنه إذا دعي بأحسن أسمائه كانِ ذلك من أسباب الإجابة (وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ) يحرفون لفظها أو معناها. والإلحاد في أسمائه يكون على ثلاثة أوجه: إما بالتغيير كما فعله المشركون، فإنهم أخذوا اسم اللات من الله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان؛ أو بالزيادة عليها، بأن يخترعوا أسماء من عندهم لم يأذن اللّٰه بها، أو بالنقصان منها بأن ينكروا بعضها، قيل: نزلت في رجل من المسلمين كان يقول في صلاته: يا رحمن. يا رحيم. فقال رجل من المشركين: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربَّا واحدًا، فما بال هذا يدعو ربين اثنين؟ وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللّٰه وَلِه: ((إن لله تسعة وتسعين اسمًا: مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة، إنه وترٌ يحب الوتر». [١٨١] (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ)) قيل: هم من هذه الأمة، وإنهم الفرقة الذين لا يزالون على الحق ظاهرين، كما ورد به الحديث الصحيح. [١٨٢] ( سَنَسْتَدْرِجُهُمْ) الاستدراج: هو الأخذ بالتدريج منزلة بعد منزلة، وذلك بإدرار النعم عليهم وإنسائهم شكرها، ينهمكون في الغواية، ويتنكبون طرق الهداية. [١٨٣] (وَأَمْلِى لَهُمْ) أي: أطيل لهم المدة وأمهلهم وأؤخر عنهم العقوبة (إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) لأنه في الظاهر إحسان، وفي الحقيقة خذلان. ١٨٤] ( أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا) في شأن رسول اللّٰه ولالِ و فيما جاء به (مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ) شيء مما يدَّعونه من الجنون (إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ) منذر من اللّٰه لهم، معه الدليل على نبوته. ١٨](أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) والمعنى: إن هؤلاء لم يتفكروا حتى ينتفعوا بالتفكر، ولا نظروا في مخلوقات اللّٰه حتى يهتدوا بذلك إلى الإيمان به (وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ ) من الحيوانِ والنبات والكواكب وغيرها (وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ) فيموتوا عن قريب، فما لهم لا ينظرون فيما يهتدون به وينتفعون [قبل أن تنتهي المدة الممنوحة لهم للنظر والإيمان والعبادة بانتهاء آجالهم؟] (فَبِأَيِّ حَدِيثِ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) أ . فأرّ كلام يؤمنون به إن لم يؤمنوا بالقرآن، فليس هناك حديث خير منه، ولا أدعى منه للتفكر والاعتبار. [١٨٧] ( يَسْأَلُونَكَ) السائلون: هم اليهود، وقيل: قريش، (السَّاعَةِ) القيامة (أَيَّانَ مُرْسَاهَا) أي: متى يرسيها الله: أي يثبتها ويوقعها [كما ترسو السفينة القادمة في البحر عند الشاطئ] (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي) لا يعلمها غيره (لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ) أي: لا يظهرها لوقتها ولا يكشف عنها إلا الله سبحانه ( ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) لا تطيقها السماوات والأرض لعظمها؛ لأن السماء تنشق، والنجوم تتناثر، والبحار تنضب (لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً) إلا فجأة على غفلة وأنتم آمنون، أي: فلن يُطْلِع اللّٰه على وقت مجيئها أحدًا (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيُّ عَنْهَا) كأنك عالم بها، أو كأنك مستقصٍ للسؤال عنها حتى علمتها (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [ ومفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، منها وقت قيام الساعة]. [١٨٨ ] (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ) لتأكيد ما تقدم من عدم عا.ه.١١ اعة أيان تكون ومتى تقع، صفحة 175 أي: فبالأولى لا أقدر على علم ما استأثر اللّٰه بعلمه (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَا سُتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ) أي: لا شتريت حين يكون فيما أشتريه الربح، وبعت حين يكون الربح في البيع، فيكثر مالي، ولا أخسر في بيع، ولتعرضت لما فيه الخير فِجلبته إلى نفسي، وتوقيت ما فيه السوء حتى لا يمسني (إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْم يُؤْمِنُونَ) مبلّغ عن اللّٰه لأحكامه أنذر بها قومًا، وأبشر بها آخرين، ولست أعلم بغيب اللّٰه سبحانه، أي: وليس الإخبار بالغيب من مهمتي، ولا العلم به من صفتي. ١٨٩] (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) آدم، وقيلِ: من نفس واحدة يعني من جنس واحد وشكل واحد (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) وهي حواء، خلقها من ضلع من أضلاعه ( لِيَسْكَنَ إِلَيْهَا) يأنس إليها ويطمئن بها، فإن الجنس بجنسا أسكن، وإليه آنس، وكان هذا فى الجنة (فَلَمَّا تَغَشّاهَا) كناية عن الوقاع: أي: فلما جامعها (حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا) علقت به بعد الجماع (فَمَرَّتْ بِهِ) أي: استمرت بذلك الحمل تقوم وتقعد وتمضي في حوائجها لا تجد به ثقلًا ( فَلَمَّا أَثْقَلَتْ ) لكبر الولد في بطنها (دَعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا) دعا آدم وحواء ربهما (لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا) أي: ولدًا صالحًا ذا خَلْقٍ سويِّ ( لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) لك على هذه النعمة. [١٩٠ ] (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا) أي: الولد الصالح، وقيل: صالحًا: أي غلامًا سويًّا، لا كما خافا أن يكون على خلق آخر، وأجاب دعاءهما (جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آَتَاهُمَا) قال جماعة من المفسرين: إن الجاعل شركاء فيما آتاهما، هم جنس بني آدم، كما وقع من المشركين منهم، ولم يكن ذلك من آدم وحواء. وقيل: هو آدم سمَّى ابنه ذاك: عبد الحارث. فهو شرك في التسمية لا في العبادة. [١٩١] ( أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا) أي: أيجعلون الأصنام شركاء لله في العبادة، وهم يعلمون أن هذه الأصنام لم تخلق شيئًا من الخلق حتى تستحق بذلك أن تُعبَد {وَهُمْ يُخْلَقُونَ) أي: وهؤلاء الذين جعلوهم شركاء من الأصنام أو الشياطين مخلوقون. [١٩٢] (وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا) إن طلبوه منهم (وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ) ومن عجز عن نصر نفسه، فهو عن نصر غيره أعجز. [١٩٣] (وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ)) وإن تدعوا هؤلاء الأصنام إلى الهدى لا يجيبوكم إلى ذلك سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنَّتُمْ دَ لمتُ. ٦ه فحالهم واحدة عند ندائكم وعدم ندائكم؛ لأنهم مجرد أحجار منحوتة جامدة. [١٩٤] (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ) هؤلاء الذين جعلتموهم آلهة هم عباد الله، كما أنتم عبادٌ له، مع أنكم أكمل منهم؛ لأنكم أحياء تنطقون، وتمشون، وتسمعون، وتبصرون، وهذه الأصنام ليست كذلك، ولكنها مثلكم في كونها مملوكة لله مسخَّرة لأمره ( فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ} أي: فليردوا عليكم بالجواب إن كانوا أحياء {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) فيما تدعونه لهم من قدرتهم على النفع والضر. [١٩٥] {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ) أي: هؤلاء الذين جعلتموهم شركاء لِله في العبادة ليس لهم شيء من الآلات التي هي لكم (أَمْ لَهُمْ أَيْدِ يَبْطِشُونَ بِهَا) أي: يعملون بها، أو يضربون بها، فكيف تدعون من هم على هذه الصفة من سُلِب الأدوات، وبهذه المنزلة من العجز؟ والبطش: الأخذ بقوة (قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ) أنتم وهم جميعا ما يم من ه ال فَلا تُنْظِرُونِ) أي: فلا تمهلوني، ولا تتأخروا عن إنزال الضرر بي، إن كنتم أنتم وهم قادرين على شيء من الضرر. أمره اللّٰه تعالى بتحدِّيهم بذلك ليظهر لهم ع-: آاجتهم عن كل شيء. صفحة 176 [١٩٦] (إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ) أي: كيف أخاف هذه الأصنام التي هذه صفتها، ولي وَلِيُّ ألجأ إليه وأستنصر به وهو اللّٰه وال (وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) أي: يحفظهم وينصرهم، ويحول ما بين أعدائهم وبينهم. [١٩٨] (وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ) أي: الأصنام، كانوا صنعونها تماثيل كهيئة بني آدم، أو كالحيوانات، ولها مثال الأيدي والأرجل والأعين، ولكنها جامدة لا تبطش ولا نمشي ولا ترى شيئًا. ١٩٩٦] (خُذِ الْعَفْوَ) من أخلاق الناس وصدقاتهم، فلا تكلفهم ما يشق عليهم، ثم كلفوا بالحدود وبالزكاة بعد ذلك. وكان رسول اللّٰه وَيّي يقول: ((يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشروا ولا تنفروا)) (وَأَمُرْ بِالْعُرْفِ) المعروف، وهو كل خصلة حسنة ترتضيها العقول وتطمئن إليها النفوس (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) أي: إذا أقمت الحجة عليهم في أمرهم بالمعروف فلم يفعلوا، فأعرض عنهم ولا تمارهم ولا تسافههم مكافأة لما يصدر منهم من المراء والسفاهة؛ لكونهم من أهل الجهالة. [٢٠٠] (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ) النزغ: الوسوسة بالفساد، يقال: نزغ بيننا: أي: أفسد ( فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) التجِئ إليه؛ فإنه يسمع ذلك منك ويعلم به. ٢٠١] (طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ) هو الوسوسة؛ لأنها لمة من الشيطان تشبه لمة الخيال. ووسوسته: أمره بالسوء عند الغضب [وتسويل ارتكاب المعصية] (تَذَكَّرُوا) عظمة ربهم ونهيه (فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) منتبهون [يعلمون أن ذلك نزغ من الشيطان، فيكفون عن معصية الله، ويعصون الشيطان]. [٢٠٢] (وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ) [أصله أن صاحب الدابة يمسكها برسنها ويتركها ترعى، وكلما ابتعدت عنه مدَّ لَها الحبل لترعى، فإذا قاربت أن ترد ما فيه عليها ضرر أقصر لها وجذبها إليه]. فالمعنى: وإخوان الشياطين، وهم الفجار من ضُلال الإنس، تمدهم الشياطين ليرعوا في مراعي الغي، فيقبلون منهم ويقتدون بهم، ثم لا تقصر الشياطين لهم ولا تحول بينهم وبين ما يشتهون، بل تزيدهم وسوسة وإضلالًا حتى يهلكوا. [٢٠٣] (وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا)) كانوا يقولون لرسول اللّٰه ويلِي إذا تراخى الوحي: هلا أتيت بشيء من الآيات القرآنية افتعالًا من تلقاء نفسك (قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ) فما أوحاه إلي وأنزله عاء أاخه إليكم هذا القرآن المنزل علي هو (بَصَائِرُ مِنْ رَبَّكُمْ) يتبصر بها من قبلها (وَهُدَّى) يهتدي به المؤمنون إلى مراضي ربهم. [٢٠٤] (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا) لتنتفعوا به، وتتدبروا ما فيه من الحكم والمصالح. وهذا في الصلاة وغيرها [ولا تجعلوه كسائر الكلام، يُعرِض عنه من يعرض] (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) أي: تنالون الرحمة وتفوزون بها بامتثال أمر اللّٰه سبحانه، [وسماع آيات كتابه]. [٢٠٥] (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ) خفية بتأمل وتدبر (تَضَرُّعًا وَخِيفَةً) أي: متضرِّعًا وخائفًا (وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ) أي: تسمع نفسك ولا تصرخ به صراخًا، ومتكَلمًا بكلام هو أقلّ من الجهر من القول (بالْغُدُوِّ) أي: أوقات (وَالْآصَالِ) أوقات الغدوات، والغدوة: الصباح الأصائل: والأصيل: الوقت من بعد العصر إلى الغرب (وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ) أي: عن ذكر اللّٰه تعالى. [٢٠٦] (إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ) المراد بهم: الملائكة (وَيُسَبِّحُونَهُ) يعظمونه وينزهونه عن كل شين (وَلَهُ يَسْجُدُونَ) أي: يخصونه بعبادة السج. . ١ل- هي أشرف عبادة. صفحة 177 تفسير سورة الأنفال وهي مدنية، نزلت في عقب غزوة بدر. [١] ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ) أي: الغنائم (قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) أي: حكمها مختص بهما، يقسِّمها بينكم رسول اللٰه وَاليه عن أمر اللّٰه سبحانه، وليس لكم حكم في ذلك، عن عبادة بن الصامت، قال: خرجنا مع رسول اللّٰه وَالِّيِ فشهدت معه بدرًا، فالتقى الناس، فهزم اللّٰه العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، وأكبَّتْ طائفة على العسكر يحوزونه ريجمعونه، وأحدقت طائفة برسول اللّٰه وَلِّيِ لا يصيب العدو منه غرة؛ حتى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب؛ وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق بها منا، نحن نفينا عنه العدو وهزمناهم؛ وقال الذين أحدقوا برسول اللّٰه وَلِيه:. لستم بأحق بها منا، نحن أحدقنا برسول اللّٰه وَلِي وخفنا أن يصيب العدوَّ منه غرَّة فاشتغلنا به، فنزلت (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ) وقسمها رسول اللّٰه وَاليه بين المسلمين، وقيل: إن هذه الآية جعلت الغنائم ملكًا لرسول اللّٰه وَاليّي، ثم نسخ ذلكِ بقوله تعالى (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) (الآية: ٤١) (وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ) حيث اختلفوا في الأنفال، عن مكحول قال: كان صلاح ذات بينهم أن رُدَّت الغنائم، فقسمت بين مَن ثَبَتَ عند رسول الله وَالِيه وبين مَن قاتل وغَنِم {وَأطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) تهييج لهم على التقوى، وإصلاح ذات البين وطاعة اللّٰه ورسوله؛ فإن الإيمان لا يتم إلا بهذه الثلاثة، ولذلك كانت الطاعة علامة على صدق الإيمان. [٢] (وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) المعنى: أن حصول الخوف من اللّٰه والفزع منه عند ذكره هو شأن المؤمنين (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) لا على غيره، والتوكل على الله: تفويض الأمر إليه. [٤] (أُولَئِكَ) المتصفون بالأوصاف المتقدِّمة (هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقَّا) الكاملون الإيمان، البالغون فيه إلى أعلى درجاته وأقصى غاياته (لَهُمْ دَرَجَاتٌ) أي: منازل خير وكرامة وشرف الجنة [بعضها أعلى من بعض بحسب إيمان أصحابها وأعمالهم الصالحة]، وفي كونها عنده سبحانه زيادة تشريف لهم وتكريم (وَمَغْفِرَةٌ)) لذنوبهم (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) من واسع فضله، وفائض جوده. [٥] ( كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ) [ يذكر اللّٰه تعالى في هذه الآية وما بعدها أن الفضل في النصر في غزوة بدر إنما هو الله تعالى، ولذا فالغنائم له ولرسوله، ومن ذلك أنه أخرجم من المدينة لحرب المشركين وأكثرهم كارهون، وصرفهم إلى قتال جيش الكفار، وكان أكثرهم لا يريدون، وأمدهم بالملائكة إلى غير ذلك مما توضحه السورة]. [٦] (يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ) ومجادلتهم لما ندبهم إلى إحدى الطائفتين، وفات العير، وأمرهم بقتال النفير، ولم يكن معهم كثير استعداد؛ لذلك شق عليهم وقالوا: لو أخبرتنا بالقتال لأخذنا العدَّة وأكملنا الاستعداد (كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ) خرجوا وهم يائسون من النصر لا يخطر ببالهم، ويتوقعون الهزيمة كأنهم في حال من يساق ليُقتل وهو مشاهِد لأسباب قتله، ناظِر إليها، لا يشك فيها. ٧] (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ) والطائفتان: هما العير والنفير [أوحى اللّٰه إلى رسوله وعَلِيّي عند خروجهم إلى بدر أنكم ستظفرون، إما بالعير: وهي قافلة قريش الآتية من الشام تحمل ا. ذاأم والتجارات، وإما بالنفير: صفحة 178 وهو جيش قريش الآتي لقتالكم] (وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ) الشوكة: السلاح، وهي طائفة العير؛ لأنها غنيمة صافية عن كدر القتال، إذ لمِ يكن معها من يقوم بالدفع عنها (وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ) من ظفركم بذات الشوكة، وقتلكم لصناديدهم، وأسر كثير منهم حتى تظهر قوة الإسلام (وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ) أي: يستأصلهم جميعًا. [ ٨] (لِيُحِقَّ الْحَقَّ) ليثبت الإسلام في الأرض ويعلي بنيانه (وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ) يمحق الشرك حتى يبطل وجوده وينتهي (وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) هم المشركون من قريش، أو جميع الطوائف الكفار. [٩] (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ) لما علموا أنه لا بدَّ من قتال النفير كما أمرهم الله، ورأوا كثرة عدد النفير وقلة عددهم، استغاثوا بالله سبحانه، وإن النبي وَالِيْ لما رأى ذلك استقبل القبلة، ثم مدَّ يديه، فجعل يهتف بربه: (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض)) (فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنَّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ) جند منهم يقاتلون المشركين معكم (مُرْدِفِينَ) متتابعين: أمدهم اللّٰه بألف، ثم جعلهم ثلاثة، ثم أكملهم خمسة. [١٠] (وَمَا جَعَلَهُ اللهُ) أي: الإمداد بالملائكة (إِلَّا بُشْرَى) إلا بشارة لكم بنصره (وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ) أي: بالإمداد (قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ) لا من عند غيره، ليس هو من عند الملائكة (إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ) لا يغالَبُ ( حَكِيمٌ ) في كل أفعاله، عن عمر قال: أما يوم بدر فلا نشك أن الملائكة كانوا معنا، واما بعد ذلك فاللّه اعلم ١١] (إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ) سكَّن اللّٰه قلوبهم وأمَّنها حتى ناموا آمنين غير خائفين، وكان هذا في الليلة التي كان القتال في غدها، وقيل: إن النوم غشيهم في حال التقاء الصَّفَّين (وَيُنَزَّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) أنزل اللّٰه علي جيش المسلمين قبل القتال مطرًا حتى سال الوادي (لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) ليرفع عنكم الأحداث [فاغتسلتم وصليتم على أتم الوجوه وأكملها، ولم يكن قد شرع التيمم] (وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ) أي: وسوسته لكم من الخوف والفشل (وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ) فيجعلها صابرة قوية ثابتة في مواطن الحرب (وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ) فقد اشتدَّ بالمطر رخو الأرض ورملها وزال الغبار. [١٢ ] (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَ ١أ - لَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ ) نعمة أخرى يذكِّرهم بها ( فَثَبُّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا) بشِّروهم بالنصر، أو ثبّتوهم على القتالِ بالحضور معهم وتكثير سوادهم ( سَأُلْقِي فِي قُلُوبٍ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} تقدَّم بيانه في (سورة آل عمران، الآية: ١٥١) (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ) أعاليها؛ لأنها المفاصل الذي يكون الضرب فيها أسرع إلى القطع، قيل: وهذا أمر للملائكة، وقيل: للمؤمنين (وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) أطراف الأصابع من اليدين، فإنه إذا ضربت البنان تعطل المضروب عن القتال، بخلاف سائر الأعضاء. [١٣ ] (ذَلِكَ) القتل للمشركين (بِأَنَّهُمْ شَاقُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) لأنهم خاصموا اللّٰه ورسوله وعاندوهما . [١٤ ] (ذَلِكُمْ) إشارة إلى العقاب العاجل الذي أصيب به المشركون (فَذُوقُوهُ) [يا معشر المشركين واشعروا بآلامه وتجرَّعوا غُصَصَه] (وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ) وعيد بالعقاب الآجل. ١٥] ( زَحْفًا ) أي: يمشي بعضكم إلى بعض ( فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ) نهى اللّٰه المؤمنين أن ينهزموا عن الكفار إذا لقوهم. [١٦] (وَمَنْ يُوَلَهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبْرَهُ) أي: من أدار إليهم ظهره منهزمًا يوم الزحف (إِلَّا مُتًِّذًا اتمِتَالٍ) من جانب إلى جانب صفحة 179 في المعركة طلبًا لمكائد الحرب، وخذعًا للعدوِّ، كمن يوهم أنه منهزم ليتبعه العدوُّ فيكرُّ عليه ويتمكن منه؛ فإن الحرب خدعة (أوْ مُتَحَيِّزًّا إِلَى فِئَةٍ) أي: إلى جماعة من المسلمين غير الجماعة المقابلة للعدوّ (فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبِ مِنَ اللهِ) رجع بغضب كائن من اللّٰه إلا المتحرِّف والمتحيّ (وَمَأَوَاهُ جَهَنَّمُ) ففراره أوقعه إلى ما هو أشد بلاء مما فرَّ منه وأعظم عقوبة (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)) ما صار إليه من عذاب النار، ورد عن النبيِّ وَلِي تسمية التولَي يوم الزحف من كبائر الذنوب. [١٧] ( فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ) بما يسَّره لكم من الأسباب الموجبة للنصر (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ) هو ما كان منه وَال يه في يوم بدر؛ فإنه أخذ قبضة من تراب فرمى بها في وجوه المشركين، فأصابت كل واحد منهم ودخلت في عينيه ومنخريه وأنفه (وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى) أي: لم ترمها أنت على الحقيقة؛ لأنك لو رميتها وكانت على الوجه المعتاد ما بلغ أثرها إلا ما يبلغه رمي البشر، ولكنها كانت رمية اللّٰه حيث أثرت ذلك الأثر العظيم، وأثرُها الذي لا يطيقه البشر فعلُ اللّٰه وعمل (وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا) أي: وللإنعام عليهم بنعمه الجميلة فَعل ذلك، لا لغيره ( إِنَّ اللَهَ سَمِيعٌ) لدعائهم (عَلِيمٌ) بأحوالهم. [١٨ ] (ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ) أي: إن الغرض بما وقع مما حكته الآيات السابقة إبلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين. [١٩] (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ) خطاب للكفار تهكمًا بهم، وقد كانوا عند خروجهم من مكة سألوا اللّٰه أن ينصر أحق الطائفتين بالنصر (وَإِنْ تَنْتَهُوا) عما كنتم عليه من الكفر والعداوة (فَهُوَ) أي: الانتهاء (خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا ) إلى الكفر والعداوة (نَعُدْ) بتسليط المؤمنين عليكم ونصرهم، كما سلَّطناهم في يوم بدر (وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِتَتُكُمْ) وهي قومهم بمكة (وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) ومن كان اللّٰه معه فهو المنصور. [٢٠] (وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ) [أي: لا تعرضوا عنه إذا ناداكم وسمعتم نداءه]. [٢١] (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا) وهم المنافقون أو اليهود، فإنهم يسمعون بآذانهم من غير فهم ولا عمل، فهم كالذي لم يسمع أصلًا [أو المراد: أنهم سمعوا القول فلم يستجيبوا، ١٠ ال. ا: سمعنا وعصينا]. ٢٢٠] إن شرّ الدوَاب* اي: ما دبّ على الارض ( عِنْدَ اللهِ) أي: في حكمه (الصُّمُّ الْبُكْمُ) أي: الذين لا يسمعون ولا ينطقون، وُصفوا بذلك مع كونهم ممن يسمع وينطق؛ لعدم انتفاعهم بالسمع والنطق (الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) ما فيه من النفع لهم فياتوه، وما فيه من الضرر عليهم فيتجنبوه، فهم شرُّ الدوابِّ عند الله؛ لأنها تميِّز بعضَ تمييز، وتفرِّق بين ما ينفعها ويضرُّها. [٢٣] (وَلَوْ عَلِمَ اللَهُ فِيهِمْ) أي: في هؤلاء الصُّمِّ البكم (لَأَسْمَعَهُمْ) سماعًا ينتفعونٍ به ويتعقلون عنده الحجج والبراهين (وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) لأنه قد سبق في علمه انهم لا يؤمنون. [٢٤] (اسْتَجِيبُوا لِلْهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكَمْ لِمَا يُحْيِيكَمْ) أي: بادروا إلى طاعة رسول اللّٰه وَلِيِهِ و تنفيذ أمره؛ فإن أوامره فيها حياة لكم وعز وكمال، كما إذا دعاكم إلى ما فيه حياتكم من علوم الشريعة، فإن العلم حياة، والجهل موت؛ وإلى ما تضمنه القرآن من أوامر ونواهٍ، ففيه الحياة الأبدية، والنعمة السرمدية؛ وإلى الجهاد؛ فإنه سبب الحياة في الظاهر، لأن العدوَّ إذا لم يُغْزَ غزا، وع. أ. ... حيد بن المعلي قال: صفحة 180 ((كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله والِيهِ فلم أجبه، ثم أتيته فقلت: يا رسول الله، إني كنت أصلي، فقال: ألم بقل اللّٰه تعالى: استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم) (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) قيل معناه: بادروا إلى الاستجابة لأوامر اللّٰه تعالى ما دامت قلوبكم لينة مطاوعة لكم، قبل أن تتغير الأحوال فلا تطاوعكم، وذلك بموت الإنسان فلا يستطيع العمل، ومَن أكثر من المعصية فقد لا يوفق للاستجابة بعد ذلك. [٢٥] (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) أي: اتقوا فتنة تتعدَّى الظالم، فتصيب الصالح والطالح [أي: إذا لم تقوموا بالاستجابة لأوامر اللّٰه ورسوله لا ياه وتقفوا لتأبيد الحقِّ وإنكار الباطل، ربما أصابتكم فتِنة تهلك الظالمين، وتتعداهم إلى أهل الصلاح] (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) ومن شدَّة عقابه أنه يصيب بالعذاب من لم يباشر أسبابه، والذين لم يظلموا قد تسببوا للعقوبة بأسباب: كترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى بظهر الفساد، فتكون العقوبة عامة لا خاصة. [٢٦] (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ) الخطاب للمهاجرين، وقيل: هو لأمة العرب ( مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ) هي أرض مكة ( تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ) الخطف: الأخذ بسرعة، والناس: مشركو قريش، وقيل: فارس والروم (فَاوَاكُمْ ) ضمكم اللّٰه إلى المدينة، أو إلى الأنصار (وَأَيْدَكُمْ بِنَصْرِهِ) أي: قواكم بالنصر في مواطن الحرب التي منها يوم بدر (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيَّبَاتِ) التي من جملتها الغنائم (لَعَلَّكُمْ شَكَرُونَ) هذه النعم التي أنعم بها عليكم [٢٧] (لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ) نهاهم اللّٰه عن أن يخونوه بترك شيء افترضه عليهم، أو يخونوا شيئًا من الأمانات التي اؤتمنوا عليها (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أن ذلك الفعل خيانة، فتفعلون الخيانة عن عمد. [٢٩] (يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا) يجعل لكم بالتقوى من ثبات القلوب، وقوة البصائر، وحسن الهداية ما تفرقون به بين الحق والباطل، ويتبين لكم به المخرج من الشبهات، والنجاة من كل ما تخافونه. [٣٠] (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُنْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ) عن ابن عباس قال: تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتُوه بالوثاق، يريدون النبي وَلِيِي، وقال بعضهم: بل أخرجوه، فأ-ا١ - اللّٰه نبيه على ذلك، فبات ال ن الت ا ا النون ما حدوة لحتول الله وَلِليم من المكايد، فيجازيهم اللّٰه على ذلك، ويرد كيدهم في نحورهم. [٣١](قَالُوا) تعنتًا وتمردًا وبُعدًا عن الحق (قَدْ سَمِعْنَا) ما تتلوه علينا (لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا) الذي تلوته علينا، فلما راموا أن يقولوا مثله عجزوا عنه، ثم قالوا عنادًا وتمردًا (إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) أي: ما يسطره الوراقون من أخبار الأولين. [٣٢] (فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا) قالوا هذا مبالغة في الجحود والإنكار. [٣٣](وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ) يا محمد ( فِيهِمْ ) موجود، فإنك ما دمت فيهم فهم في مهلة من العذاب الذي هو الاستئصال (وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذَبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) روي أنهم كانوا يقولون في الطواف: غفرانك، وقيل المعنى: لو كانوا ممن يؤمن بالله ويستغفره لم يعذبهم، وقيل: وما كان اللّٰه ليعذبهم وفيهم من يستغفر من المسلمين، فلما خرجوا من بين أظهرهم عذبهم بيوم بدر مما .-ا ها. صفحة 181 [٣٤] (وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذْبَهُمُ اللهُ) أي: إنهم مستحقون عذاب اللّٰه لما ارتكبوا من القبائح (وَهُمْ يَصُدَّونَ) الناس (عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) من آمن منهم بالله واتبع الرسول، فلا يمكِّنونهم من أداء المناسك (وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ) هذا كالرد لما كانوا يقولونه من أنهم ولاة البيت (إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ) أي: ما أولياؤه إلا من كان في عداد المتقين للشرك والمعاصي، فإنه لله، فلا ولاية عليه لأولياء الأصنام. [٣٥] (وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً) المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق، أي: فلم يكن البيت معمورًا بالعبادة التي فيها تعظيم لله على الوجه المشروع، بل بتلك الصلاة السخيفة: الصفير والتصفيق، وقيل المعنى: إن المشركين كانوا يصفرون ويصفقون عند البيت، فوضعوا ذلك موضع الصلاة قاصدين به أن يشغلوا المصلين من المسلمين عن الصلاة (فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) أي: فهذا جزاؤكم على ما فعلتم، وهو ما حصل لكم يومٍ بدر . [٣٦] ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ) للصد عن سبيل الحق بمحاربة رسول اللّٰه وقية وجمع الجيوش لذلك، وإنفاق أموالهم عليها (فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ) عاقبة ذلك أن يكون إنفاقهم (عَلَيْهِمْ حَسْرَةً) عليها ندمًا [لأنهم يخسرونها في غير فائدة يحصلون عليها بل تأتيهم بالمصائب] (ثُمَّ يُغْلَبُونَ) كما وعد الله به في مثل قوله: (كَتَبَ اللَهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) وصدق الله، فقد كان خبر هذه الآية من المعجزات. [٣٧](لِيَمِيزَ اللهُ) الفريق (الْخَبِيثَ من الكفار (مِنَ) الفريق {الطِّبِ) وهم المؤمنون {وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا)) أي: يجمع بعضهم إلى بعض حتى يتراكموا لفرط ازدحامهم في جهنم [٣٨] (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا) عما هم عليه من عداوة رسول اللّٰه واليه وقتاله بالدخول في الإسلام (يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) من العداوة؛ فإن الإسلام يجبُّ ما قبله (وَإِنْ يَعُودُوا) إلى القتال والاعتداء والكفر (فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ) أي: قد مضت سنة اللّٰه فيمن فعل مثل فعل هؤلاء من الأولين من الأمم أن يصيبهم بعذاب، فليتوقعوا مثله. [٣٩] (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ)) أي: كفر، وقد نقدم تفسير هذا في (سورة البقرة، الآية: ١٩٣). [٤٠] (وَإِنْ تَوَلَّوْا) عما أُمروا به من الانتهاء ( فَاعْلَمُوا ) أيها المؤمنون (أَنَّ اللهَ مَوْلَادُ. أ .. ناصركم عليهم نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ فمن والاه فاز، ومن نصره غَلَب. [٤١] (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) الغنيمة: مال الكفار إذا ظفر به المسلمون على وجه الغلبة والقهر، فيقسَّم على الغانمين أربعةُ أخماسه، وأما الخمس الخامس فيكون لمن ذكر في هذه الآية، والغنائم شاملة لكل ما غنمه المسلمون من أرض ومال وغيرها، وقيل: هذه الآية خاصة بغير الأرض، أما الأرض فلا تقسَّم على الغانمين، فإن الصحابة ا ما لهم يقسموا إلا الأموال المنقولة، أما الأرض فقد أبقوها لبيت مال المسلمين (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) قال الشافعي: إن الخمس يقسم على خمسة، وإن سهم اللّٰه وسهم رسوله واحد يصرف في مصالح المؤمنين، والأربعة الأخماس على الأربعة الأصناف المذكورة في الآية، وقول أبي حنيفة: إنه يقسم الخمس على ثلاثة: لليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وقد ارتفع حكم قرابة رسول اللّٰه والي بموته كما ارتفع حكم سهمه وَلِذِي الْقُرْبَى) أي: أقارب النبي لَلِلي وهم: بنو هاشم، وبنو المطلب، وأما الأسهم الأربعة الأخرى من الغنيمة فتقسم على الغانمين الذين حض ١١١٠.. ركة (إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ) صفحة 182 أي إن كنتم مؤمنين بالله فانقادوا وسلِّموا لأمر اللّٰه فيما أعلمكم به من حال قسمة الغنيمة، فاقطعوا عنه أطماعكم، واقتنعوا بالأخماس الأربعة (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا) محمد وَلِلِهِ يوم در من الملائكة، والنصر، والآيات، والمعجزات (يَوْمَ الْفُرْقَانِ) يوم بدر؛ لأنه فرق بين أهل الحق، وأهل الباطل (يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ) الفريقان من المسلمين والكافرين. [٤٢] (إِذْ أَنّتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا) بالجنب الأدنى من الوادي إلى جهة المدينة، وعدوكم بالجانب الأقصى منه مما يلي مكة (وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ) والمراد: ركب أبي سفيان، وهي العير، فإنهم كانوا في موضع أسفل منهم مما يلي ساحل البحر، فامتنَّ اللّٰه على المسلمين بنصرتهم عليهم والحال هذه (وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلْفْتَمْ فِي المِيعَادِ) أي: لو تواعدتم أنتم والمشركين على أن تلتقوا في هذا الموضع لخالف بعضكم بعضًا، فثبَّطكم قلّتُكم وكثرتهم عن الوفاء بالموعد، وثبطهم ما في قلوبهم من المهابة لرسول اللّٰه لَلِيِ ( وَلَكِنْ) جمع اللّٰه بينكم في هذا الموطن (لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا) من نصر أوليائه، وخذلان أعدائه، وإعزاز دينه، وإذلال الكفر، ولم يكن في حساب الطائفتين أن يقع هذا الاتفاق على هذه الصفة (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّئَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ) أي: ليموت من يموت عن بينة، ويعيش من عاش (عَنْ بَيِّنَةٍ)) لئلا يبقى لأحد على اللّٰه حجة، وقيل المعنى: ليكون كفر من كفر عن غير شبهة، وإسلام من أسلم عن غير شبهة كذلك، إذ زالت الشبهة بنصر أهل الإيمان، وما حصل من الفرقان، لأنه إذا هَلَك إنسان بعد هذا فاستحقّ باستمراره على الكفر العذاب يكون هلاكه عن غير شبهة، بل باستمراره على الضلال وهو يعلم، وكذا لا تبقى شبهة لأهل الإيمان في أنهم على حق ويتبيَّنوا أن دين اللّٰه منصور وأولياؤه ظاهرين. [٤٣] (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا)) والمعنى: أن النبي وماليه رأى جيش المشركين في منامه قليلًا، فقص ذلك على أصحابه، فكان ذلك سببًا لثباتهم، ولو رآهم في منامه كثيرًا، لفشلوا وجبنوا عن قتالهم، وتنازعوا في الأمر هل يلاقونهم أم لا (وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ) وعصمهم من الفشل، فقلّلهم في عين رسول الله بالفية [٤٤] (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذْ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) قلل كلًّا من الطائفتين في أعين الأخرى؛ تأكيدًا لما رآه الرسول وَلِي في منامه، كما قال تعالى في الآية الأخرى: (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ)، أي: ليغري كلًّا من الطائفتين بض-ن . الأخرى، حتى قال القائل من المسلمين لآخر: أتراهم سبعين؟ قال: هم نحو المائة، وقلل المسلمين في أعين المشركين، حتى قال قائلهم: إنما هم أَكَلَةُ جزور، وكان هذا قبل القتال، فلما شرعوا فيه كثّر اللّٰه المسلمين في أعين المشركين (لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا) أي: ليلف بينهم الحرب للنقمة ممن أراد الانتقام منه، والإنعام على من أراد النعمة عليه. [٤٥] (إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً) أي: إذا حاربتم جماعة من المشركين (فَاثْبُتُوا) لهم ولا تجبنوا عنهم، وقد لا يحصل الثبات إلا بالتحرُّف والتحيز (وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي: اذكروا نصره وعظمته وقدرته عند جزع قلوبكم؛ فإن ذكره يعين على الثبات، واذكروه بألسنتكم، وادعوه في ذلك الموطن كما قال أصحاب طالوت: (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبَّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ). [٤٦] (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا) نهاهم عن التنازع، وهو الاختلاف في الراي؛ فإن ذلك يتسبب عنه الفشل في الحرب (وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) الريح: القوة والنصر، وقيل: الريح: الدولة، شبهت ف. :٨.: أمرها بالريح في هبوبها. صفحة 183 [٤٧] (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِثَاءَ النَّاسِ) وهم قريش، فإنهم خرجوا يوم بدر ليحفظوا العير، ومعهم القيان والمعازف، وبلغهم أن العير قد نجت وسلمت، فلم يرجعوا، بل قالوا: لا بد لهم من الوصول إلى بدر؛ ليشربوا الخمر، وتغني لهم المغنيات، وتسمع العرب بمخرجهم، فكان ذلك منهم بطرًا وأشرًا، وطلبًا للثناء من الناس، والتمدح إليهم، والفخر عندهم وهو الرياء (وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) والصد: إضلال الناس، والحيلولة بينهم وبين طرق الهداية. [٤٨] (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ) أوهمهم أنهم لحسنون بمقاتلة المسلمين، وقد روي أن الشيطان تمثل لهم (وَقَالَ) لهم: (لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ ) أي: مجير لكم من كل عدو، أو من بني كنانة، كان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، وهو من بني بكر بن كنانة، وكانت قريش تخاف من بني بكر أن يأتوهم من ورائهم (فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ) أي: رجع القهقرى (وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ) تبرأ منهم لما رأى أمارات النصر مع المسلمين بإمداد اللّٰه لهم بالملائكة، ثم علل ذلك بقوله: (إِنَّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ) رأى جبريل ومعه الملائكة (إِنِّي أَخَافُ اللّهَ) خاف أن يصاب بمكروه من الملائكة الذين حضروا الوقعة، وقيل: رأى أنه لا قوة له ولا للمشركين، فاعتل بذلك. [٤٩] (إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ) هم الذين قد أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر (وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) هم الشاكُّون من غير نفاق، بل لكونهم حديثي عهد بالإسلام (غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ) حتى تكلفوا ما لا طاقة لهم به من قتال قريش (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ) لا يغلبه غالب، ولا يذل من توكلٍ عليه. [٥٠] (إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ ) هم من قتلهم الملائكة يوم بدر، أي: لرأيت أمرًا عظيمًا، وقيل: هذا الضرب يكون عند الموت، وقيل: هو يوم القيامة حين يسيرون بهم إلى النار (وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) المعنى: وتقول الملائكة لهم: ذوقوا عذاب الحريق. [٥١] (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ) أي: ذلك واقع بسبب ما كسبتم من المعاصي، واقترفتم من الذنوب (وَ) بسبب (أَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَامِ لِلْعَبِيْدِ) لأنه سبحانه قد أرسل إليهم رسله، وأنزل كتبه، وأوضح لم . ١! ل. [٥٢] ( كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ) لما ذكر اللّٰه سبحانه ما أنزله بأهل بدر، أتبعه بما يدل على أن هذه سنته في فرق الكافرين، والدأب: العادة، فكانت العادة في عذاب هؤلاء كالعادة الماضية لله في تعذيب طوائف الكفر، أي: دأبهم هذا هو أنهم كفروا بآيات الله، فتسبب عن كفرهم أخذ اللّٰه سبحانه لهم. [٥٣] (ذَلِكَ) العقاب الذي أنزله اللّٰه بهم (بِأَنَّ اللَهَ لَمْ يَكُ مُغَيَّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ) أي: بسبب أن عادة اللّٰه في عباده عدم تغيير نعمه التي ينعمّ بها عليهم (حَتَّى يُغَيَّرُوا مَا بِأَنَّفُسِهِمْ) من الأحوال والأخلاق بكفران نعم الله، وغمط إحسانه، وإهمال أوامره ونواهيه. ٥٤٦] (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) أي: كعادة اللّٰه فيهم إذا كفروا وأذنبوا يأخذهم اللّٰه بالعقوبة، فعاقب آل فرعون بالغرق، وأهلك من سواهم، حكم على كلا الطائفتين: من آل فرعون والذين من قبلهم، ومن كفار قريش، بالظلم لأنفسهم، بما تسببوا به لعذاب اللّٰه من الكفر بالله واياته ورسله، وبالظا. اه. هم، كما كان يجري منهم صفحة 184 في معاملاتهم للناس بأنواع الظلم. [وقد ورد في السيرة أن النبي ومَال يه لما جاءه خبر مقتل أبي جهل رأس الكفر في بدر، ذهب حتى وقف عليه، ثم قال: هذا فرعون هذه الأمة]. [٥٥] (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ) أي: شر ما يدب على وجه الأرض من أنواع الحيوان؛ لعدم تعقلهم لما فيه رشادهم ( عِنْدَ اللهِ) أي: في حكمه (الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: المصرون على الكفر، المتمادون في الضلال (فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) أبدًا، ولا يرجعون عن الغواية أصلاً، وهؤلاء هم. [٥٦] (الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ) الذي عاهدتهم عليه (فِي كُلِّ مَرَّةٍ) من مرات المعاهدة (وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ) النقض، ولا يخافون عاقبته، ولا يتجنبون أسبابه، ومن هؤلاء بنو قريظة، عاهدهم رسول اللّه وَلِيةِ أ لا يعينوا الكفار فلم يفوا بذلك، بل ذهبوا إلى مكة يؤلّبون الكفار على حرب المسلمين، ويَعِدونهم العون والنصر عليهم، وجاءت قريش إلى غزوة الخندق، فنقض بنو قريظة عهدهم مع المسلمين، فأوقع بهم المسلمون كما هو معروف في السيرة. [٥٧]( فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ) أي: إن تقدر عليهم وتتمكن من غلبهم (فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ)) أي ففرِّق بقتلهم والتنكيل بهم من خلفهم من المحاربين لك من أهل الشرك حتى يهابوا جانبك، ويكفوا عن حربك، مخافة أن ينزل بهم ما نزل بهؤلاء. [٥٨] (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمِ خِيَانَةً)) غشًّا ونقضًا للعهد من القوم المعاهدين [إذا ظهرت منهم بوادر الخيانة] (فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ) أي: فاطرح إليهم العهد الذي بينك وبينهم (عَلَى سَوَاءٍ) على طرِيق مستوية، والمعنى: أنه يخبرهم إخبارًا ظاهرًا مكشوفًا بالنقض، ولا يناجزهم الحرب بغتة، والآية عامة في كل معاهد يُخاف من وقوع النقض منه (إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) تحذير لرسول اللّٰه ال ليه عن المناجزة قبل أن ينبذ إليهم على سواء. [٥٩] (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ) أي: أنهم فاتونا وأفلتوا من أن نظفرك بهم (إِنّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ) أي: أنهم وإن أفلتوا من هذه الوقعة فسندركهم بالعذاب لا محالة. [٦٠] (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةِ ) القوة: كل ما يتقوى به في الحرب، ومن ذلك: السلاح، والحصون [وجمع العتاد والتدرب على القتال وسائر التدبيرات الحربية] من كل ما تقدرون عليه (وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ) وهي الخيل التي ترتبط بإزاء العدو (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اد مَتَلُوَّكُمْ) هم المشركون من أهل مكة وغيرهم ممن يحاربكم (وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ ) هم المنافقون، وقيل: هم اليهود، وقيل: فارس والروم، وغيرهم من كل من لا تعرف عداوته (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الله) أي: في الجهاد وإن كان يسيرًا حقيرًا [أو عظيمًا جليلا ] (يُوَفَّ إِلَيْكُمْ) أي يأتيكم أجرُهُ تامًّا. [٦١] (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْم فَاجْنَحْ لَهَا) أي: وإن مالوا إلى الصلح فاقبلوا منهم وميلوا أنتم أيضًا إلى الصلح، قيل: هي منسوخة (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) في جنوحك للسلم ولا تخف من مكرهم، ف (إِنَّهُ) سبحانه (هُوَ السَّمِيعُ) لما يقولون (الْعَلِيمُ) بما يفعلون. [٦٢] (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ) بالصلح، وهم مضمرون الغدر والخداع (فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ) أيٍ: كافِيكِ ما تخافه من شرورهم بالنكث والغدر (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ) فإن اللّٰه الذي قواك عليهم بالنصر فيما مضى، وهو يوم بدر، هو الذي سينصرك ويقويك عليهم عند حدوث الخدع والنكث. [٦٣] (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُو. :١١ 6 مراد: الأوس والخزرج، كان صفحة 185 ينهم عصبية شديدة وحروب عظيمة، فألف اللّٰه بين قلوبهم بالإيمان برسول اللّٰه وَلِي، وقيل: أراد التآليف بين المهاجرين والأنصار (لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ) لما كان بينهم من العصبية والعداوةِ قد بلغ إلى حد لا يمكن دفعة بحال من الأحوال (وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) بعظيم قدرته وبديع صنعه [وحكمة دينه القويم الذي أتاهم به]. [٦٤] (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أي: كافيك الله، وكافيك المؤمنون، ويحتمل أن يكون المعنى: إن اللّٰه كافيك وكافي المؤمنين. حُثَّهم [٦٥] ( حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ) أي: وحُضَّهم، ثم بشرهم تثبيتًا لقلوبهم وتسكينًا لخواطرهم: (إِنْ بَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) وهذه البشارة بهذا العدد، وهي جارية في كل عدد {وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفَا)) ومن غُلِب من المسلمين بأقل من هذا العدد، فذلك لعدم إيمانهم، أو عدم صبرهم، أو عدم استعدادهم، أو للتنازع الذي قد يحصل بينهم، أو لغير ذلك من الأسباب التي أشير إلى بعضها في هذه السورة، وقيل: إن هذا الخبر الواقع في الآية هو في معنى الأمر، كانوا مأمورين من جهة اللّٰه سبحانه بأن تثبت الجماعة منهم لعشرة أمثالهم.. [٦٦] ثم لما شق ذلك عليهم واستعظموه، خفف عنهم ورخص لهم؛ لما علمه سبحانه من وجود الضعف فيهم، فقال: (الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) إلى آخر الآية، فأوجب على الواحد أن يثبت لاثنين من الكفار (بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) يقاتلون على غير بصيرة، ومن كان هكذا فهو مغلوب في الأكثر. [٦٧] ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُنْخِنَ فِي الْأَرْضِ) [بما يحصل به إزالة المقاومة لدى الكفار، وعدم قدرتهم على حركة فعالة ضدكم] أخبر اللّٰه سبحانه أن قتل المشركين يوم بدر كان هو الواجب على المسلمين لا أسرهم وأخذ الفداء منهم كما فعل المسلمون يومئذ (تُريدُونَ عَرَضَ الدَّنْيَا) أي: نفعها ومتاعها بما قبضتم من المال فداءً للأسرى (وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) بما يحصل لكم من الثواب في الإثخان بالقتل. [٦٨] (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ) أي: بسبب ما أخذتم من المال فداء لأسرى بدر (عَذَابٌ عَظِيمٌ) وهذا الكتاب هو ما سبق في علم اللّٰه تعالى وحكمه أنه غفر لأهل بدر ما تقدم مر. ذ:. م وما تأخر، قال النبي الَ هو المر ال لَهمة ( ما يدريك أن اللّه اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». [٦٩] ( فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ) أي: كلوا من الفداء الذي غنمتم، فإنه من جملة الغنائم التي أحلها اللّٰه لكم [ سوَّغه اللّٰه لهم بعد أن كان عاتبهم في أسرهم] (حَلَالًا طَيَّبًا) [أحله اللّٰه لهم رحمةً بهم لحاجتهم وضعفهم بعد أن كان محرَّمًا عليهم] (وَاتَّقُوا اللَّهَ) فيما يستقبل، فلا تأخذوا أحدًا من الكفار أسيرًا إلى أن تظهر هيبة الإسلام بإثخانكم في الأرض (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ) لما فرط منكم (رَحِيمُ) بكم، أي: فلذلك رخص لكم فيما أخذتموه من الفداء، عن ابن مسعود قال: لما كان يوم بدر جيء بالأسارى، فقال رسول اللّٰه وَلِّيه: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله: قومك وأهلك، فَاسْتَبْقِهم لعل اللّٰه أن يتوب عليهم، وقال عمر: يا رسول الله: كذَّبوك وأخرجوك وقاتلوك، قدِّمهم فاضرب أعناقهم، وقال عبد اللّٰه بن رواحة: يا رسول الله: انظر واديًا كثير الحطب فأضرمه عليهم نارًا، فخرج رسول اللّٰه وَلالية فقال: ((إنكم عالة فلا ينفلتنَّ أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق) فأنزل اللّٰه (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ بَكُ. ذَآَهُ أَسْرَى) فعاتبه اللّٰه في ذلك صفحة 186 ٧٠](قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى) الذين هم فِي أيديكم الذين أسرتموهم يوم بدر وأخذتم منهم الفداء {إِن يَعْل اللهُ فِي قَلَوْبِكُمْ خَيْرًا) من قصد الخير، وصلاح النيَّة يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أَخِذَ مِنْكُمْ) أي: خيرًا من الفداء: أي يعوضكم في هذه الدنيا رزقًا خيرًا منه، وأنفع لكم (وَيَغْفِرْ لَكُمْ) ذنوبكم. (وإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ) إن كان [ما قالوه من رغبتهم في الإسلام وميلهم إليه] كذبًا (فَقَدْ خَانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ) فقد كفروا وقاتلوك فَأَمْكَنَ لك الله (مِنْهُمْ) . [٧٢]وَهَاجَرُوا) ختم اللّٰه سبحانه هذه السورة بذكر الموالاة؛ ليعلم كل فريق وليه الذي يستعين به، وسمى سبحانه المهاجرين إلى المدينة بهذا الاسم؛ لأنهم هجروا أوطانهم وفارقوها طلبًا لما عند الله، وإجابة لداعيه (وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا) هم الأنصار آووا المهاجرين في بلدهم وفي دورهم، ونصروا رسول اللّٰه وَلِيِ في حربه مع قريشٍ وسائر العرب حتى أعلى بهم كلمته ورفع راية الإسلام (أَولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) في النصرة والمعونة، وقيل: في الميراث أيضًا، فقد كانوا يتوارثون بالهجرة والنصرة، ثم نسخ ذلك بقوله سبحانه: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ) (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَنِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا) أي: ما لكم من نصرتهم وإعانتهم، أي: ليس عليكم أن تنصروهم، أو ما لكم من ميراثهم -ولو كانوا من قراباتكم- شيء؛ لعدم وقوع الهجرة منهم (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ) أي: هؤلاء الذين آمنوا ولم يهاجروا إذا طلبوا منكم النصرة لهم على المشركين (فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) أي: فواجب عليكم أن تنصروهم (إِلَّا) أن يستنصروكم (عَلَى قَوْمٍ بَينَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيتَاقٌ» فلا تنصروهم [عليهم لأن الميثاق لا بدَ من مراعاته، وفي إعانتكم للمسلمين الذين عندهم عليهم نقض لذلك الميثاق، والله لا يحب الخائنين والناقضين للعهود]. [٧٣] (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) فيه تعريض للمسلمين بأنهم لا يناصرون الكفار ولا يتولونهم (إِلَّا تَفْعَلُوهُ) من موالاة المؤمنين ومناصرتهم على التفصيل المذكور، وترك موالاة الكافرين (تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) أي: مفسدةٍ كبيرة في الدين والدنيا. ٧٤٦] (أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) أي: الكاملون في الإيمان (لَهُمْ) من عند اللّٰه تعالى (مَغْفِرَةٌ) لذنوبهم في الآخرة، ولهم في الدنيا (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) خالص عن الكدر، طيب مستلذ. [٧٥] (وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ ) أي: بعد نزول هذه الآيات ( فَأُ. آَءَاءَ. مِنْكُمْ) أي من جملة المهاجرين والأنصار في استحقاق ما استحقوه من الموالاة والمناصرة، وكمال الإيمان، والمغفرة، والرزق الكريم (وَأَولُو الأَرْحَامِ) القرابات، فيتناول كل قرابة من العصبات وغير العصبات (بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ) أي: في حكمه، ويدخل في هذه الأولوية الميراث دخولًا أوليًّا لوجود سببه، أعني: القرابة، عن ابن عباس قال: آخى رسول اللّٰه وَالِيِ بِينِ أصحابه، وورَّث بعضهم من بعض، حتى نزلت الآية: (وَأَوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض) فتركوا ذلك وتوارثوا بالنسب تفسير سورة التوبة إنما سمّيت: سورة التوبة لأن فيها ذكر توبة اللّٰه تعالى على المؤمنين عامة، والتوبة على الذين تخلفوا عن معركة تبوك خاصة، وهي مدنية نزلت عام تسع من الهجرة بعد فتح مكة بعام، وأرسل النبي وَلِلِيِ با لآيات العشر الأولى منها مع عل ل له لمقرأها على أهل مكة، وينبذ العهود إلى صفحة 187 المشركين بعد أن كثر منهم النقض. فكان ينادي: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع سلم وكافر بالبيت الحرام بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين النبي وَال ي أجل فأجله إلى مدته. ومن لم يكن له أجل فأجله أربعة أشهر. عن عثمان زفوالعتنَهُ قال: كانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولًا، وكانت نصتها شبيهة بقصتها، فظننتُ أنها منها، وقبض رسول اللّه وَالِلِهة ولم يُبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر ((بسم اللّٰه الرحمن الرحيم». [١] (بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ)، العهد: العقد الموثق باليمين. المعنى: الإخبار للمسلمين بأن اللّٰه ورسوله قد برئا من تلك المعاهدات بسبب ما وقع من الكفار من النقض. [٢] ( فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُمٍ )، المعنى: أن اللّٰه سبحانه بعد أن أمر بالنبذ إلى المشركين بعهدهم، أباح للمشركين الضرب في الأرض، والذهاب إلى حيث يريدون، والاستعداد للحرب هذه الأربعة الأشهر، وهم حرب بعد ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين يُقتلون حيث يوجدون. وكان ابتداء هذا الأجل يوم الحج الأكبر وانقضاؤه إلى عشر من ربيع الآخر من السنة التالية، (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ ) أي: اعلموا أن هذا الإمهال ليس لعجز، ولكن لمصلحة، ليتوب من تاب، ولا تفوتون اللّٰه وهو مخزيكم. [٣] (وَأَذَانٌ)، وهو الإعلام والإعلان العام (إِلَى النَّاسِ)، أي: إلى كافة الناس غير مختص بقوم دون قوم (يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ)، وهو يوم عيد الأضحى. ووصفه بالأكبر لأنه يجتمع فيه الناس، أو لكون معظم أفعال الحج فيه. وجعل الإعلان فيه [ليكون إعلانًا عامًا واضحًا جليًّا، ليبرأ من تهمة النكث] ليكفل بلوغه إلى الناس جميعًا (أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أي: قد برئ من المشركين الناقضين للعهد (وَرَسُولُهُ)، أي: والرسول أيضًا قد برئ منهم، (فَإِنْ تُبْتُمْ) أي: من الكفر (فَهُوَ) أي: التوبة ( خَيْرٌ لَكُمْ) مما أنتم فيه من الكفر، (وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ) أي: وبقيتم على الكفر (فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ)، أي: غير فائتين عليه، بل هو مدرككم فمجازيكم بأعمالكم.. [٤](إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا)، أي: لم ينقضوا عهدكم، وفيه دليل على أنه كان من أهل العهد من خاس بعهد، ,٨٠ . من ثبت عليه، فأذن اللّٰه سبحانه لنبيه وَالِي بنعقض عهد من نَقَضَ، وأمره بالوفاء لمن لم ينقض إلى مدته (وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا)، أي: لم يعاونوا عليكم أحدا من أعدائكم (فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ) أي: أدوا إليهم عهدهم تامًّا غير ناقص (إِلَى مُدَّتِهِمْ) التي عاهد تموهم إليها، وإن كانت أكثر من أربعة أشهر (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) الذين يتقون اللّٰه فيما حرم عليهم فيوفون بالعهد. [](فَإِذَا انْسَلَغَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ)، هي الأشهر الأربعة التي أمهلهم اللّٰه إليها، وسميت حُرُمًا لأن اللّٰه سبحانه حرم على المسلمين فيها دماء المشركين والتعرض لهم، ( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) أي: قاتلوهم حتى تقتلوهم، أي مع مراعاة ما شرعه اللّٰه تعالى في قتل الكفار، (وَخُذُوهُمْ) أي: ائسروهم فإن الأخيذ هو الأسير، (وَاحْصُرُوهُمْ) الحصر: منعم منِ التصرف في بلاد المسلمين إلا بإذن منهم، (وَاقَعُدُوا لَهُمْ كُلِّ مَرْصَدٍ) المرصد الموضع الذي يرقب فيه العدو، أي: اقعدوا لهم في المواضع التي ترتقبونهم فيها. وهذه الآية المتضمنة للأمر بقتل المشركين عند انسلاخ الأشهر الحرم عامّة لكل مشرك لا يخرج عنها إلا م.. خص.ته السنة، وهو المرأة صفحة 188 والصبي، والعاجز الذي لا يقاتل، وأهل الكتاب الذين بعطون الجزية. قيل: هذه الآية نسخت كل آية فيها ذكر الإعراض عن المشركين، والصبر على أذاهم، (فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) أي: اتركوهم وشأنهم فلا تأسروهم ولا نحصروهم ولا تقتلوهم إن تابوا وفعلوا ما ذُكِر. [٦] وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ)، أي: كن جارًا له محاميًا عنه فلا يناله أذى (حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ، منك ويتدبره حق تدبره، ويقف على حقيقة ما تدعو إليه، (ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) أي: إلى الدار التي يأمن فيها بعد أن بسمع كلام الله، إن لم يسلم، ثم بعد أن تبلغه مأمنه جاز لك أن تقاتله، فقد خرج من جوارك وأمن (ذَلِكَ بِأنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ) العلم النافع المميز بين الخير والشر، [وهذا نافع في حق بعض الكفار الذين لم يطلعوا على حقيقة دعوة الإسلام، فإنه باطلاعه عليها قد يُسلم، وقد يُبيّن ما اطلع عليه لقومه حتى يدخل في الإسلام من أراد اللّٰه به الخير]. [٧] ( كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدُ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ)، أي: محال أن يثبت لهؤلاء عهد وهم أضدادٌ لكم، مضمرون للغدر، ينتهزون الفرص لينقضوا عهدكم، أي: فلا يطمعوا في ذلك ولا يحدثوا به أنفسهم، (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) ولم ينقضوا ولم ينكثوا، أي: فلا تقاتلوهم (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ) أي: فما داموا مستقيمين لكم على العهد الذي بينكم وبينهم (فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ)) قيل: هم بنو كنانة. [٨] (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ)، بالغلبة لكم (لا يَرْقُبُوا) أي: لا يراعوا فيكم (إِلَّا)، الإلُّ: هو القرابة (وَلا ذِمَّةً))، الذمة العهد (يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ)، أي: يقولون بألسنتهم ما فيه مجاملة ومحاسنة لكم، طلبًا لمرضاتكم وتطييب قلوبكم، (وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ) أي: ترفض ذلك وتخالِفَه وتود ما فيه مساءتكم ومضرتكم، (وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) حكم عليهم بالفسق، وهو التمرد والتجري على الله، والخروج عن الحق لنقضهم العهود، وعدم مراعاتهم للعقود. [٩] (اشتَرَوْا بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنَّا قَلِيلًا)، أي: استبدلوا بآيات القرآن التي من جملتها ما فيه الأمر بالوفاء بالعهود ثمنًا قليلًا حقيرًا، وهو ما آثروه من حطام الدنيا (فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ) أعرضوا عن سبيل الحق، وصرفوا غيرهم عنه. ١٠] (لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلَّا وَلَا ذِمَّةً )، أي: ليسِ عندهم أي: مراعاة لحقوق المؤمنين من قرابةٍ أو عهد، (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ) أي: المجاوزون 1-). الى الحرام بنقض العهد، أو البالغون في الشر والتمرد إلى الغاية القصوى. [١١] فَإِنْ تَابُوا)، عن الشرك، والتزموا أحكام الإسلام، وتركوا اللات والعزى، وشهدوا أن لا إله إلا اللّٰه وأن محمدًا رسول اللّٰه (فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) مسلمون مثلكم لا يحل لكم قتالهم. عن ابن عباس قال: حرَّمَتْ هذه الآية قتال أو دماء أهل الصلاة. [١٢ ] (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ)، إن نكثوا العهود التي عاهدوا بها المسلمين، ووثقوها لهم بالأيمان، وضموا إلى ذلك الطعن في دين الإسلام، والقدح فيه، فقد وجب على المسلمين قتالهم، (أَئِمَّةَ الْكُفْرِ) صناديد المشركين، وأهل الرئاسة فيهم على العموم (إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ) المعنى: أن أيمان الكافرين الناقضين، وإن كانت في الصورة يمينًا، فهي في الحقيقة ليست بيمين حتى يستحقوا العصمة لدمائهم وأموالهم (لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) أي: عن كفرهم ونكثهم وطعنهم في دين الإسلام. ١٣] ( أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمَا نَكَتُوا أَيْمَانَهُمْ)، للتحضيض على القتال والمبالغة في تحققه. ٥. . كان، حاله كحال هؤلاء: من نقض صفحة 189 العهد، وإخراج الرسول من مكة، والبداءة بالقتالِ، فهو حقيق بألا يترك قتاله، وأن يوبَّخ من أفرط في ذلك، ( أَتَخْشَوْنَهُمْ) أي: أتخشون أن ينالكم منهم مكروه فتتركون قتالهم فَاللهُ حَقّ أنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فإنه الضار النافع بالحقيقة، ومن خشيتكم له أن تقاتلوا من أمركم بقتاله [ولا تجعلوا خشيتكم لغير اللّٰه كخشيتكم اللّٰه ]. ١٤] (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَهُ بِأَيْدِيكُمْ)، رتب على هذا الأمر فوائد: الأولى: تعذيب اللّٰه للكفار بأيدي المؤمنين بالقتل والأسر، والثانية: إخزاؤهم، قيل: بالأسر، وقيل: بما نزل بهم من الذل والهوان، والثالثة: نصر المسلمين عليهم وغلبتهم لهم، والرابعة: أن اللّٰه يشفي بالقتال صدور قوم مؤمنين ممن لم يشهد القتال ولا حضره. [١٥] والخامسة: أنه سبحانه يشفي بالقتال غيظ قلوب المؤمنين الذي نالهم بسبب ما وقع من الكفار من نقض للعهد، (وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ)، كما وقع من بعض أهل مكة يومٍ الفتح، فإنهم أسلموا وحسن إسلامهم. [١٦] (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا)، من غير أن تُبْتَلَوا بما يظهر به المؤمن من المنافق (وَلَمَّا يَعْلَم اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ )، كيف تحسبون أنكم تتركون وكم يتبين المخلص منكم في جهاده من غير المخلص، (وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً) الوليجة: البطانة من المشركين، والمعنى: لا بد أن يعلم اللّٰه هؤلاء ويميِّزهم ممن اتخذوا دخيلة أو بطانة من المشركين يفشون إليهم بأسرارهم ويعلمونهم أمورهم.. [١٧] (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ، ما صح لهم وما استقام أن يشغلوا المساجد بعباداتهم ويخدموها (شَاهِدِينَ عَلَى أَنَّفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ) بإظهار ما هو كفر من نصب الأوثان والعبادة لها، وجعلها آلهة، فكيف بجمعون بين ذلك وبين عمارة المساجد التي هي من شأن المؤمنين وحدهم. وقيل: المراد بهذه الشهادة قولهم في طوافهم: ((لبيك لا شريك لكِ، إلا شريكًا هو لك، تملِكُهُ وما مَلَكَ)) ( أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) التي يفتخرون بها ويظنون أنها من أعمال الخير التي يعملونها، ومنها عمارة المساجد. أي: بطلت ولم يبق لها أثر. [١٨] (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)، أي: إن هؤلاء هم المستأهلون لعمارة المساجد، دون أهل الشرك والكفر، (وَلَمْ يَخْشَ ) أحاًا الَّا اللهَ) فمن كان مؤمنًا موحدًا يعمل هذه الاعمال الصالحة كما آمره اللّٰه فهو الحقيز بعمارة المساجد، لا من كان خاليًا منها، (فَعَسَى أَولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) إذا كان اهتداؤهم مرجوًّا فقط، فكيف بالكفار الذينِ لم يتصفوا بشيء من تلك الصفات. ١٩] (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)، أنكر عليهم التسوية بين ما كان تعمله الجاهلية من الأعمال التي صورتها صورة الخير، وإن لم ينتفعوا بها، وبين إيمان المؤمنين وجهادهم في سبيل الله، وقد كان المشركون يفتخرون بالسقاية والعمارة ويفضلونهما على عمل المسلمين، (لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ) أي: لا تساوي تلك الطائفة الكافرة الساقية للحجيج العامرة للمسجد الحرام، هذه الطائفة المؤمنة بالله واليوم الآخر المجاهدة في سبيله، فكيف يدعون أنهم أفضل عملًا ومكانة من المؤمنين (وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ) سماهم ظالمين فلم تغن عنهم عمارة المسجد الحرام شيئًا. ثم صرح بالفريق الفاضل فقال: [٢٠](الّذِينَ آمَنُوا..) إلى آخره، أي: الجامعون بين الإيمان والهجرة والجهاد بالأموال • الأن (أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ )، صفحة 190 أي: أحق بما لديه من الخير من تلك الطائفة المشركة المفتخرة بأعمالها الحابطة الباطلة، (وَأُولَئِكَ) المتصفون بالصفات المذكورة (هُمُ الْفَائِزُونَ) أي: المختصون بالفوز عند اللّٰه دون غيرهم من أهل الشرك، وإن كانوا - أي: هؤلاء المشركون- يسقون الحجيج، ويعمرون الكعبة والمسجد الحرام. عن ابن عباس قال: قال العباس حين أُسِر يوم بدر: إن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج ونفك العاني، فأنزل اللّٰه {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ..)، الآيةِ: يعني أن ذلك كان في الشرك فلا أقبل ما كان في الشرك. [٢١] (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ)، فوق وصف الواصفين، وتصوُّرِ المتصورين. والنعيم المقيم: الدائم المستمر الذي لا يفارق صاحبه. [٢٣] (لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ)، حكم باقٍ إلى يوم القيامة، يدل على قطع الولاية بين المؤمنين والكافرين. نزلت في الحضَ على الهجرة ورفض بلاد الكفر، ونهت المؤمنين أن يوالوا الآباء والإخوة، فيكونوا لهم تبعًا، إن أقاموا على كفرهم وأبوا أن يسلموا، ثم حكم على من يتولى من استحب الكفر على الإيمان من الآباء والإخوان بالظلم، فدل ذلك على أن تولي من كان كذلك من أعظم الذنوب وأشدها. [٢٤](وَعَشِيرَتُكُمْ)، عشيرة الرجل: قرابته الأدنون، (وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا) الاقتراف الاكتساب، والتجارة: الأمتعة التي يشترونها ليربحوا فيها، والكساد: عدم النَّفاق لفوات وقت بيعها بالهجرة ومفارقة الأوطان، (وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا) هي المنازل التي تعجبهم وتميل إليها أنفسهم [ينشغلون بتجهيز مرافقها حتى توافق رضاهم] أي: إن كانت هذه الأشياء { أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ)، ومن الجهاد في سبيل الله، فاشتغلتم بها عن حق اللّٰه تعالى وتنفيذ أوامره والهجرة والجهاد في سبيله (فَتَرَبَّصُوا) أي: انتظروا (حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ) فيكم، وما تقتضيه مشيئته من عقوبتكم [وفي هذا إنذار عظيم للمتخلفين عن الجهاد بأعذار واهية. وأخرج أبو داود عن ابن عمر عن النبي وَلِية: ((إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم بأذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلّط اللّٰه عليكم ذلًّا لا ينزعه حتى تراجعوا دينكم)]. [٢٥] (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِ مَدَامانَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ )، أي: ونصركم يوم حنين (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَشْرَتُكُمْ )، أما فيما قبل يوم حنين فكان المسلمون قلة، فكثرتهم لم تعجبهم. وحنين: واد بين مكة والطائف، التقى فيه النبي وَلِّية و المسلمون بكفار هوازن وأهل الطائف، وكان المسلمون ١٢٠٠٠ مقاتل. فقال قائلهم: لن نغلب اليوم من قلة، ثم انهزموا، وثبت رسول اللّٰه وال يم وثبت معه طائفة يسيرة، منهم: أبو بكر وعمر وعمه العباس وأبو سفيان بن الحارث، ثم تراجع المسلمون فكان مُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ) النصر والظفر، (وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ المعنى: أن الأرض مع كونها واسعة الأطراف ضاقت عليهم من الخوف والوجل، (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) أي: انهزمتم مولين أدباركم إلى جهة عدوكم. [٢٦] (ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ)، أي: أنزل ما يسكنهم فيذهب خوفهم حتى وقع منهم الاجتراء على قتال المشركين، المراد من ثبت منهم فلم ينهزم، ومن رجع وقاتل، وهم الأنصار، (وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا) هم الملائكة (وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا} بما وقع عليهم من القتل والأسر، وأخذ الأموال، . .. الذرية. صفحة 191 [٢٧] (ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ)، أي: من بعد هذا التعذيب (عَلَى مَنْ يَشَاءُ) ممن هداه منهم إلى الإسلام. [٢٨] (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ)، المراد نجاسة الشرك والظلم والأخلاق والعادات السيئة. والكافر ليس بنجس الذات؛ لأن اللّٰه سبحانه أحل طعامهم. وثبت عن النبي وَالِيّةِ أنه أكل في آنيتهم، وشرب منها، وتوضأ فيها، وأنزلهم في مسجده (فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ)، أي: لا يدخلوا الحرم المكّيّ، ومنه المسجد الحرام، ولو لحج أو عمرة، فليس لهم أن يحجوا البيت أو يعتمروا [أو يدخلوا الحَرَمَ المكّيّ لأيّ حاجة مهما كانت]. أما غير المسجد الحرام من المساجد، فذهب أهل المدينة على منع كل مشرك عن كل مسجد لأنهم نَجَس، والمساجد طاهرة مطهّرة، ونهيُ المشركين أن يقربوا المسجد الحرام هو نهيٌ للمسلمين عن أن يمكنوهم من ذلك [على أن الحق أنه لا يجوز للكافر أن يدخل مسجدًا غير المسجد الحرام إلا إن أذن له بذلك الإمام أو أحد المسلمين] (بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا سنة تسع، وهي التي حج فيها أبو بكر على الموسم، فيمنعون من دخوله ابتداء من سنة عشر للهجرة، (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً) العيلة: الفقر، وكان المسلمون لما منعوا المشركين من الموسم، وهم كانوا يجلبون إليه الأطعمة والتجارات، قذف الشيطان في قلوبهم الخوف من الفقر، وقالوا من أين نعيش؟ فوعدهم اللّٰه أن يغنيهم من فضله (فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَهُ مِنْ فَضْلِهِ) قال عكرمة: أغناهم اللّٰه بإدرار المطر، والنبات، وخصب الأرض، وأسلمت العرب، فحملوا إلى مكة ما أغناهم اللّٰه به، وأغناهم بالفيء، وأحل لهم الجزية كما يأتي في الآية التالِية. [٢٩] قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ)، فبيَّن الذنب الذي يوجب العقوبة (وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ) أكد الذنب في جانب الاعتقاد. (وَلَا يُحَرّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ)، أي: من الخمر والخنزير والميتات والربا والزنا وسائر المنكرات التي ستحلّها الكفار، (وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ» فيه إشارة إلى تأكيد المعصية بالانحراف، والمعاندة، والأنفة عن الاستسلام، ثم قال: (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) تأكيد للحجة عليهم، لأنهم كانوا يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل. وتؤخذ الجزية أيضًا من المجوس لحديث: ((سُنّوا بهم سنة أهل الكتاب». وقال مالك: يجوز أن تؤخذ الجزية من جميع أصناف أهل الكفر (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ) الجزية: هي المبلغ من المال الذي يفرض على الكاف .كون بدل الإقامة بدار الإسلام [ومقدار الجزية راجع إلى تقدير الإمام الذي يصالحهم عليها، عن كل رجل بالغ مقدار معلوم. وأداؤها شرط أساسي لعقد الذمّة] (عَنْ يَدِ) مواتية غير ممتنعة، وقيل: معناه يعطونها بأيديهم غير مستنيبين فيها أحدًا، والمعنى: أن الذمِّيَّ يعطي الجزية حال كونه صاغرًا ذليلًا، فيأتي بها بنفسه ويسلمها إلى الجابي المسلم. [٣٠] (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ)، قالوا هذا عندما جاء عزيرٌ فأملى عليهم التوراة من صدره بعد نسيانهم لها، (وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ» قالوا هذا لما رأوا من إحيائه للموتى مع كونه من غير أب، (ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ ) أي: إن هذا القول لما كان ساذجًا ليس فيه بيان، ولا عضده برهان، كان مجرد دعوى ليس فيها إلا كونها خارجة من الأفواه، غير مفيدة لفائدة يعتد بها (يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا) شابهوا بهذه المقالة عبدة الأوثان في قولهم: اللات والعزى ومناة بنات الله، والملائكة بنات اللّٰه (قَاتَلَهُمُ اللهُ) دعاء عليهم بالهلاك؛ لأن من قاتله اللّٰه هلك. وقيل: المعنى: لعنهم اللّٰه (أَنَّى يُؤْفَكُونَ»، أي: كيف يص ف. أ. عن الحق إلى الباطل. صفحة 192 [٣١] (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ) ، كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه. أطاعوهم فيما يأمرونهم به وينهونهم عنه فيما بخالف أحكام اللّٰه تعالى، فنسخوا بذلك ما في كتب الله، فكانوا بمنزلة المتخذين لهم أربابًا، لأنهم أطاعوهم كما تطاع الأرباب. أخرج الترمذيُّ في سننه وحسَّنه عن عدي بن حاتم قال: (( اتيت النبي وقلا يو وهو يقرأ في سورة براءة: ( تَخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ) فقال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرّموه)). (وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ)، أي: اتخذه النصارى ربًّا معبودًا، وفيه إشارة إلى أن اليهود لم يتخذوا عزيرًا ربًّا معبودًا، (وَمَا أمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا) أي: وما أمر الأحبار والرهبان وعيسى وعزير إلا بعبادة اللّٰه وحده، فكيف يكونون آلهة؟! أو فكيف حق لأتباعهم أن يتخذوهم آلهة؟! (سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) أي: تنزيهًا له عن الإشراك في طاعته وعبادته. [٣٢] (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ)، هذا نوع آخر من ضلالهم وهو ما راموه من إبطال الحق بأقاويلهم الباطلة والمجادلات الزائفة، (وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ) أي: دينه القويم [الذي ينير للمؤمنين به سُبُل النجاة والفلاح]. ٣٣] (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى)، أي: بما يهدي به الناس من البراهين والمعجزات والأحكام التي شرعها اللّٰه لعباده، (وَدِينِ الْحَقِّ) وهو الإسلام [الذي هو الاعتقاد الحق والتوحيد الصرف، والخالي عن صرف العبادة لأي مخلوق مهما كان عظيمًا] (لِيُظْهِرَهُ) أي: ليُعْليَ رسوله، أو دين الحق بما اشتمل عليه من الحجج والبراهين، وقِد وقع ذلك ولله الحمد. [٣٤] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ )، أي: من هؤلاء الذين اتخذهم اليهود والنصارى أربابًا يأكلون السحت والمال الحرام، كالرشوة، (وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) أيٍ: عن الطريق إليه، وهو دين الإسلام، (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ) [أي: وهم يكنزون الأموال] والكنز: كل شيء مجموع بعضه إلى بعض، أي: لا يؤدون زكاة أموالهم، فالمال الذي أديت زكاته ليس بكنز، (وَلَا يُنْفِقُونَهَا) أي: لا ينفقون الكنوز والأموال (فِي سَبِيلِ اللهِ بَشَرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمِ) من باب التهكم [٣٥] (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي ذَا. حَتَنَّمَ )، أي: إن النار توقد عليها وهي ذات حمى وحر شديد [يعذّبون بنفس ما عصوا به، بالكي به وهو أشد ما يكون حرارة] (هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ)، أي: يقال لهم: هذا ما كنزتموه لتنتفعوا به، فهذا نفعه، على طريقة التهكم والتوبيخ (فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) أي: ذوقوا وباله، وسوء عاقبته. عن ابن عمر في الاية: قال إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة جعلها اللّٰه طهرة للأموال، ثم قال: ما أبالي لو كان عندي مثل أحدٍ ذهبًا أعلم عدده وأزكيه وأعمل فيه بطاعة الله. [٣٦] (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ)، أي: عدد أشهر السنة ( عِنْدَ اللهِ) أي: في حكمه وقضائه وحكمته (اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ) أي: فيما أثبته في كتابه (يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ) أي: ثابت في علمه في أول ما خلق اللّٰه العالم، (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) هي ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب: ثلاثة سَرْدٌ، وواحد فَرْد، (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) أي: كون هذه الشهور كذلك، ومنها أربعة حرم، هو من الدين المستقيم، والحساب الصحيح، والعدد المسة. ة. « فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)، صفحة 193 أي: في هذه الأشهر الحرم بإيقاع القتال فيها والهتك لحرمتها. وتحريمُ القتال في الأشهر الحرم ثابتٌ محكم لم ينسخ، لهذه الآية، (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) أي: جميعًا ( كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) أي: جميعًا (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) أي: بنصرهم ويثبتِهم، ومن كان اللّه معه فهو الغالب، وله العاقبة. [٣٧] (إِنَّمَا النَّسِيءُ )، النسيء هو تأخير التحريم من شهر إلى شهر، فيحللون بعضها ويحرمون مكانه بقدره من غير الأشهر الحرم، فيحلون شهر المحرم مثلًا في بعض السنين، ويحرّمون بدله صفر. وقيل في تفسير معنى النسيء غير ذلك، (زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِيَ إلى كفرهم بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، (يُضَلّ بِهِ الّذِينَ كَفَرُوا) أي: إن الذي سنَّ لهم ذلك يجعلهم ضالين بهذه السُّنَّة السيئة، (يُحِلُّونَهُ عَامَا) بإبداله بشهر آخر من شهور الحل (وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا) أي: يحافظون عليه فلا يحلون فيه القتال بل يبقونه على حرمته، (لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ) أي: إنهم لم يحلوا شهرًا إلا حرموا شهرًا، لتبقى الأشهر الحرم أربعة في العدد، فأنكر اللّٰه تعالى عليهم إحلال ما حرّم اللّٰه وتحريم ما أحلّ؛ ليوافقوا هوى أنفسهم بالقتال في الأشهر التي يحلّونها. (فَيُحِلّوا مَا حَرَّمَ اللهُ) أي: من الأشهر الحرم التي أبدلوها بغيرها، (زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ ) أي: زين لهم الشيطان الأعمال السيئة التي يعملونها، ومن جملتها النسيء، (وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) أي: المصرين على كفرهم المستمرين عليه. [٣٨] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ)، نزلت عتابًا لمن تخلف عن رسول اللّٰه وَالِيِ في غزوة تبوك، وكانت سنة تسع من الهجرة بعد الفتح بعام، والنفير: هو الخروج للقتال، (انّا قَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ) أصله تثاقلتم، أي: تباطاتم وملتم إلى الإقامة بارضكم والبقاء فيه {أرَضِيتُمْ بالحَيَاةِ الدَّنْيَا) أي: بنعيمها بدلًا من الآخرة، فإن نعيم الآخرة يحصل بالجهاد والنفير في سبيل الله، (مِنَ الْآخِرَةِ) أي: بدلًا عن الآخرة، وفي مقابلها، {فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) حقير لا يُعبأ به. [٣٩] (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ)، أي: إن تركتم الجهاد عذبكم اللّٰه بالقهر والإذلال، (وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ) ينصرونه تكون لهم الدولة، (وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا) بترك امتثال أمره بالنفير، أو لا تضروا رسول اللّٰه بترك نصره والنفير معه شيئًا، (وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) من جملة مقدوراته تعذيبكم والاستبداا ..،. ٦ونصره لرسوله]. [٤٠] (إِلَّا تَنْصُرُوهُ)، أي: إن تركتم نصرة رسول اللّٰه الاِية الله متكفل به ( فَقَدْ نَصَرَهُ) في مواطن القلة، وأظهره على عدوه بالغلبة والقهر، أو فسينصره مَنْ نَصَره حين لم يكن معه إلا رجل واحد وقت إخراج الذين كفروا له (ثَانِيَ اثْنَيْنِ) أي: أحد اثنين، وهما رسول الله لالِقِه و أبو بكر الصديق لاق (ذْ هُمَا فِي الْغَارِ) والغار: كهفٌ في الجبل المسمى ثورًا، وهو جبل قريب من مكة، (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ) لأبي بكر (لَا تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا) ومن كان اللّٰه معه فلَن يغلب، ومن لا يغلب فيحق له ألا يحزن، (فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ) السكينة: أن اللّٰه تعالى سكَّنَ جأشه حتى ذهب روعه وحصل له الأمن، (وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا) وهي الملائكة كما كان في يوم بدر، (وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى) أي: كلمة الشرك [فقضى على دولة المشركين] (وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا) هي كلمة التوحيد ودعوة الإسلام، صفتها الدائمة أنها فوق كل كلمة، والإسلام يعلو ولا يعلى {وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، أي: غالب قاهر لا يفعل إلا ما فيه حكمة ، صواب. صفحة 194 [٤١] انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا)، نِشاطًا وغير نِشاط، فقراء وأغنياء، وشبابًا وشيوخًا، رجالًا وفرسانًا، ومن لا عيال له ومن له عيال، (وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ) الجهاد فرض كفاية، فإن كان لا يقوم بالعدو إلا جميع المسلمين في قطر من الأرض أو أقطار، وجب عليهم ذلك وجوب عين، (ذَلِكُمْ) الأمر بالنفير والأمر بالجهاد (خَيْرٌ لَكُمْ) أي: خير عظيم في نفسه، أو خير من السكون والدعة. [٤٢] (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا)، لو كان المدعو إليه غنيمة غير بعيدة، (وَسَفَرًا قَاصِدًا) متوسطًا بين القرب والعبد (لَا تَبَعُوكَ) أي: لمشى معك إليه هؤلاء المتخلفون، (وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الثُّقَّةُ) غزوة تبوك، فإنها كانت سفرة بعيدة شاقة، (وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ ) أي: المتخلفون عن غزوة تبوك، قائلين: (لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ )، أي: لو قدرنا على الخروج، ووجدنا ما نحتاج إليه فيه مما لا بد منه لخرجنا معكم، (يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ) لأن من حلف كاذبًا فقد أهلك نفسه، (وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) في حلفهم الذي سيحلفون به لكم. كانوا يستطيعون الخروج، ولكن كان ترْكُه تبطئة من عند أنفسهم وزهادة في الجهاد. [٤٣] (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ)، هذا عتاب من اللّٰه تعالى لرسوله وَلِيه، لأنه كلما اعتذر إليه أحد المنافقين أذن له في القعود. أي: لم سارعت إلى الإذن لهم في التخلف عن الجهاد بأعذار أخبروك بها، وهلا تأنَّيْتَ حتى يتبين لك صدق من هو صادق منهم في العذر الذي أبداه، وكذب من هو كاذب منهم في ذلك. [٤٤] (لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنَّفُسِهِمْ)، لا يستأذنك المؤمنونَ في الجهاد، بل دأبهم أن يبادروا إليه، من غير توقف ولا ارتقابٍ منهم لوقوع الإذن منك، فضلا عن أن يستأذنوك في التخلف، (وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) وهم هؤلاء الذين لم يستأذنوا. [٤٥] (إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ)، في العقود عن الجهاد، والتخلف عنه ( الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) وهم المنافقون. وذكر الإيمان بالله وباليوم الآخر؛ لأنهما الباعثان على الجهاد في سبيل الله، (وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ) الريب هو الشك (فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) يتحيرون، فهؤلاء الذين يستأذنونك ولا عذر لهم ليسوا بمؤمنين، بل هم مرتابون في الدين، حائرون لا يهتدون إلى طريق الصواب. [٤٦] (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُ, - لَأَءَدُّوا لَهُ عُدَّةً)، أي: لو كانوا صادقين فيما يدعونه لما تركوا إعداد العدة وتحصيلها قبل وقت الجهاد، كما يستعد لذلك المؤمنون، لكنهم لم يريدوا الخروج أصلًا، فلم يستعدوا للغزو، بما يلزمهم من الزاد والراحلة والسلاح، {وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَائَهُمْ فَتْبَّطَهُمْ) أي: حبسهم اللّٰه عن الخروج معك وخذلهم؛ لأنهم قالوا: إن لم يؤذن لنا في الجلوس أفسدنا وحرَّضنا على المؤمنين، (وَقِيلَ اقْعُدُوا) أي: أوقع اللّٰه في قلوبهم القعود خذلانًا لهم (مَعَ الْقَاعِدِينَ)، أي: مع أولي الضرر، من العميان، والمرضى، والنساء، والصبيان. وفيه من الذم لهم، والإزراء عليهم، والتنقص بهم، ما لا يخفى. [٤٧] (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا)، هذه تسلية للمؤمنين عن تخلف المنافقين. والخبال الفساد والنميمة وإيقاع الاختلاف والأراجيف (وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ)، لسعوا بينكم سعيًا حثيثا بالإفساد بما يختلقونه من الأكاذيب الموجبة لفساد ذات البين، (يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ) في ذات بينكم بما يصنعونه من التحريش وا٠١ ٧، (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ) صفحة 195 فيكم من يستمع ما يقولونه من الكذب، فيقبله، فينقله إليكم فينشأ من ذلك الاختلاف بينكم، والفساد لإخوانكم، (وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) وبما يحدث منهم لو خرجوا معكم، فلذلك اقتضت حكمته البالغة ألا يخرجوا معكم [وكان هؤلاء المتخلفون سادةً في الأوس والخزرج منهم عبد اللّٰه بن أُبَيّ، وكان في الخارجين من الأنصار من يستمع لقولهم لما لهم من المهابة في قومهم]. [٤٨] (لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ)، أي: لقد طلبوا الإفساد والخبال وتفريق كلمة المؤمنين وتشتيت شملهم من قبل هذه الغزوة، (وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ) أي: صرَّفوها من أمر إلى أمر لعل شيئًا منها يؤثر فيك فيبطل عزمك على الجهاد (حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ) وهو النصر لك والتأييد (وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ) بإعزاز دينه وإعلاء شرعه وقهر أعدائه، (وَهُمْ كَارِهُونَ) كان ذلك على الرغم منهم. ٤٩] وَمِنْهُمْ)، أي: من المنافقين (مَنْ يَقُولُ)، أي: الشخص الذي قال لرسول اللّٰه وَلِيِ ( اْذَنْ لِي) في التخلف عن الجهاد (وَلَا تَفْتِنِّي) ورد عن ابن عباس قال: لما أراد النبي وَالِيِ أن يخرج إلى غزوة تبوك قال للجَدَّ بن قيس: يا جدّ ما تقول في مجاهدة بني الأصفر؟ فقال: يا رسول اللّٰه: إني امرؤ صاحب نساء، ومتى أرى نساء بني الأصفر - يعني نساء الروم- أفتتن، فائذن لي ولا تفتني. وقيل: المعنى: لا توقعني في الفتنة، أي: الإثم، إذا لم تأذن لي فتخلفت بغير إذنك، (أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا) أي: في نفس الفتنة سقطوا، وهي فتنة التخلف عن الجهاد، والاعتذار الباطل. [٥٠] (إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ)، الحسنة: الغنيمة والظفر، (وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةُ) المصيبة: الجراح والقتل في سبيل الله، (يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ) أي: احتطنا لأنفسنا، وأخذنا بالحزم، فلم نخرج إلى القتال كما خرج المؤمنون حتى نالتهم هذه المصيبة، (وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ) بسلامتهم وبمصيبة المؤمنين. [٥١] (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا)، أي: في اللوح المحفوظ، وقد أمرنا بالقتال فنحن نمتثل أمره (هُوَ مَوْلَانَا) أي: ناصرنا وجاعل العاقبة لنا ومظهر دينه على جميع الأديان (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)، والتوكل على اللّٰه تفويض الأمور إليه، لا يتوكلون على غيره. [٥٢]«قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ)، هل تنتظرون بنا إلا النصر أو الشهادة، ٧٢٠ هما مما يحسن لدينا، (وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ) أي: ننتظر ونترقب إحدى المساءتين لكم إما: (أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابِ مِنْ عِنْدِهِ) أي: قارعِة نازلة من السماء فيسحتكم بعذابه، {أَوْ) بعذاب لكم (بِأَيْدِينَا) أي: بإظهار اللّٰه لنا عليكم بالقتل والأسر والنهب والسبي، ( فَتَرَبَّصُوا) أي: تربصوا بنا ما ذكرنا من عاقبتنا، فنحن معكم متربصون بكم ما هو عاقبتكم. [٥٣] (قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ)، إن أنفقتم طائعين من غير أمرٍ من اللّٰه ورسوله، أو مكرهين بأمر منهما، فإن نفقتكم لن تجد قبولًا عند اللّٰه تعالى، لأجل الكفر الذي تبطنونه (إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ)، الفسق: التمرد. [٥٤] (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ)، جعل المانع من القبول ثلاثة أمور: الأول: الكفر، الثاني: أنهم لا يصلون في حال من الأحوال إلا في حالة الكسل والتثاقل؛ لأنهم لا يرجون ثوابًا ولا يخافون عقابًا، فصلاتهم ليست إلا رياء، والثالث: أنهم (لا يُنْفِقُونَ) أموالهم (إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ)، ولا ينفقونها طوعًا؛ لأنهم يعدون إنفاقها وضعًا لها في مضيعة، لعدم إيمانهم بما وعد اللّٰه ١ ٠..٠٠ه ه عبادَه المؤمنين المجاهدين. صفحة 196 [٥٥] ( فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ)، لا تستحسن لهم ما معهم من الأموال والأولاد (إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُلِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، أي: فإن عاقبتهم في أَموالهم وأولادهم أليمة بسبب عدم الشكر لربهم الذي أعطاهم ذلك، وترك ما يجب عليهم من الزكاة فيها، والتصدق بما يحق التصدق به، (وَتَزْهَقَ أَنَّفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) المعنى: أن اللّٰه يريد أن تخرج أرواحهم حال كفرهم لعدم قبولهم لما جاءت به الأنبياء، وتصميمهم على الكفر، وتماديهم في الضلالة. [٥٦] (وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ)، أي: من جملتكم في دين الإسلام، (وَمَا هُمْ مِنْكُمْ) في ذلك إلا بمجرد ظواهرهم دون بواطنهم، (وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ) أي: يخافون من لقاء الأعداء ويجبنون عنهم، وقيل المراد: يخافون أن ينزل بهم ما نزل بالمشركين من القتل والسبي، فيظهرون لكم الإسلام تقية منهم لا عن حقيقة. ٥٧٦] (لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأَ) ، يحفظون نفوسهم فيه منكم من حصن أو غيره، (أَوْ مَغَارَاتٍ) وهي الكهوفِ يستترون عنكم لئلا تلزموهم بالخروج معكم إلى القتال، (أَوْ مُدَّخَلا ) أي: مكانًا يدخلون فيه (لَوَلَّوْا إِلَيْهِ) أي: لالتجأوا إليه وأدخلوا أنفسهم فيه، (وَهُمْ يَجْمَحُونَ) أي: يسرعون إسراعًا لا يردهم شيء، كما يجمح الفرس إذا لم يردَّه اللجام. [٥٨] (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ)، أي: إن من المنافقين فئة صفتها أنها تعيُبك في تفريقها وقسمتها، (فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا) أي: من الصدقات بقدر ما يريدون ( رَضُوا)، بما وقع من رسول اللّٰه وَلِيه و لم يعيبوه، وذلك لأنه لا مقصد لهم إلا حطام الدنيا، وليسوا من الدين في شيء، (وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا) ما يريدونه ويطلبونه (إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ) يظهرون التذمر وعدم الرضى. [٥٩] (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ)، أي: ما فرضه اللّٰه لهم وما أعطاهم رسول اللّٰه وَلَلِيِ أي: لكان خيرًا لهم، (وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَهُ) أي: كفانا اللّٰه (سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ) سيعطينا من فضله ويعطينا رسوله بعد هذا ما نرجوه ونؤمله ولم يلمزوا، (إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ) في أن عطينا من فضله ما نرجوه، أي: لكان خيرًا لهم. [٦٠] (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ)، لما لمز المنافقون رسول الله وَا ليه في قسمته الصدقات، بَيَّنَ اللّٰه لهم مصرفها دفعًا لطعنهم وقطعًا لشغبهم. عن زياد بن الحرث، قال: ((أتى النبي وَلِ عِ رجل فقال: أعطني من الصاقة، فة الى له: إن اللّه لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حَكَمَ فيها هو، فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك» (لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) الفقير الذي لا شيء له. وفي الحديث: ((قالوا: ما المسكين يا رسول الله؟ قال: الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئًا)) (وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا)، أي: السعاة والجباة الذين يبعثهم الإمام لتحصيل الزكاة، (وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) هم الكفار الذين كان النبي الَلِية يتألفهم ليسلموا، وكانوا يدخلون في الإسلام طمعًا في العطاء، (وَفِي الرِّقَابِ) بأن يشتري مماليك ثم يعتقهم، (وَالْغَارِمِينَ) هم الذين ركبتهم الديون ولا وفاء عندهم بها، إلا من لزمه دين في سفاهة، فإنه لا يعطى منها ولا من غيرها إلا أن يتوب. وقد أعان النبي وَالِيِ من الصدقة من تحمَّلَ حَمَالةً، وأرشد إلى إعانته منها، (وَفِي سَبِيلِ اللهِ) هم الغزاة والمرابطون يعطون من الصدقة ما ينفقون في غزوهم ومرابطتهم وإن كانوا أغنياء، (وَابْنِ السَّبِيلِ) المراد الذي انقطعت به الأسباب في سفره عن بلده، فإنه يعطى منها وإن كان غنيًا في بلده، «فَ .ذَةً مِنَ اللهِ) كون الصدقات صفحة 197 مقصورة على هذه الأصناف هو حكم لازمٌ فرضه اللّٰه على عباده، ونهاهم عن مجاوزته. [٦١] (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ) ، هذا نوع آخر من علامات المنافقين، يقال رجل أُذُنٌ: إذا كان يسمع مقال كل أحد فيصدقه، ولا يفرق بين الصحيح والباطل، قالوا هذا عن النبي وَلِيِيِ اغترارًا منهم بحلمه عنهم، وصفحهِ عن جناياتهم، كرمًا وحلمًا وتغاضيًا، (قُلْ أُذُنُ خَيْرِ لَكُمْ) أي: نعم هو يسمع الخير ولا يسمع الشر (يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) أي: يصدق بالله ويصدق المؤمنين ويستمع لهم. [٦٢] (يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ)، وذلك أن المنافقين كانوا في خلواتهم يطعنون على النبي وعَلِيه، فإذا بلغ ذلك إلى المؤمنين؛ جاء المنافقون فحلفوا لهم على أنهم لم يقولوا ما بلغ عنهم. [٦٣] ( أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ)، أي: من بعاديهما، ذَلِكَ) العذاب هو (الْخِزْيُ الْعَظِيمُ)، الذل والهوان [إذا أصابا من يتكبر]. [٦٤] (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ))، أي: على النبي والي في شأن المنافقين (تُنَبَئُهُمْ) أي: المنافقين (بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ) مما يسرونه فضلًا عما يظهرونه، فالمراد: اطلاعهم على أن المؤمنين قد علموا بما في قلوبهم، (قُلِ اسْتَهْزِثُّوا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ) إما بإنزال سورة، أو بإخبار رسوله بذلك. [٦٥] (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ)، عما قالوه من الطعن في الدين، وثلب المؤمنين، بعد أن يطلعك اللّٰه عليه (لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ) ولم نكن في شيء من أمرك ولا أمر المؤمنين، (قُلْ أَبِالهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِثُّونَ) ولم يعبأ بإنكارهم؛ لأَنهم كانوا كاذبين في الإنكار، بل جعلهم كالمعتر فين بوقوع ذلك منهم. [٦٦] (لَا تَعْتَذِرُوا) فإن ذلك غير مقبول منكم، (قَدْ كَفَرْتُمْ) أي: أظهر تم الكفر بما وقع منكم من الاستهزاء المذكور، (بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) أي: بعد إظهاركم الإيمان، (إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ) وهم من أخلص الإيمان وترك النفاق وتاب عنه (نُعَذَّبْ طَائِقَةً بِ) سبب (أَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) مصرين على النفاق لم يتوبوا. عن عبد اللّٰه بن عمر، قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلسٍ يومًا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، لا أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء. فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكناء. منافق، لأخبرن رسول اللّٰه وَاليه. فبلغ ذلك رسول اللّٰه وَلِي ونزل القرآن. قال عبد الله: فأنا رأيته متعلقا بحقب ناقة رسول اللّٰه والِّي والحجارة تنكبه، وهو يقول: يا رسول الله: إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي وَلِليهِ يقول: (أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون). [٦٧] (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ)، ذكورهم في ذلك كإناثهم، وأحوالهم في ذلك متفقة، متناهون في النفاق والبعد عن الإيمان، (وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ) أي: يشحون فيما ينبغي إخراجه من المال في الصدقة والصلة والجهاد، (نَسُوا اللهَ) حتى لا تخطر تقواه لهم على بال (فَنَسِيَهُمْ) أغفلهم من رحمته. [٦٨] ( هِيَ حَسْبُهُمْ)، أي: كافيتهم لا يحتاجون إلى زيادة على عذابها، (وَلَعَنَهُمُ اللهُ) أي: طردهم وأبعدهم من رحمته. [٦٩] (كَالِّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)، الخطاب للمنافقين، أي: كان من قبلكم من الكفار أشد من هؤلاء المنافقين المعاصرين للنبي اللي ( أَكْثَرَ أَمْوَالا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا) أي: تمتعوا (بِخَلَاقِهِمْ) أي: نصيبهم الذي قدره اللّٰه لهم من ملاذ الدنيا، {فَاسْتَمْتَعْتُمْ ) أنتم أيها ا-. افة ١٠: ( بِخَلَاقِكُمْ ) أي: نصيبكم صفحة 198 الذي قدره اللّٰه لكم (كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ) أي: انتفعتم به كما انتفعوا به، عاب على الفريقين استغراقهم في تلك الحظوظ حتى غفلوا عن حق المنعم بها، (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا) أي: كالخوض الذي خاضوه في أسباب الدنيا واللهو واللعب، وقيل: استمتعوا في آيات اللّٰه بالتكذيب (أَولَئِكَ) المتصفون بهذه الأوصاف، (حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) أي: بطلت، والمراد بالأعمال ما عملوه مما هو في صورة طاعة، {فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ) أما بطلانها في الدنيا: فلأنه يصير ما يرجونه من الغنى فقرًا، ومن العز ذلًّا، ومن القوة ضعفًا. وأما في الآخرة: فلأنهم يصيرون إلى عذاب النار، ولا ينتفعون بشيء من الأعمال التي يظنونها طاعة وقربة. [٧٠]( أَلَمْ يَأْتِهِمْ}، أي: المنافقين (نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي: خبرهم الذي له شأن، وهو ما فعلوه وما فُعل بهم، فذكر منهم ههنا ست طوائف، قد سمع العرب أخبارهم، (قَوْمِ نُوحِ) وقد أهلكوا بالإغراق (وَعَادٍ) وقد أهلكوا بالريح العقَّيم (وَثَمُودَ) وقد أخذوا بالصيحة (وَقَوْم إِبْرَاهِيمَ) وقد سلط اللّٰه عليهم البعوض (وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ) وهم قوم شعيب، وقد أخذتهم الرجفة (وَالْمُؤْتَفِكَاتِ) وهي قرى قوم لوط، وقد أهلكهم اللّٰه بما أمطر عليهم من الحجارة، وسُميت مؤتفكات؛ لأنها انقلبت بهم حتى صار عاليها سافلها، (أَنَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ) أي: رسل هذه الطوائف الست، (فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ ) لأن رسله أنذروهم وحذروهم (وَلَكِنْ كَانُوا أَنَّفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) بسبب ما فعلوه من الكفر بالله وعدم الانقياد لأنبيائه. [٧١] (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ )، أي: قلوبهم متحدة في التوادّ والتحابّ والتعاطف، بسبب ما جمعهم من أمر الدين وضمهم من الإيمان بالله (يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ)، أي: بما هو معروف في الشرع غير المنكر، ومن ذلك توحيد اللّٰه سبحانه، وترك عبادة غيره، (وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) أي: عما هو منكر في الدين، (وَيُطِيعُونَ اللَهَ وَرَسُولَهُ) في صنع ما أمرهم بفعله، (أَوَلَئِكَ) المتصفون بهذه الأوصاف ( سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ) بإنجاز الوعد. [٧٢] (وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) تجري تحت أشجارها وغرفها (وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً) ليس فيها من السوء شيء، ينعمون فيها (فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ) دار عدن أي: إقامة غير - مما-ة، (وَرِضْوَانٌ) ولو قليل (مِنَ) رضوان (اللهِ أَكْبَرُ)، من ذلك كله الذي أعطاهم اللّٰه إياه، فإنهم يأمنون سخطه إلى أبد الابدين، فإن أدنى رضوان منه لا يساويه شيء من اللذات الجسمانية وإن كانت عظيمة، (ذَلِكَ) أي: الجنات ورضوان اللّٰه تعالى (هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) دونه كل فوز مما يعده الناس فوزًا. في الصحيحين عن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَلِية: (إن اللّه يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك وسعديك، والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطه أحدًا من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا ربنا وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أُحِلَّ عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا)). [٧٣] (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ)، وجهاد الكفار يكون بمقاتلتهم حتى يسلموا، وجهاد المنافقين بإقامة الحجة عليهم، وبإقامة الحدود عليهم، فهم أكثر من يفعل موجبات الحدود؛ لأنهم لا يخافون الله، (وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) الغلظ: شدة القلب، وخشونة الجانب، وهكذا تكون معاملة المؤمنين لهذين الفريقين ف. ١ :١١١ ولهم في الآخرة عذاب النار . صفحة 199 [٧٤] (يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا )، نزلت بسبب قولٍ صَدَر عن بعض المنافقين: ((لئن كان محمد صادقا على إخواننا الذين هم ساداتنا وخيارنا، لنحن شر من الحمير»، فأَخْبِرَ بذلك النبِي لَلِية وأخذ قائل تلك الكلمة يحلف بالله ما قالها. وقيل في سبب نزولها غير ذلك، (وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ) وهي ما تقدم بيانه، (وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ) فعلوا ما يوجب كفرهم على تقدير صحة إسلامهم، (وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا) قيل: هو أنهم همُّوا بقتل رسول اللّٰه ب الفيه ليلية العقبة في غزوة تبوك، (وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ) أي: وما عابوا وأنكروا إلا ما هو حقيق بالمدح والثناء، وهو إغناء اللّٰه إياهم من فضله، وقد كان هؤلاء المنافقون في ضيق من العيش، فلما قدم النبي اليهِ المدينة اتسعت معيشتهم وكثرت أموالهم، {فَإِنْ يَتَوْبُوا يَكَ خَيْرًا لَهُمْ) [أي: تكن التوبة خيرًا لهم مما فعلوه في نفاقهم] {وَإِنْ يَتَوَلَوْا) عن التوبة والإيمان (يُعَذَّبْهُمُ اللهُ عَذَّابًا أَلِيمًا فِي الدُّثْيَا} بالقتل والأسر فيالآخِرَةِ، بعذاب النار . [٧٥] (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ)، قيل: نزلت في ثعلبة بن حاطب من أهل المدينة وهو أحد الذين بنوا مسجد الضرار. روى قصّتَهُ موجزةً ابنُ جرير بأسانيده عن ابن عباس والحسن وقتادة. ثم رواها مفصلة بسند ضعيف عن أبي أمامة الباهلي قال: ((جاء ثعلبة بن حاطب، فقال: يا رسول الله: ادع اللّٰه آن يرزقني مالا، فوالذي بعثك بالحق إن آتاني اللّٰه مالاً لأعطين كل ذي حق حقه. قال: «ويحك يا ثعلبة! قليلَ تطيق شكره خير من كثير لا تطيقه» قال: يا رسول الله: ادع اللّٰه تعالى. فقال رسول اللّٰه وعَيِّ: ((اللهم ازرقه مالا». قال فاتخذ غنمًا فنمت كما تنمو الدود، حتى ضاقت بها المدينة فتنحى بها، ثم نمت فتنحى بها، فكان لا بشهد جمعة ولا جنازة، فقال رسول اللّٰه وَالِّية: ((ويح ثعلبة بن حاطب، ويح ثعلبة بن حاطب)). ثم بعث رسول اللّٰه وَلِلّه رجلين يأخذان الصدقة، فأتيا حاطبًا، فقال: ما هذه إلا جزية. حتى قدما المدينة، فلما راهما رسول اللّٰه وَلِّي قال قبل أن يكلمهما: ((ويح ثعلبة بن حاطب» وأنزل اللّٰه هذه الثلاث الآيات في شأنه، فسمع بعض أقارب ثعلبة، فأتى ثعلبة فقال: ويحك يا ثعلبة أنزل فيك كذا وكذا. قال: فقدم ثعلبة فقال: يا رسول اللّٰه هذه صدقة مالي. فقال: إن اللّٰه قد منعني آن آقبل منك، فجعل يبكي ويحثي التراب على رأسه، ثم لم يقبلها أبو بكر في عهده، ثم لم يقبلها عمر ولا عثمان، فهلك في خلافة عثمان». [٧٦] (بَخِلَوا بِهِ)، فلم يتم ١ ة. ا بشيء منه كما حلفوا. ٧(فَأَعْقَبَهُمْ)، أي: فأعقبهم اللّٰه بسبب البخل وإخلاف عهدهم مع اللّٰه (نِفَاقًا) مستمرًّا (فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ أي: إلى يوم القيامة يوم لن اللّه مثلا. ٧٨] ( أَلَمْ يَعْلَمُوا)، أي: المنافقون (أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ ) ما يتناجون به فيما بينهم من الطعنِ على النبي الِيقة و على أصحابه، وعلى دين الإسلام، (وَأَنَّ اللهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) فلا يخفى عليه شيء، ومن جملة ذلك ما بصدر عن المنافقين. [٧٩] (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوّعِينَ)، كانوا يعيبون المسلمين إذا تطوعوا بشيء يسير من أموالهم وأخرجوه للصدقة، فكانوا يقولون: ما أغنى اللّٰه عن هذا، وإن تصدق أحد المؤمنين بشيء كثير، يقولون: ما فعَل هذا إلا رياء، {وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ) لا يجدون إلا شيئًا قليلًا يتصدقون به هو حاصل ما يقدرون عليه، (سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ )) أهانهم وأذلهم وعذبهم. [٨٠] (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ)، أي: إن صدور الاستغفار منه للمنافقين و علمه .. .راء، وذلك لأنهم ليسوا بأهل صفحة 200 لاستغفاره واليه ولا للمغفرة من اللّٰه سبحانه لهم، (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَهُ لَهُمْ) أي: إن اللّٰه لن يغفر لهم، وإن استغفرت لهم استغفارًا بالغًا في الكثرة غاية المبالغ، {ذَلِكَ بِأَنْهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ أي: سببا فرهم بالله ورسوله، (وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ» أي: المتمردين الخارجين عن الطاعة، فإنهم لفسقهم لا يوفقون إلى الهداية الموصلة إلى المطلوب. [٨١] (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللهِ، وهم الدين استادنوا رسول اللّه من المنافقين، فاذن لهم وخلفهم بالمدينة في غزوة تبوك، أي: فرح المخلفون بقعودهم وراء رسول اللٰه وللفي ( وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنَفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وسبب ذلك الشح بالأموال والأنفس، وعدم الإيمان والإخلاص، وماهم فيه من النفاق، (وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الحَرِّم قال المنافقون لإخوانهم هذا تثبيطا لهم وتواصيًا بينهم بالمخالفة لأمر اللّٰه ورسوله، (قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أشَدَّ حَرَّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) والمعنى: أنكم أيها المنافقون كيف تفرون من هذا الحر اليسير ونار جهنم التي ستدخلونها خالدين فيها أبدًا أشد حرًّا مما فررتم منه، وهو حرّ غير متناهٍ أبد الآبدين ودهر الداهرين. [٨٢] (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا)، والمعنى سيضحكون قليلا ويبكون كثيرًا في الآخرة، كما كانوا يضحكون في الدنيا كثيرًا: اتخذوا دينهم هزوًا ولعبًا، وذلك أمر محتوم لا يكون غيره، (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ» من المعاصي. ٨٣( فَإِنْ رَجَعَكَ اللَهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ )، إنما قال: إلى طائفة؛ لأن منهم من تاب عن النفاق وندم على التخلف (فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ) معك في غزوةٍ أخرى بعد غزوتك هذه (فَقُلْ) لهم (لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا) عقوبة لهم، ولما في استصحابهم من المفاسد مْ بالْقَعُودِ أوَّلَ مَرَّةِ) وهي غزوة تبوك (إِنّكُمْ رَضِيتُمْ (فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ)، والخالفون المراد بهم: من نخلف عن الخروج من المرضِى والنساء والصبيان. [٨٤] (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا)، في الصحيحين عن ابن عباس قال: ((سمعت عمر بن الخطاب زَوالُّنَه، يقول: لما توفي عبد اللّٰه بن أبيّ، دُعي رسول الله ولَال ليه للصلاة عليه، فقام عليه، فلما وقف قلت: أعَلى عدو اللّٰه عبد اللّٰه بن أبيّ القائل كذا وكذا، والقائل كذا وكذا، أعدَّد أيامه، ورسول الله والِيه تبسم. حتى إذا أكثرت قال: يا عمر، أخّر عنيٍ، إن قد خُيّرتُ، قد قيل لي: (اسْتَغْفِرْ آَء ٠ أَ: لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ) فلو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت عليها. ثم صلّى رسول اللّٰه وَالِيه ومشى معه حتى قام على قبره حتى فرغ منه. يقول عمر: فعجبت لي ولجرأتي على رسول اللّٰه واليهِ والله ورسوله أعلم، فوالله ما كان إلا يسيرًا، حتى نزلت هاتان الآيتان: (وَلَا تَصَلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمُ مَاتَ أبَدًا وَلَا تَقَمْ عَلَى قَبْره) فما صلى رسول اللٰه وَالاليهِ على منافق بعد)». (وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ)، كان إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له، فمنع ها هنا من أن يقف على قبر أي منافق ليدعو له، (وَمَانُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ) وصفهم بالفسق بعد وصفهم بالكفر؛ لأن الكافر قد يكون عدلًا في دينه، والكذب والنفاق والخداع والجبن والخبث مستقبحة في كل دين. [٨٥] ( وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ)، تقدم تفسيرها (الآية: ٥٥). [٨٦] (وَإِذَا أُنَزَلَتْ سُورَةٌ)، قيل: هي السورة، أي: سورة براءة { اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ) أي: ذوو الفضل والسعة، وقيل: هم الرؤساء والكبراء المنظور إليهم، (وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ) أي: المتخلفين عن الغزو من المعذورين كالضعفاء م ١١. مني، فنقعد عن القتال معك. صفحة 201 [٨٧] (رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ)، أي: إنهم لنفاقهم وما في قلوبهم من المرض والشك والجبن الخالع لم يستنكفوا أن يبقوا خلف رسول اللّٰه وَلِيِ مع النساء اللاتي بخلفن الرجال في العقود في البيوت (فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ) بل هم كالأنعام ف ٨٨] (وَأَولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ)، وهي كل خير، فيشمل منافع الدنيا والدين، وقيل: الخيرات هن النساء الحسان في الجنة. [٩٠] (وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ)، المعُذّر: هو الذي يعتذر ولا عذر له، اعتذروا بأعذار باطله لا أصل لها. والمعنى: أنه جاء هؤلاء من الأعراب بما جاءوا به من الأعذار بحق أو بباطل لأجل أن يأذن لهم رسول الله لالِيه ب التخلف عن الغزو، وطائفة أخرى لم يعتذروا، بل قعدوا عن الغزو لغير عذر، وهم منافقو الأعراب، (وَقَعَدَ الّذِينَ كَذَبُوا اللّٰهَ وَرَسُولَهُ) ولم يؤمنوا ولا صدقوا: بايعوا النبي لَلِلِهِ على السمع والطاعة ثم تبيَّن بتخلفهم من دون اعتذارٍ أنهم كانوا كاذبين، (سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ) أي: من الأعراب، وهم الذين اعتذروا بالأعذار الباطلة، والذين لم يعتذروا، بل كذبوا باللّه ورسوله. [٩١] (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ) وهم النساء والصبيان، (وَلَا عَلَى الْمَرْضَى) وهم أرباب الزمانة والهرم والعمى والعرج.. ونحو ذلك، أي: ليس عليهم حَرَج في تخلفهم عن الخروج إلى الغزو، فإن أعذارهم قائمة، وهذه أعذار قائمة بالبدن. ثم ذكر بعدها العذر الراجع إلى المال لا إلى البدن، فقال: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ) أبان أن الجهاد مع هذه الأعذار ساقط عنهم غير واجب عليهم (إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) والنصح لله: الإيمان به، والعمل بشريعته، وترك ما يخالفها كائنًا ما كان، ويدخل تحته دخولًا أوليًّا: نصح عباده، ومحبة المجاهدين في سبيله، وبذل النصيحة لهم في أمر الجهاد، وترك المعاونة لأعدائهم بوجه من الوجوه؛ والنصيحة للرسول وعَلِيَّة: التصديق بنبوته، وبما جاء به، وبطاعته في كل ما يأمر به أو ينهى عنه، وموالاة من والاه، ومعاداة من عاداه، ومحبته، وتعظيم سنته، وإحياؤها بعد موته بما تبلغ إليه القدرة. وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي وَالِخِ قال: «الدين النصيحة. ثلاثًا. قالوا: لمن؟ قال لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامّتهم»، (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) أي: ليس على المعذورين الناصحين طريق عقاب ومؤاخذة [ومثلهم غيرهم من ). - من] وثواب الغزو ثابت لهم لرغبتهم إليه لولا أن حبسهم العذر عنه. [٩٢] (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ )، هم نفر من الأنصار طلبوا منه ما يركبونه من الدواب. وقيل: سألوه الزاد. وقيل: لم يسألوه إلا النعال، (قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ) أي: إن من جملة المعذورين هؤلاء الذين أتوك لتحملهم على ما يركبونِ عليه في الغزو، فلمِ تجد ذلك الذي طلبوه منك ( تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ) أي: تولوا عنك لما قلت لهم: لا أجد ما أحملكم عليه، حال كونهم باكين (حَزَنًّا ألَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقَوْنَ) لا عند أنفسهم ولا عندك. [٩٣] (إِنَّمَا السَّبِيلُ)، أي: طريق العقوبة والمؤاخذة (عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ) في التخلف عن الغزو (وَهُمْ أَغْنِيَاءُ) أي: يجدون ما يتجهزون به (رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ) مع النساء القاعدات في البيوت، (فَهُمْ) بسبب هذا الطبع (لَا يَعْلَمُونَ) ما فيه الربح لهم حتى يختاروه على ما فيه الخسران. [٩٤] *يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ)، إخبار عن المنافقين بأنهم سوف يعتذرون إلى المؤمنين إذا ٠٠٠.ا من الغزو (لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ)، صفحة 202 أي: لن نصدقكم (قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ) أي: لأن اللّٰه قد أعلمنا بالوحي ما هو منافٍ لصدق اعتذاركم، (وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ) فيما بعدُ هل تقلعون عما أنتم عليه الآن من الشر أم تبقون عليه، (ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) وهو اللّٰه تعالى، فإنه يعلم بكل شيء يقع منهم مما يكتمونه، أو يتظاهرون به. ٩٥] سَيَحْلِفُونَ بِلهِ لَكُمْ ذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ)، سيؤكدون ما جاءوا به من الأعذار الباطلة، وغرضهم أن بعرض المؤمنون عنهم فلا يوبخوهم ولا يؤاخذوهم بالتخلف، ويظهرون الرضا عنهم، (فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ) المراد تركهم، والمهاجرة لهم، لا الرضا عنهم والصفح عن ذنبهم (إِنَّهُمْ رِجْسٌ) جميع أعمالهم نجسة قبيحة، فهؤلاء لما كانوا هكذا كانوا غير متأهلين لقبول الإرشاد إلى الخير، والتحذير من الشر، فليس لهم إلا الترك. [٩٦] (فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ )، كما هو مطلوبهم مساعدة لهم (فَإِنَّ اللَهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) المقصود نهي المؤمنين عن ذلك؛ لأن الرضى على من لا يرضى اللّٰه عليه مما لا يفعله مؤمن. [٩٧] (الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا)، كفرهم ونفاقهم أشد من كفر غيرهم ومن نفاق غيرهم؛ لأنهم أقسى قلبًا، وأغلظ طبعًا، وأجفى قولًا، وأبعد عن سماع كتب اللّٰه وما جاءت به رسله. والأعراب هم: من سكن البوادي من العرب. فمن استوطن القرى العربية فهو عربي، ومن نزل البادية فهو أعرابي، (وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنَزَلَ اللَهُ ) من الشرائع والأحكام؛ لبعدهم عن مواطن الأنبياء وديار التنزيل. ٩٨] (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا ) ، يعتقد أن الذي ينفقه في سبيل اللّٰه غرامة وخسران، ولكنه ينفقه للرياء والتقية، (وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ) الدائرة المنقلبة عن النعمة إلى البلية، (عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ) جعل ما أوعدهم به مماثلًا لما أرادوه بالمسلمين، عليهم دائرة الهزيمة والشر، والعذاب والبلاء، والمكروه، وَاللهُ سَمِيعٌ) لما يقولونه ( عَلِيمٌ) بما يضمرونه. ٩٩] (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)، هذا النوع الثاني من الأعراب - أي: يصدق بهما، (وَيَتَّخِذُ مَا يُنْقِقُ) أي: يجعل ما ينفقه في سبيل اللّٰه (قُرُبَاتٍ) وهي ما يتقرّب به إلى اللّٰه سبحانه، (وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ) [أي: يتخذون صلوات الرسول، وهو استغفاره ودعاء .. ة .ة لهم عند الله؛ لعظيم إيمانهم بالله ورسوله] (أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ) أي: إن صدقاتهم وصلوات النبي وَالِيه عليهم قربة لهم مقبولة عند اللّٰه تعالى، (سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ) [وهي المودة مع المؤمنين وما يصيبهم من الخير في الدنيا ودخولهم الجنة في الآخرة]. [١٠٠](وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ)، هذه شهادة من اللّٰه تعالى للسابقين من أصحاب النبي وَاِية و بشرى لهم بالجنة والفوز في الآخرة. وهي بشرى لمن سلك مسلكهم واتخذهم له قدوة. والسابقون هم: الذين صلوا القبلتين، أو الذين شهدوا بيعة الرضوان، أو أهل بدر. وأفضلهم الخلفاء الأربعة [بالترتيب] ثم الستة الباقون، ثم البدريون، ثم أصحاب أحد، ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية. وإنما فضل السابقين لإيمانهم وإنفاقهم قبل ظهور الإسلام، (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ) اتبعوا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وهم المتأخرون عنهم من الصحابة فمن بعدهم إلى يوم القيامة، إذا اتبعوهم بإحسان في الأفعال والأقوال اقتداء منهم بالسابقين الأولين، (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ) فقبل طاعاتهم وتجاوز عنهم ولم يسخط عليهم، (وَرَضُوا عَنْهُ) ب.ا أعط لهم من فضله. صفحة 203 [١٠١] (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ)، وهؤلاء هم الذين حول المدينة من المنافقين، (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) قوم منافقون (مَرَدُوا عَلَى النَّفَاقِ) أقاموا على النفاق وثبتوا عليه ثبوتًا شديدًا، ومهروا فيه ولَجُّوا ولم ينثنوا عنه، حتى خفي أمرهم على رسول اللّٰه وَاِيرِ فكيف سائر المؤمنين؟ (لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ) أي: لا نعلمهم أنت يا محمد بأعيانهم لمهارتهم في النفاق، ورسوخهم فيه على وجه يخفى على البشر، ولا يظهر لغير اللّٰه سبحانه، (سَنُعَذَّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ) أي: بالفضيحة بانكشاف نفاقهم، والعذاب في الآخرة. وقيل المراد بالمرتين: المصائب في أنفسهم وأموالهم وأولادهم وعذاب القبر، ( ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمِ إلى الدرك الأسفل في النار كما في (سورة النساء: ١٤٥). [١٠٢] (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ)، أي: ومن أهل المدينة قوم آخرون، تخلفوا عن الغزو لغير عذر مسوّغ للتخلف، ثم ندموا على ذلك واعترفوا أنهم لم يكن لهم عذر في التخلف، ولم يعتذروا بالأعذار الكاذبة، وربطوا أف هم (خالطوا عتالا صايحر) ن لا يخدم م الا قاسول بشرائع الإسلام، وخروجهم إلى الجهاد في سائر المواطن، والمراد بالعمل السيئ: تخلفهم عن هذه الغزوة، وقد أتبعوا هذا العمل السيئ عملًا وصالحًا، وهو الاعتراف به والتوبة عنه (عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) [هذه ترجية لهؤلاء الصادقين بقبول توبتهم] (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي: يغفر الذنوب ويتفضل على عباده. [١٠٣ ] (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)، قيل: هي صدقة الفرض، وقيل: هي مخصوصة بهذه الطائفة المعترفة بذنوبها؛ لأنهم بعد التوبة عليهم عرضوا أموالهم على رسول الله ولَال يُ فنزلت هذه الآية تأمره بأخذ بعض أموالهم لا كلِّها (تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكَّيهِمْ بِهَا) أي: تطهرهم من ذنوبهم يا محمد بالصدقة المأخوذة، والتطهير: إذهاب ما يتعلق بهم من أثر الذنوب، والتزكية: المبالغة في التطهير، (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) أي: ادع لهم بعد أخذك لتلك الصدقة من أموالهم، (إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) والسكن: ما تسكن إليه النفس وتطمئن به. [١٠٤ ] (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ)، لاستغنائه عن طاعة المطيعين، وعدم مبالاته بمعصية العاصين، (وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ) أي: .-ة ١٠١ منهم. وهذا تشريف عظيم لهذه الطاعة ولمن فعلها. [١٠٥] (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) خطاب لهؤلاء التائبين وغيرهم. أي: فسارعوا إلى أعمال الخير، وأخلصوا أعمالكم لله وعَِّل [ والعمل إذا كان صالحًا يعرفه المؤمنون]. (وَسَتُرَدُّونَ) بعد الموت (إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أي: إلى اللّٰه سبحانه الذي لا يخفى عليه شيء، ويستوي عنده كل معلوم، سواء أظهر تموه فعلمه الناس أم أخفيتموه فلم يعلموه. [١٠٦] (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ)، وكانوا ممن تخلفوا عن النبي وَلِيه ولم يكن لهم عذر ولم يربطوا أنفسهم بسواري المسجد كما فعل الآخرون، وكانوا ثلاثة هم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، كلهم من الأنصار، بقي أمرهم موقوفًا في تلك الحال (إِمَّا يُعَذَّبُهُمْ) إن بقوا على ما هم عليه (وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ) إن تابوا توبة صحيحة، وأخلصوا إخلاصًا تامًّا. وسيأتي في آخر السورة أن اللّٰه تعالى تاب عليهم (الآية: ١١٨). [١٠٧] (وَالَّذِينَ اتَّخَذُّم امَحاًا ضِرَارًا)، هذه طائفة أخرى من صفحة 204 المنافقين ابتنوا مسجدًا أثناء غيبة النبي وعَلِيه عن المدينة، فقال لهم أبو عامر الراهب: ابنوا مسجدكم، واستمدّوا بما استطعتم من قوة وسلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فآتي بجند من الروم، فأخرِجُ محمدًا وأصحابه. فلما فرغوا من مسجدهم، أتوا النبي وقياية وقالوا: يا رسول الله: إنا بنينا مسجدًا لذي العلّة، والحاجة، والليلة الشاتية، والليلة المطيرة، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه. قال: إني على جناح سفر، ولو قدمنا إن شاء اللّٰه أتيناكم فصلينا لكم فيه. ونزل عليه الوحي خبرهم، فلما رجع من سفره دعار جلين فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدماه وحرِّقاه. فخرجا سريعين، وفيه أهله، فحرَّقاه وهدماه، وتفرق أهله عنه، (ضِرَارًا)) أي: بقصد الضرر بالمؤمنين وإيقاع الأذية بهم، {وَكُفْرًا) لأنهم أرادوا ببنائه تقوية أهل النفاق، (وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ» أرادوا ألا يحضروا مسجد قباء، فتقل جماعة المسلمين، وفي ذلك من اختلاف الكلمة وبطلان الألفة ما لا يخفى، (وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ) وهم المنافقون، ومنهم أبو عامر الراهب، (مِنْ قَبْلُ) أي: من قبل بناء مسجد الضرار، (وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى) أي: وهي الرفق بالمسلمين، ( وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) فيما حلفوا. [١٠٨ ] (لَا تَقُمْ فِيهٍ أَبَدًّا)، المراد: نهي النبي وَلِلِهِ عن الصلاة فيه، ( لَمَسْجِدٌ أَسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ) هو سجد قباء، وقيل: مسجد النبي وَلِيه مِنْ أوَّلِ يَوْمَ) من أيام تأسيسه (أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) أي: لو كان القَيام في مسجد المنافقين جائزًا، لكان هذا أولى بقيامك فيه للصلاة ولذكر الله، (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) بالوضوء والغسل، يؤثرونه ويحرصون عليه عند عروض موجِبِه، {وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) من الأحداث والذنوب. ١٠٩] (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ)، أي: إن من أسس بنيانه [كما أسس مسجد قباء] على قاعدة قوية محكمة، وهي تقوى اللّٰه ورضوانه، خير ممن أسس بنيانه على ضدّ ذلك، والجرف: ما ينجرف بالسيول، وهي الجوانب من الوادي التي تنجرف بالماء، والهاري الهائر، أي: المنهار المشرف على السقوط، (فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) فانهار الجرف بالبنيان [وبانيه] في النار. [١١٠] (لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ)، أي: شكًّا ونفاقًا، كان هؤلاء الذين بنوا مسجد الضرار منافقين شاكين في دينهم، ١٠٠١٠:١ بهدم رسول الله وَلِية لمسجدهم وإبطاله لكيدهم تصميمًا على الكفر، ومقتًا للإسلام (إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ) إما بالموت أو بالسيف. [١١١] إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ)، لما شرح اللّٰه تعالى فضائح المنافقين، يبين هنا فضيلة الجهاد، فهؤلاء المجاهدون باعوا أنفسهم من اللّٰه بالجنة، فجادوا بأنفسهم، وجادوا بالأموال في الجهاد، وجاد اللّٰه عليهم بالجنة، (فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) يقدمون على قتل الكفار في الحرب، ويبذلون أنفسهم في ذلك، فإن فعلوا فقد استحقوا الجنة، وإن وقع القتل عليهم بعد التعرض للموت بالإقدام على الكفار [استحقوها أيضًا] (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيل وَالْقَرْآنِ) أخبار من اللّٰه سبحانه أن استحقاق المجاهدين الجنة قد ثبت الوعد بها من اللّٰه في كتبه المنزلة، التوراة والإنجيل، كما وقع في القرآن (وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ) أي: لا أحد. وهو صادق الوعد لا يخلف الميعاد، (فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ) أظهروا السرور بهذا البيع فقد ربحتم فيه ربحًا لم يربحه أحد من الناسر ٧١ . . فعل مثل فعلكم. صفحة 205 ١١٢(التَّائِبُونَ)، هم الراجعون إلى طاعة اللّٰه عن الحالة المخالفة للطاعة، (الْعَابِدُونَ) القائمون بما أمروا به من عبادة اللّٰه مع الإخلاص، {الْحَامِدُونَ) الذين يحمدون اللّٰه سبحانه في السراء والضراء، (السَّائِحُونَ) قيل: هم الصائمون، وقيل: المجاهدون، (الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ) أي: المصلون، (الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) بما هو معروف في الشريعة (وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ) هو ما ينكره الشرع، (وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ) القائمون بحفظ شرائعه التي أنزلها في كتبه وعلى لسان رسله، (وَبَشَرِ الْمُؤْمِنِينَ) الموصوفين بالصفات السابقة، بما لهم من الخيرات عند الله. ورد عن ابن عباس قال: من مات على هذه التسع فهو في سبيل اللّٰه.. [١١٣] (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ)، لما حضرت الوفاة أبا طالب دخل النبي الَلِيمة عليه وعنده أبو جهل وعبد اللّٰه بن أبي أمية، فقال النبي وماليه: أي عمِّ قل: لا إله إلا الله، أحاجّ لك بها عند الله. فقال أبو جهل وعبد اللّٰه بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فجعل رسول اللّٰه وَلِيَي يعرضها عليه، وأبو جهل وعبد اللّٰه يعاندانه بتلك المقالة. فقال أبو طالب آخر ما كلّمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبي أن يقول لا إله إلا الله. فقال النبي وَلِي: ((لأستغفرن لك ما لم أَنّه عنك)) فنزلت ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى)، وهذه الآية متضمنة لقطع الموالاة للكفار، وتحريم الاستغفار لهم، والدعاء بما لا يجوز لمن كان كافرًا [والصلاة على جنازته استغفارٌ نهي عنه أيضًا] والقرابة في مثل هذا لا تأثير لها لقول اللّٰه تعالى لنوح عاليَاه في حق ابنه: (قَالَ يَا نُوحُ إِنّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلْ غَيْرٌ صَالِح) (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) لموتهم على الشرك. [١١٤] (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ) عندما قال له (لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) انظر (سورة الممتحنة: ٤) وكان وعده بالاستغفار له قبل أن يتبين له أنه من أهل النار، ومن أعداء الله، (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهُ) الأواه: المتضرع الخاضع، الذي إذا ذكر خطاياه تأوه منها، فيقول: آه من ذنوبي، آه مما أعاقَبُ به بسببها، (حَلِيمٌ) وهو الذي بصفح عن الذنوب، ويصبر علي الأذى. [١١٥] (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ) أي: إن اللّٰه لا يوقع الضلال على قوم، بعد أن هداهم إلى الإسلام م الة ا- .شرائعه، ما لم يقدموا على شيء من المحرمات عمدًا بعد أن يتبين لهم أنه محرم، وأما قبل أن يتبين لهم ذلك فلا إثم عليهم ولا يؤاخذون به، أي: فلا تستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى، فإن القرابة لا تنفعهم شيئًا؛ لأنه قد بيَّن لهم ما يتقون، فلم يتقوا الله، ولم يؤمنوا. ١١٦٦] ( لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ)، فيما وقع منه من الإذن لبعض المنافقين في التخلف عن الغزو، أو الاستغفار للمشركين، (و) على (الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ) فيما قد اقترفوه من الذنوب، (الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ) فلم يتخلفوا عنه (فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ) هي غزوة تبوك [وهذا سبب التوبة عليهم، فإن خروجهم للجهاد مع بعد الشقة، وقوة الأعداء وهم الروم، وقلة ذات اليد، وشدة الحرّ، كل ذلك قاسَوا عُسْرَته وتحملوا مشقته في سبيل اللّٰه لنشر الإسلام، وتقوية دولته فاستحقوا رفع الدرجات والتوبة والمغفرة، فرضي اللّٰه عنهم وأرضاهم] (مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ} همَّوا بالتخلف عن الغزو لما هم فيه من الشدة العظيمة، (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ) ليتوبوا، أي: على الذين 15د١٠ ."خلفون، أو على الجميع. صفحة 206 ١١٨](وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلَّفُوا)، أي: وتاب على الثلاثة الذين خلفوا: أي أُخّروا ولم تقبل توبتهم في الحال لأنهم لم يكن لهم عذر، كما قبلت توبة أولئك المتخلفين من أصحاب الأعذار المتقدم ذكرهم (انظر آية: ١٠٦)، لم يقبل النبي وعَلِي توبة هؤلاء الثلاثة، وهم كعب بن مالك، ومُرارة بن الربيع، وهلال بن أميّة، وكلهم من الأنصار، حتى نزل القرآن بأن الله قد تاب عليهم بهذه الآية، (حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بمَا رَحُبَتْ) لإعراض الناس عنهم، وعدم مكالمتهم من كل أحد، لأن النبي ويالفه نهى الناس أن يكالموهم، (وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنَّفُسُهُمْ} ضاقت صدورهِم بما نالهِم من الوحشة، وبما حصل لهم من الجفوة، (وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ) أي: علموا أن لا ملجأ يلجأون إليه قط إلّا اللّٰه سبحانه بالتوبة والاستغفار بعد الاعتراف بذنبهم، (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا) أي: رجع عليهم بالقبول والرحمة ليستقيموا فيما يستقبل من الزمان وإن فرطت منهم خطيئة ليتوبوا عنها ويرجعوا إلى اللّٰه فيها [هذا وإن قصة توبة اللّٰه تعالى على هؤلاء النفر الثلاثة الذين صَدَقُوا النبي وَا يخ و لم يَكْذِبوه، ولم يعتذروا بعذر كاذب، بل أقروا بأنهم ما كان لهم عذر، وأنهم كانوا مخطئين بتخلفهم، هذه القصة فيها عبر وموعظة للمؤمنين، وقد بيّنتها كتب السيرة النبوية ودواوين الحديث، فليرجعٍ إليها]. [١١٩] (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)، فيه الإشارة إلى أن هؤلاء الثلاثة حصل لهم بالصدق ما حصل من توبة اللّٰه. [١٢٠](مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ) أي: ما صح وما استقام لأهل المدينة (وَمِّنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ) كمزينة، وجهينة، وأشجع (أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ الله) ، وَلِيف أي: ليس لهم إذا خرج النبي وَالي ير إلى الجهاد بنفسه أن يتخلف عنه منهم أحد بغير أمره في غزوة تبوك وغيرها، بخلاف غيرهم من العرب فإنهم لم يُسْتَنْفَرُوا، مع كون هؤلاء لقربهم وجوارهم أحق بالنصرة والمتابعة لرسول الله بَلقِ ( وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنَّفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ) أي : وما كان لهم أن يَشِحُّوا بها ويصونوها ولا يشحون بنفس رسول اللّٰه ويصونونه، بل واجب عليهم آن يكابدوا معه المشاق، ويجاهدوا بين يديه أهل الشقاق، ويبذلوا أنفسهم دون نفسه، (ذَلِكَ) من وجوب المتابعة، والظمأ: العطش، والنصب: التعب، والمخمصة: المجاعة الشديدة التي يظهر عندها ضمور البطن، (فِي سَبِيل اللهِ) في طاعة اللّٰه وجهاد أعدائه، (وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ) أي: لا يدوسون مكانًا من أمكنة الكفار بأقدامهم، أو بحافر خيوا. . ٥ حصل بسبب ذلك الغيظ للكفار، (وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوِّ نَيْلًا) قتلًا، أو أسرًا، أو هزيمة، أو غنيمة (إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ) حسنة مقبولة يجازيهم بها. [١٢١(وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً)، وإن كان شيئًا صغيرًا يسيرًا، (وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا) الوادي كل منفرج بين جبال أو آكام (إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ) أي: كتب لهم ذلك الذي عملوه من النفقة والسفر في الجهاد، (لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ) به { أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). [١٢٢] (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً) ويتركوا المدينة خالية، بل ينفر (مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ)) أي: بعضهم فقط ويبقى من عداهم ( لِيَتَفَقَّهُوا) أي: ليتفقه القاعدون (فِي الدِّينِ)، والمعنى أن طائفة من هذه الفرقة تخرج إلى الغزو، ومن بقي من الفرقة يقيمون بالوطن لطلب العلم، ويعلموا الغزاة إذا رجعوا إليهم من الغزو [ويحتمل أن المراد: ليتفقه الذين خرجوا مع النبي وَاِّيِ في الدين بما يسمعونه من النبي وَلَلِي ويتعلمونه منه من القرآن وأحكام الدين في الجهاد والحرب والتعامل وغيره، فيعلّمون قومهم إذا رجم. ١١١ مم]. صفحة 207 [١٢٣] (قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ)، أمر سبحانه المؤمنين بأن يجتهدوا في مقاتلة من يليهم من الكفار، (وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) أمرهم أن يأخذوا في حرب من بجاورهم من الكفار بالغلظة والشدة. والجهاد واجب لكل الكفار، وإن كان الابتداء بمن هو قريب من المجاهدين أهم وأقدم، ثم الأقرب فالأقرب، (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) ينصر من إتقاه وجاهد في سبيله. [١٢٤ ] (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ) أي: من المنافقين (مَنْ يَقُولُ) لإخوانه منهم (أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ) السورة النازلة (إِيمَانًا) يقولون هذا استهزاء بالمؤمنين (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا)) [أي: زادهم نزول السورة إيمانًا بالله تعالى وتصديقًا بكتابه وأخباره لما فيها من المواعظ والدلالات، ويزيدهم ما فيها من التكاليف عملًا وجهادًا فيزداد إيمانهم بزيادة أعمالهم في طاعة اللّه] (وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) بنزول الوحي وما بشتمل عليه من المنافع الدينية والدنيوية. [١٢٥] (وَأَمَّا الّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) وهم المنافقون (فَزَادَتْهُمْ) السورة المنزلة (رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ )، أي: خبثًا إلى خبثهم الذي هم عليه من الكفر وفساد الاعتقاد، فتشددوا فيه، ورسّخوه في أنفسهم، واستمروا عليه إلى أن ماتواكفارًا منافقين. [١٢٦] (يُفْتَنُونَ) يُخْتبرُون، أو يبتليهم اللّٰه سبحانه بالقحط والشدة، وبالأمراض والأوجاع، أو بأمرهم بالغزو والجهاد مع النبي وَلِيِ ( مَّ لَا يَتُوبُونَ) بسبب ذلك (وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ) وهذا تعجيب من حال المنافقين وتصلبهم في النفاق. [١٢٧] ( وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ )، أي: نظر بعض المنافقين إلى البعض الآخر قائلين: (هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ) من المؤمنين لننصرف عن المقام الذي ينزل فيه الوحي، فإنه لا صبر لنا على استماعه، ولنتكلم بما نريد من الطعن والسخرية، (ثُمَّ انْصَرَفُوا عن ذلك المجلس إلى منازلهم، أو عما يقتضي الهداية والإيمان إلى ما يقتضي الكفر والنفاق، (صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) أي: صرفها عن الخير وما فيه الرشد لهم والهداية وخذلهم (بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) أي: لا يفهمون ما بسمعونه لعدم تدبرهم وإنصافهم. [١٢٨](لَقَدْ جَاءَكُمْ) يا معشر العرب (رَسُولٌ) أرسله اللّه إليكم له شأن عظيم، (مِنْ أَنَّفُسِكُمْ) من جنسكم في كونه عربيًّا، ولم يكن من العرب قبيلة إلا ولها على النبي وَالِيهِ ولادة، مُضَريُّها وربيعيّها ويمانيّها: أي وقد ولدتموه يا معشر العرب. وقال الزجاج: هي خطاب لجميع العالم أي: هو من جنس بني - آدم أرسل إليهم رحمة بهم ( عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَتُّمْ) شاق عليه عنتكم، والعنت: التعب لهم والمشقة عليهم بعذاب الدنيا، أو بعذاب الآخرة بالنار، (حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ) أي: شحيح عليكم بأن تدخلوا النار، أو حريص على إيمانكم، (بِالْمُؤْمِنِينَ) منكم أيها العرب أو الناس رَءُوف رَحِيم). [١٢٩] فَإنْ تَوَلَوْا*، أى: أعرضوا عنك ولم يعملوا بما جئت به ولا قبلوه، (فَقِّلْ) يا محمد (حَسْبِيَ اللَّهُ أي: يكفيني اللّٰه سبحانه المنفرد بالألوهية عن أن أحتاج إلى الاعتماد على غيره أو الالتجاء إلى أحد سواه، (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) أي: فوضت جميع أموري، (وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم) لأنه أعظم المخلوقات تفسير سورة يونس ١ الر)، تقدم الكلام على الحروف الواقعة في أوائل السور في أول سورة البقرة، (تِلْكَ) أي: ما تضمنته هذه السورة من الآيات (آيَاتُ الْكِتَابِ) وهو القرآن (الْحَكِيمِ) صفحة 208 المحكم بالحلال والحرام والحدود والأحكام، وقيل: الحكيم ذو الحكمة لاشتماله عليها، وقيل: الحكيم هنا الحاكم، كقوله تعالى: (وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ). [٢] (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًّا)، إنكار لتعجّبهم من نزول الوحي مع ما يفيده من التقريع والتوبيخ للمعترضين على القرآن، والمعنى: أكان إيحاؤنا إليك الكتاب عجبًا للناس، (إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ) وليس في هذا الإيحاء إلى رجل من جنسهم ما يقتضي العجب، فإنه لا يلابس الجنس ويرشده ويخبره عن اللّه سبحانه إلا من كان من جنسه، ولو كان من الملائكة أو من الجن يتعذر المقصود حينئذٍ من الإرسال؛ لأنهم لا يأنسون إليه، وقد كان لرسول اللّٰه وَلِي قبل أن يصطفيه اللّٰه بإرساله، من خصال الكمال عند قريش، ما هو أشهر من الشمس، حتى كانوا يسمونه الأمين، فلا عَجَبَ أن يكون هو الرسول، (أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ) أي: بلغهم على سبيل التحذير لهم بما يأتي في السورة، (قَدَمَ صِدْقِ) أي: منزل صدق، ودرجة عالية فيه، وقيل: القدم المتقدم في الشرف السابق في الصدق، وقيل: القدم كل ما قدَّمْتَ من خير، أي إن لهم أعمالًا صالحة قدموها أمامهم ليوم الميعاد، (قَالَ الْكَافِرُ وِنَ إِنَّ هَذَا) الرجل (لَسَاحِرٌ مُبِينٌ) . [٣] (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَةِ أَيّامِ )، أي: له هذا الاقتدار العظيم، فكيف يكون إرساله لرسول إلىّ الناس من جنسهم محلًّا للتعجب؟! (يُدَبَّرُ الْأَمْرَ) يقضي ويقدر وحده أحوال ملكوت السماوات والأرض والعرش وسائر الخلق ( مَا مِنْ شَفِيع إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ) ليس لأحد أن يشفع إليه في شيء إلا بعد إذنه؛ لأنه أعلم بموضع الحكمة والصواب، وفي هذا بيان لاستبداده بالأمور في كل شيء سبحانه وتعالى، فَاعْبُدُوهُ) لبديع صنعه وعظيم اقتداره (أفَلَا تَذَكَّرُونَ لأن من له أدنى تذكر وأقل اعتبار يعلم بهذا ولا يخفى عليه. [٤] (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا)، هذا من الإنذار الذي أجمل في أول السورة والتبشير بما بعد هذا (وَعْدَ اللهِ حَقَّا) أي: إرجاعه إياكم إليه وعد منه صادق، والمعنى أن إعادة حشر البشر جميعًا إلى اللّٰه وعجّلِ بعد موتهم وبعثهم موعد من اللّٰه صادق لن يخلفه، (إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ) من التراب (ثُمَّ يُعِيدُهُ) إلى الحياة بعد أن يموت، لأجل الجزاء يوم القيامة (بِالْقِسْطِ) العدل الذي لا جور فيه، ( مِنْ حَمِيمٍ) الحميم: الماء الحار. [٥] (جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً مَالْةَ - نُورًا)، الضياء: ما كان من ذات الشيء، كضوء السراج، والنور: ما كان مستفادًا من غير الذات بالانعكاس، كانعكاس النور عن المرآة، ونور القمر مستفاد من ضوء الشمس، (وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ) أي: قدر مسيره في منازل، ومنازل القمر هي المسافة التي يقطعها في يوم وليلة بحركته الخاصة به، وجملتها ثمانية وعشرون [منزلة، يعرفها أهل الفلك والتقويم] ينزل القمر في كل ليلة منها منزلًا لا يتخطاه، فيبدو صغيرًا في أول منازله ثم يكبر قليلاً قليلاً حتى يبدو كاملا، وإذا كان في اخر منازله رق واستقوس، ثم يستتر ليلتين أو ليلة (لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّّنِينَ وَالْحِسَابَ)، ولولا هذا التقدير لم يعلم الناس بذلك، ولا عرفوا ما يتعلق به كثير من مصالحهم [وفي هذا دعوة لتعلم الفلك النافع وحساب التقاويم الزمنية] والاختلاف بين السنة الشمسية والقمرية معروف، (مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ) [أي ما خلق السماوات والأرض وقدر ما فيهما أحسن تقدير إلا لتُعلم عظمته وقدرته وحكمته فيعبَد]. [٦] (إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)، تقدم تفسير هذا الاختلاف (سورة البقرة: ١٦٤) (لآ١٠ - . لةَ. مِ يَتَّقُونَ)، يمعنون في النظر صفحة 209 والتفكير في مخلوقات اللّٰه سبحانه حذرًا منهم عن الوقوع في شيء مما يخالف مراد اللّٰه سبحانه، ونظرًا لعاقبة أمرهم، وما يصلحهم في معادهم. ](لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا)، لا يتوقعون لقاءنا، فهم لا يخافونه ولا يطمعون فيه، (وَرَضُوا بالْحَيَاةِ الدُّنْيَا) عن الآخرة (وَاطْمَأْنُّوا بِهَا) أي: سكنت أنفسهم إليها وفرحوا بها، (وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلَونَ) لا يعتبرون بها ولا يتفكرون فيها. [٨] أولئِكَ مَاوَاهُمُ) مكان إقامتهم (النّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) أي: بسبب ما كانوا يكسبون من الكفر والتكذيب بالمعاد. [٩] ( يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ) يرزقهم الهداية بسبب الإيمان والعمل الصالح، فيصلون بذلك إلى الجنة (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ) من تحت بساتينهم أو من بين أيديهم؛ لأنهم على سرر مرفوعة. [١٠] (دَعْوَاهُمْ فِيهَا)، أي: دعاؤهم ونداؤهم في الجنة قولهم: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ)، والمعنى: إن دعاءهم الذي يدعون به في الجنة هو تسبيح اللّٰه وتقديسه، (وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ) أي: تحية بعضهم للبعض، أو تحية الله، أو الملائكة لهم، (وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) أي: وخاتمة دعائهم الذي هو التسبيح أن يقولوا: الحمد لله رب العالمين. [١١] (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ)، أي: لو عجل اللّٰه للناس العقوبة، كما يتعجلون الثواب والخير (لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ) أي ماتوا، وقيل: المعنى لو فعل اللّٰه مع الناس في إجابته [إياهم دعاءَهم على أنفسهم وأموالهم وأهلهم بالشر] مثل ما يريدون فعله معهم في إجابته إلى الخير لأهلكهم [فإن كثيرًا من الناس يدعو بالموت والهلاك على نفسه أو غيره ويستعجل ذلك] ولكنه سبحانه لم يعجل لهم الشر فأمهلوا [وذلك لحلمه تعالى ورحمته البالغة] وقد دعا أهل مكة فقالوا: (إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابِ آلِيمِ) فلم يستجب دعاءهم لحكمته فيما قدر هم [من الدخول في الإسلام لاحقًا] (فِي طَغْيَانِهمْ بَعْمَهُونَ) أي نتركهم يتحيرون في تطاولهم وتكبرهم وعدم قبولهم للحق [يقولون لو كان القرآن حقًّا فقد دعونا اللّٰه أن بمطر علينا الحجارة، فلما لم يفعل علمنا أنه ليس بحق]. [١٢] (دَعَانَا لِجَنْبِهِ) مضطجعًا ( أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا) كأنه قال: دعانا في جميع الأحوال المذكورة وغيرها، (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ذُدّ مَنَّهُ) مضى على طريقته التي كان عليها قبل أن يمسه الضر، ونسي موقف الدعاء والتضرع لا يرجع إليه كأنه لا عهد له به، وهذه الحالة تتفق لكثير من المسلمين: تلين ألسنتهم بالدعاء عند نزول ما يكرهون بهم، فإذا كشفه اللّٰه غفلوا، وذهلوا عما يجب عليهم من شكر النعمة من إجابة دعائهم، ورفع الضر ودفع المكروه، اللهم أوزعنا شكر نعمتك وأذكِرْنا الأحوال التي مننت علينا فيها بإجابة الدعاء حتى نستكثر من الشكر، وما أغناك عنه وأحوجنا إليه (كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) زين لهم الإعراض عن الدعاء، والغفلة عن الشكر، والاشتغال بالشهوات. [١٣] (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ) الأمم الماضية أهلكناهم حين فعلوا الظلم بالتكذيب، والتجرؤ على الرسل، والتطاول في المعاصي، (وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ) وقد جاءتهم رسلهم الذين أرسلناهم إليهم بالآيات الواضحات الدلالة على صدق الرسل، وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا) أي: وما صح لهم وما استقام أن يؤمنوا لعدم استعدادهم لذلك وسلب الألطاف عنهم، (كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ . هذا وعيد شديد لكفار مكة. صفحة 210 [١٤ ] (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ) أي: استخلفناكم في الأرض بعد تلك القرون التي تسمعون أخبارها، وتنظرون آثارها، (لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) من أعمال الخير أو الشر. [١٥] (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ)، والمراد: الآيات التي في الكتاب العزيز الدالة على إثبات التوحيد وإبطال الشرك، (قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا) وهم المنكرون للمعاد (اثْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا) القرآن الذي فيه ذم عبادة الأوثان، (أَوْ بَدَّلْهُ) بنسخ بعض آياته أو كلها، ووضع أخرى مكانها مما يلائم غرضهم، (قُلْ مَا يَكُونُ لِي) ما ينبغي لي ولا يحل لي (أَنْ أَبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي ) أي: بل الأمر إلى اللّٰه تعالى إن شاء أن يأمر بتبديله، فليس إليَّ من الأمر شيء (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) من عند اللّه سبحانه لن غير تبديل ولا تحويل ولا تحريف، (إِنِّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي) بفعل ما تطلبون على تقدير إمكانه، (عَذَابَ يَوْمِ عَظِيمٍ) هو يوم القيامة [وهذا تحذير لكل من بدّل آيات اللّٰه تعالى أو حرّف معناها لرغبة أو رهبة]. ١٦] (قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ)، لو شاء اللّٰه ألا أتلوه عليكم، ولا أبلغكم إياه ما تلوته، (وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ) أي: ولو شاء اللّٰه ما أدراكم بالقرآن: أي ما أعلمكم به على لساني (فَقَدْ لَبِئْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ)، أي: زمانًا طويلا، وهو أربعون سنة من قبل القرآن، تعرفونني بالصدق والأمانة، لست ممن يقرأ ولا ممن يكتب، وعدم قراءتي للكتب المنزلة على الرسل، وتعلمي لما عند أهلها من العلم، ولا طلبي لشيء من هذا الشأن ولا حرصي عليه، ثم جئتكم بهذا الكتاب الذي عجزتم عن الإتيان بسورة منه، وقصرتم عن معارضته، وأنتم العرب المشهود لهم بكمال الفصاحة. [١٧](فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا )، لما طلبوا منه أن يأتي بقرآن غير هذا القرآن، أو يبدله، بين لهم أنه لو فعل ذلك لكان من الافتراء على الله، ولا ظلم يماثل ذلك، (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ) لا يظفرون بمطلوب. [١٨] (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ)، أي: متجاوزين اللّٰه إلى عبادة غيره لا بمعنى ترك عبادته بالكلية، (مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ) ومن الحق أن يكون المعبود نافعًا ضارًا إذا شاء، وإلا فما فائدة عبادته إن كان عاجزًا، (وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ الله عموا أنهم يعون له ال، فلا يعذبهم بذنوبهم، ويزعمون أن آلهتهم تتوسط لهم عند اللّٰه في إصلاح أحوال دنياهم. (15° أَنَقُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ) المعنى: اللّٰه سبحانه لا يعلم لنفسه شريكًا ولا شفيعًا بغير إذنه من جميع مخلوقاته الذين هم في سماواته وفي أرضه. [١٩ ] (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً)، موحِّدة لله سبحانه مؤمنة به (فَاخْتَلَفُوا) فصار البعض كافرًا، وبقي البعض الآخر مؤمنا، فخالف بعضهم بعضًا، (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ) وهي أنه لا يقضي بينهم فيما اختلفوا فيه إلا يوم القيامة، (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) في الدنيا (فِيمَا) هم (فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) لكنه امتنع ذلك بالكلمة التي لا تتخلف، وقيل: الكلمة أنه لا يأخذ أحدًا إلا بحجة، وهي إرسال الرسل كما قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا). [٢٠] (وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبّهِ) ، هم أهل مكة، كأنهم لم يعتدَّوا بما قد نزل على رسول اللّٰه وَلِقِيِ من الآيات الباهرة، والمعجزات القاهرة، فطلبوا منه آية كإحياء الأموات، وجعل الجبال ذهبًا، ونحو ذلك، (فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ) أي: إن نزول الآية غيب، والله هو المختص بعلمه، لا علم لي به، ولا لكم، ولا لسائر مخلوقاته « فَاذْتَنا والمنزول ما اقترحتموه. صفحة 211 [٢١] (إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا)، وسَّع عليهم في الأرزاق، وأدرَّ عليهم النعم بالمطر وصلاح الثمار، بعد أن ستهم الضراء بالجدب وضيق المعايش، فما شكروا عمته، ولا قدروها حق قدرها، بل نَسَبوها إلى أصنامهم التي لا تنفع ولا تضر، وطعنوا في آيات الله، واحتالوا في دفعها بكل حيلة، (قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْرًا) أي: أعجل عقوبة (إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ) وهم الملائكة يكتبون مكر الكفار، لا يخفى ذلك على الملائكة الذين هم الحفظة، فكيفٍ يخفى على العليم الخبير؟ [٢٢] (هُوَ الَّذِي يُسَيَّرْكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ)، يمشون على أقدامهم التي خلقها لهم لينتفعوا بها، ويركبون ما خلقه اللّٰه لركوبهم من الدواب، والهمهم لعمل السفائن التي يركبون فيه في لجج البحر، (حَتّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفَلِكِ) هي السفر (وَجَرَيْنَ) أي: السفن (بِهِمْ) أي: بالراكيين عليها (بِرِيحِ طَيَبَةٍ) تسوق سفنهم وليست بعاصفة (جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفُ ) العُصوف: شدة هبوب الريح (وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ) أي: من جميع الجهات (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أَحِيطَ بِهِمْ) أي: غلَب على ظنونهم الهلاك (دَعَوا اللهَ) أي: توجهوا في تلك الحال إلى اللّٰه بالدعاء لعلمهم أنه على إنجائهم قادر، (مُخْلِصِينَ) أي: لم يشوبوا دعاءهم بشيء من الشوائب، كما جرت عادتهم - في غير هذا الموطن - أنهم يشركون أصنامهم في الدعاء، وفي هذا دليل على أن الخلق جُبلوا على الرجوع إلى اللّٰه في الشدائد، وأن المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافرًا، (لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ ) المحنة، يقسمون قائلين ذلك. [٢٣] ( فَلَمَّا أَنَّجَاهُمْ )) اللّٰه من هذه المحنة وأجاب دعاءهم (إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ) يفسدون فيها وينسون ما دعوا وحلفوا وعاهدوا اللّٰه عليه (بِغَيْرِ الْحَقِّ) بغير شبهة عندهم، بل تمردًا وعنادًا، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنَّفُسِكُمْ) أي: إن ما يقع من البغي على الغير هو بغي على نفس الباغي باعتبار ما يؤول إليه الأمر من الانتقام منه مجازاة على بغيه، تتمتعون بالبغي (مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي: في زمنها فقط (ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ)، المعنى: أنكم بعد هذه الحياة الدنيا ومتاعها ترجعون إلى اللّٰه. [٢٤] (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ)، لما ذكر اللّٰه متاع الدنيا، جاء بكلام مستأنف يتضمن بيان حالها وسرعة تَقَضِّيها، والمعنى: أن مثلها في سرعة الذهاب، مثل ما على الأرض من أنواع النبات في زوال رونقه .ذها. . بهجته وسرعة تقضّيه، (فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ) اشتبك بعضٍ أنواعه ببعض حتى نما وبلغ إلى حد الكمالَ (مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ) من الحبوب والثمار والكلأ (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا) أخذت لونها الحسن المشابه بعضه للون الذهب، وبعضه للون الفضة، وبعضه للون الياقوت، وبعضه للون الزمرد (وَازَّيَّنَتْ) أي: تزينت، شبهها بالمرأة التي تلبس الثياب الجيدة، المتلونة ألوانًا كثيرة، والحلي، وتتصبَّغ لتلفت الأنظار، (وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا) على حصادها والانتفاع بها (أَنَّاهَا أَمْرُنَا) بإهلاكها واستئصالها وضربها ببعض العاهات، (فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا) أي: جعلنا زرعها شبيهًا بالمحصود في قطعه من أصوله، (كَأَنْ لَمْ تَغْنَ) كأن لم يكن زرعها فيها (بِالْأَمْسِ) مخضرًا طريًّا. [٢٥] (وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ) [لما بين اللّٰه تعالى لعباده قيمة الحياة الدنيا وسرعة تغيرها وزوالها] رغبهم في الدار الآخرة، ودارِ السلام الجنة، هي دار السلامة من الآفات. [٢٦] (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى)، للذين أحسنوا القيام بما أوجبه اللّٰه عليهم من الأعمال .، الكن ، عمانهاهم عنه من المعاصي، صفحة 212 المثوبة الحسنى، وهي الجنة (وَزِيَادَةٌ) الزيادة التفضل بالنظر إلى وجه اللّٰه الكريم، أخرج أحمد ومسلم عن صهيب: أن رسول اللّٰه وَاليي تلا هذه الآية وقال: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى منادٍ: يا أهل الجنة: إن لكم عند اللّٰه موعدًا يريد أن ينجز كموه، فيقولون: وما هو؟ الم يثقل موازيننا، ويبيّض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويزحزحنا عن النار؟ قال: فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم اللّٰه شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، ولا أقر لأعينهم» (وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ)) لا بعلو وجوههم سواد الوجوه، ولا دخان النار من الخزي والحسرة والندامة. [٢٧] (جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا)، أي: يجازي سيئة واحدة سيئة واحدة، لا يزاد عليها بل يماثلها في الصغر والكبر، (وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةُ) يغشاهم هوان وخزي (مَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ) أي: لا يعصمهم أحد كائنًا من كان من سخط اللّٰه وعذابه (كَأَنَمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا ) شدة ما يغشاها من دخان النار وسوادها، (أولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ) لا انفكاك لهم عنها. [٢٨] (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا»، يُحْشَرُ العابد والمعبود لسؤالهم (ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا) تقريعًا لهم على رؤوس الأشهاد مع حضور معبوداتهم (مَكَانَكُمْ) أي: قفوا في ٢ (أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ) أنتم والذين اتخذتموهم آلهة موضعكم مع اللّٰه (فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ) أي: فرَّقنا المعبودين عن عابديهم، (وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ) أي: لم نأمركم بعبادتنا، وإنما عبدتم هواكم وضلالكم، وشياطينكم الذين أغووكم، أمروكم بعبادتنا فأطعتموهم، فمعناه إنكار عبادتهم إياهم عن أمرهم لهم بالعبادة. [٢٩] (فَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْتَنَا وَبَيْنَكُمْ)، أي: إن اللّٰه بشهد أننا ما كنا أمرناكم بعبادتنا، أو رضينا ذلك منكم (إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ) لم نكن نشعر أنكم تعبدوننا، ولا طلبنا ذلك منكم [٣٠] { مُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ)، أي: في ذلك الموقف تذوق كل نفس وتختبر جزاء ما أسلفت من العمل، {وَرُدَّوا إِلَى اللهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقَ) رد الذين أشركوا إلى ربهم الصادق الربوبية دون ما اتخذوه من المعبودات الباطلة، وَضَلَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) من الآلهة، فلم تنفع، ولم تشفع. ٣١](قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ ٥ اا=اءِ) بالمطر (وَ) من (الأَرْضِ) بالنباتِ والمعادن، فلابد أن يعترفوا بأن اللّٰه هو الذي خلقهما، (أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ) أي: من يستطيع ملكهما وتسويتهما على هذه الصفة العجيبة، والخلقة الغريبة، حتى ينتفعوا بهما هذا الانتفاع العظيم (وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) الإنسان من النطفة، والطير من البيضة، والنبات من الحبة، (وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) أي: النطفة من الإنسان (وَمَنْ يُدَبَّرُ الْأَمْرَ) أي: يقدره ويقضيه (فَسَيَقُولُونَ الله* سيكون قولهم أن الفاعل لهذه الأمور هو الله، إن أنصفوا وعملوا على ما يوجبه الفكر الصحيح والعقل السليم، (فَقَل أَفَلَا تَتَّقُونَ) أي: تعلمون ذلك، أفلا تتقون اللّٰه الذي يفعل هذه الأفعال، فتفردوهُ بالعبادة. [٣٢] ( فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ»، أي: هذا هو الرب الحقيقي، لا ما جعلتموهم شركاء له، لا يقدرون على شيء، ( فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ) ثبوت ربوبية الرب سبحانه حق بإقرارهم، فكان غيره باطلًا، (فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) أي: كيف تستجيزون العدول عن الحق الظاهر، وتقعون في الضلال فنتخذوا غيره ربًّا. [٣٣] (كَذَلِكَ حَقَّتْ. كَادَةُ رَبِّكَ) أي: حكمه وقضاؤه صفحة 213 (عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا) أي: خرجوا من الحق إلى الباطل، وتمردوا في كفرهم عنادًا ومكابرة، (أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) هذه هي الكلمة التي حقت عليهم.. [٣٤] (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) بالبعث بعد الموت (قُلِ اللهُ يَبْدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) أي: لا جواب لكم غير هذا، ولن تدَّعوا ذلك للشركاء، ( فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) تصرفون عن الحق إلى غيره. [٣٥] (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ) يرشد إلى دين الإسلام ويدعو الناس إلى الحق، فإذا قالوا لا، فقل لهم: (قُلِ اللَهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ) بما نصبه لهم من الآيات في المخلوقات، وإرساله للرسل وإنزاله للكتب، وخلقه لما يتوصل به العباد إلى ذلك من العقول والأفهام والأسماع والأبصار، (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقَّ أحَقّ أَنْ يُتَّبَعَ أمْ مَنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى) أي: هل من يهدي الناس إلى الحق، وهو اللّٰه سبحانه، أحق أن يتبع ويقتدى بكلامه، أم الأحق بأن يتبع ويقتدى به من لا يهتدي بنفسه إلا أن يهديه غيره، فضلًا عن أن يهدي غيره، (فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) في شأن هذه الحجة التي أوردناها لكم، وكيف تحكمون باتخاذ هؤلاء شركاء لله. [٣٦] (وَمَا يَتَبعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنَّا)، ولم يكن ذلك عن بصيرة، بل هو ظنَّ من ظنِّ من سلفهم أن هذه المعبودات تقربهم إلى الله، وأنها تشفع لهِم، ولم يكن ظنهم هذا لمستند قط، بل مجرد خيال، (إِنَّ الظِّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) لأن أمر الدين إنما يبنى على العلم، وبه يتضح الحق من الباطل. [٣٧] (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللهِ) [فإنه لا يقدر على مثله إلا اللّٰه وجل] (وَلَكِنْ» كان هذا القرآن (تَصْدِيقَ الَذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) من الكتب المنزلة على الأنبياء، وقد بشرت به قبل نزوله، فجاء مصدقا لها، (وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ) أراد ما بيَّن في القرآن من الأحكام. [٣٨] (قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ) في البلاغة، وجودة الصناعة، فأنتم مثلي في معرفة لغة العرب، وبلاغة الكلام، (وَادْعُوا) من مظاهريكم ومعاونيكم (مَنِ اسْتَطَعْتُمْ ) دعاءه والاستعانة به من قبائل العرب، ومن آلهتكم التي تجعلونها شركاء لله (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) في دعواكم أن هذا القرآن مفترى: [٣٩] بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ )، سارعوا إلى تكذيب القرآن، قبل أن يتدبروه ويفهموا معانيه، وما اشتمل عليه، ومن كذَّب بأمرٍ قبل أن يحيط بعلمه، فهو لم يتمسك بشيء في هذا التكذيب إلا مجرم ك.:٨ جاهلًا لما كذب به غير عالم به، فكان بهذا التكذيب مناديًا على نفسه بالجهل بأعِلى صوت، ومسجلًا بقصوره عن تعقل الحجج، (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) من الأمم عند أن جاءتهم الرسل بحجج اللّٰه وبراهينه، فإنهم كذبوا به قبل أن يحيطوا بعلمه، وقبل أن يأتيهم تأويله. [٤٠] (وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ) في نفسه، ويعلم أنه صدق وحق، ولكنه كذّب به مكابرة وعنادًا، (وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ) ولا يصدقه في نفسه، بل كذب به جهلًا، (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ) فيجازيهم بأعمالهم، والمراد بهم: المصرون المعاندون. [٤١] (لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ) أي: لي جزاء عملي ولكم جزاء عملكم، فقد أبلغت إليكم، وليس عليَّ غير ذلك، (أَنَّتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) أي: لا تؤاخذون بعملي، ولا أؤاخذ بعملكم. [٤٢] (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ) إلى النبي لَلِيِ إذا قرأ القرآن وعلَّم الشرائع {أَفَأَنَّتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ) أي: الذين لديهم مانع من السماع، وهو البغض والكراهية، فمنعهم القبول (وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ) ومن كان أصم غير عاقل، فإنه لا يفهم شيئًا، ولا يمه ما يقال له. صفحة 214 [٤٣] (وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ) ومن جُمع له بين عمى البصر والبصيرة فقد تعذر عليه الإدراك، وكذا من جُمع له بين الصمم وذهاب العقل فقد انسد عليه باب الهدى. [٤٤] (إِنَّ اللَهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ ظْلِمُونَ)، لأجل ما صار في طبائعهم من التعصب والمكابرة للحق، فهم الذين ظلموا أنفسهم بذلك، ولم ظلمهم اللّٰه شيئًا من الأشياء، بل خلقهم وجعل لهم من المشاعر ما يدركون به أكمل الإدراك، وركب فيهم من الحواس ما يصلون به إلى ما يريدون، ووفر مصالحهم الدينية، فعلى نفسها بَرَاقِشُ تجني [٤٥] (كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ)، استقلوا المدة الطويلة، إما لأنهم ضيعوا أعمارهم في الدنيا، أو طول وقوفهم في المحشر، نسوا لذات الدنيا وكأنها لم كن، {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ) [أي يحسون أنهم لم يبقوا في الدنيا إلا وقتًا قليلًا يعرف بعضهم بعضًا فيه ثم افترقوا، ولذا لا يرجو بعضهمٍ من بعض في المحشر نفعًا]. [٤٦] (وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ) من إظهار دينك في حياتك بقتلهم وأسرهم (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ) أي: تموت قبل ذلك، ( فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ)) فعند ذلك نعذبهم في الآخرة، فنريك عذابهم فيها، فإن لم ننتقم منهم عاجلًا انتقمنا منهم آجلًا، (ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ) [أي ثم يشهد اللّٰه عليهم يوم القيامة بما فعلوا بعدك، نظيرها قول عيسى عَليَام: (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ)]. [٤٧] (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ)، من الأمم الخالية ( رَسُولٌ)، يرسله اللّٰه إليهم، ويبين لهم ما شرعه اللّٰه لهم من الأحكام، «فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ) وبلغهم ما أرسله اللّٰه به فكذبوه جميعًا، {قُضِيَ بَيْنَهُمْ) أي: بين الأمة ورسولها بِالَقِسْطِ) أي: العدل، فنجا الرسول، وهلك المكذبون له. [٤٩] (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا )، فكيف أقدر على أن أملك ذلك لغيري، (إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ) ولكن ما شاء اللّٰه من ذلك كان، وفي هذه أعظم واعظ وأبلغ زاجر لمن صار دَيْدَنه المناداة لرسول اللّٰه وَلِيّي والاستغاثة به عند نزول النوازل، وكذلك من صار يطلب من الرسول ما لا يقدر على تحصيله إلا اللّٰه سبحانه، فإن هذا مقام رب العالمين، وصار يترك الطلب من رب الأرباب القادر على كل 4 - الخالق الرازق المعطي المانع، فيا عجبًا لقوم يعكفون على قبور الأموات الذين قد صاروا تحت أطباق الثرى، ويطلبون منهم الحوائج، كيف لا يتيقظون لما وقعوا فيه من الشرك؟ ولا يتنبهون لما حل بهم من المخالفة لمعنى لا إله إلا الله، ينادونهم تارة على الاستقلال، وتارة مع ذي الجلال، ولقد توسل الشيطان بهذه الذريعة إلى كفر كثير من هذه الأمة المباركة (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنعًا) فإنا لله وإنا إليه راجعون، {لِكَلَ أَمَّةٍ أَجَلَ) يحل بهم ما يريده اللّه سبحانه لهم عند حلوله (إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ) عن ذلك الأجل المعين ( سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْلِمُونَ) عليه ساعة. [٥٠] (مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ) فإن العذاب مكروه تنفر منه القلوب، وتأباه الطبائع، فما المقتضى لاستعجالهم له؟ ومن حق المجرم أن يخاف من العذاب بسبب إجرامه، فكيف يستعجله؟ ٥١) مَ ذا ما وقً مَتْمِه أبعد ما يق اب اللّه عليكم، ويحل بكم سخطه وانتقامه تؤمنون حين لا ينفعكم هذا الإيمان شيئًا، ولا يدفعٍ عنكم ضرًّا، ويقال لهم: (الآنَ) آمنتم به (وَقَدْ كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ) تستع ٦ .١. . العذاب تكذيبًا منكم واستغناء. صفحة 215 [٥٣] (وَيَسْتَنْئُونَكَ أَحَقُّ هُوَ) أحق ما تعدنا به من العذاب ؟ [٥٤] (وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ) أي: ولو أن لكل كافر يوم القيامة ما في الأرض من كل شيء من الأشياء التي تشتمل عليها من الأموال النفيسة والذخائر، لود أن يجعله فدية لنفسه من العذاب، (وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ) أخفوها لما قد شاهدوه في ذلك الموطن مما سلب عقولهم، فأسروا الندامة لئلا يشمت بهم المؤمنون، ووقوع هذا منهم كان عند رؤية العذاب، وأما بعد الدخول فيه فيقولون: (يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا) يظهرون ما أسرُّوا، (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) بين المؤمنين وبين الكافرين، أو بين الرؤساء والأتباع. [٥٧](مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبَّكُمْ)، القرآن فيه التذكير بالعواقب: بالترغيب أو الترهيب، (وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ) من الشكوك التي تعتري المرتابين، واشتماله على تزييف العقائد الباطلة، (وَهُدَّى) الهدى: الإرشاد لمن اتبع القرآن وتفكر فيه إلى الطريق الموصلة إلى الجنة، (وَرَحْمَةٌ) الرحمة: هي ما في الكتاب العزيز من الأمور التي يرحم اللّٰه بها عباده. ٥٨] (قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ) [ أي فليفرحوا بما آتاهم اللّٰه في القرآن وبأن جعلهم من أهله، وبغيره من أفضال اللّٰه ورحمته عليهم] (هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) من حطام الدنيا. [٥٩] (فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالا)، أي: فجعلتم بعضه حرامًا، وجعلتم بعضه حلالًا، وذلك كما كانوا يفعلونه في الأنعام حسبما سبق انظر (سورة الأنعام، الآية: ١١٩، وما بعدها) (قُلْ ٱللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ)، أي: إن كان مجرد التشهي والهوى فهو مهجور باتفاق العقلاء، وإن كان لاعتقادهم أنه حكم اللّٰه فيكم، وفيما رزقكم، فلا تعرفون ذلك إلا من جهة الرسل، وليس عندكم برهان بأن أحدًا منهم حرم ما حرمتموه، فلستم في ذلك إلا مفترين على الله، وفي هذه الاية الشريفة ما يصك مسامع المتصدرين للإفتاء لعباد اللّٰه في شريعته، بالتحليل والتحريم والجواز وعدمه، وما ينبههم إلى تعقل حجج اللّٰه وفهمها من الكتاب والسنة، وألا يكتفوا بأن يكون مبلغهم من العلم الحكاية لقول قائل من هذه الأمة قد قلدوه في دينهم، فما عمل به من الكتاب والسنة فهو المعمول به عندهم، وما لم يبلغه أو بلغه ولم يفهمه حق فهمه، أو فهمه وأخطأ الصواب في اجتهاده وت - ٨، فهو في حكم المنسوخ عندهم المرفوع حكمه عن العباد، مع كون من قلدوه متعبدًا بها، وقد اجتهد رأيه وأدى ما عليه، وفاز بأجرين مع الإصابة، أو أجرٍ مع الخطأ، فليس لغيره من أهل العلم القادرين على النظر اتباعه دون معرفة لدليله، وتعقل لحجته. [٦٠(وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، أي: أيُّ شيء ظنهم في هذا اليوم، أن يصنع بهم فيه. [٦١] (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ) أي: أمر من الأمور التي تعرض لك، (وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ) أي: وما تقرأ في تلك الحال من القرآن، من أجل الشأن الذي حدث القرآن، فيعلم كيف حكمه، (وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلِ) الخطاب لرسول اللّٰه وللأمة (إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا)) نراكم ونسمعكم نُفِيضُونَ فِيهِ) تندفعون فيه من أقوالكم وأعمالكم، (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ) أي: وما يغيب عنه تعالى وزن ذرة، أي نملة حمراء، (وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ) أي: وليس شيء أصغر من الذرة ولا أكبر منها إلا هو عند اللّٰه (فِي كِتَابِ مُبِينٍ)، فكيف يغيب عنه؟ والغرض: الرد على من يزعم أنه تعالى غير عالم ١١٠ح٤٠.ات. صفحة 216 [٦٢] (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ) أولياء اللّٰه هم خُلَّص المؤمنين، كأنهم قربوا من اللّٰه سبحانه بطاعته واجتناب معصيته، فهؤلاء (لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ)) أي: لا يخافون عند البعث والحشر ولا في عرصات القيامة، إذ ضمن اللّٰه لهم ألّا تنالهم أهوالها، (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) أي: على ما فاتهم وما خلفوه في الدنيا كما يحزن أهل محبة الدنيا، وهؤلاء الاولياء هم: [٦٣] (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ)، لا يخافون أبدًا كما بخاف غيرهم، لأنهم قد قاموا بما أوجب اللّٰه عليهم، وانتهوا عن المعاصي التي نهاهم عنها، فهم على ثقة من أنفسهم، وحسن ظنهم بربهم، وكذلك لا يحزنون على فوت مطلب من المطالب، لأنهم يعلمون أن ذلك بقضاء اللّٰه وقدره، نصدورهم منشرحة، وجوار حهم نشطة، وقلوبهم مسرورة. ٦٤] ( لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ)، أي: لهم البشرى من اللّٰه ما داموا في الحياة بما يوحيه اللّٰه إلى انبيائه، من كون حق المؤمنين عنده هو إدخالهم الجنة ورضوانه عنهم، وكذلك الرؤيا الصالحة [بشرى لهم في الحياة الدنيا، كما ثبت في الحديث مرفوعًا إلى النبيّ وَلِلمه. ((لم يبق من الوحي إلا المبشّرات: الرؤيا الصالحة، يراها المؤمن، أو تُرى له)) ومن البشرى في الدنيا لهم أيضًا ما بتفضل اللّٰه به عليهم من إجابة دعائهم، وما يشاهدونه عند حضور آجالهم، بتنزل الملائكة عليهم قائلين لهم: (أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ)، وأما البشرى في الآخرة، فتلقي الملائكة لهم مبشرين بالفوز بالنعيم والسلامة من العذاب، (لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ) لا تغيير لأقواله على العموم، فيدخل فيها ما وعد به عبادة الصالحين دخولًا أوليًّا، أي فإنه سيتحقّق لا محالة. [٦٥] (وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ) المتضمِن للطعن عليك وتكذيبك والقدح في دينك، (إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)، أي: الغلبة والقهر له في مملكته وسلطانه، فكيف يقدرون عليك حتى تحزن لأقوالهِم؟ [٦٦] ( أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ)، ومن جملتهم هؤلاء المشركون، وإذا كانوا في ملكه يتصرف فيهم كيف يشاء، فكيف يستطيعون أن يؤذوا رسول اللّه وَاليه ب ما لا يأذن اللّه به؟ (وَمَا يَتَّبَعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكَاءَ) أي: إنهم وإن سموا معبوداتهم شركاء لله، فليست شركاء له على الحقيقة: إنما هي أسماء ٧ . سميات لها، والله مالك المعبوداتهم، (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ) أي: ما يتبعون يقينًا، والظن لا يغني من الحق شيئًا، (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) أي: يقدِّرون أنهم شركاء تقديرًا باطلًا وكذبًا بحتًا. [٦٧] (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ)، يسكن العباد فيه عن الحركة والتعب، ويريحون أنفسهم عن الكد والكسب، (وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا) أي: مضيئًا، تظهر فيه المرئيات وتدرك، فهم يسعون فيه بما يعود على نفعهم، وتوفير معايشهم. [٦٨] (قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ)، فتنزه عما سبوه إليه من هذا الباطل البين، وبين أنه غني عن ذلك، وأن الولد إنما يطلب للحاجة، والغنيّ المطلق لا حاجة له حتى يكون له ولد يقضيها، وأيضًا إنما يحتاج إلى الولد من يكون بصدد الانقراض ليقوم الولد مقامه، والله وجّل حي قيوم لا يعتريه موتٌ ولا انتهاء، ولهذا لا يفتقر إلى ذلك، (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) فلا يصح أن يكون شيء مما فيهما ولدًا له، للمنافاة بين الملك والبنوة والأبوة، (إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أي: ما عندكم من حجة وبرهان بهذا القول. [٦٩] (قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَءَ مدَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ)، صفحة 217 لا يفوزون بجنة اللّه والنجاة من عذاب النار. [٧٠] ( مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا)، أي: إن هذا الافتراء وإن فاز صاحبه بشيء من المطالب العاجلة فهو متاع قليل في الدنيا، ثم يتعقبه الموت والرجوع إلى الله، فيعذب المفتري عذابًا مؤبدًا، بسبب الكفر الحاصل بأسبابٍ من جملتها الكذب على اللّه. [ ٧١] ( نَبَأَنُوح)، ما جرى له مع قومه الذين كفروا بما جاء به، كما فعله كفار قريش، (يَا قَوْم إِنْ كَانَ كَبْرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي ) شقَّ عليكم مكثي بين أظهركم، وقيامي بالوعظ في مواطن اجتماعكم، (وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللهِ) التكوينية والتنزيلية (فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ) لا أَقابل ذلك منكم إلا بالتوكل على اللّٰه (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ) اعزموا عليه ( وَشُرَكَاءَكُمْ) أي: ادعوهم لاتخاذ قراركم أو لنصرتكم (ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً) ليكن أمركم ظاهرًا منكشفً (ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ) أي: ذلك الأمر الذي تريدونه بي ( وَلَا تُنْظِرُونِ) لا تمهلوني، بل عجلوا أمركم واصنعوا ما بدا لكم. [٧٢](فَإِنْ تَوَلَيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ) أي: إن أعرضتم عن العمل بنصحي فما سألتكم في مقابلةِ ذلك من أجر تؤدونه إليّ حتى تتهموني فيما جئت به (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ) فهو يثيبني، آمنتم أو توليتم. [٧٣] (فَكَذَّبُوهُ)، أي: استمرّوا على تكذيبه وأصروا على الشقاق، (فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ) من المؤمنين الذين تابعوه في الدين وثبتوا برغم معاندة قومهم وإيذائهم، (فِي الْفُلْكِ) وهي السفينة التي أمره اللّٰه وعيل أن يصنعها، (وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ) خلفاء يسكنون الأرض التِي كانِت للمهلكين بالغرق ويخلفونهم فيها، (وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) من الكفار المعاندين لنوح، أغرقهم اللّٰه بالطوفان، {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) تسلية لرسول الله وَلِيه و تهديدًا للمشركين. [٧٤] (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ)، من بعد نوح (رُسُلًا) كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب (فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ) أي: بالمعجزات والشرائع (فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا) أَي: ما أحدثوا إيمانًا، بل استمروا على الكفر وأصروا عليه (بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ) لم يوفقوا للإيمان بما جاءتهم به رسل اللّٰه تعالى بسبب إصرارهم السابق على تكذيب الرسل، أو المعنى: ما كان أقوام هؤلاء الرسل المذكورين بعد نوح عاليان ليؤمنوا بما كذب به قوم نوح قبلهم. [٧٥] (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ)، أي بعد الرسل المنك...، سابقًا وبعد أممهم، (بِآيَاتِنَا) الآيات: المعجزات، وهي التسع المذكورة في الكتاب العزيز، (فَاسْتَكْبَرُوا) عن قبولها، ولم يتواضعوا لها، ويذعنوا لما اشتملت عليه، (وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ) أجرموا باستكبارهم عن اتباع ما جاء به موسى وهارون. [٧٧] (أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا)، أتقولون للحق هذا سحر، فلا تقولوا ذلك، فهو أبعد شيء من السحر، (وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ) فلا يظفرون بمطلوب، ولا يفوزون بخير، ولا ينجون من مكروه، فكيف يقع في هذا من هو مرسل من عند الله؟ [٧٨] قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَا عَنَا)، أي: تريد أن تصرفنا عن الشيء الذي وجدنا عليه آباءنا، وهو عبادة الأصنام، والمراد ب (الْكِبْرِيَاءُ) الملك، عللوا عدم قبولهم دعوة موسى بأمرين: التمسك بالتقليد للآباء، والحرص على الرياسة، لأنهم إذا أجابوا النبي وصدقوه، صارت مقاليد أمر أمته إليه، ولم يبق للملك رئاسة تامة؛ لأن التدبير للناس بالدين يرفع تدبير الملوك لهم بالسياسات والعادات. صفحة 218 [٧٩](وَقَالَ فِرْعَوْنُ اثْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ)، قال مكذا لما رأى الآيات التي جاء بها موسى، من اليد البيضاء والعصا؛ لأنه اعتقد أنهما من السحر [ويحتمل أنه أراد أن ستخفّ بالناس ويعارض ما جاء به موسى بالسحر والشعوذة والتهويل على موسى والشغب عليه، فكان ما يذكره اللّٰه من إبطال ذلك الكيد]. [٨٠] ( فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنَّتُمْ مُلْقُونَ»، أي: اطرحوا على الأرض ما معكم من حبالكم وعصيكم، وإنما قال هذا ليبدأوا هم بإلقاء عصيِّهم، وهو يعلم أنهم إنما يعملون خيالات ولا يقلبون العصى والحبال حيات، فيكون قضاؤه على حبالهم وعصيهم محقًا لسحرهم، فيظهر عجزهم لكلّ القوم الحاضرين؛ لأنه يرفع عصاه وهي موجودة براها الناس، ثم هم لا يرون حبال السحرة وعصيهم. [٨١] «فَلَمَّا ألقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتَمْ بِهِ السِّحْرُ)، أي: الذي جئتم به هو السحر، وهو الباطل الزائف الذي نَخَيِّلون به على الناس، ولا حقيقة له، بخلاف ما جئت به أنا، فهو حقٌّ، لأنه آية من آيات الله، (إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ) سيمحق ما صنعتم، فيصير باطلًا يعلم الناس بطلانه بما يظهره على يديٍ من الآيات المعجزة. [٨٢] (وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ) [أي يوجده ويثبِّتهُ ويمكِّن له ] وقيل المعنى: يبينه ويوضحه، (بِكَلِمَاتِهِ) التي أنزلها في كتبه على أنبيائه لاشتمالها على الحجج والبراهين، أو المراد: بكلماته التي هي أمره التكويني، كأمره العصا أن تكون حيّة تأكل حبالهم وعصيّهم (وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ)، من آل فرعون وغيرهم. [٨٣] ( فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ) من ذراري بني إسرائيل، وقيل: المراد من ذراري قوم فرعون، ومنهم مؤمن آل فرعون، وامرأته، وماشطة ابنته، وامرأة خازنه، (عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ) وأشراف قومهم {أَنْ يَفْتِنَهُمْ) أي: يصرفهم عن دينهم بالعذاب، (وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ) أي: عاتٍ متكبر متسلط على أرض مصر وأهلها، (وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) في الكفر وما يفعله من القتل والصلب وتنويع العقوبات. [٨٥] ( رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) لا تسلطهم علينا فيعذبونا حتى يفتنونا عن ديننا، أو لا تجعلنا فتنة لهم يفتنون بنا غيرنا، فيقولون لهم لو كان هؤلاء على حق لما سُلِّطنا عليهم وعذبناهم. [٨٧] (تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِطْ - بوبًّا)، أي: اتخذا لقومكما بمصر بيوتًا لعبادة اللّٰه تعالى، أي مساجد، قيل: ومصر في هذه الآية هي الإسكندرية، وقيل: هي مصر القديمة بجوار القاهرة الآن، (وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) أي: متوجهة إلى جهة القبلة، وقيل: المراد البيوت التي يسكنون فيها، أمروا بأن يجعلوها متقابلة، والمراد بالقبلة على القول الأول هي جهة بيت المقدس، وقيل: جهة الكعبة، (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) التي أمركم اللّٰه بإقامتها، (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) يا موسى [بما يعدهم اللّٰه من النصر والاستخلاف في الأرض]. ٨٨] (زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) الزينة: اسم لكل ما يتزين به من ملبوس، ومركوب، وحلية، وفراش، وسلاح، وغير ذلك، (رَبَّنَا لِيُضِلّوا عَنْ سَبِيلِكَ) [أي فكانت عاقبة أمرهم أن استعملوا نعمكِ في صرف الناس عن دينك دين الحق] (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ) دعاء عليهم بأن يمحق اللّٰه أموالهم ويهلكها، (وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ) أي: اجعلها قاسية مطبوعة لا تقبل الحق، ولا تنشرح للإيمان، ( فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) أي: لا يحصل منهم الإيمان إلا مع المعاينة لما يعذبهم اللّٰه به ، ١٠٢٠ ذلك لا ينفع إيمانهم صفحة 219 [فاستجاب اللّٰه دعاء موسى فلم يؤمن فرعون إلا عندما أدركه الغرق كما يأتي في الآية ٩٠]. [٨٩](قَالَ قَدْ أَجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا)، الاستقامة: الثبات على ما هما عليه من التمسك بالدين، وعدم الخروج عن أحكامه، والدعاء إلى الله، (وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [أي ولا تنحرفا عن شريعته باتباع من لا علم عندهم بالدين]. [٩٠] (وَجَاوَزْنَا بِبَني إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ) جعل البحر يبسًا فمروا فيه حتى خرجوا منه إلى البر، وقد تقدم تفسير هذا في سورة البقرة (الآية: ٥٠) (بَغْيَا وَعَدْوًا) والبغي: الظلم، والعدو: الاعتداء (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ» أي: ناله ووصله وألجمه، انطبق عليهم البحر، فغرقوا كما حكى اللّٰه سبحانه، (قَالَ آمَنْتُ) ولم ينفعه هذا الإيمان؛ لأنه وقع منه بعد إدراك الغرق له، ولم يقل اللعين: آمنت بالله، لأنه بقي فيه عِرق من دعوى الإلهية، (وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) أي: من المستسلمين لأمر الله، الذين يوحدونه وينفون ما سواه. [٩١] (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) أي: فقيل له: أتؤمن الآن؟ [ولا ينفعك الإيمان عند رؤية الموت]. [٩٢] (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيْكَ بِبَدَنِكَ) بجسدك، أي بدون روح، فقد قذفه البحر ميتًا، حتى شاهدوه، (لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) من آيات اللّٰه يعتبر بها الناس ممن سيأتي من الأمم إذا سمعوا ذلك، حتى يحذوا من التكبر والتجبر والتمرد على اللّٰه سبحانه، وحتى يعلموا كذب هذا الذي ادعى أنه الرب الأعلى، فها هي جثته مطروحة بالعراء لا روح بها، عَنْ آَيَاتِنَا) التي توجب الاعتبار والتفكر، وتوقظ من سنة الغفلة (لَغَافِلَونَ) . [٩٣] (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَني إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ)، أسكناهم، وأنزلناهم في المنزل المحمود، وهو أرض بيت المقدس وما حوله، (فَمَا اخْتَلَفُوا) في أمر دينهم وتشعبوا فيه شعبًا بعدما كانوا على طريقة واحدة غير مختلفة (حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ) قراءتهم التوراة وفيها نعتُ محمدٍ وَليه، فاختلفوا في نعته وصفته، وآمن به من آمن منهم وكفر به من كفر، {إنّ رَبِّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)، فيجازي المحق بعمله بالحق، والمبطلٍ بما يستحق. [٩٤](فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكَّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ) يا محمد (فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ)، أهل الكتاب الذين قد أسلموا، وآمنوا بدي.ة الانبي وَالخي كعبد اللّٰه بن سلام، فإنهم سيخبرونك بأنه كتاب اللّٰه حقًّا، وأنك رسوله، وأن التوراة شاهدة بذلك ناطقة به، عن قتادة قال: ذكر لنا أنه الفخِ قال: ((لا أَشُكُّ ولا أسأل» (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) هم الشاكون المتحيرون المترددون. [٩٧-٩٦] (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ)، حق عليهم قضاء اللّٰه وقدره بأنهم يصرون على الكفر، ويموتون عليه، لا يقع منهم الإيمان بحال من الأحوال، (وَلَوْ جَاءَتهُمْ كَل آَيَةٍ* من الايات التكوينية والتنزيلية، فإن ذلك لا ينفعه (حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) فيقع منهم الإيمان عند معاينتهم للعذاب، كما فعل فرعون، ولكن ذلك لا يفيدهم ولا ينجيهم. [٩٨](فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إيمَانُهَا)، فهلا قرية واحدة من هذه القرى التي أهلكناها آمنت إيمانًا معتدًّا به، وذلك بأن يكون خالصًا لله قبل معاينة عذابه، ولم يؤخروه كما أخره فرعون، (إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ) أي: لكن قوم يونس ( لَمَّا آمَنُوا) إيمانًا معتدًا به قبل معاينة العذاب (كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْي) وهو العذاب الذي كان قد وعدهم يونس أنه سينزل عليهم ولم يروه، فرأوا علاماته ٥..٢٠١٠٠، (وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) صفحة 220 أي: بعد كشف العذاب عنهم، عن قتادة في الاية قال: لم يكن هذا في الأمم قبل قوم يونس، لم ينفع قريةً كفرت ثم آمنت - حين عاينت العذاب إيمانها، واستثنى اللّٰه قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل، فلما فقدوا نبيهم قذف اللّٰه في قلوبهم التوبة، فلبسوا المسوح، وأخرجوا المواشي، وفرَّقوا بين كل بهيمة وولدها، فعجوا إلى اللّٰه أربعين صباحًا، فلما عرف اللّٰه الصدق من قلوبهم، والتوبة والندامة على ما مضى منهم، كشف عنهم العذاب بعد ما تدلى عليهم، لم يكن بينهم وبين العذاب إلا قليل. [٩٩] (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا) مجتمعين على الإيمان لا يتفرقون فيه ولا يختلفون، ولكنه لم يشأ ذلك لكونه مخالفًا للمصلحة التي أرادها اللّٰه سبحانه، وهي الحكمة البالغة، (أَفَأَنَّتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) فإن ذلك ليس في وسعك يا لحمد، ولا داخل تحت قدرتك. [١٠٠]وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ )، أي: ما صح وما استقام لنفس من الأنفس أن تؤمن بالله إلا بإذنه؛ فلا يقع غير ما يشاؤه كائنًا ما كان، (وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) أي: العذاب، أو الخذلان الذي هو سبب العذاب على الكفار الذين لا يتعقلون حجج الله، ولا تفكرون في آياته، ولا يتدبرون فيما نصبه لهم من الأدلة. [ومن جملة عدم تعقّلهم أنهم لم يفهموا أن الإيمان والهداية إنما هما بيد اللّٰه تعالى، ولذلك لم يلجأوا إليه ليهديهم صراطه المستقيم، فبقوا في رجسهم واستمرّ لهم الخذلان واستحقوا السَّخَط من ربّهم]. [١٠١] (قُل انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) تفكروا واعتبروا بالمصنوعات الدالة على الصانع ووحدته وكمال قدرته، (وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالتُّذُرُ) أي: ما تنفع الآيات والرسل (عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) في علم اللّٰه سبحانه، فمن كان هكذا لا يجدي فيه شيء، ولا يدفع عنه الكفر دِافع. [١٠٢] (فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ) أي: فهل ينتظر هؤلاء الكفار المعاصرون لمحمد وَل لِيه لا مثل وقائع اللّٰه سبحانه بالكفار الذين خلوا من قبل هؤلاء، فقد كان الأنبياء المتقدمون يتوعَّدون كفّار زمانهم بأيام مشتملة على أنواع العذاب، وهم يكذبونهم ويصمّمون على الكفر حتى يُنزل اللّٰه عليهم عذابه ويحل عليهم انتقامه، (فَانْتَظِرُوا ) أم .؟ صموا لوعد ربكم {إِنّي مَعَكَمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) لوعد ربي. [١٠٤] (قَلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكَّ مِنْ دِينِي) وهو عبادة اللّٰه وحده لا شريك له، ولم تعلموا بحقيقته، فاعلموا أني بريء من أديانكم التي أنتم عليها (فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ وَنِ اللهِ في حال من الاحوال {وَلَكِنْ أَعْبُدَ اللّهَ الذِي يَتَوَفَّاكُمْ) فيفعل بكم ما يفعل من العذاب الشديد، (وَأَمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِيِنَ) وأخلص له الدين. [١٠٥] (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ)، أمره بالاستقامة في الدين، والثبات فيه، وعدم التزلزل عنه بحال من الأحوال، وخص الوجه لأنه أشرف الأعضاء، (حَنِيفًا) مائلًا عن كل دين من الأديان إلى دين الإسلام. ١٠٦] (وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ)، أي: من الأصنام والأنداد (مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ) بشيء من النفع والضر إن دعوته، ودعاء من كان هكذا لا يجلب نفعًا، ولا يقدر على ضر، ضائع لا يفعله عاقل، (فَإِنْ فَعَلْتَ) فإن دعوت (فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ) لأنفسهم، [ومن يدعو الأموات والجمادات لَجلب نفع أو دفع ضُرٍّ فذلك شراء . الله تمالى ينبغي الحذر منه]. صفحة 221 [١٠٧] (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَهُ بِضُرِّ)، المعنى: أن اللّٰه سبحانه هو الضار النافع، فإن أنزل بعبده ضرًّا، أو أصابه بمكروه في نفسه {فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ) لم يستطع أحد أن يدفعه عنه، كائنًا من كان إلا اللّٰه وحده (وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ) لا أحد يحول دون ذلك، [وكل خير من اللّٰه تعالى فهو تفضُّل منه سبحانه بلا استحقاق منهم عليه، ومن ذلك ابتداؤه بخلقهم، وإحسان صورهم، وتمكينهم في الأرض، ومنه الهداية، ومنه النبوة التي اختص بها محمدًا وَالِيّي فهي من فضل اللّٰه لا يقدر أحد أن يردها، (يُصِيبُ بِهِ) أي: بفضله (مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) محض اختيار المولى سبحانه (وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [ومن جملة ما يغفره تقصير عباده عن إحصاء نعمه تعالى]. ١٠](فَمَن اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلّ عَلَيْهَا، أي: منفعة اهتدائه مختصة به، وضرر كفره مقصور عليه لا يتعداه، وليس لله حاجة في شيء من ذلك، (وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) أي: بحفيظ يحفظ أموركم، وتوكل إليه. [١٠٩] (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ)، أمره اللّٰه سبحانه أن بتبع ما أوحاه اللّٰه من الأوامر والنواهي التي يشرعها اللّٰه له ولأمته، ثم أمره بالصبر على أذى الكفار، وما يلاقيه من مشاق التبليغ، وما يعانيه من تلون أخلاق المشركين وتعجرفهم، فقال: (وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) أي: يحكم اللّٰه بينه وبينهم في الدنيا بالنصر له عليهم، وفي الآخرة بعذابهم بالنار، أي فلا ينبغي أن ستعجل ذلك فإنه اتٍ لا ريب فيه تفسير سورة هود أخرج الترمذي وحسَّنَه والحاكم وصححه، قال أبو بكر: يا رسول الله: قد شِبْتَ، قال: ((شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت». 11] الر) تقدم تفسير هذه الحروف في أول سورة البقرة، (كِتَابٌ) هو القرآن (أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ) صارت محكمة متقنة لا نقص فيها ولا نقض لها، كالبناء المحكم، ولم تنسخ، بخلاف التوراة والإنجيل، (ثُمَّ فُصِّلَتْ) بالوعد والوعيد، والثواب والعقاب، ومعنى إحكامها أنه لا فساد فيها ولا اختلاف {مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) أحكمها حكيم، وفصلها خبير عالم بمواقع الأمور . [٢] ( أَلَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَهَ) [أ- . ا:. الآيات التي أحكمها اللّه تعالى في القرآن وفصَّلها، مضمونها ومآلها الأمر بعبادة الله، والأمر بأن تكون العبادة له وحده، فلا يعبد أحد غير اللّٰه تعالى] (إِنّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ) أخوفكم من عذاب اللّٰه لمن عصاه، (وَبَشِيرٌ) أبشركم بالجنة والرضوان [لمن أطاع اللّٰه تعالى وعمل صالحًا]. [٣] (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبُّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) قدم ذكر الاستغفار؛ لأن المغفرة هي الغرض المطلوب، والتوبة هي السبب إليها، وقيل: استغفروا من الصغائر، وتوبوا إليه من الكبائر (يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا) من سعة الرزق ورغد العيش (إِلَى أَجَلِ مُسَمَّى) إلى وقت مقدر عند الله، وهو الموت، (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلِ) في الطاعة والعمل (فَضْلَهُ)، أي: جزاء فضله: إما في الدنيا، أو في الآخرة، أو فيهما جميعًا، (وَإِنْ تَوَلَّوْا) أي: تتولوا وتعرضوا عن العبادة والاستغفار والتوبة (فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) وهو يوم القيامة. [٤] (إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ } رجوعكم إليه بالموت، ثم البعث، ثم الجزاء، لا إلى غيره، (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ومن جملة ذلك بعثكم وحشركم ومجازاتكم. [٥] (أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ) ينحرفون ويَزْورُّون عنه إصرارًا على ماهم عليه، 12تَخْذُرا مِنْهُ) أي: ليستخفوا من اللّٰه صفحة 222 بسيِّع أعمالهم فلا يطلع عليه رسوله والمؤمنين، (أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ) حين يأوون إلى فراشهم، ويتدثَّرون بأغطيتهم يعلم اللّٰه ما في قلوبهم، وقال مجاهد: كانوا يثنون صدورهم إذا قالوا شيئًا أو عملوه، يظنون أنهم يستخفون بذلك عن اللّٰه تعالى، (يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) فلا فائدة لهم في الاستخفاء، فالظاهر والباطن عند اللّٰه سواء، ( إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) هي الضمائر التي تشتمل عليها الصدور. [٦] (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا) من الغذاء اللائق بالحيوان على اختلاف أنواعه تفضلا منه وإحسانًا، فلما كان لا يغفل عن كل حيوان باعتبار ما قسمه له من الرزق، فكيف يغفل عن أحوال الإنسان وأقواله وأفعاله، (وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا) أي: محل استقرارها في الأرض حيث تأوي، (وَمُسْتَوْدَعَهَا) موضعها الذي تموت فيه، ( كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينِ) أي: كل مما تقدم ذكره، من الدواب ومستقرها، ومستودعها، ورزقها، في كتاب مبين، وهو اللوح المحفوظ: أي مثبت فيه. [٧]وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) أي: كان عرشه قبل خلقهما على الماء، ( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلَا) فيما أمر به ونهى عنه، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، (لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا) القول (إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) إلا باطل كبطلان السحر، وخدع كخدعه. [٨] (إِلَى أَمَّةٍ مَعْدُودَةٍ) أي: إلى طائفة من الأيام قليلة، (لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ ) أي: يقول الكافرون: أي شيء يمنع العذاب من النزول الآن؟ استعجالًا له، على جهة الاستهزاء والتكذيب، {أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ) أي: ليس محبوسًا عنهم، بل واقع بهم لا محالة، (وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) أي: أحاط بهم العذاب الذي كانوا يستعجلونه استهزاء منهم. [٩] (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ)، أي: هذه طبيعة البشر: اليأس بعد سلب النعمة، والغفلة بعد زوال النقمة (مِنَّا رَحْمَةَ) الرحمة: النعمة من توفير الرزق والصحة والسلامة من المحن، (ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ) أي: سلبناه إياها (إِنَّهُ لَيَئُوس) أي: آيس من الرحمة، شديد القنوط من عودها وأمثالها (كَفُورٌ) والكفور: عظيم الكفران ينسى النعم التي تمتع بها سابقًا فلا يعود يشكرها بعد زوالها. [١٠] (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي)، أي: إنه إن أذاق اللّٰه سبحانه العبد نعماءه من الصحة والسلامة والغنى، بعد أ١١٢ .٨. في ضر من فقر أو مرض أو خوف لم يقابل ذلك بما يليق به من الشكر لله سبحانه، بل يقول: ذهبت المصائب وزال أثرها، غير شاكر لله ولا مثن عليه، على إزالة تلك الحال السيئة، (إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ) أي: كثير الفرح بطرًا وأشرًا، كثير الفخر على الناس والتطاول عليهم بما يتفضل اللّه به عليه من النعم الحاضرة. [١١ لَا الّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، أي: لكن أهل الصبر لهم شأن آخر، فإنهم ثابتون في الحالين؛ في مقام الشكر: يذكرون اللّه عند زوال النعم، ويذكرون اللّٰه عند زوال النقم فيعلمون أنها من اللّٰه فلا يبطرون، (أولَئِكَ)) المتصفون بالصبر وعمل الصالحات (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ)) لذنوبهم (وَأَجْرٌ) لأعمالهم الحسنة ( كَبِيرٌ ) متناهٍ في الكبر. ١٢ ] ( فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ)، أي: فلعلك لعظم ما تراه منهم من الكفر بنعم اللّٰه والتكذيب لآياته، واقتراح الآيات التي يقترحونها عليك على حسب هواهم وتعنتهم، تارك بعض ما أنزله عليك وأمرك بتبليغه مما يشق عليهم سماعه أو العمل به، أي: لا يكن منك ذلك، بل تبلغهم جميع ما أنزل اللّٰه عليك.، .... ١. أحبوا ذلك أم كرهوه صفحة 223 (وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) مخافة (أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْز) أي: مال مكنوز مخزون ينتفع به، (أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ) يصدقه ويبين لنا صحة رسالته. [١٣] (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ، أي: اختلق القرآن من عند نفسه كذبًا، (قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ) في البلاغة وحسن النظم، وجزالة اللفظ، وفخامة المعاني (مُفْتَرَيَاتٍ) أي: إذا كنت أنا مفتريًا لهذا القرآن فأنا واحد منكم، فهاتوا، وافتروا أقل مما افتريته، (وَادْعُوا) للاستظهار على المعارضة بالعشر السور (مَنِ اسْتَطَعْتُمْ ) دعاءه، وقدرتم على الاستعانة به من هذا النوع الإنساني، وممن تعبدونه وتجعلونه شريكًا لله سبحانه (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) فيما تزعمون من افترائي له، إذ لو كان الأمر كما تدَّعون لكان بإمكانكم أن تأتوا بمثله. [١٤ ] (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيْبُوا لَكُمْ) لم يفعلوا ما طلبته منهم، وتحديتهم به (فَاعْلَمُوا) أيها المؤمنون علم اليقين (أنّمَا أَنَّزِلَ بِعِلَمِ اللهِ) المختص به الذي لا تطلع على كنها العقول، لما اشتمل عليه من الإعجاز الخارج عن طوق البشر، (وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) المتفرد بالألوهية، ولا يقدر غيره على ما يقدر عليه، (فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) أي: فاثبتوا على الإسلام مخلصين لله؛ لأنه قد حصل لكم بعجز الكفار عن الإتيان بمثل عشر سور من هذا الكتاب طمأنينة فوق ما كنتم عليه، وبصيرة زائدة وإن كنتم مسلمين من قبل. [١٥] (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا تُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا) يكافأ بذلك، من الصحة والأمن والسعة في الرزق، وارتفاع الحظ، ونفاذ القول، ونحو ذلك، وذلك إن شاء اللّٰه سبحانه، كقوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ). [١٦] (أَولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ) بأنهم لم يريدوا الآخرة بشيء من الأعمال المعتد بها، الموجبة للجزاء الحسن في الدار الآخرة، (وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا) أي: ظهر في الدار الآخرة حبوط ما صنعوه من الأعمال، أفسدوها بفساد مقاصدهم، وعدم الخلوص وعدم إرادة وجه اللّٰه تعالى بشيء من الأعمال، (وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) لأنه لم يعمل لوجه صحيح يوجب الجزاء. [١٧](أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) في اتباع النبي الَل لية والإيمان بالله كغيره ممن لا يريد إلا الحياة الدنيا وزينتها، وقيل: المراد النبي للي ( وَيَتْلُوهُ شَاماً منْمُ ) وهو القرآن، وقيل: الشاهد المعجزات، أو الإنجيل، (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى) التقدير: ويتلو الشاهد شاهد آخر من قبله هو كتاب موسى، بَشْرَ بمحمد والية و أخبر بأنه رسول من الله، (إِمَامًا وَرَحْمَةً) الإمام: هو الذي يؤتم به في الدين، ويقتدى به، وهو أي التوراة النعمة العظيمة التي أنعم اللّٰه بها على من أنزله عليهم، { أُولَتِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ أي: يصدقون بالنبي والي أو بالقرآن، (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ) من أهل مكة وغيرهم، من أهل الأديان كلها (فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ أى: هو من أهل النار لا محالة (فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ ) أي: لا تك في شك من القرآن، أو من الموعد (إِنّهُ الْحَقّ مِنْ رَبِّكَ) فلا مدخل للشك فيه، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ) مع ظهور الدلائل الموجبة له، ولكنهم يعاندون. [١٨] (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا)، بقولهم لأصنامهم: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وقولهم: الملائكة بنات الله، ونحو ذلك، (أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ) فيحاسبهم على أعمالهم، (وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ) الأشهاد: الملائكة والمرسلون والعلماء الذين بلّغوا ما أمرهم اللّٰه بإبلاغه، .٥. ا.ن عند العرض (هَؤُلَاءِ)، صفحة 224 المعرضون هم (الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ) بما نسبوه إليه (أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) الذين ظلموا أنفسهم بالافتراء، وفي الصحيحين وغيرهما عن ابن عمر قال: سمعت رسول اللّٰه وتيِيم يقول: ((إن اللّٰه يدني المؤمن حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: فإني سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته؛ وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة اللّٰه على الظالمين) . [١٩] (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) أي: يمنعون من قدروا على منعه عن دين اللّٰه والدخول فيه، (وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ) أي: يصفونها بالاعوجاج تنفيرًا للناس عنها. [ ٢٠] (أولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ) أي: ما كانوا يفوتون الله في الدنيا إن أراد عقوبتهم (وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ) يدفعون عنهم ما يريده اللّٰه سبحانه من عقوبتهم، (يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ) [لأجل افترائهم على الله، وصدهم عن سبيله، ووصف الملة الإسلامية بالعوج، فعذابهم مضاعف بالنسبة لعذاب كافر لم يفعل مثل فعلهم] (مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ) أي: أفرطوا في إعراضهم عن الحق وبغضهم له، حتى كأنهم لا يقدرون على السمع ولا علي الإبصار. ٢١]أولَئِكَ الّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) بعبادة غير اللّٰه وصدّهم عن سبيله، (وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) أي: ذهب وضاع ما كانوا يفترون من الآلهة التي يدعون أنها نشفع لهم، ولم يبق بأيديهم إلا الخسران. [٢٢] (لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ)، قد بلغوا إلى حد يتقاصر عنه غيرهم ولا يبلغ إليه. [٢٣] (وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ) ، أي: أنابوا إليه وخشعوا. [٢٤] (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ) فالكافر مُشْبِةٌ لمن جمع بين العمى والصمم، والمؤمن شبيه بمن جمع بين السمع والبصر ( هَلْ يَسْتَوِيَانِ) يعني الفريقين: هل يستويان حالًا وصفة (أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) فتتفكّروا في عدم استوائهما، وفيما بينهما من التفاوت الظاهر. [٢٥] (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ) قائلًا (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) منذر من قبل اللّٰه تعالى، معي بينة على أني رسوله. ٢٦] (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمِ أَلِيمٍ ) أبهمه ولم يفسره لهم، وتأويله هو: يوم القيامة، أو يوم الطّوفان. [٢٧](فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِيهَ كَذَا مِنْ قَوْمِهِ) الملأ: الأشراف، أجابوه بهذا الجواب الذي يقتضي طعنهم في نبوته من ثلاث جهات: الجهة الأولى قولهم: (مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًّا مِثْلَنَا) في البشرية، فلم يكن لك علينا مزية تستحق بها النبوة دوننا، والجهة الثانية قولهم: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا) أي: ولم يتبعك أحد من الأشراف، والأراذل: الفقراء، والذين لا حسب لهم، ومن يدخل في الحرف الدنية، أي فليس لك علينا مزية باتباع هؤلاء الأراذل لك [فإنهم لا يدركون مواقع الخطأ فيما يسمعونه من القول بل يتّبعون كل من دعاهم إلى مذهب جديد دون تفهم لقوله] (بَادِيَ الرَّأي) أي: اتبعوك في ظاهر الرأي من غير تعمق ولا تحقق من كونك نبيَّا، والجهة الثالثة من مطاعنهم قولهم: (وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ) خاطبوه بهذا وخاطبوا متبعيه: أي ما نرى لك ولمن اتبعك من الأراذل علينا من فضل تتميزون به وتستحقون ما تدعونه. [٢٨] (قَالَ يَا قَوْم أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيَّنَةٍ مِنْ رَبِّي) أي: أخبروني إن كنت على برهان من ربي في النبوة يدل على صحتها، ويوجب عليكم ة ١٠١٠ (وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ) صفحة 225 هي النبوة (فَعُمِّيَتْ) خفيت (أَنُلْزِمُكُمُوهَا)) أيمكِننا أن ضطركم وندخل الإيمان في قلوبكم رغمًا عنكم، (وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) غير متدبرينِ فيها، فإن ذلك لا يقدر عليه إلا الله. [٢٩] (وَيَا قَوْمٍ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا )) لا يطلب النبي على تبليغ الرسالة مالًا حتى يكون بذلك محلًا للتهمة، (وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا) من الفقراء كما تطلبون (إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ) فهو يجازيهم على إيمانهم، (وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ) ومن جهلهم استر ذالهم للفقراء، وسؤالهم له أن يطردهم. [٣٠] (وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ) وقد سبقوا إلى الإيمان والإجابة وإلى الدعوة التي أرسلني اللّٰه بها [أي: فهم أحقاء بالإكرام ورفعة المقام بسبب مبادرتهم إلى الإيمان بالله، لا بالطرد والإبعاد والإهانة، ولا يصنع هذا بهم إلا الجهلة الذين لا يعلمون حق الله، فكيف أفعله وأنا رسول الله، ومن ينصرني إن فعلت هذه المعصية؛ إذ إن المؤمنين المسارعين إلى طاعة اللّٰه هم أولياء اللّٰه وأحبابه ولو كانوا فقراء لا يملكون شيئًا، فإن أسأت إليهم وطردتهم كان اللّٰه خصمي، فمن ينصرني منه؟]. [٣١] (وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ) حتى تستدلوا عدمها على كذبي، والمراد بخزائن الله: خزائن رزقه، (وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ» أي: ولا أدعي أني أعلم غيب الله، بل لم أقل لكم إلا أنني نذير مبين، (وَلَا أَقُولُ) لكم ( إِنِّي مَلَكٌ) حتى تقولوا ما نراك إلا بشرًا مثلنا، (وَلَا أَقُولٌ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ) أي: لا أقول عن هؤلاء المتبعين لي، المؤمنين بالله، الذين تعيبونهم وتحتقرونهم (لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا) بل قد آتاهم الخير بالإيمان، فهو مجازيهم بالجزاء العظيم في الآخرة، ورافعهم في الدنيا (للهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ) [أي: فإن كان في قلوبهم خير فإن اللٰه يؤتيهم من فضله بحسب ذلك، ولا يمنع مِن إعطائهم فضله كونهم ضعفاء فقراء] (إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ) [ إن قلت لن يؤتيهم اللّٰه خيرًا وأنا لا علِم لي بما في أنفسهم]. ٣٢] (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتُنَا فَأكْثَرْتَ جِدَالنَا دفعتنا بكل حجة ( فَأْنِنَا بِمَا تَعِدُنَا) من العذاب الذي تخوفنا منه، وتخافه علينا. [٣٣] (قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ ) عجله لكم أو أخره (وَمَا أَنَّتُمْ بِمُعْجِزِينَ) بفائتين عما أراده اللّٰه بكم بهرب أو مدافعة. [٣٤] (وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي) الذي أبذله لكم، وأستكثر منه بحق النصيحة لله بإبلاغ رسالته، ولكم بإيضاح الحق، (إِنْ كَانَ اللَّهُ ؟ .مُ أَ؟ يُغْوِيَكُمْ ) لا ينفعكم نصحي إن كان اللّٰه يريد أن يضلكم عن سبيل الرشاد، ويخذلكم عن طريق الحق، ولا أدري ما يريد اللّٰه بكم (هُوَ رَبُّكُمْ) فإليه الإغواء، وإليه الهداية (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) فيجازيكم بأعمالكم أي فاسألوه تعالى أن يهديكم. [٣٥] (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) يعني بل أيقول كفار مكة: افترى محمد قصة نوح هذه (قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ ) [فذلك إجرامِ عظيم] (فَعَلَيَّ إِجْرَامِي) إثمي وجزاء كسبي لا عليكم، (وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ بل جريمتكم على أنفسكم لا عليّ. [٣٦] (وَأَوحِيَ إِلَى نُوحِ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ) آيسه اللّٰه من إيمانهم بهذا الخبر القاطع، ليكف عن دعوتهم ويستعد للنجاة إلا من قد سبق إيمانه قبل ذلك، (فَلَا نَبْتَئِسْ) أي: فلا تحزن، والابتئاس: حزن في استكانة. [٣٧] (وَاصْنَع الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا) أي: اعمل السِفينة بمرأى منا، لنعلمك كيفية صنعها، (وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي: لا تطلب مني إمهالهم، فإنه محكوم منا عليهم بالغرق، وقد مضى به القضاء، فلا سبيل إلى دفعه ولا تأخيره، فإنهم مغرقون في الوقت ال.ض.. مب لذلك. صفحة 226 [٣٨] (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ) أي: وأخذ يصنع الفلك، ( سَخِرُوا مِنْهُ) فيقولون يا نوح: صرت بعد النبوة نجارًا [ أو يقولون يعمل سفينة في البرّ فكيف تجري] (قَالَ إِنْ نَسْخَرُوا مِنَّا) بسب عملنا للسفينة اليوم، فإنا نسخر منكم غدًا عند الغرق. [٣٩] (عَذَابٌ يُخْزِيهِ) وهو عذاب الغرق في الدنيا، (وَيَحِلَّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ) وهو عذاب النار الدائم. [٤٠] (وَفَارَ التَّنُّورُ) أي: فار الماء من التنور، وهو تنور الخبز الذي يخبزون فيه، وقيل: التنور وجه الأرض، وفورانه علامة بدء الطوفان، {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) احمل في السفينة من كل صنف مما في الأرض من الحيوانات زوجين اثنين ذكرًا وأنثى، (وَأَهْلَكَ) أمره أن يحمل معه أهله وهم بنوه ونساؤهم، (إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) أي: من تقدم عليه الحكم بأنه من المغرقين، (وَمَنْ آمَنَ) أي: واحمل في السفينة من آمن معك من قومك، ثم وصف اللّٰه سبحانه قلة المؤمنين مع نوح بالنسبة إلى من كفر به، فقال: (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) قيل: هم ثمانون إنسانًا: منهم ثلاثة من بنيه، وهم سام، وحام، ويافث، وزوجاتهم. [٤١]وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا) القائل: هو نوح [وإنما قال هذا لإشعارهم بلطف اللّٰه ورحمته بهم] (بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) جريانها في الطوفان ورسوها بعده، (إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ) للذنوب (رَحِيمٌ) ومن رحمته إنجاء هذه الطائفة فضلًا منه لبقاء أجناس الحيوان التي حملها معه [وبقاء النسل البشري بعد الطوفان]. [٤٢] (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجِ كَالْجِبَالِ)) [فيه بيان لشدة الأهوال وقوة الريح وعظم الطوفان الذي غشي الأرض، وأن اللّٰه سَلَّم السفينة ومن فيها على الرغم من ذلك تفضلًا منه ورحمةً] (وَنَادَى نُوحُ ابْنَهُ) قيل: هو كنعان، وكان كافرًا، وقيل: كان منافقًا، (وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ) عن قومه وقرابته بحيث لم يبلغه قول نوح: اركبوا فيها، وقيل: في معزل من دين أبيه، (وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ) خارج السفينة، أو لا تكن على دينهم فإنهم هالكون. [٤٣] (يَعْصِمُني مِنَ الْمَاءِ) أي: يمنعِني بارتفاعه من وصول الماء إليّ، (لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ) أي: لا مانع فإنه يوم قد حق فيه العذاب، (إِلَّا مَنْ رَحِمَ) أي: لكن من رحمه اللّٰه فهو يعصمه، (وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ) أي: وتعاظمت الأمواج حتى -١١ -، بين نوح وابنه، فتعذر خلاصه من الغرق. [٤٤]وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ) ليس كالنشف المعتاد على سبيل التدريج، (وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي) يقال أقلع المطر إذا انقطع، (وَغِيضَ الْمَاءُ) أي: نقص [حتى جف] (وَقُضِيَ الْأَمْرُ) أهلك اللّٰه قوم نوح على تمام وإحكام، (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ) أي: استقرت السفينة على الجبل المعروف بالجودي، وهو جبل بقرب الموصل، (وَقِيلَ بُعْدًا) أي: هلاكًا (لِلْقَوْمِ الظالِمِينَ) وقد أطبق علماء البلاغة على أن هذه الآية الشريفة بالغة من الفصاحة والبلاغة إلى محل يتقاصر عنه الوصف وتضعف عن الإتيان بمثله أو بما يقاربه قدرة القادرين على فنون البلاغة، الثابتين الأقدام في علم البيان، الراسخين في علم اللغة. [٤٥] (فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) أي: فهو من الذين وعدتني بتنجيتهم بقولك: وأهلك، (وَنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ» الذي لا خلف فيه (وَأَنَّتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) أعلمهم وأعدلهم. ٤٦] ف (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ)) لأنه لم يكن من الذين آمنوا بك وتابعوك، فالقرابة قرابة الدين قبل قرابة النسب ( إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) لا - الذة ف ، ذمه، كأنه جعله نفس العمل، صفحة 227 أي [وأنت يا نوح لا ينتسب إليك العمل السيئ، فهو ليس من أهلك في الحقيقة التي يدعو إليها أنبياء الله، ويعلنونها للناس، من أن القرابة إذا كانت بين المؤمنين فهي ثابتة، وإن كانت بين أولياء اللّٰه وبين أعدائه فهي مقطوعة] (فَلَا تَسْألْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) أي: لو كان في علمي أنه مؤمن لأنجيته، وفيه عدم جواز الدِعاء بما يعلم الإنسان عدم مطابقته للشرع، (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ» أي: أحذرك أن تكون منهم، بِل كن من العالمين العاملين. [٤٧] (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمُ) ما لا علم لي بصحته وجوازه، (وَإِلَّا تَغْفِرْ لي) ذنب ما دعوت به على غير علم مني (وَتَرْحَمْنِي) برحمتك، فتقبل توبتي {أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) في أعمالي فلا أربح فيها. [٤٨] (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ)) أي: انزل من السفينة إلى المنخفض من الأرض، أو من الجبل إلى المنخفض من الأرض، فقد بلعت الأرض ماءها وجفت (بِسَلَامِ مِنَّا ) أي: بسلامة وأمن (وَبَرَكَاتٍ) أي: نعم ثابتة (وَعَلَىَّ أَمَمِ مِمَّنْ مَعَكَ) وهم المتشعبون من ذرية من كان معه في السفينةً، ومن في السفينة، فإنهم أمم مختلفة، وأنواع من الحيوانات متباينة، (وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ) من صار كافرًا من ذريتهم إلى يوم القيامة، سنمتعهم في الدنيا، ونعطيهم منها ما يعيشون به، ( ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا) في الآخرة (عَذَابٌ أَلِيمٌ) . [٤٩] تِلْكَ) قصة نوح (مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ) أي: من أخباره (مَا كُنْتَ) يا محمد ( تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا) يعلمها (قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا) الوحي، أي: فكان مجيئك بها على هذا التفصيل البديع المطابق للحقيقة دليلًا لهم على أنك رسول اللّٰه حقًّا (فَاصْبِرْ) على ما تلاقيه من كفار زمانك (إِنَّ الْعَاقِبَةَ) المحمودة في الدنيا والآخرة (لِلْمُتَّقِينَ ) لله، المؤمنين بما جاءت به رسله. [٥٠] (وَإِلَى عَادِ) أي: وأرسلنا إلى قبيلة عاد، كانت تسكن الأحقاف باليمن (أَخَاهُمْ هُودًا) أخاهم: أي واحدًا منهم، (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ) أي: كاذبون باتخاذ إله غير الله. [٥١](يَا قَوْم لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا) على ما أبلغه إليكم، وأنصحكم به، (عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي) أي: خلقني فهو الذي يثيبني على ذلك. [٥٢] (يُرْسِلِ السَّمَاءَ) أي: المطر (عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا) أي: كثير الدرور، والناقة المدرار الكثيرة الحليب، أي إن الاستغفار والتوبة يجلبان رزق السماء، و. ك١.-. الأرض، (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ) خصبًا إلى خصبكم، أو عزًّا إلى عزكم (وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) أي: لا تعرضوا عما أدعوكم إليه [فتكونوا بذلك مرتكبين جريمة الإعراض عن دعوة اللّٰه والكفر بآياته وبرسوله]. [٥٣] (مَا جِتْتَنَا بِبِيَّنَةِ) أي: بحجة وإضحة نعمل عليها [ نستدلّ بها على أنك رسول من عند اللّٰه حقًا، وعلى أنك لست كاذبًا مدّعيًا على الله] (وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا)) التي نعبدها من دون اللٰه (عَنْ قَوْلِكَ) صادرين عن قولك بلا حجة [٥٤](إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ) أي: ما نقول إلا أنه أصابك بعض آلهتنا - التي تعيبها وتسفَّهُ رأينا في عبادتها - بسوء: بجنون، فمن جنونك ما تقوله لنا، وتكرره علينا من التنفير عنها، (قَالَ إِنِّي أَشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا) أنتم (أَنَّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) أي: أتنزه عن عبادتها، وأعلن أنني لست ممن اتخذوها أربابًا، بل أنا عدوّ لها]. [٥٥] *مِنْ دُونِهِ)، أي: من إشراككم من دون اللّٰه من غير أن ينزل به سلطانًا، (فَكِيدُونِي جَمِيعًا) أي: فامكروا بي أنتم وآلهتكم إن كانت كما تزعمون تقدر على الإضرار بي، وأنها اعترتني بسوء (أُدَ لا تُنْظِرُونِ » أي: لا تمهلوني. صفحة 228 [٥٦](إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبَّكُمْ)، فهو صمني من كيدكم وإن بلغتم في طلب الإضرار بي كل بلغ، فمن توكل على اللّٰه كفاه ومَا مِنْ دَابَّةٍ إلّا هُوَ آخِذُ بِنَاصِيَتِهَا ) أي: كل دابة، ومنها أنتم في قبضته وتحت قهره، غاية التسخير ونهاية التذليل، ومعنى آخذ بناصيتها: مالكها، والقادر عليها، وقاهرها، والناصية: قصاص الشعر من مقدم الرأس، (إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمِ) أي: هو على الحق والعدل فلا يسلطكم عليَّ؛ لأنني مؤمن به داع إلى سبيله، وأنتم تكفرون به، وتعرضون عن دعوته. [ ٥٧] (فَإِنْ تَوَلّوْا) تستمروا على الإعراض عن الإجابة والتصميم على الكفر، (فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمُ لَمْ مَا أَرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ) ليس عليَّ إلا ذلك، وقد لزمتكم الحجة، (وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ) [أي: إن اللّٰه تعالى يهلككم بسبب موقفكم من رسول ربكم وإعراضكم عن دعوته ثم يأتي بقوم سواكم يكونون بدلًا عنكم في الأرض] (وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا) كبيرًا من الضرر ولا حقيرًا (إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) رقيب مهيمن، فهو يحفظني من أن تنالوني بسوء. [٥٨] (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا) أي: عذابنا الذي هو إهلاك عاد (بَرَحْمَةٍ مِنَّا) أي: برحمة عظيمة كائنة من الله؛ لأنه لا ينجو أحد إلا برحمة الله، (عَذَابٍ غَلِيظٍ) أي: شديد، قيل هو رياح السموم التي كانت تدمر ديارهم وتفنيهم حتى لم تُبق منهم أحدًا. [٥٩] (جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ ) أي: كفروا بها وكذبوها وأنكروا المعجزات، (وَعَصَوْا رُسُلَهُ) أي: هودًا وحده؛ لأنه لم يكن في عصره رسول سواه، ولكن تشير الآية إلى أن من كذب برسول واحد فقد كذب بجميع الرسل، (وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارِ عَنِيدٍ) الجبار: المتكبر، والعنيد: الطاغي الذي لا يقبل الحق ولا يذعن له، أي إنهم أدركوا سوء المصير هذا بسبب إعراضهم عن طاعة اللّٰه وطاعة رسوله مع ما جاءهم به من المعجزات والبراهين، واتباعهم العتاة من رؤسائهم وقادتهم إلى الشر. [٦٠] ( وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً) [يلعنهم اللاعنون] فأصبحت لازمة لهم لا تفارقهم ما دامت هذه الدنيا، (و) أتبعوها (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فلعنوا هنالك كما لعنوا في الدنيا، (كَفَرُوا رَبَّهُمْ) أي: بربهم، أو كفروا بنعمة ربهم، (أَلا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْم هُودٍ» أي: لا زالوا مبعدين من رحمة الله. [٦١] (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُ . مَ ااحًا) [وكانوا يسكنون الحجر بين المدينة والشام] (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ) أي: ابتدأ خلقكم من الأرض؛ لأن كل بني آدم من صلب آدم، وهو مخلوق من الأرض، (وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) أي: جعلكم عُمَّارَها: من نحت المساكن، وغرس الأشجار، (فَاسْتَغْفِرُوهُ) أي: ارجعوا إلى عبادته واندموا على ما فرط منكم، (إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) أي: قريب الإجابة لمن دعاه. [٦٢] (قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا) أي: كنا نرجو أن تكون فينا سيدًا مطاعًا ننتقع برأيك قبل هذا الذي أظهرته، من ادعائك النبوة، ودعوتك إلى التوحيد، فلما دعاهم إلى اللّه قالوا انقطع رجاؤنا منك، {أتَنْهَانَا أنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ) للإنكار، أنكروا عليه هذا النهي، (وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) من عبادة الله وحده، وترك عبادة الأوثان. ٢٦٣ (قَالَ يَا قَوْم أَرَأَيْتُمْ) أي: فكّروا في قولي وأخبروني (إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) أي: حجة ظاهرة وبرهان صحيح، (رَحْمَةً) أي: نبوة (فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ)، يمنعني من عذاب اللّٰه (إِنْ عَصَيْتُهُ) في تبليغ الرسالة وراقبتكم وفترتُ عما يجب عليّ من البلاغ اك . .: اء عبادة الطواغيت [ وبإفراد اللّه صفحة 229 وحده بالعبادة، فإنّي لا محيد لي ولا نجاة لي من اللّٰه ما لم أبلّغكم الرسالة التي أمرني بتبليغكم إياها] (فَمَا تَزِيدُونَنِي) بتثبيطكم إياي (غَيْرَ تَخْسِيرٍ) بأن تجعلوني خاسرًا بإبطال عملي، والتعرّض لعقوبة اللّٰه لي. [٦٤] (وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً) معجزة ظاهرة؛ لأنه أخرجها لهم من جوف جبل على حسب اقتراحهم، ( فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ) مما فيها من المرعى، فهي ناقة اللّٰه تأكل في أرضه] (فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ)، أي: قريب من عقرها، وذلك ثلاثة أيام. [٦٥](فَعَقَرُوهَا) أي: قتلوها بضربها بسيف أو نحوه، (فَقَالَ) لهم صالح (تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ)، أي: تمتعوا بالعيش في منازلكم ثلاثةِ أيام: فإن العقاب نازل عَليكم بعدها. [٦٦] (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا) بوقوع العذاب (وَمِنْ خِزْيٍ يَوْمِئِذٍ) وهو هلاك قومه بالصيحة، والخزي: الذل والمهانة. ٦٧]وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) صيح بهم فماتوا، قيل: صيحة جبريل، وقيل: صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم (فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) أي: ساقطين على وجوههم موتى قد لصقوا بالتراب كالطير إذا جثمت. [٦٨] (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا) أي: إن حالهم بعد إهلاكهم كانت كأنهم لم يقيموا في بلادهم، أو ديارهم، ولم يستعمروا فيها. [٦٩] (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى)، لما أنزل اللّٰه الملائكة لعذاب قوم لوط، مرّوا بإبراهيم، جاءوه بصورة رجال من البَشَر ونزلوا عنده، لتبشيره بهذه البشارة المذكورة، (فَمَا لَبِثَ) أي: إبراهيم {أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) الحنيذ: المشويّ بحرّ الحجارة المُحْماة من غير أن تمسه النار. [٧٠] (فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ) أي: لا يمدونها إلى العجل، كما يمد يده من يريد الأكل، (نَكِرَهُمْ ) استنكر منهم ذلك، ظن أنهم قد جاءوه بشرٍّ؛ لأن عادتهم أن الضيف إذا نزل بهم، ولم يأكل من طعامهم، ظُنَّ أنه قد جاء بشر، (وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ ) أي: أحس في نفسه منهم (خِيفَةً) أي: خوفًا وفزعًا، {إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ) أي: نحن ملائكة، وقد أرسلنا إليهم لتعذيبهم. ٧١]وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ)) قيل: كانت قائمة تخدم الملائكة وهو جالس، والضحك هنا: هو الضحك المعروف، وقيل معناه: أنها حاضت في تلك الحال، وكانت عجوزًا عقيمًا قد يتست من الحيض، (فَبَشَرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ)) تلده لإبراهيم (وَمِنْ وَرَاءٍ إِسْحَاقَ) بشرناها أنه يأتيه - ا٠١ ٦ ه (يَعْقُوبَ). ٧٢] (قَالَتْ يَا وَيْلَتَا) كلمة تقع كثيرًا على أفواه النساء إذا طرأ عليهن ما يعجبن منه، (وَأَنَا عَجُوزُ) شيخة قد طعنت في السنّ، قيل بنت تسعين، (وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا) أي: وزوجي إبراهيم شيخًا لا تحبل من مثله النساء، قيل: كان إبراهيم ابن مائة وعشرين سنة، وهذه المبشرة هي سارة امرأة إبراهيم، وقد كان ولد لإبراهيم - من هاجر أمته - إسماعيل، فتمنت سارة أن يكون لها ابن، وأيست منه لكبر سنها، فبشرها اللّٰه به على لسان ملائكته. )(قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ) وهو لا يستحيل عليه شيء، وإنما أنكروا عليها مع كون ما تعجبت منه من خوارق العادة؛ لأنها من بيت النبوة، ولا يخفى على مثلها أن هذا من مقدوراته سبحانه، (وَبَرَكَاتُهُ) البركات: هي النمو والزيادة، (أَهْلَ الْبَيْتِ) [يا أهل بيت النبوة، وأنت يا زوجة النبي منهم] (إِنَّهُ حَمِيدٌ) أي: يفعل موجبات حمده من عباده (مَجِيدٌ) [ذو المجد والرفعة]. [٧٤]( فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ) الخيفة التي أو جسها في نفسه (وَجَاءَتْهُ البُشْرَى أ، ... الولد (يُجَادِلُنَا فِي قَوْمٍ لُوطِ) صفحة 230 أي يجادل رسلنا في شأنهم وأمرهم لعله أن يجد وجهًا لتأخير العذاب عنهم، ولعل لوطًا وأهله ينجونه من العذاب، كما في سورة العنكبوت: (قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ). [٧٥] (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ)، أي: ليس بعجول في الأمور، والأوّاه: كثير التأوّه، والمنيب: الراجع إلى الله. ٧٦] (يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا) الجدال في أمر قد فرغ منه، وحق به القضاء، (إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ) بعذابه الذي قدّره عليهم، وسبق به قضاؤه، (وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) أي: لا يردّه دعاء ولا جدال، بل هو واقع بهم لا محالة، ليس بمصروف ولا مدفوع. ٧٧] (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا) لما خرجت الملائكة من عند إبراهيم، وكان بين إبراهيم وقرية لوط فراسخ، جاءوا إلى لوط في صورة أضياف، فلما رآهم لوط ( سِيءَ بِهِمْ) أي: ساءه مجيئهم (وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا)) ضاق صدره خوفًا عليهم من قومه، لما يعلم من فسقهم وارتكابهم لفاحشة إتيان الرجال، (وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ) أي: شديد، علم أنه سيضطر لمدافعة قومه عما جرت عليه عادتهم الخبيثة، وظن أنهم قد يغلبونه على أضيافه، فلا يقدر على دفعهم. [٧٨](وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ) يسرعون إليه إسراعًا مع رعدة، وقيل: يهرعون: يهرولون، كأنما يدفعون دفعًا طلب الفاحشة من أضيافه، (وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ) أي: كانت عادتهم إتيان الرجال، فلما جاءوا إلى لوط، وقصدوا أضيافه لذلك العمل، قام إليهم لوط مدافعًا (قَالَ يَا قَوْمٍ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) [أراد دفعهم بأهون الشرَّين إذ لم يكن له حيلة سواه] وقيل: المراد تزوّجوهنّ، وقيل: أراد بقوله: (هَؤُلَاءِ بَنَاتِي) النساء جملة؛ لأن نبيّ القوم أب لهم، وقيل: إنما كان هذا القول منه على طريق المدافعة إلى أن ينصرف الضيوف، ولم يرد الحقيقة، (هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) أحلّ وأنزه (وَلَا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي) أي: اتقوا اللّٰه بترك ما تريدون من الفاحشة بهم، ولا تجلبوا عليّ العار في حق أضيافي، (أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) يرشدكم إلى ترك هذا العمل القبيح ويمنعكم منه. [٧٩] ( مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقِّ) من شهوة ولا حاجة، وقيل: إنهم كانوا قد خطبوا بناته من قبل فردهم. [ ٨٠] (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً) [أي: يا ليتني كان لي قدرة على دفعكم] (أَوْ آوِي إِلَى ومْ. أَدِيدٍ) [مكان محصّن ألتجئ إليه] وقيل مراده بالركن الشديد: عشيرة قوية تحميه ولم يكن له منهم عشيرة، لأنه كان من أهل العراق، [أي لو كان لي واحدٌ من هذين الأمرين، القوة أو العشيرة، لكنت قد قاومتكم، ونكّلت بكم، ومنعتكم مما أنتم مقدمون عليه من انتهاك حُرْمة منزلي وأضيافي، روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول اللّٰه وَلِي قال: ((يغفر اللّٰه للوط إن كان ليأوي إلى ركن شديد» يعني حماية اللّه تعالا. ٨١] (قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) أي: قالت له الملائكة: لن يقدروا أن يمسّوك بسوء، فنحن ملائكة أرسلنا اللّٰه إليك، ثم أمروه أن يخرج عنهم، فقالوا له: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) اخرج للسفر بهم من هذه القرية ليلًا {بِقِطّع مِنَ اللَّيْلِ) ساعة منه شديدة الظلمة، (وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ) أي: لا ينظر إلى ما وراءه، أو يشتغل بما خلفه من مال أو غيره، (إِلَّا امْرَ أَتَكَ) أي: لكن امرأتك ستخالف هذا وتلتفت، ف ( إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ) من العذاب (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ) جعل الصبح ميقاتًا لهلاكهم، لكون النفوس فيه أسكن، والناس فيه [في متعة نوم آخ ١ 111]. صفحة 231 [٨٢] (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا) بوقوع العذاب (جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا) أي: عالي قرى قوم لوط سافلها، قلبها على هذه الهيئة، قيل: أمر اللّٰه تعالى جبريل فرفعها بجناحه ثم قلبها بهم، (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) والسجيل: الطين المتحجر بطبخ بالنار أو غيره (مَنْضُودٍ) بعضه فوق بعض. [٨٣] (مُسَوَّمَةً)، المسوّمة التي لها علامة القوم الذين يُرجَمون بها، قيل: كان عليها أمثال الخواتيم، وقيل: مكتوب الا لى من الَّالين أي بو، أمنال منه ال خر انته. ما امثال هذه الحجارة مر كل ظالم من الظلمة، ويحتمل أن المراد: الظالم يفعل جريمة قوم لوط، (بِبَعِيدٍ) فهم لظلمهم مستحقون لها، وقيل: (وَمَا هِيَ) أي: قرى قوم لوط (بِبَعِيدٍ) فإنها بين الشام والمدينة ليست بعيدة عن أهل مكة. [٨٤] (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا)، أي: وأرسلنا إلى مدين أخاهم في النسب شعيبًا، وسُمُّوا مدين باسم أبيهم، وهو مدين بن إبراهيم، وقد تقدم الكلام على قصتهم في (سورة الأعراف، الآيات: ٩٣-٨٥) وقد كان شعيب لِام يسمى خطيب الأنبياء، لحسن مراجعته لقومه، (إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ) بثروة وسعة في الرزق، فلا تغيروا نعمة اللّٰه عليكم بمعصيته والإضرار بعباده، ففي هذه النعمة ما يغنيكم عن أخذ أموال الناس بغير حقها، {(وَإِنِّي أَخَافُ لَيْكُمْ ابَ يَوْمِ مُحِيْطِ ) لا يشذ منكم أحد عنه ولا يجد منه ملجأ ولا مهربًا. [٨٥]( بِالْقِسْطِ) العدل، وهو عدم الزيادة والنقص، (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) بنقصهم عما يستحقون غشًّا أو مخادعة، أو غصبًا، (وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) لا تكثروا فيها الفساد. ٨٦] (بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ)، أي: ما يبقيه لكم من الحلال بعد إيفاء الحقوق بالقسط أكثر خيرًا وبركة من التطفيف والبخس والفساد في الأرض (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، لأن ذلك إنما ينتفع به المؤمن لا الكافر (وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ )) أحفظ عليكم أعمالكم وأحاسبكم بِها وأجازيكم عليها، بل أنا مبلَغ [٨٧] (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) من الأوثان {أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ) من الأخذ والإعطاء، والزيادة والنقص، فهي أموالنا لا حرج علينا أن نتصرف فيها على الوجه الذي نرضاه، {إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) على طريقة التهكم به؛ لأنهم يعتقدون أنه على خلافهما، وقيل: بل هو عنده . >ذاك، وأنكروا عليه الأمر والنهي منه لهم بما يخالف الحلم والرشد في اعتقادهم. [٨٨] (قَالَ يَا قَوْم أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) على حجة واضحة فيما أمرتكم به ونهيتكم عنه، (وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنا قيل: كان عليام كثير المال، وقيل: أراد بالرزق النبوة، وقيل: الحكمة، أي هل ترون أنه إن كان جاءني أمر اللّٰه بإبلاغكم، أأترك أمركم ونهيكم لمجرد رفضكم له وامتناعكم عن قبوله؟ (وَمَا أَرِيدُ أَنْ أَخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) أي: ليس من شأني أن أنهاكم عن الشيء ثم أفعله دونكم (إِنْ أَرِيدُ إِلَّا الإِصْلَاحَ) ما أريد بالأمر والنهي إلا الإصلاح لكم ودفع الفساد في دينكم ومعاملاتكم (مَا اسْتَطَعْتُ) أي: بقدر ما تمكنت منه طاقتي، (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ) أي: ما صرت موفقًا هاديًا نبيًّا مرشدًا إلا بتأييد اللّٰه سبحانه وإقداري عليه ومنحي إياه، (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) في جميع أموري (وَإِلَيْهِ أَنيبُ) أي : أرجع وأفوض جميع أموري إلى ما يختاره لي. [٨٩] (وَيَا قَوْمٍ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي) أي: لا تحملنكم عداوتي على تكذيبي، فيكم ا حائكم إصابة العذاب إياكم كما صفحة 232 أصاب من كان قبلكم، (وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) ليس مكانهم ببعيد من مكانكم، أو ليس زمانهم ببعيد من زمانكم، فاخشوا مثل أيامهم إن عصيتم اللّٰه كما عصوه.. [٩٠](إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ) عظيم الرحمة للتائبين، وال (وَدُودٌ) المحب، فالله يفعل بالتائبين المستغفرين ما تقتضيه المحبّة من اللطف بهم وسوق الخير إليهم ودفع الشر عنهم. [٩١] (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ) تأتينا بما لا عهد لنا به من الأخبار بالأمور الغيبية، [كإخبارك عن نبوتك ولطف اللّٰه ورحمته ومودته] وكالبعث والنشور، ولا نفقه ذلك، أي: لا نفهمه كما نفهم الأمور الحاضرة المشاهدة، ( وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا ) أي: لا قوة لك تقدر بها على أن تمنع نفسك منا وتتمكن بها من مخالفتنا، (وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ) أي: لقتلناك بالحجارة، ورهط الرجل: عشيرته الذين يستند إليهم ويتقوى بهم، وإنما جعلوا رهْطه مانعًا من رجمه، مع كون رهطه قلّة، والكفّار ألوف كثيرة؛ لأنهم كانوا على دينهم، فتركوه احترامًا لهم، لا خوفًا منهم، (وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزِ) بل تركنا رجمك لعزةِ رهطك علينا. [٩٢] (قَالَ يَا قَوْمٍ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ} لأن الاستهانة بأنبياء اللّٰه استهانة بالله عجل، فلم تحترموه في نبيه، بل احترمتم رهطي أكثر من احترامكم لله تعالى، (وَاتَّخَذْتُمُوهُ) المعنى: واتخذتم اللّٰه عَجِّل بسبب عدم اعتدادكم بنبيّه الذي أرسله اللّٰه إليكم، (وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا) أي: منبوذًا وراء الظهر لا تبالون به. [٩٣] (وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ)، لما رأى إصرارهم على الكفر، وتصميمهم على دين آبائهم، وعدم تأثير الموعظة فيهم، توعدهم بأن يعملوا على غاية تمكنهم ونهاية استطاعتهم، وأخبرهم. أنه عامل على حسب ما يمكنه، (سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ) العذاب المخزي الذل والفضيحة والعار الذي يلحق المستكبرين والمتعالين على الناس بغير الحق، {وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ) ستعلمون من هو المعذب ومن هو الكاذب مني ومنكم، (وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) أي: انتظروا إني معكم منتظر لما يقضي به اللّه بيننا . [٩٤] (بِرَحْمَةٍ مِنَّا) أي: لهم، حيث أنجِيناهم بسبب رحمتنا، وهي هدايتهم للإيمان، (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا) غيرهم بما أخذوا من أموالهم بغير وجه، وظلموا أنفسهم بالتصميم على الكفر، ( الصَّيْحَتُكه )1- صاح بهم جبرائيل حتى خرجت أرواحهم من أجسادهم، (فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) أي: ميتين، وقد تقدم تفسيره في (الآية: ٦٧). [٩٥] ألا بُعْدًا) هلاكًا ( كَمَا بَعِدَتْ)) أي: هلكت (ثَمُودُ). ٩٦] (بَآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ) البراهين والمعجزات، وقيل: الآيات التسع المذكورة في سورة الإسراء، والسلطان معجزة قلب العصاحيّة. [٩٧] (وَمَلَئِهِ) الملأ: أشراف القوم، وسائر القوم أتباع لهم في الإصدار والإيراد، (فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ) أي: أمره لهم بالكفر، ويجوز أن يراد بأمر فرعون شأنه وطريقته، (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) أي: ليس فيه رشد قط، بل هو غيٌّ وضلال. [٩٨] (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) يصير متقدمًا أمامهم يقودهم إلى عذاب النار، كما أنه أمرهم في الدنيا بالكفر فاتبعوه، (فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ) يتبعونه حتى يوصلهم النار ويدخل بهم فيها، (وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) لأن الوارد إلى الماء إنما يرده ليطفئ حر العطش، والنار ضد ذلك. [٩٩] (وَأُتْبِعُوا) أي: أتْبَعَ اللّٰه فرعون وملأه بعد هلاكهم على الصفة التي بيّنها اللّٰه :-٥ ١١. غير هذا الموضع (فِي هَذِهِ) صفحة 233 الدنيا (لَعْنَةً)، أي: طردًا وإبعادًا (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: وأتبعوا لعنة يوم القيامة يلعنهم أهل المحشر، (بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) أي: بئس العطاء والإعانة ما أعطوهم إياه، وأعانوهم به وهو اللعنة المذكورة. [١٠٠ ] (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ)، أي: ما قصه الله سبحانه في هذه السورة من أخبار الأمم السالفة (مِنْهَا) أي: من القرى (قَائِمٌ) على عروشه ومبانيه، ومنها (حَصِيدٌ) والحصيد: الخراب، سقطت مبانيه حتى ليس منها شيء قائمًا. [١٠١ ] (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ) بما فعلنا بهم من العذاب، (وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) بالكفر والمعاصي التي هي سبب الهلاك، فهم الذين جلبوا الهلاك لأنفسهم، (فَمَا أغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ) أي: فما دفعت عنهم العذاب (لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ) أي: لما جاء عذابه، (وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) أي: ما زادتهم الأصنام التي يعبدونها إلا هلاكًا وخسرانًا، وقد كانوا يعتقدون أنها تعينهم على تحصيل المنافع. [١٠٢] (وَهِيَ ظَالِمَةً)) أي: يأخذ أهلها وهم ظالمون (إِنَّ أَخْذَهُ) أي: عقوبته للكافرين (أَلِيمٌ شَدِيدٌ) أي: موجع غليظ، وأخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول اللّٰه وَلِّيم: ((إن اللّٰه سبحانه وتعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثمِ قرأ: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ))). [١٠٣ ] (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً) لعبرة وموعظةً (لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ) لأنهم الذين يعتبرون بالعبر، ويتعظون بالمواعظ، (ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ) يوم القيامة، أي يجمع فيه الناس للمحاسبة والمجازاة، (وَذَلِكَ) أي: يوم القيامة (يَوْمٌ مَشْهُودٌ) أي: يشهده أهل المحشر. [١٠٤] (وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) معلوم بالعدد، قد عيَّنَ اللّٰه سبحانه وقوع الجزاء بعده . [١٠٥] ( يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسُ) أي: لا تتكلم بحجة ولا شفاعة (إِلَّا بِإِذْنِهِ) لها في التكلم بذلك، فإن الأمر يومئذ لله وحده ما من شفيع إلا من بعد إذنه، (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ)) أي: بنقسم الناس فريقين: أصحاب النار وأصحاب الجنة. ١٠٦](فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا) من الكفار والعصاة، أي كتبت لهم الشقاوة لكفرهم وفساد أعمالهم (فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيْرٌ وَشَهِيقٌ) الزفير: إخراج النَّفَس بصوت شديد من شدة ألم صدورهم، والشهيق: أخذ النفس. [١٠٧ ](خَالِدِينَ فِيهَا مَا مَاءَ -. السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ)، المعنى أنهم خالدون فيها أبدًا لا انقطاع لذلك، ولا انتهاء له، والمراد سماوات الآخرة وأرضها، (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) من تأخير قوم عن ذلك، وقيل: إلا العصاة من المؤمنين فيخرجون منها ويبقى فيها الكفار، (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) يصنع في الدنيا والآخرة ما يشاء [وعن عمر قال: لو لبث أهل النار في النار قَدْرَ رَمْلِ عَالِجِ لكانَ لِهم على ذلك يوم يخرجون فيه، والله أعلم]. /١ ٠٨(وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا) كتبت لهم السعادة بإيمانهم وصلاح أعمالهم، (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) قيل المراد: من تأخرهم في قبورهم، وفي المحشر قبل دخول الجنة، ( عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) ممتد إلى غير نهاية، لا ينقطع. [١٠٩] ( فَلَا تَكَّ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ) أي: لا تكن في شك من بطلان ما يعبد هؤلاء، فلا نفع في أصنامهم ولا ضرر (مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ) [أي ليس الحامل لهم على عبادتهم للأصنام نقل عن اللّٰه عندهمٍ صحيحٍ، أو عقل صريح، بل تقليد الآباء لا غير] (وَإِنّا لَمُوَقُوْهُمْ نَصِيبَهُمْ ) من العذاب كما وفينا آباءهم لا ينقص من ذلك شيء، وقيل: المراد نص .٥. م.. الخير والشر. صفحة 234 [١١٠] (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) أي: التوراة (فَاخْتُلِفَ فِيهِ) أي: في شأنه وتفاصيل أحكامه، فآمن به قوم، وترك العمل بعضها آخرون، (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) أي: لولا أن اللّٰه قد حكم بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة لما علم في ذلك من الصلاح لقضي بينهم أي بين قومك، أو بين قوم موسى فأثيب المحق وعذب المبطل. [١١١] (وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفَّيَنَهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ) [أي: وليس أحد من هؤلاء المختلفين إلا سيجازيه اللّٰه بعمله ويوفيه جزاءه]. [١١٢] ( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) أي: كما أمرك الله، فيدخل في ذلك جميع ما أمره به وجميع ما نهاه عنه، (وَمَنْ تَابَ مَعَكَ) أي: وليستقم من تاب معك، وما أعظم موقع هذه الآية وأشد أمرها، فإن الاستقامة كما أمر اللّٰه لا تقوم بها إلا الأنفس المطهرة، (وَلَا تَطْغَوْا) الطغيان مجاوزة الحد، [أي لا تعتدوا بارتكاب المعاصي] (إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ صِيرٌ) يجازيكم على حسب ما تستحقون. [١١٣] {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) والركون المنهي عنه هو الرضى بما عليه الظلمة، أو تحسين الطريقة وتزيينها عند غيرهم، ومشاركتهم في شيء من تلك الأبواب، فأما مداخلتهم لرفع ضرر واجتلاب منفعة عاجلة فغير داخلة في الركون، (فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) بسبب الركون إليهم (وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ)، والمعنى: أنها نمسكم النار حال عدم وجود من ينصركم وينقذكم منها، حتى هؤلاء الذي ركنتم إليهم، (ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) أي: لا تجدون أحدًا ينصركم على اللّٰه تعالى. [١١٤] (وَأَقِم الصَّلَاةَ طَرَفَي النَّهَارِ) وهما: الفجر والعصر، وقيل: الصبح والمغرب، (وَزِّلَفًّا مِنَ اللَّيْلِ) أي: ساعة بعد ساعة في صلاة الليل، أو المراد صلاة العشاء، (إِنَّ الْحَسَنَاتِ) ومن جملتها بل عمادها الصلاة (يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) على العموم، وقيل المراد بالسيئات: الصغائر، يكفرنها حتى كأنها لم تكن، (ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) أي: موعظة للمتعظين. [١١٥] وَاصْبِرْ)، أي: على ما أمرت به من الاستقامة، وعدم الطغيان والركون إلى الذين ظلموا [وإقامة الصلاة]. ١١٦](فَلَوْلَا) أي: فهلا (كَانَ مِنَ الْقُرُونِ) الأمم التي عذبت (مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ) من الرأي والعقلِ والدين (يَنْهَوْنَ) قومهم (عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا) أي: لكنَّ قليلًا (مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ) كانوا ينهون عن الفساد في الأرض، فأنج ١٠م . (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ) آثروا ذلك على الاشتغال بأعمال الآخرة، واستغرقوا أعمارهم في الشهوات، (وَكَانُوا مُجْرِمِينَ) أي: اتبعوا شهواتهم، وكانوا بذلك الاتباع مجرمين. [١١٧] (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمِ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) ينصف بعضهم بعضًا، فلا يهلكهمُ بمجرد الشك وحده حتى ينضم إليهم الفساد في الأرض. ١١٨] وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً) على الحق غير مختلفين فيه، مجتمعين على دين الإسلام دون سائر الأديان، (وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) أو لا يزالون مختلفين في الحق بسبب اتباع الهوى والبغي. [١١٩] إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) بالهداية إلى الدين الحق، فإنهم لم يختلفوا، (وَلِذَلِكَ) أي: لما ذكر من الاختلاف (خَلَقَهُمْ) أو ولرحمته خلقهم، (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبَّكَ ) ثبتت كما قدّره في أزله، وإذا تمت امتنعت من التغيير والتبديل، والكلمة هي قوله: (لأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) أي: من يستحقها من الطائفتين، [وفي الحديث: ((قال اللّٰه تعالى للجنة: أنت رحمتي أرح . .اء. من أشاء، وقال للنار: أنت صفحة 235 عذابي أعذب بك من أشاء، وعليَّ لكل واحدة منكما ملؤها»]. [ ١٢٠] (مَا نُثْبَّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) بزيادة يقينه ووفور طمأنينته، (وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ) أي: جاءك في هذه السورة، البراهين القاطعة الدالة على صحة المبدأ والمعاد، (وَمَوْعِظَةٌ) يتعظ بها الواقف عليها من المؤمنين، (وَذِكْرَى) يتذكر بها من تفكر فيها منهم، وخص المؤمنين لكونهم المتأهلين للاتعاظ والتذكير، [وإنما كان في هذه السورة مزيد وعظ وتذكير، لما فيها من قصص الأنبياء مع أممهم، وكيف واصلوا معهم دعوتهم إلى الله، وما جرى بينهم من المحاجّة والمخاصمة. وكيف احتمل الرسل الكرام أذى أقوامهم، وفيها تفصيل كيفية إنجاء اللّٰه للرسل، ولمن آمن معهم، وكيف أهلك الظالمين وتركهم أثرًا بعد عين، ففي ذلك كله تثبيت لقلب النبي وَلِ ليه في دعوته، وتذكير لأهل الحق بحسن العاقبة، والنصر في المآل]. [١٢١] (وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) بهذا الحق ولا بتعظون ولا يتذكرون (اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ) على مكنكم وحالكم وجهتكم. [١٢٢(وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) انتظروا عاقبة أمرنا، فإنا منتظرون عاقبة أمركم، وما يحل بكم من عذاب اللّٰه وعقوبته. [١٢٣] (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: علم جميع ما هو غائب عن العباد فيهما، لا يشاركه فيه غيره، وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلّهُ) أي: يوم القيامة، فيجازي كلا بعمله، (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) فإنه كافيك كل ما تكره، ومعطيك كل ما تحب، (وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) بل عالم بجميع ذلك ومجاز عليه: إن خيرًا فخير، وإن شرَّا فشر. تفسير سورة يوسف وهي مكية كلها. قال العلماء: ذكر اللّٰه قصص الأنبياء في القرآن، وكررها بمعنى واحد، بالفاظ متباينة، وقد ذكر قصة يوسف ولم يكررها، فلم يقدر مخالف على معارضة ما تكرر، ولا على معارضة غير المتكرر. [وقد سمى اللّٰه تعالى هذه السورة أحسن القصص، وآيات للسائلين، وعبرة لأولي الألباب، وتصديق ما قبل القرآن من كتب السماء. وفيها من مواقف التربية الإيمانية: الابتلاء بالشدائد، والابتلاء بالشهوات، والابتلاء بالقدوة، وبيان عاقبة ذلك كله ]. [١]{تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) أي: تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة، هي من آيات القرآن المبين، أي: الظاهر أمره في كونه من عند الله، وفي إعجازه، المبين لما فيه من الأحكام. [٢](إنَّا أَنْزَلْنَاهُ) أي: القرآن (قُرْآنَّا عَرَبِيًّا) أي: على لغة العرب (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) أي: لكي تعلموا معانيه وتفهموا ما فيه. [٣] (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) عن الأمم الماضية، وأمور اللّٰه في عباده، وذلك أحسن حديث يحدث به أحدٌ أحدًا (وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) عن هذه القصة وغيرها مما أوحاه اللّٰه إليك من القصص. وهذه السورة أحسن القصص؛ لأنها تتضمن من العبر والمواعظ والحكم ما لم يكن في غيرها، وفيها ذكر الأنبياء، والصالحين، والملائكة، وسير الملوك، والمماليك، والتجار، والرجال، والنساء وحيلهن، ومكرهن، ولأن كل من ذكر فيها كان مآله السعادة. [٤] (لأَبِيهِ) هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (إِنَّي رَأَيْتُ) أي: في المنام (أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًّا) تأويلها: إخوته (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) تأويلهما: أمه وأبوه (رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) أجريت مجرى العقلاء لوصفها بوصف العقلاء، وهو كونها ساجدة. صفحة 236 [٥](قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْبَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ ) نهى عقوب اليَاية ابنه يوسف أن يقص رؤياه على إخوته؛ لأنه قد علم تأويلها وخاف أن يقصها على إخوته، فيفهموا تأويلها ويحصل منهم الحسد له (فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا)) أي: خشية أن يدبروا لك تدبيرًا خفيًّا لا تفهمه، فيهلكوك حسدًا (إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ) فيحملهم على ذلك، لأنه عدو للإنسان، مظهر للعداوة، مجاهر بها. [٦](وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ» فيجعلك نبيَّا، ويصطفيك على سائر العباد، ويسخرهم لك كما تسخَّرَت لك تلك الأجرام التي رأيتها في منامك فصارت ساجدة لك (وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) أي: تأويل الرؤيا (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ) فيجمع لك بين النبوة والملك - كما تدل عليه هذه الرؤيا التي أراك الله- وفي ذلك خير الدنيا والآخرة (كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ) أنجاه اللّٰه من النار، ونبَّأه، واتخذه اللّٰه خليلًا (وَإِسْحَاقَ) جعله نبيًّا. وصار لهما الذرية الطيبة. [](آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ) دالة على نبوة محمل الالِل هم للسائلين له من اليهود، فإنه روي أنه سأله اليهود وهو مكة، ولم يكن بمكة أحد من أهل الكتاب ولا من يعرف خبر الأنبياء، فأنزل اللّٰه سورة يوسف جملة واحدة. [٨] (إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا) هو بنيامين، وخصُّوه بكونه أخاه مع أنهم جميعًا إخوته؛ لأنه أخوه من أمه وأبيه، أما سائرهم فهم إخوته من أبيه لا من أمه (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) العصبة: الجماعة، [قيل: هي ما بين العشرة إلى الأربعين] (إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) بالترجيح لهما علينا، وإيثارهما دوننا. [٩](اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا) أي: قالوا: افعلوا به أحد الأمرين: إما القتل، أو الطرح في أرض؛ أو أشار بعضهم بالقتل وبعضهم بالطرح (يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) أي: يَصْفُ ويَخْلُصْ فيقبل عليكم ويحبكم حبَّا كاملًا (مِنْ بَعْدِهِ) بعد الفراغ من قتله أو طرحه، وقيل: من بعد الذنب الذي اقترفتموه في يوسف (قَوْمًا صَالِحِينَ) في أمور دينكم وطاعة أبيكم، أو صالحين في أمور دنياكم لذهاب ما كان يشغلكم عن ذلك، وهو الحسد ليوسف. [١٠](قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ) قيل: هو يهوذا (فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ) قعر البئر الذي لا يقع البصر عليه، [قيل: هذه البئر بأرض نابلس] (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ) المسافرين، فيحمله إلى مكان بعيد بحيث. . خذي عن أبيه ومن يعرفه (إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ) عاملين بما أشرت به عليكم في أمره، وفي هذا دليل على أن إخوة يوسف ما كانوا أنبياء. [١١ ](قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ) كان يضنُّ به أن يرسله معهم حبًّا له، ولعل ذلك من خشيته عليه منهم، وكانهم سألوه قبل ذلك آن يخرج معهم يوسف فآبى (وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ) في حفظه وحيطته حتى نرده إليك. [١٢] (يَرْتَعْ) يتسع في الخصب، واللعب: هو المَرَح المباح لمجرد الانبساط. [١٣](إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ) أخبرهم أنه يحزِن الغيبة يوسف عنه؛ لفرط محبته له وخوفه عليه (وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ) قيل: قال يعقوب هذا تخوفًا عليه منهم، فكنى عن ذلك بالذئب (وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ) لاشتغالكم بالرتع واللعب، أو لكونهم غير مهتمين بحفظه. [١٤ ] (إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ) هالكون ضعفًا وعجزًا لانتفاء القدرة على أيسر شيء. [١٥ ( فَلَمَّا ذَهَبُوا بهِ) من عند يعقوب وَأَجْمَعُوا) عزموا أمرهم (أَنْ يَجْعَلُومُ غَاة الْجُبِّ) قد تقدم تفسير الغيابة صفحة 237 والجب (الآية: ١٠) (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ) إلى يوسف تأنيسًا لوحشته، مع كونه صغيرًا. اجتمع على إنزال الضرر به عشرة رجال من إخوته بقلوب غليظة، قد نزعت عنها الرحمة، وسلبت منها الرأفة (لَتُنَئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا) أي: لتخبرن إخوتك بأمرهم هذا الذي فعلوه معك بعد خلوصك مما أرادوه بك من الكيد، وسيأتي ما قاله لهم عند دخولهم عليه عد أن صار إليه أمر خزائن مصر (الاية: ٨٩). [١٦] (وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ) أي: متباكين ترويجًا لكذبهم وتنفيقًا لمكرهم. [١٧ ] (قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ) أي: نتسابق في العَدْو، أو على الخيل، أو في الرمي، وقال الأزهري: النضال في السهام، والرهان في الخيل، والمسابقة تجمعهما، والغرض من المسابقة: التدرب بذلك في القتال (وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا) أي: عند ثيابنا ليحرسها {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِن لَنَا) بمصدق لنا في هذا العذر الذي أبديناه (وَلَوْ كُنَّا عندك أو في الواقع (صَادِقِينَ) لما قد علق بقلبك من التهمة لنا في ذلك مع شدة محبتك له. [١٨] {وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) قال لهم: متى كان هذا الذئب حكيمًا يأكل يوسفَّ ولا يخرق القميص (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا) أي: زيَّنت وسهلت أمرًا شنيعًا صنعتموه بأخيكم (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) هو الذي لا شكوى معه (وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ) أي: أطلب منه العون (عَلَى مَا تَصِفُونَ) أي: على إظهار حال ما تصفون من الكذب، أو على احتمال ما تصفون. [١٩] (وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ) قافلة مارة تسير من الشام إلى مصر (وَارِدَهُمْ) الوارد: الذي يرد الماء ليستقي للقوم (فَأَدْلَى دَلْوَهُ) أي: أرسلها لتمتلئ. فتعلق يوسف بالحبل، فلما خرج الدلو من البئر أبصره الوارد (قَالَ يَا بُشْرَى) أي: قال هذا مناديًا أصحابه مبشرًا لهم (وَأَسَرُّوهُ) أي: الرفقة المسافرون، أخفوا وجدانه لهم في الجب، أو زعموا أنه دفعه إليهم أهل الماء ليبيعوه لهم بمصر، وسكت يوسف مخافة أن يأخذه إخوته فيقتلوه (وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) بيوسف من المحن وما صار فيه من الابتذال بجري البيع والشراء فيه، وهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم. [٢٠] (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ) أي: باعه الوارد وأصحابه بمصرً، وقيلُ: المراد باعه إخوته (بِثَمَنٍ بَحْسٍ) ناقص عن ثمن الرق: اil.، في مثل حال يوسف (وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) الراغبين عنه الذين لا يبالون به [مع كرامته عند اللّه ]. [٢١] (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ) هو العزيز الذي كان على خزائن مصر، وكان وزيرًا لملك مصر (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ) بالطعام الطيب واللباس الحسن ( عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا) أي: يكفينا بعض المهمات مما نحتاج إلى مثله فيه (أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدَّا ) أي: نتبناه فنجعله ولدًا لنا، قيل: كان العزيز حصورًا لا يولد له (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ) الإشارة إلى ما تقدم من إنجائه من إخوته وإخراجه من الجُبّ، وعطف قلب العزيز عليه، حتى صار متمكنًا من الأمر والنهي (وَلِنُعَلَّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ) أي: تأويل الرؤيا (وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) [أي: تقع الأمور على الوجه الذي يريده سبحانه، ولو دبر الناس لإيقاعها على خلاف ذلك] (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) أن اللّٰه غالب على أمره، وهم المشركون. [٢٢] (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ) الأَشْد: هو وقت استكمال القوة، ثم يكون بعده النقصان، قيل: هو ثلاث وثلاثون سنة، وقيل: بلوغ الحُلُم، وقيل: ثماني ٢* : ...ة (آتْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا أ» قيل: صفحة 238 الحكم هو النبوة، والعلم: هو العلم بالدين وعلم الرؤيا (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) فكل من أحسن في عمله أحسن اللّٰه جزاءه. [٢٣(وَرَاوَدَتْهُ) المراودة: الإرادة والطلب برفق ولين، وقد يخص بمحاولة الوقاع (الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا) هي امرأة العزيز، واسمها -فيما قيل - زليخا (وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ) أي: بابًا بعد باب (هَيْتَ لَكَ) أي: هلمَّ وتعال، تدعوه إلى نفسها (قَالَ مَعَاذَ اللهِ) أي: أعوذ بالله معاذًا مما دعوتني إليه (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ) أي: كيف أفعل ذلك والحال أن زوجك هو ربي، يعني: العزيز، أي: سيدي الذي رباني وأحسن مثواي حيث أمرك بقوله: أكرمي مثواه، فكيف أخونه في أهله وأجيبك إلى ما تريدين من ذلك. [٢٤] (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا) مال كل واحد منهما إلى الآخر بمقتضى الطبيعة البشرية والجبلية الخلقية. وقال ثعلب: أي همت زليخا بالمعصية وكانت مصرة، وهمَّ يوسف ولم يوقع ما همَّ به، فبين الهَمَّيْن فرق (لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) هو تذكره عهد اللّٰه وميثاقه وما أخذه على عباده، وقيل: رأى صورة يعقوب عاضًا على أنملته يتوعده (كَذَلِكَ) أي: أراه اللّٰه برهانًا منه ليتذكر (لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ) الخيانة للعزيز في أهله (وَالْفَحْشَاءَ) الزنى { إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) ممن استخلصه اللّٰه للرسالة، فعصمه من الوقوع في المعصية. [٢٥]وَاسْتَبَقَا الْبَابَ) أي: تسابقا إليه: يوسف يريد الفرار والخروج من الباب، وامرأة العزيز تريد أن تسبقه إليه لتمنعه (وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ) انشقَّ من جهة الخلف (وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ) وجدا العزيز هنالك، وعنى بالسيد: الزوج (قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا) قالت هذه المقالة طلبًا منها للحيلة وللستر على نفسها، فنسبت ما كان منها إلى يوسف (إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ) [ طلبت أن تسجنه أو تجلده انتقامًا منه؛ لأنه عصاها فيما أرادت، ولكن أظهرت أنه يستحق ذلك؛ لأنه المعتدي]. [٢٦] (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي) أي: هي التي طلبت مني ذلك ولم أرد بها سوءًا (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) قيل: هو طفل في المهد تكلم. وهو الصحيح؛ الحديث الوارد في ذلك عن النبي وَاليّي في ذكر من تكلم في المهد، وذَكَرَ من جملتهم شاهد يوسف، وشهادته أنه قال: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبْلِ) من أمامه (فَصَدَقَتْ)) أي: فقد صدقت بأنه هو الذي أراد بها سوءًا {وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) في قوله: إنها هي اأ- . ا. دته عن نفسه. [٢٧] (وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ) أي: من وراثه (فَكَذَبَتْ) في دعواها عليه (وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ) في دعواه عليها. [٢٨] ( فَلَمَّا رَأَى) أي: العزيز (قَمِيصَهُ) أي: قميص يوسف (قُدَّ مِنْ دُبُرِ قَالَ إِنَّهُ) أي: هذا الأمر الذي وقع فيه الاختلاف بينكما (مِنْ كَيْدِكُنَّ) يا معشر النساء (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) والكيد: المكر والحيلة. [٢٩] (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا) أي: عن هذا الأمر الذي جرى واكتمْهُ ولا تتحدث به (وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ) الذي وقع منك ( إِنَّكِ كُنْتِ) بسبب ذلك ( مِنَ الْخَاطِئِينَ) المتعمدين. [٣٠] (تُرَاوِدُ فَتَاهَا) غلامها المملوك تدعوه إلى نفسها، أي: إن ذلك الخبر انتشر في المدينة (قَدْ شَغَفَهَا حُبَّا) دخل حبه في شغافها فآمرضها، وشغاف القلب: غلافه. [٣١] (فَلَمَّا سَمِعَتْ) امرأة العزيز {بِمَكْرِهِنَّ) أي: بغيبتهن إياها، وقيل: إنهن قلن ذلك أردن أن يتوسلن بذلك إلى رؤية يوسف، فلهذا سمى قولهن مكرًا، فوصلن إليه لأنها (أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ) أي: تدعوهن إليها لينظرن إلى يوسف حتى يعذرنها فيما وقعت، ذ ه طَ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأَ) أي: صفحة 239 هيأت لهن مجالس يتكئن عليها (وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا) لشيء يأكلنه مما يحتاج إلى التقطيع من الأطعمة (وَقَالَتِ) ليوسف (اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ) [وذلك من قصور ذلك الزوج حيث أبقى المرأة ويوسف في البيت بعد ما حصل منها ما حصل] (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ) أعظمنه ودهشن وراعهن حسنه حتى اضطربت أيديهن، فوقع القطع عليها وهن في شغل عن ذلك بما دهمهن، مما تطيش عنده الأحلام {وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ) براءة لله وتنزيهًا له ( مَا هَذَا بَشَرًّا) أي: لأن له من الجمال البديع ما لم يعهد على أحد من البشر (إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) قد تقرر في الطباع أنهم فائقون في الحُسْن، أعني: الملائكة. [٣٢] (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّني فِيهِ) أي: فهذا هو الفتى الذي عيرتنّني في حبِّي له. قالت: لهنَّ هذا لما رأت افتتانهنَّ بيوسف إظهارًا لعذر نفسها (فَاسْتَعْصَمَ) أي: استعصى عليها واستعفَّ وامتنع مما أريده طالبًا العصمة لنفسه عن ذلك، صرَّحت بما وقع منها من المراودة له (لَيُسْجَنَنَّ) أي: لأدبرنَّ له تدبيرًا يؤدي به على السجن (وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ) الأذلاء لما يناله من الإهانة، ويسلب عنه من النعمة. [٣٣](قَالَ) مناجيًا لربه سبحانه وملتجئًا إليه (رَبِّ السَّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) من مؤاتاتهنَّ والوقوع في المعصية العظيمة التي تذهب بخير الدنيا والآخرة؛ لأن النسوة دعونه إلى أنفسهن أيضًا [بدليل قول الملك فيما بعد (قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ)] (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ) احتيالهن عليَّ من الترغيب له في المطاوعة والتخويف من المخالفة (أَصْبُ إِلَيْهِنَّ) أي: أميلُ إليهن وأشتاق (وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ) ممن يعمل عمل الجهال. ٣٤] فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ) لطف به وعصمه عن الوقوع في المعصية؛ لأنه إذا صرف عنه كيدهنَّ لم يقع شيء مما رمنه منه (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ) لدعوات الداعين له (الْعَلِيمُ) بأحوال الملتجئين إليه. [٣٥] (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ) أي: ظهر لهم رأي وتدبير في شأن يوسف (مِنْ بَعْدِ مَا رَأوُا الْآيَاتِ) أي: العلامات الدالة على براءة يوسف ونزاهته. والآيات: قيل: هي القميص، وشهادة الشاهد، وقطع الأيدي. ولم يُجْدِ ذلك فيهم، بل كانت امرأة العزيز هي الغالبة على رآيه، الفاعلة لما يطابق هواها في يوسف، وإنفاذ ما تقدَّم منها من الوعيد له. ولعل هذا الرأي لهم في سجن يوسف؛ لأنهم أرادوا ستر القالة، وكتم ما شاع في الناس (لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِين )) ١٠.ة غير معلومة. [٣٦] (وَدَخَلَ مَعَهُ السَّجْنَ فَتَيَانِ) أي: فسجنوه ودخل معه السجن فتيان متهمان بجناية، أي: عبدان. قيل: إن أحدهما كان خباز الملك، والآخر ساقيه. قال ابن جرير: إنهما سألا يوسف عن علمه، فقال: إني أعبّر الرؤيا. فسالاه عن رؤياهما كما قصَّ اللّٰه سبحانه (قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا) أي: رأيت نفسي في المنام أعصر العنب لأصنع منه خمرًا (نَبَّثْنَا بِتَأْوِيلِهِ) أي: بتأويل ما قصصن عليك (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) الذي يحسنون عبارة الرؤيا، أو: من المحسنين إلى أهل السجنِ ٣٧٦] ( قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا) لا يأتيهما إلى السجن طعام إلا أخبرهما بماهيته قبل أن يأتيهما، كقول عيسى عليا: (وَأُنَبَتُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ) قال يوسف اليَاف لهما هذا ليحصل الانقياد منهما له فيما يدعوهما إليه بعد ذلك، من الإيمان بالله، والخروج من الكفر. ومعنى ترزقانه: يجري عليهما من جهة الملك أو غيره (إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ) بينت لكما ماهيته وكيفيته قبل أن يأتيكما (ذَلِكُمَا) أَي: ١١-أ١٠٠ ( مِمَّا عَلَّمَني رَبِّي) بما صفحة 240 أوحاه إليَّ وألهمني إياه لا من قبيل الكهانة والتنجيم (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ) ملة ملك مصرٍ وغيره. [٣٨] (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ) سماهم آباءه جميعًا؛ لأن الأجداد آباء، وهذا منه عاليَات لترغيب صاحبيه في الإيمان بالله (مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ) أي: ما صح لنا ذلك أنا وآبائي (ذَلِكَ)) الإيمان والتوحيد (مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا) أي: لطفه بنا بما جعله لنا من النبوَّة المتضمنة للعصمة عن معاصيه فضلا منه تعالى (وَ) من فضل اللّٰه (عَلَى النَّاسِ) كافة ببعثة الأنبياء إليهم وهدايتهم إلى ربهم وتبيين طرائق الحق لهم {وَلَكِنَّ أكثِرَ النَّاسِ لَا يَشْكَرُونَ) اللّٰه على نعمه. ثم دعاهما إلى الإيمان باللّه وتوحيده، فقال: [٣٩] (يَا صَاحِبَي السَّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) المراد: يا صاحبيَّ في السجن: هل الأربَاب المتفرقون في ذواتهم، المختلفون في صفاتهم، المتنافون في عددهم، خير لكما؟ أم اللّٰه المعبود بحق، المتفرِّد في ذاته وصفاته، الذي لا ندَّ له ولا شريك، القهار الذي لا يغالبه مغالب، ولا يعانده معاند؟ وقد قيل: إنه كان بين أيديهما أصنام يعبدونها عند أن خاطبهما بهذا الخطاب. [ ٤٠] (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا) أي: إلا مسمياتِ أسماءٍ سميتموها (أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ) من تلقاء أنفسكم، وليس لها من الإلهية شيء إلا مجرَّد الأسماء؛ لكونها جمادات لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضرّ ( مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا أي: بتلك التسمية ( مِنْ سُلْطَانٍ) من حجة تدلّ على صحتها (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلّهِ)) أي: لا يحكم في الخلق إلا اللّٰه (ذَلِكَ) أي: تخصيصه بالعبادة (الدِّينُ الْقَيِّمُ) أي: المستقيم الثابت (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) أن ذلِك هو دينه القويم، وصراطه المستقيم. [٤١] (أَمَّا أَحَدُ كُمَا) هو الساقي (فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا) فكأنه قال: أما أنت أيها الساقي فستعود إلى ما كنت عليه، ويدعو بك الملك ويطلقك من الحبس (وَأَمَّا الْآخَرُ) وهو الخباز (فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ) تعبيرًا لما رآه من أنه يحمل فوق رأسه خبزًا فتأكل الطير منه (قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ) وهو ما رأياه وقصَّاه عليه. [٤٢] (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا)) أي: قال يوسف للساقي، والظانُّ هو أيضًا يوسف؛ لأن عابر الرؤيا إنما يظنُّ ظنًّا ( اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) أمره بأن يذكره عند الملك، ويصفه بما شاهده منه، من -٠٠: التعبير والاطلاع على شيء من علم الغيب؛ ليكون ذلك سببًا لانتباهه إلى ما وقع من الظلم البين على يوسف بسجنه، بعد أن رأى من الآيات ما يدل على براءته ( فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) هو الذي نجا من الغلامين، فأنساه الشيطان أن يخبر الملك بما أمره به يوسف مع خلوصه من السجن ورجوعه إلى ما كان عليه من القيام بسقي الملك (فَلَبِثَ فِي السَّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) البضع: ما بين الثلاث إلى التسع. [٤٣] (وَقَالَ الْمَلِكُ) هو الملك الأكبر، الذي كان العزيز وزيرًا له (إِنِّي أَرَى) أي: رأيت في المنام (سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ) في أثرهن (سَبْعُ عِجَافٌ) أي: مهازيل، وقد أقبلت العجاف على السمان فأكلَتْهُنَّ (وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ) قد انعقد حبُّها، واليابسات التي لم تكن قد بلغت حدَّ الحصاد. كان قد رأى أن السبع السنبلات اليابسات قد أدركت الخُضْرَ والتوت عليها حتى غلبتها (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ) خطاب للأشراف من قومه (أَفْتُونِي فِي رُقْيَايَ) أي: أخبروني بحكم هذه الرؤيا (إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) أي: تعبِّرونها وتفسرونها. صفحة 241 [٤٤] (قَالُوا أَضْغَاتُ أَحْلَامٍ) أي: هذه أخاليط أحلام. والحلم: الرؤيا الكاذبة التي لا حقيقة لها كما يكون من حديث النفس، ووسواس الشيطان (وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ) المعنى: بتأويل الأحلام المختلطة، وقيل: إنهم فصدوا مَحْوَهَا من صدر الملك حتى لا يشتغل بها. [٤٥] (وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا) أي: من الغلامين، وهو الساقي (وَادَّكَرَ) أي: تذكر الساقي يوسف وما شاهده منه من العلم بتعبير الرؤيا (بَعْدَ أُمَّةٍ) بعد حين، وهي مجموع السنين التي قضاها يوسف في السجن (أَنَا أُنبَئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ) أي: أخبركم به بسؤالي عنه من له علم بتأويله، وهو يوسف ( فَأَرْسِلُونِ) خاطب الملك بلفظ التعظيم، طلب أن يرسله إلى يوسف ليقصّ عليه الرؤيا فيعود بتأويلها إلى الملك. [٤٦](يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا) أي: فذهب إليه، فقال له: أخبرنا عن رؤيا من رأى سبع بقرات... إلخ (لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ) أي: إلى الملك ومن عنده من الملأ (لَعَلِّهُمْ يَعْلَمُونَ) تأويل هذه الرؤيا، ويعلمون فضلك ومعرفتك لفنِّ التعبير. [٤٧] (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا) أي: متوالية متتابعة، فعبر يوسف عالتاي السبع البقرات السمان بسبع سنين فيها خصب، والعجاف بسبع سنين فيها جدب، وهكذا عبَّر السبع السنبلات الخضر والسبع السنبلات اليابسات، واستدل بالسبع السنبلات الخضر على ما ذكره في التعبير من قوله: {فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ) أي: ما حصدتم في كل سنة من السنين المخصبة فاتركوا ذلك المحصود في سنبله، ولا تفصلوه عنها؛ لئلا يأكله السوس. [٤٨] (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) أي: من بعد السبع لسنين المخصبة (سَبْعٌ شِدَادٌ) أي: سبع سنين مجدبة بصعب أمرها على الناس (يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ) من تلك الحبوب المتروكة في سنابلها (إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ) نحبسون من الحَبِّ [٤٩] (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ) [ولعله عرف ذلك؛ لأن السبع العجاف لا تنتهي إلا بسنة خصب] والمراد: أنه يأتيهم الفرج من الله، أي: بفيضان النيل؛ لأن زراعاتهم عليه لا على المطر (وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) الأشياء التي تعصر كالعنب والسمسم، أخبرهم بشيء لم بسألوه عنه، كأنّ اللّٰه قد علمه إياه. [ ٥٠] (وَقَالَ الْمَلِكُ اتْتُوني ٢٨٠) . غب إلى رؤيته ومعرفة حاله بعد أن علم من فضله ما علمه من وصف الرسول له، ومن تعبيره للرؤيا (قَالَ) يوسف للرسول (ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ) أي: سيدك (فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) توقَّف عن تعجُّل الخروج من السجن، ولم يسارع إلى إجابة الملك، ليظهر للناس براءة ساحته، وهذا بعد السجن الطويل من الحلم والصبر والأناة ممَّا تضيق الأذهان عن تصوره، ولهذا ثبت في الصحيح من قول النبي وَلِي مبيًا فضائل يوسف: ((لو لبشتُّ في السجن ما لبث يوسف لأجبتُ الداعي». [٥١] (قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ) أي: قال لهن الملك: ما شأنكن (إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ) وقد تقدم معنى المراودة، ومن جملة من شمله خطاب الملك امرأة العزيز (قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ) أي: معاذ اللّٰه (مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ) أي: من أمر سيّء ينسب إليه (قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ) مقرَّة على نفسها بالمراودة له (الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ) أَي: تبيَّن الحق الآن وظهر واضحًا جليًّا بعد خفائه (أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ) ولم تقع منه المراودة لي أصلا (وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ فيما قاله من ت- أة نفسه، ونسبة المراودة إليها. صفحة 242 [٥٢] (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنَّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) هذا من كلام يوسف أي: فعلت ذلك ليعلم العزيز أني لم أخنه في أهله بالغيب، أي: وهو غائب عني، أو وأنا غائب عنه. [٥٣] (وَمَا أَبَرِّئُ نَفْسِي) من كلام يوسف من باب الهضم للنفس، وعدم التزكية لها (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) أي: إن شأن الأنفس البشرية الأمر بالسوء لميلها إلى الشهوات، وتأثيرها بالطبع، وصعوبة قهرها وكفها عن ذلك (إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ) من النفوس فعصمها عن الوقوع في المعصية. [٥٤] (أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي) وعادة الملوك أن يجعلوا الأشياء النفسية خالصة لهم دون غيرهم (فَلَمَّا كَلَّمَهُ) أي: فلما كلم المِلك يوسف وسمع جوابه (قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ) جاء بما حببه إلى الملك، وقربه من قلبه، فقال له هذه المقالة، ومكين: ذو مكانة وأمانة بحيث يتمكن مما يريده من الملك، ويأمنه الملك على ما يطلع عليه من أمره، أو على ما يكله إليه من ذلك. [٥٥] (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ) أي: ولِّني أمر حفظ خزائن أرض مصر، وما فيها من الأطعمة والأموال، طلب يوسف ذلك ليتوصل به إلى نشر العدل ورفع الظلم، ويتوسل به إلى دعاء أهل مصر إلى الإيمان بالله، وترك عبادة الأوثان (إِنِّي حَفِيظٌ) ضابط لها [أي: بالكتابة ومعرفة الحساب ونحوهما] ولا أصرفها في غير مصارفها (عَلِيمٌ) لدي العلم بوجوه جمعها وتفريقها ومدخلها ومخرجها. [٥٦] (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ) جعلنا له مكانة هي قدرته ونفوذ امره ونهيه، حتى صار الملك يصدر عن رأيه ( يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ) أي: ينزل منها حيث أراد كما يتصرف الرجل في منزله. وتدل الآية على أنه يجوز تولي الأعمال من جهة السلطان الجائر، بل الكافر، لمن وثق من نفسه بالقيام بالحق (نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ) من العباد فنرحمه في الدنيا بالإحسان إليه والإنعام عليه (وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) كما صنع اللّٰه بيوسف لما صبر على بلاء الله، وعفّ عند الفتنة لوجه اللّٰه مراقبة له. [٥٨] (وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ) أي: جاءوا إلى مصر من أرض كنعان ليمتاروا (فَدَخَلُوا) على يوسف (فَعَرَفَهُمْ ) لأنه فارقهم رجالًا (وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) لأنهم فارقوه صبيًّا، ودخلوا عليه الآن وهو رجل عليه أُبَّهة الملك. [٥٩] (وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ) أعطاهم ما طلبوه من الميرة، وما يصلحون به سفرهم من الحدة ا1- يحتاجها المسافر (قَالَ اتُتُوني بِأَخِ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ ) استدرجهم حتى رووا له قصتهم، فقال لهم ذلك، يعني: أخاه بنيامين، وهو أخو يوسف لأبيه وأمه (أَلا تَرَوْنَ أَنَّي أُوفِي الْكَيْلَ) ذلك عادته المستمرة (وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ) لمن نزل بي كما فعلته بكم من حسن الضيافة. ٦٠ ١فَنْ لَمْ تَأْتُونِي بِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي) أي: فلا أبيعكم شيئًا فيما بعد، وأما في الحال فقد أوفاهم كيلهم {وَلَا تَقْرَبُونِ ) لا أنزلكم عندي كما أنزلتكم هذه المرة. [٦١] (قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ)) أي: سنطلبه منه ونجتهد، وقيل: المراد المخادعة منهم لأبيهم، والاحتيال عليه حتى ينتزعوه منه (وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ) هذه المراودة غير مقصرين فيها. [٦٢] (وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ) غلمانه (اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ) أي: في الأوعية التي جعلوا فيها الطعام، والبضاعة: هي التي وصلوا بها من بلادهم ليشتروا بها الطعام (لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ) رجعوا إليهم (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) إلينا إذا عرفوا ذلك وعلموا أنهم أخذوا الطعام بلا ثمن [ولئلا يتهموا بأنهم سرقوا البضاعة، وربما كان ذلك يحرمهم من شراء الطعام ف ١٠٠١٠. مع ما هم فيه من القحط]. صفحة 243 [٦٣] ( فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ) أي: مُنعَ منا الكيل في المستقبل، ثِم ذكروا له ما أمرهم به يوسف، فقالوا: (فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا) بنيامين (نَكْتَلْ) بسبب إرساله معنا ما نريده من الطعام، أي: إن أرسلته اكتلنا، وإلا منعنا الكيل (وَإِنَّا لَهُ) أي: لأخيهم بنيامين ( لَحَافِظُونَ) من أن يصيبه سوء أو مكروه. [٦٤] (قَالَ هَلْ آمَنْكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ ) خاف أن يخونوه فيه كما خانوه في يوسف (فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) أي: فتوكل يعقوب على اللّٰه في دفع الضرِّ عنه وعن أهله. [٦٥] (وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ) أي: البضاعة التي حملوها إلى مصر ليمتاروا بها (مَا تَبْغِي) أي شيء نطلب من هذا الملك بعد آن صنع معنا ما صنع من الإحسان برد البضاعة، والإكرام عند القدوم إليه، وقيل: أي: ما نبغي في القول وما نتزيَّد فيما وصفنا لك {هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا) فإن من تفضل عليهم برد ذلك حقيق بالثناء عليه (وَنَمِيرُ أَهْلَنَا) نجلب إليهم الميرة، وهي الطعام (وَنَحْفَظُ أَخَانَا) بنيامين مما تخافه عليه (وَنَزْدَادُ) بسب إرساله معنا (كَيْلَ بَعِيرٍ) أي: حمل بعير زائد على ما جئنا به هذه المرة وهو بعير بنيامين (ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ) أي: زيادة كيل بعير لأخينا يسهل على الملك لا يتعاظمه ولا يضايقنا فيه. [٦٦] (قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ) أي: حتى تعطوني ما أثق به وأركن إليه، وهو الحلف بالله تعالى (لَأْتُنَّنِي بِهِ) لتردنَّ بنيامين إليَّ (إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ) إلا أن غلبوا عليه، أو تهلكوا دونه، فيكون ذلك عذرًا لكم عندي (فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ ) أي: أعطوه اليمين (قَالَ اللهُ عَلَى مَا تَقُولُ وَكِيلٌ) مطَّلع رقيب لا يخفى عليه منه خافية، فهو المعاقب لمن خاس في عهده وفجر في الحلف به. [٦٧] (وَقَالَ يَا بَنِي لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ)) أي: من أبواب سور مدينة مصر، خاف عليهم أبوهم [أن ينالهم ضرر بعمهم، فإن كانوا متفرقين كانت المصيبة أهون] وقيل: خاف عليهم أن تصيبهم العين؛ لكونهم كانوا ذوي جمال ظاهر، مع كونهم أولاد رجل واحد (وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ) أي: فذلك أحرى أن تسلموا [إن أراد إيقاع الضرر بكم أحد] (وَمَا أَغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ) أي: لا أدفع عنكم ضررًا ولا أجلب إليكم نفعًا بتدبيري هذا، إن كان اللّٰه وتجَل يريد ألا ينفعكم به (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) [الته . . . الكون له، وما يقع في الكون كله بأمره سبحانه، فإن شاء أفسد تدبير المدبرين وإن كانت الأمور تجري بأسبابها التي جعلها اللّٰه مسببة لها] (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) أي: اعتمدت ووثقت. [٦٨] (وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ) أي: من الأبواب المتفرقة، ولم يجتمعوا داخلين من باب واحد (مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ) ذلك الدخول (مِنَ اللهِ) أي: من جهته ( مِنْ شَيْءٍ) من الأشياء مما قدره اللّٰه عليهم، وهو تعالى قد قدَّر أخذ يوسف لبنيامين كما يأتي (إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسٍ يَعْقُوبَ) أي: ولكن حاجة كانت في نفس يعقوب، وهي شفقته عليهم، ومحبته لسلامتهم (قَضَاهَا) يعقوب: أي: أظهرها لهم ووصاهم بها، وقيل: خطر ببال يعقوب أن الملك إذا رآهم مجتمعين مع ما يظهر فيهم من كمال الخلقة، وسيما الشجاعة، أوقع بهم حسدًا وحقدًا، أو خوفًا منهم (وَإِنّهُ لَذُو عِلْم لِمَا عَلَّمْنَاهُ) [أي: من الأخذ بالأسباب وأخذ الحذرَّ والتوكل على اللّٰه تعالى] (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) مثلما كان يعلم. [٦٩] ( آوَى إِلَيْهِ أَخَامُ) أم .. نهم إليه أخاه بنيامين، قيل: صفحة 244 إنه أمر بإنزال كل اثنين في منزل، فبقي أخوه منفردًا فضمه إليه (قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ) يوسف، قال له ذلك سرًّا من دون إخوته (فَلَا تَبْتَئِسْ) أي: فلا تحزن (بِمَا كَانُوا بَعْمَلُونَ) أي: إخوتك من الأعمال الماضية التي عملوها. [٧٠] (جَعَلَ السِّقَايَةَ) التي هي الصواع (فِي رَحْلِ أَخِيهِ) بنيامين، والرحلِ: هو الوعاء الذي يجعل فيه ما اشتراه من الطعام من مصر (ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ) أي: نادى مناد ( أَيَّتُهَا الْعِيْرُ) معناه: يا أصحاب العير، والعير: الإبل المرحولة المركوبة. ٧١] قَلُوا) أي: إخوة يوسف (وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ) على المنادي من أصحاب الملك ( مَاذَا تَفْقِدُونَ) أي: ماذا ضاع عليكم؟ ٧٢] (قَالُوا) في جوابهم { تَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ) والصواع: هو الصاع بعينه (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرِ ) أي: قالوا ولمن جاء بالصواع من جهة نفسه حمل بعير، والبعير: الجمل، ثم قال المنادي: (وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) أي: كفيل، أي بحمل البعير الذي جعل لمن جاء بالصواع قبل التفتيش للأوعية. ٧٣] (قَالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ) أي: حلفوا قائلين: إن الملك وأصحابه يعلمون يقينًا بنزاهة جانبهم، وطهارة ذيلهم عن التلوث بقذر الفساد في الأرض الذي من أعظم أنواعه السرقة، بعدما حصل الإحسان إليهم برد بضاعتهم التي وجدوها في رحالهم. [٧٤] (قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ) والقائلون هم أصحاب يوسف، أو المنادي، أي: فما جزاء سرقة الصواع عندكم (إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ) فيما تدَّعونه من البراءة عن السرقة. ](قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ) أي: جزاء سرقة الصواع، أخذ الرجل الذي يوجد الصواع في رحله، وكان حكم السارق في آل يعقوب أن يؤخذ السارق عبدًا لمن يسرق منه، سنة (كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ) لغيرهم من الناس بسرقة أمتعتهم. ( فَبَدَأَ بِ) تفتيش (أَوْعِيَتِهِمْ) أي: أوعية الإخوة العشرة (قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ) دفعًا للتهمة، وسَتْرًا لما دبره من الحيلة (ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا) أي: السقاية، أو الصواع (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ) علمناه وأوحينا إليه الكيد، ونهايته إلقاء المخدوع من حيث لا يشعر في أمر مكروه لا سبيل إلى دفعه (مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ) في شريعته التي كان عليها، بل كان دينه وقضاؤه أن يضرب السارق، ويغرم صعف ما سرقه، دون الاستعباد سنة، كما هو دين يعقوب وشريعته (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ = : بَهَ اءُ) بضروب العلوم والمعارف والعطايا والكرامات كما رفعنا درجة يوسف بذلك (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْم) ممن رفعه اللّٰه بالعلم ( عَلِيمُ) أرفع رتبة منه، وأعلى درجة، وقيل: معنى ذلك أن فوق كل أهل العلم عليم، وهو اللّٰه سبحانه. قالوا إنْ يَسرق) أي: قال إخوة يوسف: إن يسرق E) بنيامين هذه المرة (فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ) يعنون يوسف، قيل: إن يوسف أخذ صنمًا كان لجده أبي أمه، فكسره وألقاء على الطريق، تغييرًا للمنكر، وكان صنمًا من ذهب، وقيل: إنهم لم يزل الحسد في قلوبهم ليوسف، فكذبوا عليه فيما نسبوه عليه (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ) أي: أسرَّ [تأذِّيه] من قولهم: إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل (قَالَ) يوسف (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا) أي: موضعًا ومنزلًا ممن نسبتموه إلى السرقة وهو بريء. يعني: فإنكم قد فعلتم ما فعلتم من إلقاء يوسف في الجب والكذب على أبيكم، يعني: وغير ذلك من أفاعيلكم، ثم قال: (وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ) من الباطل بنسبة السرقة إلى يوسف. [٧٨](قَالُوا يَا أَيُّهَا ااْءَ ... انَّ لَهُ أَبَّا شَيْخًا كَبِيرًا) أي: صفحة 245 إن لبنيامين هذا أبًا شيخًا كبيرًا لا يستطيع فراقه، ولا يصبر عنه، ولا يقدر على الوصول إليه (فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ) يبقى لديك، فإن له منزلة في قلب أبيه ليست لواحد منا، فلا يتضرر بفراق أحدنا كما يتضرر بفراق بنيامين (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِيْنَ) إلى الناس كافة، وإلينا خاصة، فتمِّم إحسانك إلينا بإجابتنا إلى هذا المطلب [٧٩](قَالَ مَعَاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ) وهو بنيامين، فقد حلَّ لنا استعباده بفتواكم (إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ) إذا أخذنا غيره. [٨٠] (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ) أي: يئسوا من يوسف وإسعافهم منه إلى مطلبهم (خَلَصُوا نَجِيَّا) أي: انفردوا متناجين فيما بينهم (قَالَ كَبِيرُهُمْ) قيل: هو روبيل: وقيل: شمعون؛ لأنه رئيسهم (أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ) أي: عهدًا باللّٰه في حفظ ابنه ورده إليه (وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ) أي: وتعلمون تفريطكم في يوسف، ولم تحفظوا عهد أبيكم فيه (فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ) أرض مصر، ولا أزال مقيمًا فيها (حَتَّى يَأذَنَ لِي أَبِي) في مفارقتها والخروج منها (أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي) أي: بالنصر على من أخذ أخي فآخذ أخي منه. [٨١] ( ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ) وذلك لأنهم قد شاهدوا استخراج الصواع من وعائه (وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا) من استخراج الصواع من وعائه بأعينهم (وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ) حتى يتضح لنا هل الأمر على ما شاهدناه، أو على خلافه، ولعلهم يريدون الشهادة على بنيامين بأنه قد سرق حقيقة ومرادهم انه سرق وهم نيام، او فعل ذلك وهو غائب عنهم. [٨٢] (وَاسْألِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا) أي: اسأل أهل القرية وهي مدينة مصر (وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا) أي: واسأل أصحاب القافلة التي رجعنا فيها إلى بلادنا، قيل: وكانوا قومًا معروفين من جيران يعقوب (وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) فيما قلنا. [٨٣] (قَالَ) أي: قال يعقوب لما وصلوا إليه (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا) أي: زينت، والأمر هنا هو قولهم: (إِنَّ ابُنَكَ سَرَقَ) وما سرق في الحقيقة، وقيل المراد بالأمر: إخراجهم بنيامين، والمضي به إلى مصر طلبًا للمنفعة (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) والصبر الجميل: هو الذي لا يبوح صاحبه بالشكوى، بل يفوض أمره إلى اللّٰه ويسترجع (عَسَى اللّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ) أي: بيوسف وأخِيه بنيامين، والأخ الثالث الباقي بمصر. ٨٤] (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ. ١٠ أَيَ تَى عَلَى يُوسُفَ) أي: أعرض عنهم، وقطع الكلام معهم وتأسَّف وبكى بكاءً مرًّا (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ) أي: انقلب سواد عينيه بياضًا من كثرة البكاء (فَهُوَ كَظِيمٌ) أي: مكظوم، مملوء من الحزن، ممسك له لا يبثه ولا يظهره للناس. (قَالُوا تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ) أي: لا تزال تتذكره وتنطق باسمه تأسُّفًا وتحرُّنا عليه لشدة الفراق (حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا) الحَرَض: الفساد في الجسم أو العقل، من الحزن، أو الهرم أو نحوهما (أَوْتَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ) من الميّتين. وغرضهم منع يعقوب من البكاء والحزن شفقة عليه، وإن كانوا هم سبب أحزانه وتيئيسه من لقاء يوسف، أي: فإنه قد ذهب، أو أكله الذئب كما ادعوا، فلن تراه حتى تموت فماذا ينفعك البكاء؟ [٨٦] (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَشِّي) البث: ما يرد على الإنسان من الأشياء التي يعظم حزن صاحبها بها حتى لا يقدر على إخفائها، فالبث على هذا أعظم الحزن وأصعبه (وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) من لطفه وإحسانه، وثوابه على المصيبة. وقيل: أراد علمه بأن يوسف حي، وقيل: أراد علمه بأن رؤيا يوسف ص. ادقة، فلا بدّ أن يعود إليه. صفحة 246 [٨٧] (فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ) فتعرفوا من أخبار يوسف وأخيه (وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ ) أي: لا تقنطوا من فرجه وتنفيسه. وكل ما يهتز الإنسان بوجوده ويلتذ به فهو رَوْح (إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) لكونهم لا بعلمون بقدرة اللّٰه سبحانه، وعظيم صنعه، وخفي ألطافه. [٨٨] (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ) أي: على يوسف (مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ) أي: المرض في أنفسنا وفي أهلنا؛ لشدة ما نحن فيه من قلة الأمطار والجوع والحاجة (وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ) بضاعة تدفع ولا يقبلها التجار لقلتها ورداءتها (وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا) إما بزيادة يزيدها لهم على ما يقابل بضاعتهم، أو بالإغماض عن رداءة البضاعة التي جاءوا بها [أو المراد بذلك رد أخيهم إليهم]. [٨٩]( مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ) والذي فعلوا بيوسف هو ما تقدم مما قصه اللّٰه في هذه السورة، وما فعلوا بأخيه: هو ما أدخلوه عليه من الغم بفراق أخيه يوسف، وما كان يناله منهم من الاحتقار والإهانة، ولم يذكر أباه يعقوب وما دخل عليه من الغم بفراقه تعظيمًا له ورفعًا من قدره (إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ) وقت عدم علمكم بما فيه من الإثم، وقصور معارفكم عن عاقبته. [٩٠] (قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ) وكان ذلك منهم على طريق التعجب والاستغراب، قيل: سبب معرفتهم له مجرد قوله لهم: ( مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ) لما قال لهم ذلك تنبهوا وفهموا أنه لا يخاطبهم بمثل هذا إلا هو (قَالَ أَنَا يُوسُفُ) كأنه قالِ أنا المظلوم، المُسْتَحَلُّ منه المحرَّم، المراد قتله (وَهَذَا أَخِي) المظلوم كظلمي (قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا) بالخلاص ورفعة القدر، اعترف لله بفضله العظيم عليه وعلى أخيه. [٩١] (قَالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَا) أي: لقد اختارك اللّٰه وفضلك علينا بما خصك به من صفات الكمال. ثم اعتذروا قائلين (وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ) والخاطئ: مَن تعمَّد ما لا ينبغي. [٩٢] (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ) أي: لا تعيير ولا توبيخ ولا لوم عليكم، ولكم عندي الصفح والعفو، عند اعترافكم بالذنب، ثم دعا لهم بقوله: (يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ). [٩٣] (يَأْتِ بَصِيرًا) قد ذهب عنه العمى (وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ) من النساء والذراري. [٩٤] (وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيْرُ) أي: خرجت منطلقة من مصر إلى الشام وفارقت العامر من مدينة مصر (قَالَ أَبُوهُمْ) أي: يعقوب لمن ١٠٢٠. . أرض كنعان من أهله (إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ) رائحته (لَوْلَا أَنْ تُفَتَّدُونِ) لولا أن تنسبوني إلى الخَرَف، وهو ذهاب العقل من الهرم. ٩٥](قَالُوا تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيم) أي: قال الحاضرون عنده من أهله إنك يا يعقوب لمستمرٌّ على ما كنت عليه من ذهابك عن طريق الصواب من إفراط حبك ليوسف لا تنساه، وتتوهم أنه حي، وترجو أن يعود إليك، وقد أكله الذئب من زمان بعيد. ٩٦](فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ) حامل البشرى لأبيهم {أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ) أي: ألقى البشيرُ قميصَ يوسف على وجه يعقوب (فَارْتَدَّ بَصِيرًا) عاد إلى صحة بصره (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) ويريد بذلك تذكيره بما قاله لهم سابقًا: (إِنَّمَا أَشْكُو بَتِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ). ٩٧](قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئينَ) أي: قال إخوة يوسف هذا لما وصلوا بعد وصول البشير. اعترفوا بالذنب فوعدهم بما طلبوه منه. [٩٨] (قَالَ سَوْفَ أَسْتَنْمُ آَمُ: رَبِّي) قال الزجاج: أراد يعقوب صفحة 247 أن يستغفر لهم في وقت السحر؛ لأنه أخلق بإجابة الدعاء، ولم بعجل بالدعاء، لعظيم جريمتهم، فأراد أن يخلص لله الدعاء ويتحرى ساعة الإجابة شفقة على أولاده لعل اللّٰه أن يتجاوز عنهم. [٩٩] (آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ) أي: ضمهما إلى مسكنه وأنزلهما عنده. قال المفسرون: المراد يعقوب وزوجته خالة يوسف؛ لأن أمه كانت قد ماتت في ولادتها لأخيه بنيامين [وهذا نقل عن أهل الكتاب، والظاهر: أنها أمه حقيقة] (وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ ) مما نكرهون، وإنما أمِنوا بمكانة يوسف في مصر، قيل: تلقاهم إلى خارج مصر، فوقف منتظرًا لهم في مكان فدخلوا عليه. ١٠٠]{وَرَفَعَ أَبْوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ) أي: أجلسهما معه على السرير الذي يجلس عليه كما هو عادة الملوك (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا) أي: الأبوان والإخوة، وكان ذلك جائزًا في شريعتهم منزَّلًا منزلة التحية (وَقَالَ) يوسف (يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ) يعني التي تقدم ذكرها (قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا) بوقوع تأويلها على ما دلت عليه (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي ) أي: لطف بي محسنًا، ولم يذكر إخراجه من الجب؛ لأن في ذكره نوع تثريب للإخوة، وقد قال: لا تثريب عليكم (وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ) أي: البادية، وهي أرض كنعان بالشام، وكانوا أهل مواش وبرِّيَّة (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي) أي: أفسد بيننا وحمل بعضنا على بعض، أحال يوسف ذنب إخوته على الشيطان تكرمًا منه وتأدبًا (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ) اللطيف: الرفيق بوجه الوصول إلى ما يشاء حتى يناله بأيسر طريق على وجه الصواب. ١٠١]( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ) وهو ما ولاه ملك مصر من شأن خزائن الأموال (وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) أي: تأويل الرؤيا (فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: يا فاطر، والفاطر: الخالق والمبدع (أَنْتَ وَلِيِّي) أي: ناصري ومتولي أموري (فِي الدَّنْيَا وَالْآخِرَةِ) تتولاني فيهما {تَوَفْنِي مُسْلِمًا) أي: اجعلني طيلة حياتي على الإسلام لا يفارقني حتى أموت عليه (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) من النبيين من آبائي وغيرهمٍ، فأظفرٍ بمثل ثوابهم منك ودرجاتهم عندك. [١٠٢](ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ) يا محمد، ولم يكن عندك قبل الوحي شيء من ذلك (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ) أي: لدى إخوة يوسف (إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ ) إذا عزموا على إلقائه في الجُبّ (وَهُمْ) في تلك الحالة (يَمْكُرُونَ) بيوسف، ويبغونه الغوائل. وإذا لم يكن ١..٠. اللّٰه وَالِيِ لديهم عند أن فعلوا ذلك، ولم يكن بين قوم لهم علم بأحوال الأمم السالفة، ولا خالطهم ولا خالطوه، فلم يبق لعلمه بذلك طريق إلا مجرد الوحي من اللّٰه سبحانه. [١٠٣] (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) أي: ليسوا ولو حرصت على هدايتهم وبالغت في ذلك بمؤمنين بالله، إلا من رحم الله؛ لتصميمهم على الكفر الذي هو دين آبائهم. قيل: إن قريشًا واليهود سألت رسول اللّٰه وَلِيِ عن قصة يوسف وإخوته فشرحها شرحًا شافيًا، وهو يؤمل أن يكون ذلك سببًا لإسلامهم، فخالفوا ظنه، وحزن رسول اللٰه وَالِيهِ لذلك فعزَّاه الله. [١٠٤] (وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) أي: على القرآن وما تتلوه عليهم منه، أو على الإيمان، أو على ما تحدثهم به، من مال يعطونك إياه ويجعلونه لك، كما يفعله أحبارهم (إِنْ هُوَ) أي: القرآن (إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) كافة لا يختص بقريش وحدهم. [١٠٥] {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} كم من آية تدلهم على توحيد اللّه في ال..ماه اد"، من كونها منصوبة بغير عمد، صفحة 248 مزينة بالكواكب النيرة، السيارة والثوابت، وفي الأرض من جبالها وقفارها وبحارها ونباتها وحيواناتها، تدلهم على توحيد اللّٰه سبحانه وأنه الخالق لذلك (يَمُرُّونَ) على هذه الآيات غير متأملين لها ولا ملتفتين إلى ما تدل عليه من وجود خالقها، وإن نظروا إليها بعيونهم، فقد أعرضوا عن التفكر والاعتبار والاستدلال. [١٠٦] (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ) أي: وما يصدق ويقر أكثر الناس بالله من كونه الخالق الرازق المحيي المميت (إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) بالله، يعبدون معه غيره، كما كانت تفعله الجاهلية؛ فإنهم مقرون بالله سبحانه وبأنه الخالق لهم، لكنهم كانوا يثبتون له شركاء، فيعبدونهم ليقربوهم إلى اللّه؛ ومثل هؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، ومثلهم كذلك المعتقدون في الأموات بأنهم يقدرون على ما لا يقدر عليه إلا اللّٰه سبحانه، كما يفعله كثير من عباد القبور يؤمنون بالله ثم يعتقدون في غيره النفع والضر ويصرفون إليهم شيئًا من العبادة، وذلك هو الشرك بعينه. ١٠٧](أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللهِ الغاشية: ما يغشاهم ويغمرهم من العذاب، قيل: هي الساعة، وقيل: الصواعق والقوارع (أوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةٌ بَغْتَةً) أي: فجأة (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) بإتيانه. ١٠٨٦](قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي) هذه الدعوة التي أدعو إليها، والطريقة التي أنا عليها، سبيلي: أي طريقتي وسنتي {أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ) أي: على حجة واضحة [ومعرفة مني لصحة ما أدعو إليه] ( أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) أي: ويدعو إليها من اتبعني واهتدي بهديي (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» بالله الذين يتخذون من دونه أندادًا. [١٠٩] (وَمَا أَرْسَلَنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا ) لا ملائكة، فكيف ينكرون إرسالنا إليك (نُوحِي إِلَيْهِمْ) كما نوحي إليك (مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) أي: المدائن (كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي: أفلم يسافر المشركون في أرض اللّٰه ينظروا إلى مصارع الأمم الماضية، فيعتبروا بهم حتى ينزعوا عمَّا هم فيه من التكذيب (وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا) الجنة هي خير للمتقين من دار الدنيا. [١١٠] (حَتّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلَ ) من النصر بعقوبة قومهم (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ) استبطأوا النصر، فحدثتهم أنفسهم بأنهم قد أخلِفوا ما وُعِدوا به من النصر. روي معناه عن ابن عباس (جَاءَهُمْ نَصْرُ تَاكَه أ : فجاء الرسلَ نصرُ اللّٰه سبحانه فجأة ( فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ) هِمِ الرِسِل وَمن آمن معهم، وهلك المكذبون (وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) عند نزوله بهم. [١١١] (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ) أي: قصص الرسل ومن بعثوا إليهم من الأمم، أو في قصص يوسف إخوته وأبيه (عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) والعبرة: البصيرة المخلِّصة من الجهل والحيرة، وأولو الألباب: هم ذوو العقول السليمة الذين يعتبرون بعقولهم، فيدرون ما فيه مصالح دينهم (مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى) أي: ما كان القرآن المشتمل على ذلك حديثًا مختلقًا (وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) من الكتب المنزلة كالتوراة والإنجيل والزبور وَتَفصِيل كُلِّ شَيْءٍ) من الشرائع المجملة المحتاجة إلى تفصيلها والأصول والقوانين (وَهُدَّى) في الدنيا يهتدي به كل من اراد اللّٰه هدايته (وَرَحْمَةً) في الآخرة يرحم اللّٰه بها عبادهُ العاملين (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) أي: يصدقون به وبما تضمنه من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وشرائعه وقدره، وآما من عداهم فلا ينتفع به ١٣٨٠٧٠ .ي. صفحة 249 تفسير سورة الرعد ١] المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ) الإشارة بقوله: { تِلْكَ) إلى آبات هذه السورة (وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ) أي: إن القرآن كله هو الحق البالغ في اتصافه بهذه الصفة (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ) بهذا الحق الذي أنزله اللّٰه عليك. [٢] اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) العَمَد: الأساطين، أي: قائمات بغير عمد تعتمد عليه، وقيل المعنى: لها عمد ولكن لا نراها (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) أي: علا على العرش وارتفع، والله أعلم بكيفية ذلك [إلا أننا نؤمن بأنه حق، بلا تكييف ولا تشبيه، وبلا تأويل ولا تعطيل، بل كما قال الإمام مالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة] (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) أيٍ: ذلَّلَهما لما يراد منهما من منافع الخلق ومصالح العباد (كُلّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمَّى) أي: كل من الشمس والقمر يجري إلى وقت معلوم: وهو فناء الدنيا وقيام الساعة، وقيل: المراد بالأجل المسمى: درجاتهما ومنازلهما وهي سنة للشمس، وشهر للقمر (يُدَبَّرُ الْأَمْرَ) أي: يصرِّفه على ما يريد (يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ) أي: يبيِّنها، وهي الدالة على كمال قدرته وربوبيته، ومنها ما تقدَّم من رفع السماء بغيرِ عمد، وتسخير الشمس والقمر وجريهما لأجل مسمى (لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبَّكُمْ تُوقِنُونَ) بذلك لا تشكون فيه، ولا تمترون في صدقه. [٣] (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ) بسطها طولًا وعرضًا؛ ولا ينافي كُرويتها في نفسها لتباعد أطرافها [ولذلك تبدو مبسوطة لمن عليها، مع أنها كروية] (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ» أي: جبالًا ثوابت (وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) الذكر والأنثى [وهذا تصريح معجز بما عُلِمَ حديثاً من وجود الجنسين في كل ثمرة] (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ) أي: يلبسه مكانه، فيصير أسود مظلمًا بعد ما كان أبيض منيرًا. [٤] (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعُ مُتَجَاوِرَاتٌ) متدانيات ترابها واحد، وماؤها واحد، ولِكنها مع ذلك تُنْبِت أنواعًا مختلفة من الثمار (وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ) أي: أصناف متماثلات، وأصناف غير متماثلات (يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ) [في نوع الثمر والأجزاء التي تؤكل من الشجرة] فيكون طعم عضها حلوًا، والآخر حامضًا، وهذا في غاية الجودة، وهذا ليس بجيد، وهذا فائق في حسنه، وهذا غير فائق، مما يقطع من تفكر واعتبر ونظر فيه نظر العقلاء بأنه صنع الحكيم الخبير. فإذا كان المكان متجاورًا، وقطع الأرض متلاصقة، والماء الذي تسقى به واحدًا، لم يبق سبب للاختلاف في نظر العقل إلا تلك القدرة الباهرة والصنع العجيب (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمِ يَعْقِلُونَ) غير مهملين لما يقتضيه من التفكر في المخلوقات، والاعتبار في عِبَر الموجودات. [٥] (وَإِنْ تَعْجَبْ) يا محمد من تكذيبهم لِك، فأعجَبُ منه تكذيبيهم بالبعث إذ قالوا: {أَنِذَا كُنَّا تُرَابًا أَثِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) أنُبْعَثُ أو نُعاد (أَولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) أي: أولئك المنكرون لقدرته على البعث هم المتمادون في الكفر الكاملون فيه (وَأُولَتِكَ الأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ) فتصرفهم عن الإيمان، فلا يقدرون عليه، وقيل: الأغلال أعمالهم السيئة التي هي لازمة لهم لزوم الأطواق للأعناق. [٦]*وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ) السيئة: العقوبة المهلكة، والحسنة: العافية والسلامة، والمعنى: أنهم طلبوا العقوبة قبل السلامة والعافية (وَمَنْ خَاَ دْ، مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثْلَاتُ) أي: صفحة 250 عقوبات أمثالهم من المكذبين، فما لهمِ لا يعتبرون بهم، ويحذرون من حلول ما حل بهم (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ) أي: لذو تجاوز عظيم (عَلَى ظُلْمِهِمْ) فلا يعاجلهم بالعقوبة مع استمرارهم في عمل الذنوب (وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ) يعاقب العصاة المكذبين من الكافرين عقابًا شدِيدًا على ما تقتضيه مشيئته. (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبّهِ أي: هلا أنزل عليه آية غير ما قد جاء به من الآيات المعجزات (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ) تنذرهم النار، وليس إليك من الآيات شيء. وقد فعل محمد وَليّي ما هو عليه، وأنذر أبلغ إنذار (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) أي: نبيٌّ يدعوهم إلى ما فيه هدايتهم ورشادهم. [٨]*اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْتَى ) في بطنها من علقة، أو مضغة، ذكر أو أنثى، صبيح أو قبيح، سعيد أو شقيّ، وعلى أيِّ حال هو {وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ) [ المراد: ازدياد حجم الرحم بنمو الحمل فيه يومًا بعد يومٍ، ونقصه بخروج الولد، ففي كل من الأمرين معجزة] (وَكُلَّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ) القدر الذي قدره اللّٰه [أي: رتبه موازين ومقادير ونسب ثابتة معلومة عنده جارية على ظام محسوب، ومن جملة ذلك: نوع الجنين وحجم الأرحام، ومدد الحمل ومدد الحيض]. [٩] (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) أي: عالم كل غائب عن الحسِّ، وكل مشهود حاضر، أو كل معدوم وموجود ( الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ) أي: العظيم المستعلي على كل شيء قدرته وعظمته وقهره. [١٠](سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ) فهو بعلم ما أسرَّه الإنسان، تمامًا كعلمه بما جهر به من خير وشر (وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ) أي: مستتر في الظلمة متوار عن الأعين (وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ) فالظاهر في الطرقات والمستخفي في الظلمات علم اللّٰه فيهم جميعًا سواء. [١]لَهُ مُعَقّبَاتُ هم الحفة من الملائكة، يأتي عضهم بعقب بعض (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) المراد: أن الحفظة من الملائكة من جميع جوانبه (يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ) أي: بأمر الله، أي: بما أمرهم به لا أنهم يقدرون أن يدفعوا أمر الله، وقيل: يحفظونه من الجن، وقيل: يحفظونه من أمر اللّٰه بأمر الله، فإذا جاء القدر تخلّوا عنه ( إِنَّ اللهَ لَا يُغَيَّرُ مَا بِقَوْمِ) من النعمة والعافية (حَتّى يُغَيّ ١٠ =ا . أنْفُسِهِم م* من طاعة اللّه، فلا يسلب قومًا نعمة أنعم بها عليهم حتى يغيروا الذي بأنفسهم من الخير والأعمال الصالحة (وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا ) أي: هلاكًا وعذابًا (فَلَا مَرَدَّ لَهُ) أي: فلا ردَّ له، وقيل: المعنى: إذا أراد اللّٰه بقوم سوءًا أعمى قلوبهم حتى يختاروا ما فيه البلاء (وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ) يلي أمرهم ويلتجئون إليه، فيدفع عنهم ما ينزل بهم من العقاب. ١٢ ] (خَوْفًا وَطَمَعًا) أي: لتخافوا خوفًا، ولتطمعوا طمعًا والخوف للمسافر لما يتأذى به من المطر، والطمع للحاضر إذا رأى البرق طمع في المطر (وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثَّّقَالَ) يعني: [الثقيلة بما تحمله من ملايين الأطنان من الماء]. [١٣] (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ) ولا مانع من أن ينطقه اللّٰه [فأصواته شاهدة بعظمة اللّٰه وقدرته] وقيل: تسبيحه شهادته بقدرة الله، من دون أن ينطق (وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ) أي: ويسبح الملائكة خوفًا من اللّٰه سبحانه (وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ) من خلقه فيهلكه (وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ) المحال: المكر، والمكر من الله: هو التدبير بالحق، وإيصال المكروه إلى من ... حقه. صفحة 251 [١٤] (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ) دعاؤه سبحانه عند الخوف دعاء بحق؛ فإنه القادر على الاستجابة (وَالّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا سْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ ) أي: وأما الآلهة الذين يدعوهم الكفار من دون اللّٰه وعجَل فدعاؤهم باطل لا يفيد؛ لأنهم لا يستجيبون لهم بشيء مما يطلبونه منهم كائنًا ما كان، إلا استجابة كاستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه من بعيد، فإن الماء لا بستجيب له؛ لأنه جماد لا يشعر بحاجته إليه، ولا يدري أنه طلب منه أن يبلغ فاه (وَمَا هُوَ) أي: الماء (بَالِغِهِ)) أي: ببالغ إلى فم الداعي (وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ)) أي: يضل عنهم ذلك الدعاء، فلا ينفعهم بوجه من الوجوه. [١٥] (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) المراد بالسجود: الانقياد لأمره وحكمه فيهم بالصحة والمرض، والحياة والموت، والفقر والغنى (طَوْعًا وَكَرْهًا) فإن الكفار ينقادون كرهًا كما ينقاد المؤمنون طوعًا فيعبدونه كما يأمرهم (وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) المراد به: ظل الإنسان الذي يتبعه، جعل ساجدًا [ملقى بأمر الله] وخص الغدو والآصال بالذكر؛ لأنه يزداد ظهور الظلال فيهما. ١٦] (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أمر اللّٰه سبحانه رسوله أن يسأل الكفار، فقال: (قُلِ اللهُ) فكأنه حكى جوابهم وما يعتقدونه (قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) فما بالكم اتخذتم لأنفسكم من دونه أولياء عاجزين؟ (لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ تَفْعًا) ينفعونها به (وَلَا ضَرًّا) يضرون به غيرهم، أو يدفعونه عن أنفسهم (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى) في دينه وهو الكافر (وَالْبَصِيرُ) فيه وهو الموحد، فإن الأول جاهل لما يجب عليه وما يلزمه، والثاني عالم بذلك (أمْ هَلْ سْتَوِي الظّلُمَاتُ وَالنُّورُ) الكفر، والإيمان (فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ) بل إنما جعلوا له شركاء الأصنام ونحوها، وهي لم تخلق شيئًا، فكيف اشتبه عليهم الأمر؟ ١٧٦] (فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ) أي: سال ماؤها (بِقَدَرِهَا) فإن صغُر الوادي قلَّ الماء، وإن اتسع كثر. شبه نزول القرآن الجامع للهدى والبيان بنزول المطر، فإن نفع نزول القرآن يعم كعموم نفع نزول المطر، وشبه القلوب، فمن القلوب من يتسع لخير وعلم كثير، ومنها بخلاف ذلك (فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًّا ) الزبد: هو الأبيض المرتفع المنتفخ على وجه السيل، ويقال له: الغشاء والرغوة، والرابي: العالي المرتفع فوق الماء (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ) فيذوب من الأجسام المعدنية كالذهب والحديد (ابْتِغَاءَ حِأْته أي: لطلب اتخاذ حلية تتزينون بها وتتجملون كالذهب والفضة (أَوْ مَتَاع) من الأواني والآلات المتخذة من الحديد والصفر والنحاس والرصاص ( زَبَدٌ مِثْلُهُ) فإنه يعلو فوق ما أذيب من تلك الأجسام وهو الخَبَث والتراب (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ) أي: يضرب اللّٰه مَثَل الحق ومَثَل الباطل ( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً) يقذفه السيل على وجه الأرض، وزبد المعادن يلقيه الصانع فلا يصنع منه حلية ولا متاعًا. وكذلك الباطل يزول (وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ) منهما، وهو الماء الصافي، والذائب الخالص من المعدن (فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) أي: يثبت فيها، أما الماء فإنه يسلك في عروق الأرض فينتفع الناس به، وأما ما أذيب من تلك الأجسام فإنه يصاغ حلية وأمتعة، وهو مَثَل الحق. [١٨] (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ) إذا دعاهم إلى توحيده وتصديق أنبيائه والعمل بشرائعه (الْحُسْنَى) أي: المثوبة الحسنى وهي الجنة (وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ ) أي: لدعوته (لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) من أصناف الأموال (وَمِثْلَهُ مَعَهُ) أي: مثل ما في الأرض جميعًا منضمًّا ا!. لَا فْتَدَوْابِهِ) مماهم فيه من صفحة 252 العذاب الكبير والهول العظيم يوم القيامة، ولن يُقبل ذلك منهم، بل ( أَولَئِكَ) يعني: الذين لم يستجيبوا (لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ) هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يُغفر منه شيء { وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ) أي: هي مسكنهم (وَبِئْسَ الْمِهَادُ) أي: المستقرِ الذي يستقرون فيه. [١٩ ] ( كَمَنْ هُوَ أَعْمَى) أي: ليس من يعلم أن ما أنزله اللّٰه سبحانه إلى رسوله وعَيّه من الحق الذي لا شك فيه ولا شبهة، وهو القرآن، مثل من هو أعمى القلب لا يعلم ذلك. [٢٠](الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ) أي: بما عقدوه من العهود فيما بينهم وبين ربهم، أو فيما بينهم وبين العباد [إذا عاهدوهم بالله] (وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ) الذي وثقوه على أنفسهم، وأكدوه بالأيمان ونحوها. ويدخل تحت الميثاق كل ما أوجبه العبد على نفسه كالنذور ونحوها وما يلزم به العبد نفسه. [٢١] (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) كصلة الأرحام (وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) خشية تحملهم على فعل ما وجب، واجتناب ما لا يحل {وَيَخَافَونَ سُوءَ الحِسَاب) وهو الاستقصاء والمناقشة، فمن نوقش الحساب عذّب، فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا. [٢٢] (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ) [المراد: الصبر على طاعة الله، والصبر عن محارم الله، والصبر على أقدار اللّٰه المؤلمة] (وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ) أي: فعلوها في أوقاتها على ما شرعه اللّٰه في أذكارها وأركانها مع الخشوع والإخلاص (وَأَتْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ) فأدوا زكاة أموالهم، وبذلوا المال حيث وجب أو ندب (سِرَّا) خفية (وَعَلَانِيَةً) جهارًا ليقتدي بهم (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّيَّةَ) أي: يدفعون سيئة من أساء إليهم بالإحسان إليه، أو يدفعون بالعمل الصالح العمل السيء، أو الذنب بالتوبة ( أُولَئِكَ) الموصوفون بالصفات المتقدمة (لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ) [يرثون الأرض ولهم الجنة]. [٢٣] (جَنَّاتُ عَدْنٍ) جنات إقامةٍ دائمةٍ لأهلها لا يرحلون عنها (وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ) يشمل الآباء والأمهات (وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرَّيَّاتِهِمْ) [ليحصل لهم تمام الأنس بلقاء أحبابهم] ذكر الصلاح دليل على أنه لا يدخل الجنة من قرابات أولئك إلا من كان صالحًا، ولا ينفع مجرد كونه من الآباء أو الأزواج أو الذرية بدون صلاح (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلَ بَابِ) أي: من جميع أبواب المنازل التي يسكنونها. [٢٤] (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) أي: قائلين سلام عليكم، أي: سلمتم من الآفات (بِمَا صَبَه 6°٥ أب: بسبب صبركم على تقوى اللّٰه (فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) مدحٌ لما أعطاهم من عقبى الدار المتقدم ذكرها. [٢٥](وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) بالكفر وارتكاب المعاصي والإضرار بالأنفس والأموال (لَهُم) بسبب ذلك (اللَّعْنَةُ» أي: الطرد والإبعاد من رحمة اللّٰه سبحانه (وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) أي: سوء عاقبة دار الدنيا، وهي عذاب النار. ٢٦]*اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ) فقد يوسِّع الرزق لمن كان كافرًا ويقتره على من كان مؤمنًا ابتلاء وامتحانًا، ولا يدل البسط على الكرامة، ولا القبض على الإهانة (وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وجهلوا ما عند اللّٰه (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ) [أي: هي في جنب الآخرة] شيء قليل ذاهب. [٢٧] قَل إِنّ اللٰهَ يُضِل مَنْ يَشَاءُ كما ضل هؤلاء القائلون لولا أنزل عليه آية من ربه (وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَّابَ) أي: ويهدي إلى الحق من رجع إلى اللّٰه بالتوبة والإقلاع عما كان عليه. [٢٨] (الَّذِينَ آمَنُوا) أي: إنهم هم الذين هداهم اللّٰه وأنابوا إليه ( وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أ ..؟ مكن وتستأنس بذكر اللّٰه سبحانه صفحة 253 بألسنتهم: كتلاوة القرآن والتسبيح والتحميد والتكبير والتوحيد، التي لقلوت ن ظر في الايدق الفلة وجده هوو لايه صنعه، وإن كان يفيد طمأنينة في الجملة، وكذلك النظر في المعجزات، فليس إفادتها للطمأنينة كإفادة ذكر الله. [٣٠] (كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ) في جماعة من الناس قد مضت من قبلها جماعات أرسلنا إليهم رسلا (لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) أي: لتقرأ عليهم القرآن (وَ) الحال أن{هُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ) [ بهذا الاسم من أسمائه تعالى فينكرون أن يكون لله تعالى اسم الرحمن] (قُلْ هُوَ رَبِّي) كأنهم قالوا وما الرحمن؟ فقال مبحانه: وقل) يا محمد وهُوَ رَبِّي) أي: خالقي ولَا إِلهَ إِلَا هُوَ) أي: لا يستحق العبادة سواه (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) في جميه أموري (وَإِلَيْهِ) لا إلى غيره { مَتَابٍ) أي: توبتي. [٣١] (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالَ) قيل: هذا متصل بجواب قولهم: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) أي: إن القرآن نفسه هو الآية لو يعقلون، والمعنى: لو أن هناك كلامًا إذا قرئ على الجبال لزالت عن أماكنها وسارت (أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ) [قطع به قارئه مسافات الأرض] (أَوْ كُلَّمَ بِهِ لْمَوْتَى) أي: صاروا أحياء بقراءته عليهم، فكانوا يفهمونه عند تكليمهم به كما يفهمه الأحياء، أي: لكان هذا القرآن. عن ابن عباس قال: قالوا للنبي وَالِي: إن كان كما تقول، فأرنا أشياخنا الأول من الموتى نكلمهم، وافسح لنا جبال مكة التي قد ضمتنا، فنزلت هذه الآية (بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا) أي: لو أن قرآنًا فعل به ذلك لكان هذا القرآن، ولكن لم يفعل بل فعل ما عليه الشأن الآن، فلو شاء أن يؤمنوا لآمنوا، وإذا لم يشأ أن يؤمنوا لم ينفع تسيير الجبال، وسائر ما اقترحوه من الايات، بل بقون على كفرهم (أَفَلَمْ يَيْأسِ الَذِينَ آمَنُوا) أي: أفلم يعلموا ويتحقَّقوا ويتبينوا (أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا) من غير أن يشاهدوا الآيات (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ) هذا وعيد لكفار مكة أن تصيبهم بسبب ما صنعوا من الكفر والتكذيب للرسل قارعة، أي: داهية تفجعهم بما تصنع بهم جيوش الإسلام من قتل أو أسر، وقد قيل: إن القارعة النكبا (أوْ تَحُل) القارعة (قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ) فيفزعون منها (حَتّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ) وهو موتهمٍ، أو قيام الساعة عليهم. [٣٢](فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) الإملاء: الإمهال (فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ) أي: ذك : ، كان عقابي لهؤلاء الكفار الذين استهز أوا بالرسل. [٣٣] (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ) يعني: ليس اللّٰه تعالى الذي هو المتولي لأمور خلقه، المدبر لأحوالهم بالآجال والأرزاق، كالأصنام والأموات الذين اتخذهم المشركون الهة من دون الله، فإنها لا تقوم على شيء ولا تدبر شيئًا (وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاءَ) أي: وقد جعلوا (قُلْ سَمُّوهُمْ) أي: قل يا محمد جعلتم له شركاء فسموهم من هم؟ فهم أحقر من أن يسموا بالآلهة كما تزعمون (أَمْ تُنَبَتُونَهُ) أي: بل أتنبئون اللّٰه (بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ) من الشركاء الذين تعبدونهم مع كونه العالِم بما في السماوات والأرض (أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ) من غير أن تكون له حقيقة، وإنما خص الأرض لأنهم ادعوا له شريكًا في الأرض لا في السماء (بَلْ زُيِّنَ لِلّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ) [ مكرهم هو الكفر الذي يمكر به كبارهم وشياطينهم ليضلوا به الأتباع] (وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ) أي: صدَّهُم عنادُهم، أو صدَّهُم الشيطانُ (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) أي: يجعله ضالًا وتقتضي مشيئته إضلاله، فما له من هاد يهديه إلى الخير . صفحة 254 [٣٤] (لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) بما يصابون به من القتل والأسر وغير ذلك (وَلَعَذَابُ الآَخِرَةِ أَشَقُّ) عليهم من عذاب الحياة الدنيا (وَمَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ وَاقٍ) يقيهم عذابه، ولا عاصم يعصمهم منه. [٣٥] ( مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) أي: صفتها العجيبة الشأن أنها (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أَكُلُهَا دَائِمٌ) أي: إن ثمارها دائمة لا تنقطع كما تنقطع ثمار أشجار الدنيا (وَظِلُّهَا) أي: كذلك دائم لا يتقلص ولا تنسخه الشمس (وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ) ليس لهم عاقبة ولا منتهي إلّا ذلك. [٣٦] (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَنَّزِلَ إِلَيْكَ) الكتاب: هو التوراة والإنجيل، والذين يفرحون هم أهل الكتابين؛ لكونهم يجدونه موافقًا لما في كتبهم مصدقًا له (وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ) هم المشركون واليهود والنصارى، فإنهم أنكروا ما يشتمل عليه من كونه ناسخًا لشرائعهم، فيتوجه فَرَحِ مَن فَرِحِ به منهم إلى ما هو موافق لما في الكتابِين، وإنكار من أنكر منهم إلى ما خالفهما {قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّه وَلَا أُشْرِكَ بِهِ) أي: إنما أمرت فيما أنزلَ إليَّ بعبادة اللّٰه وتوحيده، وهذا أمر اتفقت عليه الشرائع، وتطابقت على عدم إنكاره جميع الملل المقتدية بالرسل (إِلَيْهِ أَدْعُو) أي: إلى اللّٰه لا إلى غيره (وَإِلَيْهِ مَآبِ) أي: إليه وحده- لا إلى غيره- مرجعي. [٣٧] (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيَّا) أنزلنا القرآن مشتملًا على أصول الشرائع وفروعها مبينة بلسان العرب، كما أنزلنا الكتب على الرسل بلغاتهم (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ) التي يطلبون منك موافقتهم عليها (بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) الذي علمك اللّٰه إياه {مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٌّ) يلي أمرك وينصرك (وَلَا وَاقٍ) يقيك من عذابه. [٣٨] (وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرَّيَّةً) أي: إن الرسل هم من جنس البشر، لهم أزواج من النساء، ولهم ذرية توالدوا منهم ومن أزواجهم، ولم نرسل الرسل من الملائكة الذين لا يتزوجون ولا يكون لهم ذرية، فلست يا محمد بدعًا من الرسل في ذلك، فما بالكم تنكرون عليه ما كان عليه الأنبياء قبله؟ (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ) معجزة، ومن جملتها ما اقترحه عليه الكفار (إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) سبحانه (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ) أي: لكل أمر مما قضاه اللّٰه [كتابة كتبها فيها ذكر ذلك الأجل، وهو والله أعلم: اللوح المحفوظ. فيحل الأجل في موعده المكتوب]. [٣٩] (يَمْحُو اللهُ مَا يَثَاءُ مَدْتُ) مما في الكتاب المذكور، فيمحو ما يشاء محوه، من شقاوة، أو سعادة أو رزق، أو عمر، أو خيرٍ، أو شر، ويبدل هذا بهذا، ويجعل هذا مكان هذا. (وَعِنْدَهُ أَمُّ الْكِتَابِ) قيل: المحو والإثبات هو من الصحف التي بأيدي الملائكة، أما اللوح المحفوظ فليس فيه محو ولا تبديل، فيه الناسخ والمنسوخ، وما يبدل، وما يثبت. [٤٠] (وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ أي: إن أريناك بعض ما نعدهم من العذاب قبل موتك، أو توفيناك قبل أن تراه (فَإنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ) أي: فليس عليك إلا تبليغ أحكام الرسالة (وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) أي: محاسبتهم بأعمالهم، ومجازاتهم عليها، وليس عليك أن نتكفل بأن ينتهي الأمر في حياتك بإيمانهم أو تعذيبهم. [٤١] (أَوَلَمْ يَرَوْا) يعني: أهل مكة (أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا) أي: نأتي أرض الكفر ننقصها من أطرافها بالفتوح على المسلمين منها شيئًا فشيئًا [ حتى يتم الأمر بفتح مكة نفسها] (وَاللهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) أي: يحكم ما يشاء في خلقه، فيرفع هذا، ويضع هذا، ويح هذا، ويميت هذا، صفحة 255 وقد حكم بعزة الإسلام وعلوه على الأديان (لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) لا يتعقب أحد حكم اللّٰه سبحانه بنقض ولا تغيير (وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) فيجازي المحسن والمسيء على وجه السرعة لا يرهقه حسابهم، ولا تشغله محاسبة أحد منهم عن محاسبة غيره من الناس، بل يحاسبهم جميعًا في وقت واحد. [٤٢] (وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا ) مكر الكفار الذين من قبل كفار مكة بمن أرسله اللّٰه إليهم من الرسل، فكادوهم وكفروا بهم، ومكرهم هذا كالعدم (فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا) أي: لا اعتداد بمكر غيره فلا قيمة له ولا تأثير له في مواجهة مكر اللّٰه تعالى بالماكرين (يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ) ومن علم ما تكسب كل نفس: أعد لها جزاءها وكان المكر كله له، ولا أثر لمكر غيره في مقابلة مكره (لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ) لمن العاقبة المحمودة من الفريقين في دار الدنيا، أو في الدار الآخرة. [٤٣] (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا) أي: لست يا لحمد مرسلا إلى الناس من اللّٰه (قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) فهو يعلم صحة رسالتي، وصدق دعوتي (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) من أسلم منهم كعبد الله بن سلام، فهم يشهدون لي بالرسالة، وقيل: المراد: مَنْ عنده علم اللوح المحفوظ، وهو اللّٰه سبحانه. فسير سورة إبراهيم [١] ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ) أي: هذا القرآن كتاب أنزلناه إليك يا محمد (لِنُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) من ظلمات الكفر، والجهل والضلالة، إلى نور الإيمان، والعلم، والهداية (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) بما أذن لك من تعليمهم ودعائهم إلى الإيمان [أو المعنى: لا يخرج منهم أحد إلى النور إلا من أذن الله] (إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)) وهو طريقة اللّٰه الواضحة التي شرعها لعباده. [٢] (وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ) الويل: كلمة تقال للعذاب والهلكة، فحقت بذلك كلمته سبحانه وتعالى على من لم بخرج من الكفار بهداية رسول اللّه وَالِيِ أن عليه الويل. [٣] (الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) أي: يؤثرونها لمحبتهم لها (عَلَى الآخِرَةِ) وهي الدائمة والنعيم الأبدي؛ لأنهم لا يؤمنون بالآخرة (وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) بصرف الناس عنها ومنعهم منها (وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا) أي: يطلبون لها زيغًا وميلًا لموافقة أهوائهم وقضاء حاجاتهم وأغراضهم (أَولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) عِن الحق والصواب. [٤] (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ) أي: متكلمًا بلغتهم، ليفهم عنه المرسل إليهم ما يقوله لهم ويسهل عليهم، ولو كان بلسان غيرهم فإنهم لا يدرون ما يقول، ولا يفهمون ما يخاطبهم به (لِيُيِّنَ لَهُمْ) ما أمرهم اللّٰه به من الشريعة التي شرعها لهم، وهم يبينونه لمن كان على غير لسانهم ويوضحونه، حتى يصير فاهمًا له كفهمهم إياه (فَيُضِلّ اللهُ) أي: ثم إن الرسول متى بيَّن لقومه شرع اللّٰه بلسانهم فإنه لا يقدر أن يهدي أحدًا، والمضل والهادي هو اللّٰه وعَمّل [ويحتمل أن يكون المعنى:. قد أضل الله وعجّك من شاء من الكفار الذين قالوا: إن محمدًا يتكلم بلساننا وهو واحد منا فمن آين جاءته النبوة؟]. [٥] وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا) هي المعجزات التسع التي لموسى (أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ) أي: وقلنا له في مضمون الرسالة: اخرج بني إسرائيل الذين هم في ملك فرعون واستعباده (مِنَ الظلَمَاتِ) من الكفر أو من الجهل أو العبودية (إِلَى النُّوْرِ) إلى الإيمان أو إلى العلم أو الحرية (وَذَكِّرْهُمْ بِأيَّامِ اللهِ) أي: .. اءمه ، بنعم اللّٰه عليهم، وبنقم أيام اللّٰه صفحة 256 التي انتقم فيها من قوم نوح وعاد وثمود (إِنَّ فِي ذَلِكَ) أي: في التذكير بأيام اللّٰه لَآيَاتٍ) لدلالات عظيمة دالة على التوحيد وكمال القدرة (لِكُلِّ صَبَّارٍ) أي: كثير الصبر على المحن والمنح (شَكُورٍ) كثير الشكر للنعم التي أنعم اللّٰه بها عليه. [٦] (إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) وذلك لما خرج بهم موسى من أرض مصر، وفلق اللّٰه لهم البحر وأغرق فرعون وجنوده (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ) وهو استعبادهم واستعمالهم في الأعمال الشاقة (وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ) من الذكور (وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ) أي: يتركونهن في الحياة لإهانتهن وإذلالهن (وَفِي ذَلِكُمْ) المذكور من أفعالهم {بَلَاءٌ مِنْ رَبَّكُمْ عَظِيمٌ) أي: ابتلاء لكم. [٧] وَإِذْ تَأْذَّنَ رَبُّكُمْ) أي: أعلن لكم إعلانًا عامَّا لتسمعوا قوله وتعقلوه، فقال (لَئِنْ شَكَرْتُمْ) أي: لئن شكرتم إنعامي عليكم بما ذكر (لَأَزِيدَنَّكُمْ ) من طاعتي ونعمي (وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ) ذلك وجحدتموه (إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) فلا بد أن يصيبكم منه ما يصيب. [٨] (وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) أي: إن تكفروا نعمته تعالى أنتم وجميع الخلق ولم تشكروها (فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ) عن شكركم لا يحتاج إليه، ولا يلحقه بذلك نقص (حَمِيدٌ) أي: مستوجب للحمد لذاته لكثرة إنعامه، والنفع من حمدكم لله وشكركم له عائد عليكم حتى يكون راضيًا عنكم ويزيدكم من فضله. [٩] (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) يحتمل أن يكون هذا خطابًا من موسى لقومه، ويحتمل أن يكون من كلام اللّٰه سبحانه ابتداء خطاب منه سبحانه لقوم محمد وَاليعي تحذيراً لهم عن مخالفته، على سبيل الاستطراد {وَالَذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ » أي: من بعد هؤلاء المذكورين (لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللهُ) أي: لا بحصي عددهم ويحيط بهم علمًا إلا الله سبحانه ( فَرَدّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ) أي: جعلوا أيدي أنفسهم في أفواههم يعضوها غيظًا مما جاءت به الرسل؛ لأن الرسل جاءتهم تسفيه أحلامهم وشتم أصنامهم. وقيل: جعلوا أيديهم في أفواه الرسل ردًّا لقولهم (وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُوتَنَا) أي: في شك من الإيمان بالله وحده وترك ما سواه (مُرِيبِ) أي: موجب للريب في حقيقة ما أتيتمونا به. أي: هو أمر غير يقيني فكيف تريدوننا أن نؤمن به؟ إنا نشك في صحة نبوتكم [ويحتمل أنهم ادعوا على الرسل أن لهم نياد-. .: ١٠ يظهرونه من الحصول على الملك في أقوامهم، واكتساب الأموال والدنيا العريضة، رانهم قالوا ذلك لتوهين عزم الرسل وتفتير همتهم في الدعوة] ١٠] (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكَّ) أى: أفى وحدانية سبحانه شك، وهي في غاية الوضوح والجلاء (فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: خالقهما ومخترعهما ومبدعهم وموجدهما بعد العدم يَدْعُوكُمْ) إلى الإيمان به وتوحيد (لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذَنُوبِكَمْ) [أي: ما شاء اللّٰه منها] (وَيُؤَخَرَ كُمْ إِلَى أَجَلِ مُسَمَّى) وهو الموت فلا يعذبكم في الدنيا (قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) في الهيئة والصورة، تأكلون وتشربون كما نأكل ونشرب، ولستم ملائكة (تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا)) تصرفونا عن معبودات آبائنا من الأصنام ونحوها (فَأتُونَا) إن كنتم صادقين بأنكم مرسلون من عند اللّٰه (بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) أي: بحجة ظاهرة تدل على صحة ما تدَّعونه. وقد جاءوهم بالسلطان المبين، ولكن هذا نوع من تعنتاتهم. [١١] (قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) فِي الصورة والهيئة والخلقة حقيقة كما قلتم (وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) يتفضا عا من يشاء من البَشَر بالنبوة. صفحة 257 وقد شاء أن يتفضَل علينا بذلك (وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ) أي: ما صح ولا استقام لنا أن نأتيكم بحجة من حجج (إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) أي: إلا بمشيئته وليس ذلك في قدرتنا، قيل: المراد بالسلطان هنا: هو ما يطلبه الكفار من الآيات على سبيل التعنت (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) أي: وعليه وحده، وكأن الرسل قصدوا بهذا الأمر للمؤمنين أنفسهم قصدًا أوليًّا. ١٢] (وَمَا لَنَا أَلَّا تَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ} أي: وأي عذر لنا في ألا نتوكل عليه سبحانه (وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا) أي: والحال أنه قد فعل بنا ما يوجب توكلنا عليه من هدايتنا إلى الطريق الموصل إلى رحمته (وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا)) أي: إننا نُقْسِمُ على أننا سوف نصبر على ما يقع منكم من التكذيب لنا والاقتراحات الباطلة (وَعَلَى اللهِ) وحده دون من عداه (فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكَّلُونَ). ١٣] (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) هم طائِفة من المتمردين (لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) خيَّروهم بين الخروج من أرضِهم، أو العود في ملتهم الكفرية، أي: أصروا على أن ينفَّذوا فيهم واحدًا من هذين الأمرين. وهذا لنهم ظلم وعدوان، أن يُخرجوا الأنبياء من دورهم وأرضهم وأهلهم لمجرد أنهم جاءوهم بدعوة اللّٰه (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ) أي: إلى الرسل في تلك الحالة الخطيرة (نُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ) هم هؤلاء الكفرة. [١٤](وَلَنُسْكِنَتَّكُمُ الْأَرْضَ) أي: أرض هؤلاء الكفار الذين توعدوكم بما توعدوا من الإخراج أو العود (ذَلِكَ ) ما تقدم من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين في مساكنهم (لِمَنْ خَافَ مَقَامِي) أي: موقفي، وذلك يوم الحساب، وقيل: لمن خاف قيامي عليه ومراقبتي له (وَخَافَ وَعِيدِ) أي: خاف وعيدي بالعذاب، وقيل: هو نفس العذاب. [١٥]وَاسْتَفْتَحُوا) أي: استنصر الرسل بالله على أعدائهم، وقيل المعنى: طلب الكفار من اللّٰه أن يقضي بينهم وبين الرسل، فيهلك الظالم وينصر المظلوم; فلما قضى اللّٰه ينهم نصر الرسل والمؤمنين (وَخَابَ كُلّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) الجبار: المتكبر الذي لا يرى لأحد عليه حقًّا، والعنيد: المعاند للحق والمجانب له، الذي أبى أن يقول: لا إله إلا الله. [١٦](مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ) أي: جهنم في طلبه، وسوف تدركه (وَيُسْقَى مِنْ مَاءِ صَدِيدٍ) الصديد: ما يسيل من جلود أهل النار من القيح والدم. [١٧ ] (يَتَجَرَّعُهُ) يتحساه مرة بعد مرة، لا مرة واحدة، لمرارته وحرارته (وَلَا يَكَادُ ؟ ذُمُكه أي: يبتلعه، بل يغصُّ به فيطول عذابه بالعطش تارة، وبشربه على هذه الحال أخرى (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانِ) أي: تأتيه أسباب الموت من كل جهة من الجهات (وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ) أي: تأتيه ولكن لا يموت بها فيستريح من الآلام والشدة. [١٨] (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ) أعمالهم باطلة غير مقبولة يمحقها كما تمحق الريح الشديدة الرماد في يوم عاصف، فإنها تحمله بسرعة، وتنثره في كل مكان حتى لا يقدر عليه، ويبقى مكانه خاليًا لا شيء فيه (لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ) من تلك الأعمال الباطلة، ولا يرون له أثرًا في الآخرة يجازون به ويثابون عليه (ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ) عن طريق الحق. [١٩] (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ) بالوجه الصحيح الذي يحق أن يخلقها عليه ليستدل بها على كمال قدرته (إِنْ يَشَأ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) يهلك العصاة إن شاء ويأتي بمن يطيعه من خلقه، من نوع الإنسان أو من نوع آخر. [٢٠] «وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزِ) أي: إن الإتيان بخلق آخرين ليس على اللّٰه بمم"..، لأنه سبحانه قادر على كل شيء. صفحة 258 [٢١] (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا) أي: خرجوا من قبورهم يوم القيامة إلى البَرَاز، وهو المكان الواسع الظاهر، وهو المحشر، واجتمعوا جميعًا (فَقَالَ الضُّعَفَاءُ) أي: قال الأتباع الضعفاء للرؤساء الأقوياء المتكبرين لما هم فيه من الرياسة (إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا) أي: في الدنيا، فكذبنا الرسل، وكفرنا بالله متابعةً لكم (فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا) أي: دافعون عنا (مِنْ عَذَابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ) أي: بعض الشيء الذي هو عذاب اللّٰه (قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللّهُ) إلى الإيمان ( لَهَدَيْنَاكُمْ ) إليه (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا) أي: يستوي علينا الجزع والصبر (مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ) أي: من منجى ومهرب من العذاب. ل ٣٣) وَمَ الَّاَ ضَ الأعدة واف ال ليل بالبعث والحساب، ومجازاة المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته (وَوَعَدْتُكُمْ) أي: وعدتكم وعدًا باطلًا، بأنه لا بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار ( فَأَخْلَفْتُكُمْ) لمِ أوفِ لكم ما وعدتكم به من ذلك (وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ) أي: تسلط عليكِم [فلا أتمكن من إدخالكم في الكفر رغمًا عنكم] (إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي) أي: لكن دعوتكم إلى الكفر وحسَّنْته ولم ألزمكم به، فسارعتم إلى تصديقي وإجابتي (فَلَا تَلُومُونِي) بما وقعتم فيه سبب وعدي لكم بالباطل وإخلافي لهذا (وَلَومُوا أَنْفُسَكُمْ) باستجابتكم لي بمجرد الدعوة، وترككم لوعد اللّٰه الحق، ودعوته لكم إلى دار السلام، مع قيام الحجة التي لا تخفى على عاقل، ولا تلتبس إلا على مخذول (مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ) أي: ما أنا بمغيثكم مما أنتم فيه من العذاب، وما أنتم بمغيثيَّ مما أنا فيه، أي: أن الشيطان في تلك الحالة مبتلى بما ابتلوا به من العذاب، محتاجٌ إلى من يغيثه ويخلصه مما هو فيه، فكيف يطمعون في إغاثة من هو محتاج إلى من يغيثه (إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَ كْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ) صرح لهم بأنه كافر بإشراكهم له مع اللّٰه في الربوبية، ولقد قام لهم الشيطان في هذا اليوم مقامًا بقصم ظهورهم، ويقطع قلوبهم [بهذه الخطبة الجهنمية التي تجعلهم في يأس من الغوث. إنها خطبة تقرع أسماع أتباع الشياطين وقلوب أعداء اللّٰه ورسله في هذه الدنيا إن كان لهم أسماع تسمع أو قلوب تعقل]. [٢٣] (وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُ ا مً. أُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ) [أي: أفضوا إلى السرور والرضا في الوقت الذي أدخل فيه أعداء اللّٰه النار ويئسوا من الرحمة والغوث] (تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ) أي: تحية الملائكة لهم في الجنة التسليم عليهم بإذن ربهم. [٢٤] (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً) وهي كلمة الإسلام: أي لا إله إلا الله، أو كل كلمة تأمر بمعروف أو تنهى عن منكر، أي: شبَّه الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة (أَصْلُهَا ثَابِتٌ) أي: راسخ في قرار الأرض تشرب الماء الطيب بعروقها (وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ) تشرب من الندى وتصافح طيب الهواء، وكذلك كلمة التوحيد راسخة في قلب المؤمن في دنياه وآخرته. [٢٥]( تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينِ بِإِذْنِ رَبَّهَا)} بإرادته ومشيته، قيل: فتلك الكلمة الطيبة مثل نخلة تثمر كل ساعة من الساعات من ليل أو نهار في جميع الأوقات من غير فرق بين شتاء وصيف، وكذلك كلمة التوحيد وكلمة الخير تثمر الخير، وتدفع حاملها وسامعها إلى العمل الصالح في كل حين، ويدخل بسببها الجنة. أخرج البخاري عر ا.. .ر قال: ((كنا عند رسول اللّه وَلية. صفحة 259 فقال: أخبروني عن شجرة كالرجل المسلم، لا يتحاتُّ ورقها، وتؤتي أكلها كل حين؟ ثم قال: هي النخلة) (وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) لأن في ضرب الأمثال زيادة تذكير وتفهيم وتصوير للمعاني. [٢٦] (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ) هي كلمة الكفر، وكل كلمة تدعو إلى شر ( كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ) قيل: هي شجرة الحنظل. (اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ) أي: استؤصلت واقتلعت من أصلها فهي تموت وتذروها الريح (مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ ) أي: من استقرار على الأرض، وكذلك كلمة الكفر والباطل والشر نهايتها إلى الفناء، بل الكافر وكلمة الكفر لا حجة له ولا ثبات فيه، ولا خير يأتي منه أصلا ولا يصعد له قول لطيب ولا عمل طيب. [٢٧] (يُثَبِّتُ اللهُ الّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ) وهي الكلمة الطيبة المتقدم ذكرها: كلمة الشهادة ((شهادة أن لا إله إلا اللّٰه وأن محمدًا رسول اللّه» وسائر الكلام الحق، فإن الآخذين بها يدومون على القول الثابت ( فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ* أي: وقت المساءلة في القبر، ويوم القيامة. والمراد: أنهم إذا سئلوا عن معتقدهم ودينهم أوضحوا ذلك بالقول الثابت من دون تلعثم ولا تردُّد ولا جهل، كما يقول من لم يوفقٍ: لا أدري، فيقال له: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ {وَيُضِلّ اللَهُ الظّالِمِينَ) أي: يضلهم عن حجتهم فلا يقدرون على التكلم بها في قبورهم، ولا عند الحساب. [٢٨] (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا) تعجيب من حال الكفار حيث جعلوا بدل الشكر لنعمة اللّٰه عليهم الكفر بها، وذلك بتكذيبهم محمدًا وَلِيّي حين بعثه اللّٰه منهم، وأنعم عليهم به (وَأَحَلّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) وهي جهنم، والبوار: الهلاك، وقيل: هم قادة قريش أحلوا قومهم يوم بدر دار البوار، وهو القتل الذي أصيبوا به. [٢٩] (وَبِئْسَ الْقَرَارُ) بئس المقرُّ لهم جهنم. [٣٠] (وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا) شركاء في الربوبية (لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ) ليوقعوا قومهم في الضلال عن سبيل اللّٰه [وهذا عمل السادة المتبوعين من سدنة الأصنام وسدنة المذاهب الضالة] (قُلْ تَمَتَّعُوا) بما أنتم فيه من الشهوات، وإضلال الناس (فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ) أي: مردُّكم ومرجعكم إليها ليس إلا، كأنه قيل: فإن دمتم على ذلك فإن مصيركم إلى النار. [٣١] (وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً) أي: مسرِّين ومعلنين، وقيل: السر لصدقة ال-ما. ، . العلانية: لزكاة الفرض (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمُ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ) المعنى: أن يوم القيامة لا بيع فيه حتى يفتدي المقصر في العمل نفسه من عذاب اللّٰه بدفع عوض عن ذلك، وليس هناك مُخالَلَة حتى يشفع الخليل لخليله وينقذه مِن العذاب. ٣٢٦] ( فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ) أخرج بذلك الماء من الثمرات المتنوِّعة رزقًا لبني آدم يعيشون به (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ) فجرت في البحر على إرادتكم واستعملتموها في مصالحكم (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ) أي: ذللها لكم بالركوب عليها، والإجراء لها إلى حيث تريدون لتستنبتوا أشجاركم وزروعكِم. [٣٣] (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) لتنتفعوا بهما وتستضيئوا بضوئهما (دَائِبَيْنِ) أي: دائبين في إصلاح ما يصلحانه من النبات وغيره، وقيل: دائبين في السير امتثالاً لأمر اللّٰه لا يفتران عن السير (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) يتعاقبان، فالنهار لسعيكم في أمور معاشكم، والليل لتسكنوا فيه. [٣٤] (وَآتَاكُمْ مِنْ كُاَ مَاءَ أَلْتُمُوهُ) ومن كل ما لم تسألوه صفحة 260 (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا) لا تطيقوا إحصاءها بوجه من الوجوه، ولو رام فرد من أفراد العباد أن يحصي ما أنعم اللّٰه به عليه في خلق عضو من أعضائه، أو حاسة من حواسه، لم يقدر على ذلك قط، فكيف بما عدا ذلك من النعم في جميع ما خلقه اللّٰه في بدنه، والنعم الواصلة إليه في كل وقت على تنوعها واختلاف أجناسها. اللهم إنا نشكرك على كل نعمة أنعمت بها علينا مما لا يعلمه إلا أنتِ (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومُ) لنفسه بإغفاله لشكر نعم اللّٰه عليه (كَفَّارٌ) أي: شديد كفران نعم اللّٰه عليه، جاحد لها، غير شاكر الله سبحانه عليها كما ينبغي عليه. [٣٥](وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ) أي: اذكر وقت قوله هذا. وقد رأى بعض المفسرين أن ذكر قصة إبراهيم ها هنا كمثاله للكلمة الطيبة التي تثمر الخير كل وقت، لقصد الدعاء إلى التوحيد (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا) مكة: دعا إبراهيم ربه أن يجعله آمنًا (وَاجْنُبْنِي وَبَنيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) قيل: أراد بنيه من صلبه، وقيل: أراد جميع ذريته ما تناسلوا. والصنم: هو التمثال الذي كانت تصنعه أهل الجاهلية من الأحجار ونحوها فيعبدونه [دعا الله أن يجنبه عبادة الأصنام، فغيره أولى بالخوف من ذلك، فإن لكل عصرٍ أصنامه التي تلتبس على أهل الذكاء في ذلك العصر]. [٣٦] (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ) مع كونها جمادات لا تعقل؛ لأنها سبب لضلالهم، فكأنها أضلتهم (فَمَنْ تَبِعَنِي) في ديني فصار مسلمًا موحدًا (فَإِنَّهُ مِنِّي) أي: من شيعتي ومن اهل ديني وَمَنْ عَصَانِي) فلم يتابعني ويدخل في ملتي {فإِنْكَ غَفْورٌ رَحِيمُ) قادر على أن تغفر له، قيل: المراد عصيانه هنا فيما دون الشرك. [٣٧] (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرَّتَّنِي) إسماعيل وولده ( بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْع) أي: لا زرع فيه، وهو وادي مكة المكرمة شرَّفها اللّٰه (عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) قيل المراد: أنه محرَّم على الجبابرة، ومحرَّم من أن تُنتهَكَ حرمته، أو يُسْتَخَفَّ به (رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) أي: أسكنتهمٍ بجوار المسجد الحرام ليقيموا الصلاة فيه، (وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثِّمَرَاتِ) أي: التي تُستنبتِ في أرض مكة [أو تجبى إليها من أطراف الأرض] (لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) نعمك التي أنعمت بها عليهم. [٣٨] (رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ)) أي: ما كتمه وما نظهره. [٣٩] (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ) أي: وهب لي عا ك. . مني وسنِّ امرأتي، قيل: ولد له إسماعيل وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد له إسحاق وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة. [٤٠] (وَمِنْ ذُرَّيَّنِي) أي: اجعلني واجعل بعض ذريتي مقيمين للصلاة، عَلِمَ أن منهم من لا يقيمها كما ينبغي. [٤١] ( رَبَّنَا اغْفِرْ لي وَلِوَالِدَيَّ) طلب من اللّٰه أن يغفر لو الديه، قيل: إنه دعا لهما بالمغفرة قبل أن يعلم أن أباه عدوٌّ لله سبحانه (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ) (وَلِلْمُؤْمِنينَ) خصّ المؤمنين من عباد اللّٰه بدعاء المغفرة؛ إذ لا يجوز الدعاء للكفار بها (يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ أي: يوم يثبت حساب المكلفين في المحشر [كما يقال: قد قامت السوقِ]. [٤٢] (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلَ الظَّالِمُونَ) أي: لا يقَعْ في ظنِّك إذ ترى الظالمين في صحةِ وأمْنِ ونعمةٍ أن اللّٰه تعالى غَفَل عن استحقاقهم للعذاب (إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ) أي: يؤخر جزاءهم بظلمهم، فلا يؤاخذهم في الحال، بل يؤخرهم (لِيَوْمِ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) أي: ترفع فيه أبصار أهل الموقفً ولا تغمض، من هول ما تراه في ذلك اليوم، بقيت مفتوحة لا تتحرك من شاّت الحة والدهشة. صفحة 261 [٤٣](مُهْطِعِينَ) أي: مسرعين (مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ) أي: رافعي رؤوسهم إلى السماء ينظرون إليها نظر فزع وَذُلِّ، ولا ينظر بعضهم إلى بعض (لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ) أي: لا ترجع إليهم أبصارهم [بل هي شاخصة لا غير] (وَأَفْتِدَتُهُمْ هَوَاءٌ) خالية عن العقل والفهم لما شاهدوا من الفزع والحيرة والدهش. [٤٤] (وَأَنَّذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ) يوم القيامة، أي: خوِّفهم هذا اليوم وحذِّرهم منه (نُحِبْ دَعْوَتَكَ لعبادك على ألسن أنبيائك (وَنَتَّبعِ الرُّسُلَ فنعمل ونتدارك ما فرط منا من الإهمال (أَوَلَمْ تَكُوْنُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ) أي: فيقال لهم توبيخًا وتقريعًا: أولم تكونوا حلفتم أنكم باقون خلَّدون في الدنيا وأن ليس هناك قيامة؟ [٤٥]{وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِن الذِينَ ظَلَمُوا أَنْفَسَهُمْ) أي: استقررتم فيها، وهي بلاد ثمود ونحوهم من الكفار الذين ظلموا أنفسهم بالكفر بالله والعصيان له (وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ ) من العقوبة والعذاب الشديد بما فعلوه من الذنوب (وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ) في كتب اللّٰه وعلى ألسن رسله إيضاحًا لكم وتقريرًا، وتكميلًا للحجة عليكم، أي: فلم تتعظوا بذلك كله، بل أصررتم على التكذيب، كأن الأمر لعب وليس جَدًّا. [٤٦] (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ ) في ردَّ الحق وإثبات الباطل العظيم الذي استفرغوا فيه وسعهم (وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ) [أي: يمكرون بأحباب اللّٰه والله يراهم ويسمعهم وهم يمكرون، وهو محيط بمكرهم] (وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْحِبَالُ) أي: وإن كان مكرهم يبلغ في الكيد إزالة الجبال، فإن اللّٰه ينصر دينه [وقيل المعنى: وعند اللّٰه مكرهم، أي: وما كان مكرهم عظيمًا بحيث تزول منه الجبال، فكيف يعظم على اللّٰه إبطاله، والجبال نفسها أهون شيء عليه؟]. [٤٧] (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ) المراد: ما وعدهم سبحانه بقوله: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا) و(كَتَبَ الله لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ) غالب لا يغالبه أحد (ذُو انْتِقَام) ينتقم من أَعدائه لأوليائه. [٤٨] * يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ) المراد: تغيُّ صفاتها، وقيل: تغيّر ذاتها، {وَالسَّمَاوَاتُ) أي: وتبدّل السماوات غير السماوات على الاختلاف الذي مرَّ (وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) أي: ظهروا من قبورهم، أو ظهر من أعمالهم ما كانوا يكتمونه. [٤٩] (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ :.مَ١ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ) ترى المشركين يوم القيامة مشدودين بعضهم مع بعض، أو: قرنوا مع الشياطين، أو: جعلت أيديهم مقرونة إلى أرجلهم في الأغلال والقيود. [٥٠] (سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ) أي: إن ثيابهم من قطران تطلى به جلودهم، وخص القطران لسرعة اشتعال النار فيه مع نتن رائحته (وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ) أي: تعلو وجوههم وَتَضْرِبُهَا، وخص الوجوه؛ لأنها أشرف ما في البدن، وفيها الحواس المدركة. [٥١] (لِيَجْزِيَ اللَهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ) من خير أو شرٍّ (إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الَحِسَابِ) لا يشغله عنه شيء [ويمضيه مع الخلائق جميعًا في نفس الوقت لا يشغله حساب أحد منهم عن حساب غيره]. [٥٢] (هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ) أي: تبليغ وكفاية في الموعظة والتذكير لجميع الناس (وَلَيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ) ليعلموا بالأدلة التكوينية المذكورة سابقًا، وبهذه الآيات القرآنية المتلوة في هذه السورة، وحدانية اللّٰه سبحانه، وأنه لا شريك له (وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ) أي: وليتعظ أمحاب العقول التي تعقل وتدرك. صفحة 262 تفسير سورة الحجر [١] تِلْكَ) الإشارة بقوله: (تلك) إلى ما تضمنته هذه السورة من الآيات، والكتاب هو القرآن، جمع له بين الاسمين. [٢] (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ) والمراد: أنه عندما ينكشف لهم الأمر، ويتضح بطلان ما كانوا عليه من الكفر، وآن الدين عند اللّٰه سبحانه هو الإسلام لا دين غيره، بحصل منهم التمني أن يكونوا قد أسلموا. ولكن أمنيتهم تكون لمجرد التحسر والتندم ولوم النفس على ما فرطَت في جنب اللّٰه. [٣] (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا } هذا تهديد لهم، أي: دعهم فهم لا يرعوون أبدًا ولا يخرجون من باطل إلى حق، واتركهم على ما هم فيه من الاشتغال بالأكل والتمتع بزهرة الدنيا، فإنهم كالأنعام التي لا تهتم إلا بذلك، واتركهم على ما هم عليه من إلهاء الأمل لهم عن اتباعك، فسوف يعلمون عاقبة أمرهم وسوء صنيعهم. [٤] (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ) أي: أجل مقدر [مكتوب عند اللّٰه تعالى] لا تتقدم عنه ولا تتأخر، غير مجهول ولا منسيٍّ. [٥] (مَا تَسْبِقُ مِنْ أَمَّةٍ أَجَلَهَا) لا يأتي هلاكها قبل مجيء أجلها (وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ) أي: وما يتأخرون عنه، فإن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغترّ به العقلاء. [٦] (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ) أي: قال كفار مكة - لرسول اللّٰه وَالِي متهكمين به-: يا أيها الذي نزل عليه الذكر في زعمه، وعلى وفق ما يدعيه (إِنَّكَ لَمَجْنُونُ) أي: إنك -بسبب هذه الدعوى التي تدعيها من كونك رسولًا لله مأمورًا بتبليغ أحكامه- لمجنون، فإنه لا يدعي مثل هذه الدعوى العظيمة عندهم من كان عاقلًا. [٧]لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ) ليشهدوا على صدقك {إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) وقيل المعنى: لو ما تأتينا بالملائكة فيعاقبونا على تكذيبنا لك. [٨] ( مَا نُنَزَّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّ بِالْحَقِّ) فيما تقتضيه الحكمة الإلهية والمشيئة الربانية، وليس هذا الذي اقتر حتموه مما يحق عنده تنزيل الملائكة (وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ) أي: ولو نزلنا الملائكة فلم يؤمنوا لعوجلوا بالعقوبة. [٩] (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذَكْرَ) الذي أنكروه ونسبوك بسببه إلى الجنون (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) تعهّد من اللّٰه تعالى بحفظ القرآن عن كل ما لا يليق به من تصحيف وتحريف وزيادة ونقص ونحو ذلك. [١٠ ]وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ) رسلًا (فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ) في أممهم وأتباعهم وسائر فرقهم وطوائفهم. [١١] (وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِتُونَ ) أي: ما يأتي رسول من الرسل شيعته إلا كانوا به يستهزئون، كما يفعله هؤلاء الكفار مع محمد وَالِية. [١٢ ] (كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ) نسلك الضلال في قلوب المجرمين [ حتى لا يتصوَّرونَ خلافه حقّا]. [١٣] (لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ) أي: لا يؤمنون بالذكر الذي أنزلناه (وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ) أي: مضت طريقتهم التي سنها اللّٰه في إهلاكهم، حيث فعلوا ما فعلوا من التكذيب والاستهزاء. ١٤] (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ) أي: على هؤلاء المعاندين لمحمد لَا يمِ المكذبين له المستهزئين به (بَابَّا مِنَ السَّمَاءِ) ومكناهم من الصعود إليه (فَظَلُّوا فِيهِ) أي: في ذلك الباب (يَعْرُجُونَ) يصعدون بآلة أو بغير آلة حتى يشاهدوا ما في السماء من عجائب الملكوت. [١٥](لَقَالُوا) أي: الكفار لفرط عنادهم وزيادة عتوهم (إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا) وهو سدها عن الإحساس، وقيل: هو من سكر الشراب (بَلْ نَسْءُ قَيْمٌ مَسْحُورُونَ) وفي هذا بيان صفحة 263 العنادهم: إذا رأوا معجزة توجب عليهم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله نسبوا إلى أبصارهم أن إدراكها غير حقيقي لعارض السكر، أو أن عقولهم قد سحرت فصار إدراكهم غير صحيح. [١٦] (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا) البروج منازل النجوم السيارة، وهي الاثنا عشر المشهورة. والمعرفة بمواقع النجوم ومنازلها من أجلّ العلوم، يستدلون بها على الطرقات والأوقات، وهي: الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت (وَزَيّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ) وجمال السماء بنجومها لا يخفى على أحد، أو المراد: للمتفكرين المعتبرين المستدلين. [١٨] (إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ) حفظنا السماء من الشياطين أن تسمع شيئًا من الوحي وغيره إلا من استرق السمع فإنها تتبعه الشهب فتقتله أو تخبله. [١٩] (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا) أي: بسطناها وفرشناها (وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ) أي: جبالًا ثابتة (وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ) أي: أنبتنا في الأرض من كل شيء بقدر معلوم، وقيل: موزون بميزان الحكمة، ومقدر بقدر الحاجة. [٢٠] (وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ) تعيشون بها من المطاعم والمشارب، وقيل: هي التصرف في أسباب الرزق مدة الحياة (وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ) المعنى: وجعلنا لمن ستم له برازقين فيها معايش وهم سائر الناس غيركم، والدواب على اختلاف أجناسها. [٢١] (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ) المعنى: أن كل الممكنات مقدورة ومملوكة لله تعالى، يخرجها من العدم إلى الوجود بمقدار كيف شاء (وَمَا نُنَزَّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومِ) أي: ننزله من السماء إلى الأرض أو نوجده للعباد علّى مقدار حاجة العباد إليه. [٢٢] (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ) تلقح السحاب ببخار الماء فيمتلئ ماء، وتلقح الشجر ليثمر (فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ)) أي: جعلنا ذلك المطر لسقياكم ولشرب مواشيكم وأرضكم (وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) في الآبار والغدران والعيون. [٢٣] (وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ) أي: للأرض ومن عليها؛ لأنه سبحانه الباقي بعد فناء خلقه الحي الذي لا يموت. [٢٤] (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ) والمراد: من تقدم ولادة وموتًا، ومن تأخر فيهما، وقال الحسن: المستقدمين في طاعة اله والمستأخرين فيها. [٢٥](وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ) يجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته؛ لأنه الأمر المقصود من الحشر. [٢٦]وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ) هو آدم. والصلصال هو الطين اليابس، يتصلصل إذا حُرِّك، فإذا طبخ في النار فهو الفخار. والحماً: الطينِ الاسود المتغير. والمسنون: هو المتغير. فالتراب لما بُلَّ صار طينًا، فلما أنتن صار حم مسنونًا، فلما يبس صار صلصالًا. [٢٧] (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ) هو إبليس وقومه، وسمي جانًا لتواريه عن الأعين. والسموم: الريح الحارَّة النافذة في المسام، تكون بالنهار الحار. [٢٩] (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ) عدلت صورته الإنسانية وكملت أجزاءه (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) قال القرطبي: الروح جسم لطيف، أجرى اللّٰه العادة بأن يخلق الحياة في البدن مع ذلك الجسم، أضافه اللّٰه تعالى إلى نفسه إضافة خلق إلى خالق، فالروح خلق عجيب من خلقه (فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) سجود تحية وتكريم لا سجود عبادة، ولله أن يكرم من يشاء من مخلوة ٦١ه ك.ف شاء بما شاء. صفحة 264 [٣٠] (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) عند أمر اللّٰه لهم بذلك من غير تراخ. [٣١] (إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ) قيل: كان من جنس الملائكة، ولكنه أبى ذلك استكبارًا وحسدًا لآدم فحقت عليه كلمة الله. والصحيح: أنه لم يكن من الملائكة، ولكنه كان معهم، فغلب اسم الملائكة عليه وأمر بما أمروا به، فترك السجود على وجه الرفض. [٣٣] (قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَاٍ مَسْنُونٍ) زعمًا منه أنه مخلوق من عنصر أشرف من عنصر ادم، وهو عنصر النار. [٣٤] (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا) أي: من الجنة (فَإِنَّكَ رَجِيمٌ) أي: ملعون مطرود؛ لأن من يُطْرَدِ يرجم بالحِجارة. [٣٥] (وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) أي: عليك الطرد والإبعاد من رحمة اللّٰه سبحانه مستمرًّا عليك لازمًا لك إلى يوم الجزاء. ٣٦] (قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي) أي: أخرني وأمهلني ولا تمتني (إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) أي: يوم يبعث آدم وذريته، كأنه طلب ألا يموتَ أبدًا؛ لأنه إذا أخر موته إلى البعث فهو يوم لا موت فيه، وقيل: لم يطلب ألا يموت، بل طلب أن يؤخر عذابه إلى يوم القيامة ولا يعذب في الدنيا. ٣٧٦](قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ) أجابه إلى ما طلبه، وأخبره بأنه من جملة من أُخِّرت آجالهم من مخلوقاته. ٣٨٦] (إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) وهو يوم القيامة [ فيموت مع سائر الخلائق بالنفخة الأولى] ولم يؤخره إلى البعث. [٣٩] (قَالَ رَبِّ بِمَا أغْوَيْتَنِي لَأزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ) أى: بسبب إغوائك إياي لأزينن لهم ما داموا في الدنيا. والتزيين منه: إما بتحسين المعاصي لهم وإيقاعهم فيها، أو شغلهم بزينة الدنيا عن فعِل ما أمرهم اللّٰه به فلا يَلْتَفِتُونَ إلى غيرها (وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) أي: لأضلنهم عن طريق الهدى، وأوقعهم في طريق الغواية. [٤٠] (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) الذين استخلصتهم من الناس لعبادتك. [٤١] (قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) أي: حق عليَّ أن أراعيه، وهو ألا يكون لك على عبادي سلطان، وقيل المعنى: كقولك لمن تهدده: طريقك عليَّ ومصيرك إليَّ. [٤٢] (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ) المراد بالعباد هنا، هم المخلصون، (إِلَّا مَنِ اتَّبَعَاءَ .. : اأنَاوِينَ) عن طريق الحق الواقعين في الضلال [أي: فهؤلاء الذين يتبعونك حتى يعطوك أرسانهم تقودهم بها إلى الهاوية هم الذين لك سلطان عليهم]. [٤٤] (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابِ) يدخل أهل النار منها، وإنما كانت سبعة لكثرة أهلها (لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ ) أي: من الأتباع الغواة (جُزْءٌ مَقْسُومٌ) أي: قدر معلوم متميز عن غيره. أخرج البخاري في (تاريخه» والترمذي عن ابن عمر قال: قال رسول اللّٰه وَلِّّيه. «لجنهم سبعة أبواب: باب منها لمن سلّ السيف على أمتي)». ٤٦]قيل لهم (ادْخُلُوهَا) قبل أن يكونوا فيها. وقيل المعنى: إنهم لما صاروا في الجنات، فإذا انْتَقَلُوا من بعضها إلى بعض يقال لهم: ادخلوها (بِسَلَامِ آمِنِينَ) بسلامة من الآفات، وأمن من المخافات، أو مسلّمًا عليَّهم من اللّٰه وعَجَلْ. [٤٧] (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلَّ) الغل: الحقد والعداوة (إِخْوَانًا) أي: إخوة في الدين والتعاطف (عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) ينظر بعضهم إلى وجوه بعض، والسرير هو المجلس الرفيع المهيأ للسرور، وعن علي من طرق: أنه قال لابن طلحة: إني لأرجو أن أكون أنا وأبوك من الذين قال اللّٰه فيهم: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلَّ إِخْتَ اذَا ءَاَ سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ). صفحة 265 [٤٨] (لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ) أي: تعب. [٤٩] ( نَبِّىْ عِبَادِي أَنَّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) أي: أخبرهم يا محمد أني أنا الكثير المغفرة لذنوبهم، الكثير الرحمة لهم. [٥١] (وَنَبَّتْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ) ضيوفه من الملائكة أتوه في صورة البشر. [٥٢] (قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ) أي: فزعون خائفون، قال هذا بعد أن قرَّب إليهم العجل فرآهم لا يأكلون منه، كما تقدم في سورة هود. [٥٣(قَالُوا لَا تَوْجَلْ) أي: قالت الملائكة لإبراهيم: لا تخف (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَام عَلِيمٍ) كِثير العلم، وهو إسحاق. ٥٤٦] (قَالَ أَبشَّرْتُمُوْنِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِيْرُ) أي: مع حالة الكبَر والهَرَم ( فَبِمَ تُشَرُونَي) عجب من حصول الولد له مع ما قد صار إليه من الهرمِ، فإن البشارة بما لا يكون لا تصح عادة. [٥٥]{قَالَوا بَشْرْنَاكَ بالحَقَ) أي: باليقين الذي لا خلف فيه (فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ) أي: من الآيسين من ذلك الذي بشرناك به. [٥٦] (قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) أي: إنما استبعدت الولد لكبر سني لا لقنوطي من رحمة ربي. [٥٧] (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ) أي: فما أمركم وشأنكم؟ وما الذِي جئتم به غير ما قد بشرتموني به؟ [٥٨] (قَالَوَا إِنَا أَرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ مُجْرِمِينَ) هم قوم لوط. [٥٩](إِلَّا آَلَّ لُوطٍ) فليسوًا مجرمين (إِنَّا لَمُنَجُوهُمْ أَجْمَعِينَ) وآل لوطِ هم أهله وأتباعه أهل دينه. [٦٠] إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ) قضينا وحكمنا أنها من الباقين في العذاب مع الكفرة. [٦٢-٦١] ( فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطِ الْمُرْسَلُونَ. قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) أي: قال لهم لوط: لا أعرفكم، بل أنكركم. [٦٣] (قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ) أي: بالعذاب الذي كانوا يشكون فيه. [٦٤] (وَأَتَيْنَاكَ بالْحَقِّ) وهو العذاب النازل بهم لا محالة (وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) في ذلك الخبر الذي أخبرناك. [٦٥] ( فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطِع مِنَ اللّيْلِ) تقدم تفسيره في (سورة هود، الآية: ٨١) (وَاتَّبَعْ أَدْبَارَهُمْ) أي: كن من ورائهم تذودهم لئلا يتخلف منهم أحد فيناله العذاب (وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدُ) أي: لا تلتفت أنت ولا يلتفت أحد منهم إلى الوراء، ليرى ما نزل بهم من العذاب فيشتغل ويتباطأ عن سرعة السير (وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ) أمَ . " الجهة التي أمركم اللّٰه سبحانه بالمضي إليها، قيل: هي أرض الخليل. [٦٦] (وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ) أي: أوحينا إلى لوط {ذَلِكَ الْأَمْرَ) وهو إهلاك قومه، ثم فسره بقوله: {أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ) أي: أن آخر من يبقى منهم يهلك وقت الصبح. ٦٧١] (وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ) أي: جاء أهل مدينة قوم لوط، وهي سدوم، مستبشرين بأضياف لوط طمعًا في ارتكاب الفاحشة منهم ٦٨]ف( قَالَ) لهم لوط {إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي) رآهم على هيئة الأضياف، وقومه رأوهم مردًا حسان الوجوه [ابتلاء من الله] فلذلك طمعوا فيهم (فَلَا تَفْضَحُونِ) بتعرضكم لهم بالفاحشة، فيعلم الناس أني عاجز عن حماية من نزل بي. [٦٩] (وَاتَّقُوا اللهَ) في أمري (وَلَا تُخْزُونِ) من الخزي: وهو الذل والهوان [خشي أن يلحقه ذلك إن عجز عن حماية أضيافه]. (قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ) أي: ألم نتقدم إليك وننهك عن أن تكلمنا في شأن أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة، وقيل ٠.٥٠ عن حماية الناس. صفحة 266 قَالَ هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ) الفاحشة بضيفي أراد دفعهم بأهون الشَّرَّين. وقيل المراد: فهؤلاء بناتي تزوجوهن حلالًا ولا ترتكبوا الحرام، وقيل: أراد ببناته نساء قومه. [٧٢] (لَعَمْرُكَ) اتفق أهل التفسير في هذا أنه قسم من اللّٰه جل جلاله بمدة حياة محمد وَالِيّي وهو سبحانه يقسم بما شاء من مخلوقاته، كالنجم، والضحى، والشمس، والليل، ونحو ذلك (لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) [ السكرة هنا حالة طغيان الشهوة المحرمة] أي: لفي غوايتهم يضربون على غير تعقل ولا بصيرة. ٧٣] ( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ) العظيمة، أو صيحة جبريل (مُشْرِقِينَ) أي: داخلين في وقت شروق الشمس. [٧٤] (فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا) أيٍ: قلبنا مدينتهم بمن فيها من الناس حتى دفنوا تحتها (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيل ) أي: من طين متحجر. [٧٥] إِنَّ فِي ذَلِكَ) المذكور من قصتهم وبيان ما أصابهم (لَأَيَاتٍ) لعلامات يستدل بها (لِلْمُتَوَسِّمِينَ) للمتفكرين الناظرين في الأمر، والواسم: الناظر إليك من فرقك إلى قدمك. ويحتمل المراد: لأصحاب تلك الفاحشة علامات في وجوههم يعرفها أهل الفراسة. [٧٦] (وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمِ) يعني قرى قوم لوط أو مدينتهم على طريق ثابت، وهي الطريق من المدينة إلى الشام. إِنَّ فِي ذَلِكَ) ما صنعه اللّه بها من العذاب لما عصوها نبيهم، وأصروا على ارتكاب فاحشة اللواطة، وقطع الطريق وإتيان المنكرات مجاهرين (لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) يعتبرون بها. [٧٨](وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ) الأيكة هي الغيضة، وهي مجتمع الشجر، وقيل: الأيكة اسم القرية التي كانوا فيها، وهم قومٍ شعيب. [٧٩] ( وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ) مدينة قوم لوط، ومكان أصحاب الأيكة، أي: وإن المكانين لبطريق واضح. [٨٠](وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ) الحجر، اسم لديار ثمود قوم نبي اللّٰه صالح، وهي ما بين مكة وتبوك. [٨١] (وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا) المنزلة على نبيهم، ومن جملتها الناقة (فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ) غير معتبرين، ولهذا عقروا الناقة وخالفوا ما أمرهم به نبيهم. [٨٢] (وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْحِبَالِ بُيُوتًا) أي: يخرقونها في الجبال نحتًا (آمِنِينَ) من العذاب ركونًا منهم على قوتها ووثاقتها. [٨٣] (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بُهْ جينَ) أي: داخلين في وقت الصبح. [٨٤] ( فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) أي: لم يدفع عنهم شيئًا من عذاب اللّٰه ما كانوا يكسبون من الأموال وما ينحتون من البيوت في الجبال بل أخذتهم الرجفة، وقد تقدم تفسير قصتهم في (سورة هود، الآيات: ٨٣-٧٧)، بأبسط مما هنا. [٨٥](إلَّا بِالْحَقِّ) وهو ما فيهما من الفوائد والمصالح، وقيل: المراد بالحق مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته (وَنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ) أي: وعند إِتْيَانِهَا ينتقم اللّٰه ممن يستحق العذاب، ويحسن إلى من يستحق الإحسان (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) تجاوز عنهم واعف عفوًا حسنًا، وعاملهم معاملة الصفوح الحليم، قيل: وهذا منسوخ بآية القتال. [٨٧] (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي) أكثر المفسرين على أنها الآيات السبع من سورة فاتحة الكتاب، سميت مثاني: لأنها تثنى، أي: تكرر في كل صلاة وقيل: المثاني هي السور السبع الطوال: البقرة، وال عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والسابعة الأنفال (وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) جميع القرآن. [٨٨] (لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيَاءَ، ١) مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ ) أي: صفحة 267 لا تطمح ببصرك إلى زخارف الدنيا طموح رغبة فيها وتمنَّ لها. والأزواج: الأغنياء وأشباههم، وإدامة النظر إليه تدل على استحسانه وتمنيه (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) حيث لم يؤمنوا وصمموا على الكفر والعناد (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) كناية عن التواضع ولين الجانب. [٨٩] (وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ) أي: المنذر المظهر لقومه ما يصيب العصاة من عذاب اللّٰه. [٩٠] ( كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ) أي: أنذرتكم ما أنزلنا على المقتسمين من العذاب، قيل: هم ستة عشر رجلًا بعثهم الوليد بن المغيرة في أيام الموسم، فاقتسموا أنقاب مكة وفجاجها، يقولون لمن دخلها: لا تغتروا بهذا الخارج فينا فإنه مجنون، وربما قالوا: ساحر، أو: شاعر، أو: كاهن، فقيل لهم: مقتسمون. [٩١] (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) أي: أجزاء متفرقة، عضه شعر، وبعضه سحر، وبعضه كهانة، ونحو ذلك. وقيل معنى عضين: إيمانهم ببعض الكتاب وكفرهم ببعض. [٩٢](فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) أي: لنسألن هؤلاء الكفرة أجمعين يوم القيامة. [٩٣] (عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) في الدنيا من الأعمال التي يحاسبون عليها ويسألون عنها. [٩٤] (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ)) أي: أظهر دينك وفرق جمعهم وكلمتهم، بأن تدعوهم إلى التوحيد، فإنهم يتفرقون بعدِ إظهار الدعوة، فيؤمن بك منهم قوم، ويكفر بك آخرون (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) أي: لا تبال بهم ولا تلتفت إليهم إذَا لاموك على إظهار الدعوة. روي أن النبي وَلِلِيِ لم يزل مستخفيً بالدعوة حتى نزلت هِذه الاية فخرج هو وأصحابه معلنًا. [٩٥] (إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِينَ) مع كونهم كانوا من أكابر الكفار، وأهل الشوكة فيهم، وهؤلاء المستهزئون كانوا خمسة من رؤساء أهل مكة: الوليد، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن الطلاطلة. وقد أهلكهم اللّٰه جميعًا وكفاه أمرهم عن قرب. ٩٦](الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ) فلم يكن ذنبهم مجرد الاستهزاء، بل لهم ذنب آخر وهو الشرك بالله سبحانه (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) كيف عاقبتهم في الآخرة. [٩٧] (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) من رميك بالسحر والجنون والكهانة والكذب. [٩٨] (وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) أي: المصلين فإنك إن فعلت ذلك كشف اللّٰه همك، وأذم . نمك، وشرح صدرك. [٩٩] (حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) أي: الموت. والمعنى: اعبد ربك أبدًا ما دمت حيًا. تفسير سورة النحل وتسمي هذه السورة: سورة النِّعم؛ بسبب ما عدَّد الله فيها. [١] (أَنَّى أَمْرُ اللهِ) أي: خروج محم لَلِيي وقيل: عقاب اللّٰه للمشركين، وقال جماعة من المفسرين: هو يوم القيامة، أي: سيأتي لا محالة (فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ) فلا تطلبوا حضوره قبل ذلك الوقت (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) أي: تنزه وترفع عن أن يكون له شريكِ. [٢] (يُنَزَّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوح مِنْ أَمْرِهِ) أي: إنما يُعْلِم اللّٰه أنبياءه بالوحي على ألسن الملائكة، يأتون به إلى من اختصه بذلك وهم الأنبياء (أَنْ أَنْذِرُوا) أي: أعلموا الناس ( أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا) أي: مروهم بتوحيدي وأعلموهم ذلك مع تخويفهم (فَاتَّقُونِ) تحذير لهم من الشرك بالله. [٣] ( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ ٠٤٢ ، بِالْحَقَّ) أي: أوجدهما على صفحة 268 هذه الصفة للدلالة على قدرته ووحدانيته (تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) أي: ترفَّعٍ وتقدَّس عن إشراكهم، أو عن شركة الذي يجعلونه شريكًا له. [٤] ( خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ) وهو المنيُّ، فنقله أطوارًا إلى أن كملت صورته، ونفخ فيه الروح، وأخرجه من بطن أمِّه إلى هذه الدار فعاش فيها (فَإِذَا هُوَ) بعد خلقه على هذه الصفة العجيبة (خَصِيمٌ ) أي: كالمخاصم لله سبحانه في قدرته (مُبِينٌ) ظاهر الخصومة واضحها. [٥] (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ) وهي الإبل والبقر والغنم (فِيهَا دِفْءٌ) وهو ما استدفئ به من أصوافها وأوبارها وأشعارها (وَمَنَافِعُ) وهي ألبانها، وركوبها، ونتاجها، والحراثة بها، ونحو ذلك (وَمِنْهَا تَأْكُلَونَ) أي: من لحومها وشحومها. [٦] (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالَ) تجمُّل وتزيُّن عند الناظرين إليها (حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) وقت ردِّها من مراعيها، ووقت تسريحها إليها. وتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ) وهو متاع المسافر من طعام وغيره، وقيل المراد: تحمل أبدانكم (إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ) أي: لم تكونوا واصلين إليه لو لم يكن معكم إبل تحمل أثقالكم إلا بمشقة تنالكم وترهق أبدانكم. [٨] (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ) أي: وخلق لكم هذه الثلاثة الأصناف (لِتَرْكَبُوهَا) والانتفاع بها في غير الركوب معلوم كالتحميل عليها (وَزِينَةً) أي: [وزينة لكم تزينونها وتركبونها وتجدون في ذلك الفرح في نفوسكم] (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) أي: يخلق ما لا يحيط علمكم به من المخلوقات غير ما قد عدّده ها هنا: في الأرض، وفي البحر، مما لم يره البشر، ولم يسمعوا به [ولعل المراد أنه تعالى لا يزال يخلق من وسائل الانتقال، وأسباب الزينة، ما لم يعلمه البشر]. [٩] (وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ) أي: وعلى اللّٰه بيان الطريق إلى المطلوب بيُسْر وسهولة (وَمِنْهَا جَائِرٌ) أي: ومن الأنعام والخيل والمراكب، ما يجور أي: يميل عن القصد، فتطول بكم الطريق وتتأخرون عن الوصول إلى الأمكنة التي تريدون، والهداية من اللّه. [١٠ ] (لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ) يشربه الناس والمواشي، ومن جملته ماء الآبار والعيون، وقسم يحصل منه شجر ترعاه المواشي (فِيهِ تُسِيمُونَ) أي: في الشجر ترعون مواشيكم. ١١] (وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) جميع أصناف ثمار الفاكهة والثمار النافعة الأخرى (إِنَّ فِ ذَااءَ ) أي: الإنزال والإنبات (لَايَةً) عظيمة دالة على كمال القدرة، والتفرُّد بالربوبية (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) في مخلوقات الله، ولا يهملون النظر في مصنوعاته. ١٢] (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) تسخيرهما للناس تصييرهما نافعين لهم بحسب ما تقتضيه مصالحهم، يتعاقبان دائمًا كالعبد الطائع لسيده (إِنَّ فِي ذَلِكَ) التسخير (لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) أي: يُعْمِلون عقولهم في هذه الآثار الدالة على وجود الصانع وتفرّده، وعدم وجود شريك له. [١٣] (وَمَا ذَرَأْ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوَانُهُ) أي: وما خلق وسخر لهم من المخلوقات الأرضية على اختلاف الألوان، آية عظيمة دالة على وجود الصانع سبحانه وتفرُّده [وإنما جعلها اللّٰه تعالى مختلفة الألوان لمنفعة البشر، فإن ذلك مبعث لسرور أنفسهم ومنبع للمعارف. بخلاف ما لو كانت الأشياء كلها ذات لون واحد] (لآيَةً) واضحة {لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) فإن من تذكر اعتبر، ومن اعتبر استدل على المطلوب. [١٤] (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ) بتمكينكم من الركوب عليه، واستخراج ما فيه من صيد وجواهر (لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيَّا) المراد به السمك ... ذه بالطراوة للإشعار بلطافته صفحة 269 (وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) أي: لؤلؤًا ومرجانًا بجوز للرجال أن يلبسوها، كما يجوز ذلك للنساء، وقيل: المراد يلبسها النساء، وإنما قال: تلبسونها؛ لأنهن يلبسنها لأجلهم (وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ) أي: ترى السفن [تجري في البحر تشق عباب الماء بصدورها] (وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) أي: لتتجروا فيه فيحصل لكم الربح من فضل اللّٰه سبحانه (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي: إذا وجدتم فضله عليكم اعتر فتم بنعمته عليكم، فشكرتم باللسان والأركان. [١٥]( وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ) أي: جبالًا ثابتة (أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) أي: لئلا تضطرب بكم (وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا) أي: طرقًا أظهرها وبينها لتهتدوا بها في أسفاركم. [١٦] (وَعَلَامَاتٍ) أي: وجعل فيها علامات، وهي معالم الطرق (وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) يهتدون بأنواع النجوم المختلفة، فيعرفون الجهات ومنها القبلة، ويهتدون في البر والبحر في سفرهم ليلًا، وقيل: المراد بالنجم هنا: الجدي. [١٧ ](أَفَمَنْ يَخْلُقُ) هذه المصنوعات العظيمة، ويفعل هذه الأفاعيل العجيبة (كَمَنْ لَا يَخْلُقُ) شيئًا منها ولا يقدر على إيجاد واحد منها، وهو هذه الأصنام. [١٨] (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا) فإن كل جزء من أجزاء الإنسان لو ظهر فيه أدنى خلل وأيسر نقص النغص النعم على الإنسان، وتمنى أن ينفق الدنيا لو كانت في ملكه حتى يزول عنه ذلك الخلل (إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) لا يؤاخذكم بالغفلة عن شكر نعمه. اللهم إني أشكرك عدد ما شكرك الشاكرون بكل لسان في كل زمان. [١٩] (وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ) أي: ما تضمرونه من الأمور (وَمَا تُعْلِنُونَ) أي: ما تظهرونه منها. [٢٠] وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) أي: الآلهة الذين يدعوهم الكفار (لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا) من المخلوقات أصلًا لا كبيرًا ولا صغيرًا، ولا جليلًا ولا حقيرًا {وَهُمْ يُخْلَقُونَ ) صنعهم الكفار من الخشب أو الحجارة أو غير ذلك. [٢١] {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) ما تشعر هذه الجمادات من الأصنام متى يبعث عبدتهم من الكفار، أو ما تشعر هذه الأصنام متى تبعث هي. [٢٢] (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) صرِحِ بما هو الحق في نفس الأمر: وهو وحدانيته سبحانه (فَالِّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ) للوحدانية، لا يؤثر فيها وعظ، ولا ينجع فيها تذكير (وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ، . ة ول الحق. [٢٣] (لا جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) أي: حقًّا أن اللّٰه يعلم ما يسرون من أقوالهم وأفعالهم وما يعلنون من ذلك. (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ) أي: لا يحب كل من استكبر، ومنهم هؤلاء الذين يستكبرون عن توحيد الله. [٢٤] (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ) قيل: القائل المسلمون، فأجاب المشركون المنكرون المستكبرون: (قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) أي: ما تدَّعون أيها المسلمون نزوله هو الأباطيل والترهات التي يتحدث الناس بها عن الأمم البائدة. [٢٥] (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً) [أي: فكانت عاقبة تكذيبهم بالقرآن وادعائهم أنه مجرد أساطير، أن ذنوبهم من قولهم هذا وغيره تبقى عليهم يأتون بها يوم القيامة] لم يكفّر منها شيء لعدم إسلامهم الذي هو سبب لتكفير الذنوب (وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلّونَهُمْ) أي: ويحملون بعض أوزار الذين أضلوهم [ممن صدقهم بكذبهم على القرآن] لأن من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها (بِغَيْرِ عِلْمِ) أي: يضلون الناس جاهد ٠١٠٠٠ازمهم من الآثام. صفحة 270 [٢٦] (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) [ دبروا ما دبروا ليحملوا الناس على التكذيب بما جاءت به الرسل] ذَهَبَ أكثر المفسرين إلى أن المراد به نمروذ بن كنعان، حيث بني بناء عظيمًا ببابل، ورام الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها، فأهب اللّٰه الريح، فخر ذلك البناء عليه وعلى قومه فهلكوا (فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ) أتاها أمر اللّٰه من جهة قواعدها فزعزعها (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ سقط عليهم (مِنْ فَوْقِهِمْ) فهلكوا، وما أفلتوا (وَأَنَّاهُمُ الْعَذَابُ) أي: الهلاك (مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ) بل من حيث ظنّوا أنهم في أمان. [٢٧] (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِم بإدخالهم النار، ويفضحهم بذلك ويهيئهم (وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ) كما تزعمون وتدعون (الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقَّوِنَ فِيهِمْ) أي: تخاصمون الأنبياء والمؤمنين فيهم (قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) قيل: هم العلماء، قالوه لأممهم، وكان هذا القول منهم على طريق الشماتة (إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ) أي: الفضيحة يوم القيامة (وَالسُّوءَ) أي: العذاب (عَلَى الْكَافِرِينَ) مختص بهم : [٢٨] (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) بالكفر بما أنزل اللّٰه (فَأَلْقَوُا السَّلَمَ» أي: أقروا بالربوبية، وانقادوا وتركوا المشاقة عند رؤية ملائكة الموت (مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ) قالوا هذا كذبًا. وقيل: إنهم لم يعملوا سوءًا في اعتقادهم. فأجاب أهل العلم (بَلَى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي: بلى كنتم تعملون السوء ولا بنفعكم هذا الكذب شيئًا. [٢٩] (خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) جهنم، والمراد تكبرهم عن الإيمان والعبادة. [ ٣٠] وَقِيلَ لِلْذِينَ اتّقَوْا) وهم المؤمنون يقال لهم عند الموت: (مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا) أي: أنزل خيرًا (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ) أي: يقولون هذا هو القول الذي انزله اللّه، وقيل: هذا من كلام اللّٰه سبحانه، والمعنى: للذين أحسنوا أعمالهم في الدنيا مثوبة حسنة في الدنيا (وَلَدَارُ الْآخِرَةِ) أي: مثوبتها (خَيْرٌ) مما أوتوا في الدنيا (وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ) دار الآخرة. [٣١] (لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ) أي: لهم ذلك في الجنات صفوًا عفوًا يحصل لهم بمجرد اشتهائهم له (كَذَلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ) وهم كل من يتقي الله، ويحذر الشرك، وما يوجب النار من المعاصم [٣٢] (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ) طاهرين من الشرك، أو صالحين، أو زاكية أفعالهم وأقوالهم، أو طيبين الأنفس ثقة بما يلقونه من ثواب اللّٰه (يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ) أي: تسلم عليهم الملائكة تبشيرًا لهم بالجنة؛ لأن السلام أمان ( ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي: بسبب عملكم، أو: جزاء عملكم. وفي الحديث الصحيح: ((سددوا وقاربوا واعلموا أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله، قيل: ولا أنت يا رسول اللّه؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّٰه برحمته». [٣٣] (هَلْ يَنْظُرُونَ) أي: هل ينتظرون في تصديق نبوتك (إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ) شاهدين بذلك (أَوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ) أي: بعذابه في الدنيا المستأصل لهم (كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) من الإصرار على الكفر والتكذيب والاستهزاء، فأتاهم أمر اللّٰه فهلكوا (وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ) بتدميرهم بالعذاب فإنه أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم. ٣٤]( فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا) جزاء سيئات أعمالهم (وَحَاقَ بِهِمْ) أي: نزل بهم على وجه الإحاطة (مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) أي: العذاب. الأم. كانوا به يستهزئون. صفحة 271 [٣٥] (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) من أهل مكة (لَوْ شَاءَ اللهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ) أي: لو شاء عدم عبادتنا لشيء غيره ما عبدنا ذلك الشيء (نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا) الذين كانوا على ما نحن عليه الآن من الشرك بالله (وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ) من السوائب والبحائر ونحوهما. [استدلوا بوجود الشرك منهم وتحريمهم ما لم يحرِّمه اللّٰه على رضى اللّٰه تعالى به، واللّٰه لا يرضى لعباده الكفر ولا الافتراء عليه] ( كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) من طوائف الكفر، فإنهم أشركوا بالله وحرموا ما لم يحرمه، وجادلوا رسله بالباطل واستهز أوا بهم (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ) أما حساب أقوامهم فعلى اللّٰه وليس على الرسل. [٣٦] (وَلَقَدْ بَعَتْنَا فِي كُلِّ أُمَةٍ رَسُولًا لإقامة الحجة عليهم (أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) أي: اتركوا كل لعبود دون اللّٰه كالشيطان والكاهن والصنم، وكل من دعا إلى الضلال (فَمِنْهُمْ) أي: من هذه الأمم التي بعث اللّٰه إليها رسله (مَنْ هَدَى اللهُ) أي: أرشده إلى دينه وتوحيده واجتناب الطاغوت (وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ) أي: وجبت وثبتت، لإصراره على الكفر والعناد [أي: فكان الواجب عليهم طاعة أمر اللّٰه والاستجابة إلى دعوته، لا أن بلتجئوا إلى الجدال بنحو حجتهم الآنف ذكرها، فالله تعالى] يأمر الكل بالإيمان، ولا يريد الهداية إلا للبعض؛ إذ و أرادها للكل لم يكفر أحد {فسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) سي حتبرين {فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبينَ) من الأم السابقة عند مشاهدتكم لاثارهم، كعاد وثمود، صار آخر أمرهم إلى خراب الديار، بعد هلاك الأبدان. [٣٧] (إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ)) تطلب بجهدك ذلك (فَإِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلَّ) أي: فإن اللّٰه لا يرشد من أضله وسبق له عنده الحكم بالضلال (وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) ينصرونهم على الهداية لمن أضله الله، أو ينصرونهم بدفع العذاب عنهم. [٣٨] (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ) أي: جاهدين ( لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ) من عباده، وهم بذلك يحلفون بالله أن اللّٰه كاذب، قاتلهم الله. فرد اللّٰه عليهم ذلك بقوله: (بَلَى) أي: بلى يبعثهم (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا) لا خلف فيه (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ أن ذلك يسير عليه سبحانه غيرٍ عسير. [٣٩] ( لِيُبَيِّنَ لَهُمُ) أي: بل يبعثهم ليبين لهم { الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ) الأمر الذي وقع الخلاف : . ٥م (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) بالله سبحانه وأنكروا البعث (أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ) في إيمانهم وإنكارهم البعث بقولهم: (لَا يَبْعَثُ اللَهُ مَنْ يَمُوتٌ). [٤٠] (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ تَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) لبيان كيفية الإبداء والإعادة بعد بيان سهولة البعث عليه سبحانه. [٤١] (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا) الهجرة ترك الأهل والأوطان (فِي اللهِ) أي: في سبيل نصر دين اللّٰه (مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا) أي: عذبوا وأهينوا، فإن أهل مكة عذبوا جماعة من المسلمين حتى قالوا ما أرادوا منهم، فلما تركوهم هاجروا (لَنُبَوّثَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) فقيل المراد: نزولهم المدينة وما استولوا عليه من فتوح البلاد، وصار لهم فيها من الولايات، وما بقي لهم فيها من الثناء، وصار لأولادهم [وللأمة الإسلامية بعدهم] من العزِّ والشرف (وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ) أي: جزاء أعمالهم في الآخرة (أَكْبَرُ) أي: أكبر مما حصله المهاجرون من حسنات الدنيا الآنفة الذكر (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) أي: لو كان هؤلاء الظلمة يعلمون ذلك. [٤٢] (الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) على ربهم _خاصة يتوكلون في جميه أم. . هم. صفحة 272 [٤٣] (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ) رد على قريش حيث زعموا أن اللّٰه سبحانه أجلّ من أن يرسل رسولًا من البشر (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) أي: فاسألوا أيها المشركون مؤمني أهل الكتاب إن كنتم لا ملمون، فإنهم سيخبرونكم بأن جميع الانبياء كانوا بشرًا. [٤٤ ] (بالبَيِّنَاتِ وَالزَّبُر) أي: أرسلناهم بالبينات والبراهين، والزبر: الكتب (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ) أي: القرآن (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ) جميعًا بأقوالك وأفعالك (مَا نُزَّلَ إِلَيْهِمْ) في هذا الذكر من الأحكام الشرعية والوعد والوعيد (وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) أيٍ: ليتأملوا ويُعْمِلوا أفكارهم فيتعظوا. [٤٥] (أَفَأْمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ) تآمروا ليضلوا الناس عن التصديق بالنبوة، أي: مكروا المكرات السيئات بسعيهم في إيذاء رسول اللّٰه وَالِي وإيذاء أصحابه على وجه الخفية، واحتيالهم في إبطال الإسلام، وكيد أهله ( أَنْ يَخْسِفَ اللّهُ بِهِمُ) كما خسف بقارون (أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ) به في حال غفِلتهم عنه، كما فعلٍ بقوم لوط وغيرهم. [٤٦] (أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلّبِهِمْ)) في أسفارهم ومتاجرهم، وفي حال إقبالهم وإدبارهم، وذهابهم ومجيئهم بالليل والنهار {فَمَاهُمْ بِمُعْجِزِينَ) أي: بفائتين ولا ممتنعين. [٤٧] (أوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ) أي: على تنقص: إما بقتل أو بموت، يعني: ينقص من أطرافهم ونواحيهم، بأخذهم الأول فالأول، حتى يأتي الأخذ على جميعهم (فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) لا يعاجل، بل يمهل رأفة بكم. [٤٨] (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَاخَلَقَ اللَهُ مِنْ شَيْءٍ ) من الجبال والأشجار ونحوها ( يَتَفَيَّأْ ظِلَالُهُ) يميل من جانب إلى جانبن ويكون أول النهار على حال ويتقلص، ثم يعود في آخر النهار على حالة أخرى (عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ) أي: عن جانبي كل واحد منها (سُجَّدًا لِلَّهِ) أي: حال كون الظلال سجدًا لله، يعني: أن هذه الأشياء مجبولة على الطاعة، لأنها كانت كما أرادها اللّٰه أن تكون (وَهُمْ دَاخِرُونَ) أي: والظلال خاضعة لله صاغرة. [٤٩] (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ) أي: له وحده يخضع وينقاد -لا لغيره - ما في السماوات جميعًا، وما في الارض من دابة تدب على الأرض (وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) عن عبادة ربهم وعن السجود. (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْةٍ .* أب: يخافون ربهم حال كونه من فوقهم (وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) به من طاعة الله، يعني: الملائكة، أو جميع من تقدم ذكره. [٥١] (وَقَالَ اللهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ) فنهى سبحانه عن اتخاذ إلهين، كما فعل الثنوية الذين عبدوا إلهين: إله النور، وإله الظلمة. ثم أثبت أن الإلهية منحصرة في إله واحد، وهو اللّٰه سبحانه (فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) أي: إن كنتم راهبين شيئًا فارهبوني لا غيري. [٥٢] (وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا) أي: ثابتًا واجبًا دائمًا لا يزول. والدين: هو الطاعة والإخلاص، فليس أحد يطاع إلا انقطع ذلك بزوال أو بهلكة، غير اللّٰه تعالى، فإن الطاعة تدوم له (أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ) أي: أتخافون غير اللّٰه ممن يسمَّى إلهًا وأمره إلى زوال؟ بل خافوا اللّٰه وحده الذي له الطاعة الدائمة. [٥٣] (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ) من النعم على اختلاف أنواعها (فَمِنَ اللهِ النعمة: إما دينية، وهي معرفة الحق لذاته، ومعرفة الخير لأجل العمل به؛ وإما دنيوية: نفسانية، أو بدنية؛ أو خارجية، كالسعادات المالة مغ ها. والكل من اللّٰه سبحانه، صفحة 273 فعلى العاقل أن يشكر المنعم على كل ذلك (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضٌّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ) تتضرعون في كشفه. والضر: المرض والبلاء والحاجة والقحط، وكل ما يتضرر به الإنسان. [٥٤] (ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) يضعون الإشراك بالله الذي أنعم عليهم بكشف ما نزل بهم من الضر مكان الشكر له. [٥٥] (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ ) يعني: ما كانت عاقبة تلك التضرعات إلا هذا الكفر (فَتَمَتَّعُوا) بما أنتم فيه من عبادة غير اللّٰه (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) عاقبة أمركم، وما يحل بكم من العذاب في هذه الدار وفي الدار الآخرة. [٥٦] (وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ) بعد ما وقع منهم الجؤار إلى اللّٰه سبحانه في كشف الضر عنهم: يجعلون لما لا يعلمون حقيقته من الجمادات والشياطين نصيبًا مما رزقهم من أموالهم يتقربون به إليه. ٥٧] (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ) وقد كانت خزاعة وكنانة تقول: الملائكة بنات اللّٰه (سُبْحَانَهُ) نزَّه نفسه عما نسبه إليه هؤلاء الجفاة (وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ) أي: ويجعلون لأنفسهم ما يشتهونه مِن البنين الذكور. [٥٨] ( وَإِذَا بُشَرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى) أي: إذا أُخْبِر أحدهم بولادة بنت له (ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا) أي: متغيرًا مما يحصل له من الغم وظهور الكآبة والانكسار (وَهُوَ كَظِيمٌ) أي: ممتلئ من الغم غيظًا وحنقًا، يكتم غيظه ولا يظهره. [٥٩] (يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ) أي: يتغيب ويختفي (مِنْ سُوءِ مَا بُشَرَ بِهِ) من سوءَ الحزنِ والعار والحياء الذي بلحقه بسبب حدوث البنت له (أَيُمْسِكُهُ) أي: لا يزال مترددًا بين الأمرين: وهو إمساك البنت التي بشر بها، أو دفنها في التراب (عَلَى هُونٍ) أي: على ذلِّ وانكسار {أَمْ يَدُمُّهُ فِي التُّرَابِ) أي: يخفيه في التراب بالوأد كما كانت تفعله العرب (أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) حيث أضافوا البنات التي يكرهونها إلى اللّٰه سبحانه وأضافوا البنين إلى أنفسهم. [٦٠] (لِلّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ) [هذا وجه آخر في الرد على من قال عن الملائكة: إنها بنات اللّه، فإن الولد مثل أبيه، أي: اختاروا أضعف الجنسين ليكون عندهم مثلاً لله، بل لهؤلاء الذين وصفوا اللّٰه سبحانه بهذه القبائح الفظيعة مثل السوء، أي: صفة السوء من الجهل والكفر بالله] (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) من الغنى الكامل والجود الشامل والعلم الواسد - - ٦١] (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ)) المراد بالناس هنا: الكفار أو جميع العصاة، وظلمهم: دعوى المشركين أن الأصنام بنات اللّٰه (مَا تَرَكَ عَلَيْهَا) أي: على الأرض (مِنْ دَابَّةٍ) المراد بالدابة: كل ما دب على الأرض من الحيوان، وذلك بإهلاك الظالم انتقامًا منه، وإهلاك غيره بشؤم ظلم الظالمين، فيمنع عنهم المطر حتى يهلكوا، ويصيبهم غير ذلك من القوارع، عن قتادة: قد فعل ذلك في زمن نوح، أهلك اللّٰه ما على ظهر الأرض من دابة إلا ما حمل في سفينته (وَلَكِنْ يُؤَخّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى) وهو منتهى حياتهم وانقضاء أعمارهم، أو أجل عذابهم ( فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) تقدم تفسيره في (سورة الأعراف، الآية: ٣٤). [٦٢] (وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ) أي: ما يكرهونِ نسبته إلى أنفسهم من البنات (وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى) أي: الخصلة الحسنى، وهي الأولاد الذكور، وقيل: الجزاء الحسن (لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ) أي: حقًّا أنها لهم مكان ما جعلوه لأنفسهم {وَأَنْهُمْ مُفْرَطَونَ) أي: متروكون منسيون في النار، وقال قتادة: معجا. ١١٠١.م١ مقدمون في دخولها. صفحة 274 [٦٣] ( فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ) الخبيثة ( فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ) أي: فهو قرينهم في الدنيا، وقيل المراد: الشيطان وليهم أي: ناصرهم يوم القيامة، فليستنصروه إن كان لديه نصر. [٦٤] (لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ) من التوحيد وأحوال البعث وسائر الأحكام الشرعية (وَهُدّى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) بالله سبحانه ويصدقون ما جاء به الرسل ونزلت به الكتب. [٦٥]( فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)) أي: أحياها بالنبات بعد أن كانت يابسة لا حياة بها (إِنَّ فِي ذَلِكَ) الإنزال والإحياء (لَآيَةً) دالة على وحدانيته، وعلى بعثه للخلق ومجازاتهم (لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) كلام الله، ويفهمون ما يتضمنه من العبر. ٦٦] (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً) الأنعام: الإبل والبقر والغنم {نَسْقِيكَمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَم) الفرث: الزبل الذي ينزل في الكرش، فإذا خرج منه لم يُسر فرثًا، والمعنى: أن الشيء الذي تأكله يكون أسفله فرثًا، وأعلاه دمًا، وأوسطه (لَبَنَّا) فيجري الدم في العروق واللبن في الضروع (خَالِصًا) يعني: مصفى من حمرة الدم وقذارة الفرث بعد أن جمعهما وعاء واحد (سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ) لذيذًا هنيئًا لا يغص به من شربه [ويسهل مضمه وينتفع به شاربه]. [٦٧] (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ) أي: نسقيكم مما في بطونه ومن ثمرات النخيل والعنب ( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًّا) السَّكَرُ: ما يسكر من الخمر. والرزق الحسن: جميع ما يؤكل من هاتين الشجرتين، كالثمر والدبس والزبيب والخل. وكان نزول هذه الآية قبل تحريم الخمر (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) عند النظر في الآيات التكوينية. [٦٨] (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) الوحي: الإلهام (أَنِ تَخِذِي مِنَ الحِبَالِ بُيُوتَا وَمِنَ الشَجَرِ) أي: مساكن توافقها وتليق بها، في كوى الجبال وتجويف الشجر {وَمِمَّا يَعْرشونَ) العروش التي يعرشها بنو آدم، وهي الخلايا التي تصنع لتكون بيوتًا للنحل. وأكثر ما يستعمل فيها الخشب [٦٩] (ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) تأكل من الزهر والثمر (فَاسْلُكِي سُبْلَ رَبِّكِ) أي: اسلكي ما أكلت في سبل ربك، أي: في مسالكه في بطون النحل التي يحيل فيها بقدرته الرحيق عسلًا، أو: إذا أكلت الثمار في الأمكنة البعيدة فاسلكي إلى بيوتك راجعة سبل ربك لا تضلين فيها (ذُلُلا) أي: مذللة غير متوعرة (شَرَاب) هو العسل ( مُخْتَلِ. أَاْ. انُهُ) بعضه أبيض، وبعضه أحمر، وبعضه أزرق، وبعضه أصفر (فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاس) قالت طائفة: إن ذلك خاص يبعض الأمراض (إِنَّ فِي ذَلِكَ) من أمر النحل (لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) أي: يعملون أفكارهم عند النظر في صنع اللّٰه سبحانه وعجائب مخلوقاته، فإن أمر النحل من أعجبها وأغربها وأدقها وأحكمها. ٧٠٦] ( يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ) هو عند أن يصير الإنسان إلى الخَرَف، بمنزلة الصبي الذي لا عقل له (لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْم ) كان قد حصل له ( شَيْئًا) من العلم لا كثيرًا ولا قليلا. واللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرَّزْقِ) فوسع عل بعض عباده وضيَّقَه على بعض عباده حتى صار لا يجد القوت، وذلك لحكمة بالغة. وقيل: معنى الآية: أن اللّٰه سبحانه أعطى الموالي أفضل مما أعطى مماليكهم، بدليل قوله: (فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ) أي: المالكون والمماليك (فِيهِ) أي: في الرزق (سَوَاءً) أي: لا يردونه عليهم بحيث يساوونهم، أي: فكيف تجعلون عبيدي شركاء معي سواء فتعبدونهم وأنتم لم تجعلوا عبيدكم مشاركين لكم في أموالكم (أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ) - * ...ملون ما يفعلون من الشرك. صفحة 275 [٧٢] (وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ) أي: خلق لكم من جنسكم نساء تتزوجونهن لتستأنسوا بهن (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً) الحفدة: أولاد الأولاد، وقيل: الأولاد الذين يخدمونه (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَِّّبَاتِ) التي تستطيبونها وتستلذونها {أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ) الباطل هو اعتقادهم في أصنامهم أنها تضر وتنفع. [٧٣] (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا) المعنى: أن هؤلاء الكفار يعبدون معبودات لا تملك أن ترزقهم أي رزق من السماوات أو الأرض (وَلَا يَسْتَطِيعُونَ) أن يتصرفوا، فهم من الجمادات ولا كسب لهم [٧٤] ( فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ) لا تجعلوا لله مثلاً؛ لأنه واحد لا مثل له، وكانوا يقولون: إنَّ إلة العالم أجلُّ من أن يعبده الواحد منا مباشرة، فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك وأولئك الأكابر يخدمون الملك. [٧٥] (ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ) يكتسبه، فهو لا يملك شيئًا (وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا)) أي: من جهتنا (رِزْفًا حَسَنَّا) من الأحرار الذين يملكون الأموال ويتصرفون بها كيف شاءوا (فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ) على نفسه وفي وجوه الخير، ويصرف منه إلى أنواع البر والمعروف (سِرًّا وَجَهْرًا) أي: في أي وقت شاء بكامل إرادته (هَلْ يَسْتَوُونَ) أي: هل يستوي الحر والعبد الموصوفان بالصفات المتقدمة، فكذلك لا يستوي الرب الخالق الرازق، والجمادات من الأصنام التي تعبدونها وهي لا تضر ولا تنفع {الْحَمْدُ لِلَّهِ) أي: الحمد لله كله على كمالاته (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) ذلك حتى يعبدوا من تحق له العبادة، ويعرفوا المنعم عليهم بالنعم الجليلة. [٧٦] (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلا ) آخر أوضح مما قبله وأظهر منه (رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ) الأبكم: العَبِيُّ المفحمِ، وقيل هو الأقطع اللسان الذي لا يحسن الكلام ( لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ لعدم فهمه وعدم قدرته على النطق (وَهُوَ كَلّ عَلَى مَوْلَاهُ» يعتمد على وليه وقرابته (أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرِ) لأنه عاجز عن التصرف لا بمكنه أن يتكلم (هَلْ يَسْتَوِي هُوَ) في نفسه مع هذه الأوصاف التي اتصف بها (وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ) أي: يأمر الناس بالعدل (وَهُوَ) في نفسه (عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمِ) على دين قويم وسيرة صالحة، والمقصود: امتناع التساوي بينه سبحانه وبين ما يجعلونه شريكًا له من الأصنام التي لا تنطق، ولا تستما - أ:. تصنع شيئًا. ٧٧٦] (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: يختص ذلك به لا يشاركه فيه غيره ولا يستقل به (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ) من الغيوب المختصة به سبحانه (إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) وصف سرعة القدرة على الإتيان بهاً، لأنه يقول للشيء: كن، فيكون (إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ومجيء الساعة بسرعة من جملة مقدوراته. [٧٨] (وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) أي: أطفالًا لا علم لكم بشيء (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْتِدَةَ أي: ركب فيكم هذه الأشياء، لتحصلوا بها العلم (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي: لكي تصرفوا كل آلة فيما خلقت له، فتعرفوا مقدار ما أنعم اللّٰه به عليكم فتشكروه. ٧٩] (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ) مذللات للطيران بما خلق اللّٰه لها من الأجنحة، وسائر الأسباب المواتية لذلك، كرقة قوام الهواء، وإلهامها بسط الجناح وقبضه كما يفعل السابح في الماء (فِي جَوِّ السَّمَاءِ) في الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو (مَا يُمْسِكُهُنَّ) في الجو (إِلَّا اللهُ) بقدرته ١.١١ هرة. صفحة 276 [٨٠] (وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنَّا) تسكنون فيها وتهدأ جوارحكم من الحركة (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا) وهي بيوت البادية والرحلة، كالخيام والقباب (تَسْتَخِفّونَهَا) أي: يخف عليكم حملها في الأسفار وغيرها (يَوْمَ ظَعْنِكُمْ) الظعن: سير أهلِ البادية للانتجاع والتحوُّل من موضع إلى موضع (وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا) الأصواف للغنم، والأوبار للإبل، والأشعار للمعز، والأثاث متاع البيت، والمتاع ما يفرش في المنازل وينتفع به ويتزين به (وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) إلى أن تقضوا أوطاركم منه، أو إلى أن يبلي ويفنى. ٨١] (وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا) أي: أشياء ستظلون بها من حر الشمس (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الحِبَالِ أكْنَانًا) وهو ما يستكنُّ به من الريح السموم (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ ) هي القمصان والثياب من الصوف والقطن والكتان وغيرها (تَقِيكُمُ الْحَرَّ) تدفع عنكم ضرر الحر، [وخصَّ الحرَّ ولم يذكر البردب لكون الآية في الامتنان بما يقي من الحرِّ فقط] (وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ) وهي الدروع والجواشن يتقون بها الطعن والضرب والرمي (كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} بصنوف النعم المذكورة ها هنا وبغيرها ( لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) فإن من أمعن النظر في هذه النعم لم يسعه إلا الإسلام والانقياد للحق. [٨٢] (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) وليس عليك غير ذلك [فلم يكلفك اللّٰه أن تحملهم على الإيمان وتدخله في قلوبهم]. [٨٣] (يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا) ينكرونها بأفعالهم القبيحة من عبادة غير الله، وبأقوالهم الباطلة، حيث يقولون: هي بشفاعة الأصنام، وإنهم ورثوا تلك النعم من آبائهم، ولا يستعملون هذه النعم في مرضاة الرب سبحانه (وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ) أي: الجاحدون لنعم اللّٰه. [٨٤] (وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا) وشهيد كل أمة: نبيها، يشهد لهم بالإيمان والتصديق، وعليهم بِالكفر والجحود والتكذيب، وذلك يوم القيامة (ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) في الاعتذار؛ إذ لا حجة لهم ولا عذر، أو في الرجوع إلى دار الدنيا (وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) لأن العتاب إنما يطلب لأجل العود إلى الرضى، فإذا كان على عِزم السخط فلا فائدة في العتاب. [٨٥] (وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابِ) الذي يستحقونه بشركهم، وهو عذاب جهنم (فَلَا يُخَفَّفُ) ذلك العذاب (عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ) أي: ٧٠ • بمهلون ليتوبوا. [٨٦]وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ) أي: أصنامهم وأوثانهم التي عبدوها، فإنهم يبعثون مع المشركين (قَالُوا رَبَّنَا هَؤْلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ) ومقصودهم إحالة الذنب على تلك الأصنام (فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ) أي: أنطق اللّٰه الأصنام والأوثان والشياطين فقالوا للمشركين (إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ) فيما تزعمون من إحالة الذنب علينا، بل الذنب ذنبكم، وقيل: المراد تكذيبهم في قولهم: إنهم شركاء، فليس لله شريك. [٨٧] (وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذِ السَّلَمَ) الاستسلام والانقياد لعذابه والخضوع لعزته (وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) ضاع وبطل من كانوا يعبدونه، فلم يستطع له شيئًا. ٨٨] (الَّذِينَ كَفَرُوا) في أنفسهم (وَصَدُّوا) غيرهم (عَنْ سَبِيلِ اللهِ وهي طريق الإسلام، منعوهم من سلوكها، وحملوهم على الكفر بتزيينه لهم [ أو حملِهِم بالقوَّة والإكراه على الكفر بالله تعالى ومعاداة أنبيائه وأوليائه] (زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ) أي: زادهم اللّٰه عذابًا لأجل الإضلال لغيرهم فوق العذاب الذي استحة. لأ -١، ضلالهم في ذات أنفسهم. صفحة 277 [٨٩] (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِدًا عَلَيْهِمْ ) أي: نبيًّا يشهد عليهم (مِنْ أَنَفُسِهِمْ) من جنسهم، إتمامًا للحجة وقطعًا للمعذرة (وَجِئْنَا بِكَ) يا محمد (شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ) أي: تشهد على هذه الأمم وتشهد لهم، وقيل: على أمتك، وقد تقدم مثل هذا في (سور البقرة: ١٤٣، والنساء: ٣٣) (وَتَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ أي: القرآن (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ» أي: فيه البيان لكثير من الأحكام، وفيه الأمر لهم باتباع رسوله وَالِيه فيما يأتي به من الشرائع. وقيل: في القرآن نفسه بيان كل الأحكام [أي: جُمَلِها وأصولها بمنطوقه ومفهومه وإشارته وتنبيهه، وسوى ذلك من أنواع الدلالات والمدلولات]. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: إن اللّٰه أنزل هذا الكتاب تبيانًا لكل شيء، ولكن علمنا يقصر عما بُيِّنَ لنا في القرآن (وَهُدى) للعباد (وَرَحْمَةً) لهم (وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) خاصة دون غيرهم؛ لأنهم المنتفعون بذلك. [٩٠] (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) العدل: الإنصاف [بين الناس وعدم تفضيل بعضهم على بعض في الحكم لهم أو عليهم إلا بحقّ يوجب ذلك] ومن العدل التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، والإحسان: التفضل بما لم يجب، كصدقة التطوُّع وما يثاب عليه العبد مما لم يوجبه اللّٰه عليه في العبادات وغيرها (وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى) أي: إعطاء القرابة ما تدعو إليه حاجتهم (وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ) هي الخصلة المتزايدة في القبح من قول أو فعل كالزنى والبخل {وَالْمُنْكَرِ) ما أنكره الشرع بالنهي عنه، لو يعمّ جميع المعاصي وَالبَغى هو الكبر والظ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ بما كره في هذه الآية ما أمركم به ونهاكم عنه، فتتعظون بما وعظكم اللّٰه به. [٩١]وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ) كل عهد يقع من الإنسان كعهد البيعة وغيره (وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا) أي: بعد تشديدها وتغليظها وتوثيقها (وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ) شهيدًا ضامنًا (إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) فيجازيكم به. [٩٢] (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا) أي: ما غزلته من القطن أو الصوف أو نحوهما (مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ) أي: من بعد إبرام الغزل وإحكامه (أَنْكَاثًا) أي: فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم مثل امرأة غزلت غزلًا وأحكمته، ثم [لحُمْقِها] جعلته أنكاثًا، أي: محلولًا كما كان قبل أن تغزله ( تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ ) الدخَل: المكر والخديعة والغش (أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ) أي: أكثر عددًا ١٠٠٠. أ. فر مالًا، قيل: هو تحذير للمؤمنين أن يغترُّوا بكثرة قريش وسعة أموالهم، فينقضوا بيعة النبي وَيّه، وعن مجاهد قال: كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعز، فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون هؤلاء الذين هم أعز، فنهوا عن ذلك (إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ) أي: يختبركم هل تتمسكون بحبل الوفاء، أم تنقضون اغترارًا بالكثرة (وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) فيوضح الحق والمحقين ويرفع درجاتهم، ويبين الباطل والمبطلين فينزل بهم من العذاب ما يستحقونه. [٩٣] (وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ) متفقة على الحق {وَلَكِنْ) بحكم الإلهية (يُضِلّ مَنْ يَشَاءُ) بخذلانه إياهم عدلًا منه فيهم حتى يستسهلوا النكث والنقض للمواثيق (وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) بتوفيقه إياهم فضلًا منه عليهم (وَلَتُسْأَلُنَّ) يوم القيامة (عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) من الأعمال في الدنيا. [٩٤] (وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ)) وهي أيمان البيعة، نهي الذين بايعوا رسول اللّٰه واليةِ عن نقض العهد على الإسلام ونصرة الدين ( فَتَزِلِّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا) [أي: فيخطئ خطأ كبيرًا من نقض عهده، وقد يكوا، ف. ذلك هلاكه بعد أن كان راسخ صفحة 278 القدم في الثبات على العقود والدوام عليها] (وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ فإن من نقض البيعة وارتدَّ، اقتدى به غيره في ذلك، فكان فعله سنة سيئة، عليه وزرها ووزر من عمل بها (وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) وهو عذاب الآخرة. [٩٥] (وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَنَّا قَلِيلًا) عوضًا يسيرًا حقيرًا، وهو كل عرض دنيوي وإن كان في الصورة كثيرًا؛ لأنه مهما كان لا يساوي عاقبة الغدر (إِنَّمَا عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) أي: ما عنده من النصر في الدنيا والغنائم والرزق الواسع، وما عنده في الآخرة من نعيم الجنة [ خيرٌ لكم مما ترجون حصوله لهم بالغدر ونقض العهود] (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي: إن كنتم من أهل العلم والتمييز. [٩٦] ( مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ) يزول وإن بلغ في الكثرة أيَّ مبلغٍ، وأما نعيم الآخرة فهو الباقي الذي لا ينقطع (وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أي: لنجزينهم بسبب صبرهم على الثبات على عهدهم مع النبي وَاِي واستمرارهم على القيام بمشاق التكليف، وجهاد الكافرين، والصبر على ما ينالهم منهم من الإيذاء، بأحسن ما كانوا يعملون من الطاعات. [٩٧] (وَهُوَ مُؤْمِنُ) لأن عمل الكافر لا اعتداد به (فَلَنُحْيِنَّهُ حَيَاةً طَيّبَةً) بالرزق الحلال، وبالتوفيق إلى حِلاوة الطاعة. وقيل: هي حياة الجنة (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) قدَّمنا تفسيره قريبًا. [٩٨] (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ) إذا أردت أن تقرأ القرآن ( فَاسْتَعِذْ بِاللهِ) أي: اسأله سبحانه أن يعيذك من وساوس الشيطان الرجيم. [٩٩](إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانُ) أي: ليس للشيطان تسلط (عَلَى) إغواء (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) يفوضون أمورهم إليه في كل قول وفعل، فإن الإيمان بالله والتوكل عليه يمنعان الشيطان من وسوسته لهم، إن وسوس لأحد منهم لا تؤثر فيه وسوسته. ١٠٠) {إنَّمَا سُلْطَانُهُ) أي: تسلطه بالإغواء (عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ) أي: يتخذونه وليًّا، ويطيعونه في وساوسه، ويعصون اللّٰه تعالى (وَالّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) الذين هم من أجله وبسبب وسوسته مشركون بالله. [١٠١] ( وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ) وهو نسخها بآية سواها. وقد تقدم الكلام على النسخ في (سورة البقرة: ١٠٦). (قَالُوا) أي: كفار قريش الجاهلون لل-ك.ة ف ، النسخ {إِنَّمَا أَنْتَ) يا محمد (مُفْتَرِ) أي: كاذب مختلق على اللّٰه متقوِّل عليه بما لم يقل، حيث تزعم أنه أمرك بشيء، ثم تزعم أنه أمرك بخلافه (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) بالحكمة في النسخ، فقد يكون في شرع هذا الشيء مصلحة مؤقتة بوقت، ثم تكون المصلحة بعد ذلك [١٠٢ ](قُلْ نَزَّلَهُ) أي: القرآن (رُوحُ الْقُدُس) أي: جبريل المطهر من أدناس البشرية (مِنْ رَبِّكَ) تنزيله من عنده سبحانه (بالْحَقِّ) الذي لا خطأ فيه، لحكمة بالغة ( لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا) على الإيمان (وَهُدى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) [ يهديهم إلى الأحكام الناسخة، ويبشرهم على إيمانهم بالناسخ والمنسوخ وغيرهما من كتاب الله]. [١٠٣] ( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلَّمُهُ بَشَرٌ) أي: ولقد نعلم أن هؤلاء الكفار يقولون: إنما يعلم محمدًا القرآن بشر من بني آدم غيرُ مَلَكِ. وهذا البشر الذي زعموا عليه ما زعموا قيل: هو غلامٍ الفاكه بن المغيرة، واسمه جبر، وكان نصرانيًّا فأسلم ( لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ) أي: لغة الذين يميلون إليه ويزعمون أنه يعلمك أعجمة، فا س هو من الفصاحة في شيء صفحة 279 (وَهَذَا القرآن (لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) ذو بلاغة عربية وبيان واضح، فكيف تزعمون أن بشرًا يعلمه من العجم، وقد عجزتم أنتم عن معارضة سورة منه، وأنتم أهل الفصاحة وقادة البلاغة؟ [١٠٤] (إِنَّ الّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ) أي: لا بصدقون بها (لَا يَهْدِيهِمُ اللهُ) إلى الحق الذي هو سبيل النجاة لما علم من شقاوتهم (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) بسبب ما هم عليه من الكفر والتكذيب. [١٠٥] (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ فكيف يقع الافتراء من رسول اللٰه وَلِيِ و هو رأس المؤمنين بها، إنما يصدر الكذب عن الكافر الذي لا يؤمن بالله، ولا يرجو ثواب الصدق ولا يخشى إثم الكذب (وَأُولَئِكَ) المتصفون بذلك (هُمُ الْكَاذِبُونَ) أي: إن الكذب نعت لازم لهم وعادة من عاداتهم. [١٠٦](مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ) هذه الآية فيمن يرتد بأن ينطق بقول الكفر، أو بفعله، بعد أن يكون قد دخل في الإسلام، فله حالتان: أما من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل، فإنه لا إثم عليه بقول يقوله، أو فعل يفعله، كالسجود لغير الله، إن صدر منه ذلك (وَقَلْبُهُ مُطْمَئِّنٌّ بِالْإِيمَانِ) ولا يحكم عليه بحكم الكفر. وذهب الحسن والأوزاعي والشافعي وسحنون إلى أن هذه الرخصة إنما جاءت في القول، وأما في الفعل فلا رخصة. والحالة الثانية أن كون ارتد مختارًا عامدًا راضيًا بالكفر بعد الإيمان فإليه يتوجه الوعيد الآتي في قوله تعالى: (وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا) أي: رضي به واطمأن إليه بعد أن كان في عداد المؤمنين، فهذا وأمثاله (عَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير: أخذ المشركون عمار بن ياسر، فلم يتركوه حتى سب النبي وَلِي وذكر آلهتهم بخير، فتركوه، فلما أتى النبي وَالِي قال: ((ما وراءك؟» قال: شر، قال: ((إن عادوا فعد) فنزلت. ١٠٧٦] (ذَلِكَ) الكفر بعد الإيمان (بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا أي: بسبب إيثارهم للحياة الدنيا (عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) إلى الإيمان به. ١٠٨٦] (أُولَتِكَ) المرتدون المؤثرون للدنيا على أمر اللّه والإيمان به، هم (الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ) فلم يفهموا المواعظ، ولا سمعوها، ولا أبصروا الآيات التي يستدل بها على الحق (وَأَولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) عما يراد بهم، لا غناة منا غفلتهم هذه. [١٠٩ ] (لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) أي: حقًّا أنهم الكاملون في الخسران، البالغون إلى غاية منه ليس فوقها غاية. [١١٠ ] (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا) من دار الكفر إلى دار الإسلام (مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ) أي: فتنهم الكفار بتعذيبهم لهم فرجعوا في الكفر (ثُمَّ جَاهَدُوا) في سبيل اللّٰه (وَصَبَرُوا) على الجهاد، وعلى ما يلقونه من مشاق التكليف (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) لهؤلاء المفتونين الذين تكلموا بكلمة الكفر مكرهين، وصدورهم غير منشرحة للكفر، إذا صلحت أعمالهم، وجاهدوا في اللّٰه وصبروا. وقيل المعنى: إنه غفور رحيم للذين افتتنوا، فنطقوا بكلمة الكفر خوفًا، حتى انشرحت له صدورهم، إن تابوا إلى اللّٰه تعالى، وهاجروا إلى رسوله، وجاهدوا معه. ١١١] (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا) يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لينجو، ولا يهمه غيرها. [١١٢](وَضَرَبَ اللَهُ مَثَلًا قَرْيَةً) [ هو مثل ضربه اللّٰه لأهل مكة بقرية من القرى الظالمة، لتتعظ قريش فلا تستمر على ضلالها]. وقيل: القرية هذا ه مكة نفسها، ضربها اللّٰه مثلاً لغيرها، صفحة 280 وذلك لما دعا عليهم رسول اللّٰه وَلِّي وقال: ((اللهم اشدد وطآتك على مُضَر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف»، فابتلوا بالقحط حتى أكلوا العظام. والمثل إنذار لغير مكة من مثل عاقبتها (كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَيِنَّةً) أي: لا يخاف أهلها ولا ينزعجون (يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا) واسعًا (مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) من الأمكنة التي يجلب ما فيها إليها (فَكَفَرَتْ)) أي: كفر أهلها (بِأَنَّعُمِ اللهِ) التي أنعم بها عليهم، وهذا الكفر منهم هو كفرهم بالله سبحانه وتكذيب رسله (فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) ما يظهر به عليهم من الهزال وشحوبة اللون وسوء الحال. [١١٣] (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ) يعني: أهل مكة [ أو القرية الممثل بها] (رَسُولٌ مِنْهُمْ) من جنسهم يعرفونه ويعرفون نسبه ( فَكَذَّبُوهُ) فيما جاء به ( فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ) النازل بهم من اللّٰه سبحانه (وَهُمْ ظَالِمُونَ) لأنفسهم بإيقاعها في العذاب الأبدي. [١١٤ ] (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلَالَا طَيِّبَا) أي: فكلوا الحلال الطيب الذي خلقه اللّٰه لكم ولم يحرمه عليكم واتركوا الخبائث وهو ما حرَّمه عليكم مثل الميتة والدم (وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ) التي أنعم بها عليكم واعرفوا حقها (إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) ولا تعبدون غيره. [١ ١٥] (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ) تقدم تفسيره في (سورة البقرة: ١٧٣). [١١٦] وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ) معناه: لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم من غير حجة، فتقول: (هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ) أي: فيكون من ذلك افتراؤكم على اللّٰه الكذب بالتحليل والتحريم، وإسناد ذلك إليه من غير أن يكون منه [فإن التحليل والتحريم وشَرْع أحكام الدين من حق اللّٰه تعالى وحده، فليس لأحد من البشر أن يشرع دينًا من عند نفسه. وإذا شرعه من عند نفسه ثم نسبه إلى اللّٰه تعالى كان في ذلك إثم الافتراء والكذب على اللّه بالإضافة إلى إثم التحليل والتحريم] (إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) وفي الآية الأخرى جعل الذين يفترون على اللّٰه الكذب أشد الناس ظلمًا، وهي قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا) والفلاح: هو الفوز بالمطلوب. وورد عن أبي نضرة قال: («قرأت هذه الآية من سورة النحل، فلم أزل أخاف الفتيا». وصدق، فإن هذه الآية تتناول بعموم لفظها فتيا من أفتى بخلاف ما في كتاب اللّٰه وسنة رسوله وَالِي، كما :ة - * ١٣ من المؤثِرين للرأي المقدِّمين له على الرواية، أو الجاهلين لعلم الكتاب والسنة. وإنهم لحقيقون أن يحال بينهم وبين فتاويهم، ويُمْنَعوا من جهالاتهم، فإنهم قد أفتوا بغير علم من الله، ولا هدى ولا كتاب منير، فضلوا وأضلوا. ١١٧](مَتَاعٌ قَلِيلٌ) أي: لهم متاع قليل [ بهذا القول الذي يحرمون به ويحللون بأهوائهم] (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) يردون إليه في الآخرة. [١١٨]وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا) أي: اليهود: حرمنا عليهم خاصة دون غيرهم (مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ) أي: بقولنا (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرِ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَم حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمِ) الآية: ١٤٦ ، من سورة الأنعام. أي: فهذه دون غيرها هي المحرمات من الأطعمة التي حرَّمها اللّٰه تعالى في القرآن وفي التوراة، فمن أين أتيتم بتحريم ما تحرمونه من غير ذلك؟ (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ) أي: ما ظلمنا اليهود بذلك التحريم، بل جزيناهم ببغيهم (وَلَكِنْ كَانُوا أَنَّفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) حيث فعلوا أسباب ذلك فحرَّمنا عليه . ١١٠ء . الأشياء عقوبة لهم. صفحة 281 [١١٩] (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ) تقدم تفسيره هذه الآية في (سورة النساء، الآية: ١٧)، (ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) أي: من بعد عملهم للسوء (وَأَصْلَحُوا) أعمالهم التي كان فيها فساد ( إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا) أي: من بعد التوبة ( لَغَفُورٌ رَحِيمٌ). [١٢٠] (إِنَّ إِبْرَاهِيم كَانَ أَمَّةً)) أي: كان معلمًا للخير أو جامعًا لخصال الخير، أو عالمًا بما علمه اللّٰه من الشرائع (قَانِتًا لِلَّهِ) القانت: المطيع الذي ملأت خشية اللّٰه جوانحه، وحكمت جوارحه (حَنِيفًا) الحنيف: المائل عن الأديان الباطلة إلى دين الحق (وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) بالله كما تزعمه كفار قريش أنه كان على دينهم الباطل. [١٢١ ]( شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ) التي أنعم اللّٰه بها عليه (اجْتَبَاهُ) أي: اختاره للنبوة، واختصه بها (وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم) هو ملة الإسلام ودين الحق. [١٢٢] (وَاتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) أي: خصلة حسنة، قيل: هي الولد الصالح، وقيل: النبوة، وقيل: هي أنه يتولاه جميع أهل الأديان، [وكان له أموال وأنعام]. [١٢٣] (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ يا محمد مع علو درك (أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) في التوحيد والدعوة إليه، وفي التبري من الأوثان، والتدين بدين الإسلام، وفي جميع شريعته إلا ما نسخ منها. [١٢٤] (إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ) أي: إنما جعل وبال السبت - وهو المسخ - على الذين اختلفوا فيه، أو إنما جعل فرض تعظيم السبت على الذين اختلفوا فيه، أي: على الذين اختلفوا في إبراهيم وهم اليهود، كانوا يزعمون أن السبت من شرائع إبراهيم، فأخبر اللّٰه سبحانه أنه إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه، ولم يجعل الالتزام به فرضًا ودينًا على إبراهيم ولا على بنيه، بل على بني إسرائيل فقط (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} أي: بين المختلفين فيه (يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ). [١٢٥] (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ)) سبيل اللّٰه هو الإسلام {بِالْحِكْمَةِ) أي: بالمقالة المحكمة الصحيحة، قيل: هي الحجج المفيدة لليقين (وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) وهي المقالة التي يستحسنها السامع، وتبلغٍ من نفسه مبلغًا حتى يقتنع بها ويعمل بما فيها (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) أي: بالطريق التي هي أحسن طرق المجادلة (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ) بين أن الرِشد والهداية ليس إلى النبي وَالي، بل ذلك إليه تعالى (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) أي: بمن يبصر الحق فيقصده غير متعنت. [١٢٦] (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ ) أي. أ. ٢ المعاقبة (فَعَاقِبُوا بِمِثْلٍ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) أي: بمثل ما فعل بكم لا تزيدوا عن ذلك (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ) [ عن أخذ حقكم ممن ظلمكم متى قدرتم عليه] (لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) فالصبر خير لكم من الانتصاف. [١٢٧] (وَاصْبِرْ) على ما أصابك من صنوف الأذى (وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ أي: بتوفيقه وتثبيته (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) أي: على الكافرين في إعراضهم عنك (وَلَا تَكُ فِي ضَيْقِ) أَي: ضيق صدر (مِمَّا يَمْكُرُونَ) من مِكرهم لك فيما يستقبل من الزمان. [١٢٨] (إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا) أي: اتقوا اللّٰه بترك المعاصي (وَالَذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) بتأدية الطاعات، والقيام بما أمروا به منها، فهؤلاء هم الذين ينصرهم اللّٰه 285 تفسير سورة الإسراء وتسمى أيضًا سورِة بني إسرائيل. [١] (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا) سيّر عبده، يعني محمدً وَالِيه ليلًا. وقال: ((بعبده))، ولم يقل بنبيه، أو رسوله، أو بمحمد، تشريفا له ولِيه في هذا المة اه المظايم، (مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) صفحة 282 أسري برسول اللّٰه وَلِي من دار أم هانئ بجوار المسجد الحرام (إِلَى لَمَسْجِدِ الْأَقْصَى) وهو مسجد بيت المقدس، ولم يكن حينئذ وراءه مسجد، (الّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) بالثمار والأنهار ومنازل الأنبياء والصالحين. وفيه من بركات الدنيا والآخرة، (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) أي: ما أراه اللّٰه سبحانه في تلك الليلة من العجائب، (إِنّه) سبحانه (هُوَ السَّمِيعُ) بكل مسموع {الْبَصِيرُ) بكل مبصر، ومن جملة ذلك ذات رسوله وأفعاله. قيل: كان الإسراء بجسده وَاليّية مع روحه، وقيل بروحه فقط. والإسراء كان قبل الهجرة إلى المدينة بسنة، وقيل: كان قبل الهجرة بأعوام. [٢]وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) أي: التوراة (وَجَعَلْنَاهُ) أي: ذلك الكتاب (هُدى لِبَني إِسْرَائِيلَ) يهتدون به، ( أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً) كفيلًا بأمورهم. [٣] (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوح)، أي: يا ذرية من أنجيناهم في السفينة مع نوح من أوَّلاده، ذكَّرهم اللّٰه بتلك الإَلَّه كانَ عَبًّا تَكُون الموض الام الوع لا نا ال الا حوا لذريته على شكر اللّٰه سبحانه.. [٤] (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ) أي: حكمنا وأخبرنا، والمراد بالكتاب: التوراة، (لَنَفْسِلُنَّ فِي الْأَرْضِ) هي الأرض المقدسة التي بها المسجد الأقصى، (مَرَّتَيْنِ) قيل المرة الأولى: قتل أشعياء، أو حبس أرمياء، أو مخالفة أحكام التوراة، والثانية: قتل يحيى بن زكريا، والعزم على قتل عيسى [ويقال: وقعت الأولى ولم تأت الثانية] (وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا) لتستعلنَّ على الناس، وليظهرن آمركم ودولتكم بالظلم والبغي مجاوزين للحد في ذلك. [٥] (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أَولَاهُمَا)} أي: أولى المرتين المذكورتين (بَعَتْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدِ) أي: أصحاب قوة في الحروب وبطش عند اللقاء، قيل: هو مختنصر وجنوده من أهل بابل، (فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ) أي: عاثوا وترددوا وتخللوها، وطافوا بين الديار يطلبونهم ويقتلونهم ذاهبين وآتين، (وَكَانَ) ذلك (وَعْدًا مَفْعُولًا) أي كائنًا لا محالة [ويحتمل: أنه قَدْ فُعِلَ بهم]. [٦] (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ)، أي: الدولة والغلبة، وذلك عند توبتكم، (وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ) بعد نهب أموالكم، وسبي أبنائكم، (وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا) أكثر من عدوكم في عدد رجال الحرب الذين يخرجون للقتال. [٧](إِنْ أَحْسَنْتُمْ) أي: أفعالكم وأقوالكم على الوجه المطلوب منكم (أَحْسَنْتُمْ لِأَنْةُ حُ. لأن ثواب ذلك عائد إليكم، (وَإِنْ أَسَأَتُمْ) أفعالكم وأقوالكم (فَلَهَا) أي: فقد أسأتم لأنفسكم لا لغيرها، (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ) أي: حضر وقت ما وعدوا من عقوبة المرة الثانية (لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ) نقويهم عليكم ليفعلوا بكم ما تظهر به عليكم آثار المساءة، ويتبين في وجوهكم الهزيمة والخزي والعار بعد التكبّر والافتخار، (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْحِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبَّرُوا) أي: يدمِّروا ويهلكوا (مَا عَلَوْا) أي: ما غلبوا عليه من بلادكم أو مدة علوهم (تَتْبِيرًا) أي: تدميرًا [ويقول بعض العلماء: يحتمل أن المرة الثانية هي هذه التي حصلت في هذا العصر. وأن التتبير آت بوسائل من جهة العلو كالطائرات والصواريخ وغيرها.. والله أعلم]. [٨] ( عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ ) يا بني إسرائيل بعد انتقامه منكم في المرة الثانية، (وَإِنْ عُدْتُمْ) للثالثة أو أكثر منها (عُدْنَا) إلى عقوبتكم، {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ) الحصير المحبس، فيحصرون فيها ولا يتخلصون عنها أبدًا. [٩] (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتي هِيَ أَقْوَمُ)، وهي ملة الإسلام التي هي أقوم الحالات، وه ؟. -بد الله والإيمان برسله. صفحة 283 [١١] (وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ} وهو دعاء الرجل على فسه وولده عند الضجر بما لا يحب أن يستجاب له ( دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ) أي: مثل دعائه ربَّهُ بالخير لنفسه ولأهله، كطلب العافية والرزق ونحوهما. فلو استجاب اللّٰه دعاءه على نفسه بالشر هلك، لكنه لم يستجب تفضلاً منه ورحمة، (وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولًا) أي: مطبوعًا على العجلة، ومن عجلته أنه يسأل الشر كما يسأل الخير. [١٢ ] (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ) لما فيها من [الاختلاف بالطول والقصر، من يوم في السنة إلى يوم، ومن مكان على الأرض إلى مكان، واختلافها بالحرارة والبرودة] والإظلام والإنارة، مع تعاقبهما، فهما لمن تفكّر في عجيب صنعهما يدلان على وجود الصانع وقدرته، (فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ) أي: الآية التي هي الليل نفسه. وقيل: آية الليل هي القمر. أي: طمسنا نورها، والمراد أنه خلقها ممحوة الضوء مطموسة، (وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً) أي: جعل سبحانه النهار مضيئًا تُبْصَر فيه الأشياء ( لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبَّكُمْ) أي: لتتوصلوا بضياء النهار إلى التصرف في وجوه المعاش، أي: وجعل الليل ليسكنوا فيه، (وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّّنِينَ وَالْحِسَابَ) إذ لا يكون علم عدد السنين وحساب الشهور والأيام، إلا باختلاف الليل والنهار [فعَلى القول الأول في تفسير آية الليل لا يكون للقمر ذكر، فتكون السنون هي الشمسية، وعلى الثاني هي القمرية] (وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا) أي: كلِ [ما أراد الله بيانه لكم من أمر دينكم]. [١٣ ] (وَكُلَّ إِنْسَانِ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ) الطائر عند العرب: الحظ، ويقال له البخت [وأصله أنهم كانوا يتطيرون بمرور الطيور، ويزعمون أنهم يعرفون الخير والشر منها. فبين اللّٰه تعالى في هذه الآية أن حظ الإنسان معه بصلاح قلبه وفعله أو فسادهما، ولا علم للطير بذلك] (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا) فيه ذكر أعماله الصالحة وأعماله الخبيثة، تعجيلًا للبشرى بالحسنة وللتوبيخ على السيئة. ١٤(اقْرَأْ كِتَابَكَ)، قيل: يقرأ ذلك الكتاب من كان قارئًا، ومن لم يكن قارئًا، (كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) الحسيب بمعنى المحاسب [أي: كل إنسان بستطيع بالنظر في ذلك الكتاب أن يعرف النتيجة ويحسبها، ولا يحتاج إلى من يعينه في ذلك إ [١٥] (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) كل إنسان يحمل وزر نفسه لا يحمله عنه أحد، (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) وهذا من عدل اللّٰه ت-1 .ثم قد قيل: من مات من أهل الفترة أو مات صغيرًا يُختبر في عرصات القيامة، فلا يعذب اللّٰه عباده إلا بعد الإعذار إليهم بإرساله رسله، وإنزال كتبه، ولا يؤاخذهم قبل إقامة الحجة عليهم. [١٦]( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا) أي: أمرناهم بالطاعة والخير فعصوا وفعلوا الشر، وقيل: معنى أمرنا مترفيها: أكثرنا فُسَّاقها، (مُتْرَفِيهَا) المترفين هم المنعمون الذين قد أبطرتهم النعمة وسعة العيش، وهم الجبارون المتسلطون، والملوك الجائرون [والأغنياء الفاجرون]. [١٧] (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ) أي: الأمم (مِنْ بَعْدِ نُوح كعاد وثمود، ( خَبِيرًا بَصِيرًا)) لا تخفى عليه منها خافية. [١٨]مَنْ كَانَ يُرِيدَ الْعَاجِلَةَ) المنفعة العاجلة أو الدار العاجلة، أي: من كان يريد بأعمال البر أو بأعمال الاخرة ذلك، (عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا) أي: في تلك العاجلة ( مَا نَشَاءُ) نحن، لا ما يشاؤه ذلك المريد، (لِمَنْ نُرِيدُ) أي: لمن نريد التعجيل له منهم، [فكم من عامل لها ناصب يموت بحسرته عليها] (ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ ) بسبب تركه لما أمر به من العمل للآخرة وإخلاصه عن الشوائب (يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا) أي: مطرمدًا ... . حمة اللّٰه مبعدًا عنها. صفحة 284 ١٩ ]وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ) أي: أراد بأعماله الدار الآخرة، (وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا) أي: السعي اللائق بطالبها على القانون الشرعي، من دون ابتداع ولا هوى، (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) بالله إيمانًا صحيحًا (فَأَولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا) عند الله: أي مقبولًا غير مردود. [٢٠] (كُلَّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءٍ) أي: كل واحد من الفريقين نزيده من عطائنا على تلاحق من غير انقطاع، لا تؤثر معصية العاصي في قطع رزقه، (مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ) بمحضر التفضل (وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظَورًا) أي: ممنوعًا. [٢١] ( انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) وذلك حكمة بالغة تقصر العقول عن إدراكها، (وَلَلْأَخِرَةُ أَكْبَرُ اتٍ أَكْر تَفْيلا أي ن فل ي الآخرة ودرجاتها بين المؤمنين والكفار فوق التفاضل في الدنيا ومراتب أهلها فيها من بسط وقبض ونحوهما. [٢٢](فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا) أي: فتصير جامعًا بين الأمرين: الذم لك من اللّٰه ومن ملائكته، ومن صالحي عباده، والخذلان لك منه سبحانه. [٢٣] (وَقَضَى رَبُّكَ) أي: أمر أمرًا جزمًا بإفراده بالعبادة، (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) ثم خص سبحانه حالة الكِبَرِ بالذكر، لكونها إلى البر من الولد أحوج من غيرها، فقال: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ) أي: إن بلغ (عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا) عندك أي في كنفك وكفالتك (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) وهي كلمة تنبئ عن التضجر والاستثقال، أو صوت ينبئ عن ذلك، (وَلَا تَنْهَرْهُمَا) النهر: الزجر والغلظة. أي: لا تكلمهما ضجرًا صائحًا في وجوههما، (وَقُلْ لَهُمَا) بدل التأفف والنهر (قَوْلًا كَرِيمًا) أي: لينًا لطيفًا، أحسن ما يمكن التعبير عنه من لطف القول وكرامته، مع التادب والاحتشامي [٢٤]«وَاخْفِض لَهُمَا جَنَاحَ الذل مِنَ الرَّحْمَةِ) أصله أن الطائر إذا أراد ضم فراخه إليه للتربية خفض لها جناحه، فكأنه قال للولد: اكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك، وتذلل لهما، (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) أي: رحمة مثل تربيتهما لي أو لأجل تربيتهما لي. [٢٥] (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ) أي: بما في ضمائركم من الإخلاص وعدمه في كل الطاعات، ومن البر بالوالدين والعقوق لهما، (إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ) فلا يضركم ما وقع من الذنب الذي تبتم عنه، (فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا) أي: الرجاعين عن الذنوب إلى ال...ة، فمن تاب تاب اللّٰه عليه. [٢٦] (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى) أي: أعط قريبك من النسب (حَقَّهُ) وهو صلة الرحم التي أمر اللّٰه بها، (وَالْمِسْكِينَ) هو الفقير العاجز عن الكسب، (وَابْنَ السَّبِيلِ) هو المنقطع في سفره. والمراد التصدق عليهم من صدقة النفل، أو من صدقة الفرض، (وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا) وهو الإسراف المذموم في الحلال، والإنفاق في غير الحق وإن كان يسيرًا. [٢٧] (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ) والإسراف في الإنفاق من الشيطان، فإذا فعله أحد فقد أطاع الشيطان واقتدى به، (وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) لا يعمل إلا شرًّا، ولا يأمر إلا بعمل الشر، فالمبذر كفور. [٢٨] (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ) عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل لأمر اضطرك إلى ذلك الإعراض (ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ) أي: لفقد رزق من ربك، وترجو أن يفتح اللّٰه به عليك (فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا) أي: قولًا سهلًا لينًا، كالوعد الجميل، أو الاعتذار المقبول. [٢٩] (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ) حال الشحيح ١ -5) .. . كانت يده مربوطة في رقبته لا صفحة 285 بستطيع التصرف بها (فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) بسبب ما علته من الإسراف: أي منقطعًا عن المقاصد بسبب الفقر، [وفي الآية رد على كل من قال: ينفق الإنسان كل ماله، ولا يدخر شيئًا لغد]. [٣٠] (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ) أي: يوسعه على بعض ويضيقه على بعض لحكمة بالغة ( خَبِيرًا بَصِيرًا)) لا يخفى عليه من ذلك خافية. [٣١] (خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ) نهاهم سبحانه أن يقتلوا أولادهم خشية الفقر، وقد كانوا يفعلون ذلك، (نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ) ولستم لهم برازقين حتى تصنعوا بهم هذا الصنع، (خِطْئًا كَبِيرًا) أي: إثمًا كبيرًا. [٣٢] (وَلَا تَقْرَبُوا الزَّنَى) بمباشرة مقدماته، وهو نهي عنه بالأولى، (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً) أي: متبالغًا في القبح مجاوزًا للحد، (وَسَاءَ سَبِيلًا) لأنه يؤدي إلى النار، ويفضي إلى اختلاط الأنساب. [٣٣] (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ) التي جعلها معصومة بعصمة الدين، أو عصمة العهد (إِلَّا بِالْحَقِّ) وهو ما يباح به قتل الأنفس، كالردة، والزني من المحصن، وكالقصاص من القاتل عمدًا عدوانا، (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومَا) لا بسبب من الأسباب المسوغة لقتله شرعًا ( فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ) أي: لمن يلي أمره من ورثته (سُلْطَانًا) السلطان: التسلط على القاتل: إن شاء قتل، وإن شاء عفا، وإن شاء أخذ الدية، «فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) أي: فلا يمثل بالقاتل أو يعذبه [أو يقتل غير القاتل] (إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) أي: مؤيدًا معانًا، يعني الولي، فإن اللّٰه أمر أهل الولايات بمعونته والقيام بحقه حتى يستوفيه. [٣٤] (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) النهي عن قربان مال اليتيم مبالغة في النهي عن المباشرة له بإتِلافه، أو بما يفسده، ولكن يباشره الولي بالخصلة (الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وهي حفظه وطلب الربح فيه [والإنفاق على اليتيم منه دون إسراف] (حَتّى يَبْلَغَ أشَدّهُ) فإذا بلغ اليتيم أشده ورشد، تدفعون ماله إليه، أو تتصرفون فيه بإذنه، (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ) قوموا بحفظه على الوجه الشرعي، والقانون المرضي، إلا إذا دل دليل خاص على جواز النقض. [٣٥] (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ) أي: أتموا الكيل ولا تخسروه، (وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ) القسطاس: هو الميزان الذي توزن به البضائع، ومنه القبان وموازين الذهب وغيرها، والمستقيم ill-. لا يخس ولا يزيد، وقيل: هو العدل نفسه، وهي لغة الروم، (ذَلِكَ) وهو إيفاء الكيل والوزن (خَيْرٌ) لكم عند اللّٰه وعند الناس، (وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) أي: أحسن عاقبة. [٣٦] (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) نهي عن أن يقول الإنسان ما لا يعلم، أو يعمل بما لا علم له به، كذم الناس بغير علم، وقذفهم، واتباع الحدس والظنون، {إِنّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُل أولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا يسأل صاحبها عما استعمله فيه؛ لأنها آلات، فإن استعملها في الخير استحق الثواب، وإن استعملها في الشر استحق العقاب، وقيل: إن اللّٰه سبحانه يُنطق الأعضاء هذه عند سؤالها، فتخبر عما فعله صاحبها. [٣٧] (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا) المرح: الخيلاء والفخر (إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ) بمشيك عليها تكبرًا، وفيه تهكم بالمختال المتكبر، (وَلَنْ تَبْلُغَ الْحِبَالَ طُولًا) أي: ولن تبلغ قدرتك إلى أن تطاول الجبال حتى يكون عظم جثتك حاملا لك على الكبر والاختيال. [٣٨] (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيُّتُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا)) أي: إن المنهي عنه من الخصال المتقدم ذك ها، فان الله يكرهه ويبغضه ولا يرضاه. صفحة 286 ٣٩]( ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ من الْحْمَةِ الإشارة إلى ما تقدم ذكره وهي خمسة وعشرون تكليفًا، أي: إنها مما أوحى إليك ربك من الأحكام المحكمة التي لا يتطرق إليها الفساد، (وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهَا آخَرَ) كرر النهي عن الشرك تأكيدًا وتقريرًا، وتنبيهًا على أن التوحيد رأس خصال الدين وعمدتها، ( فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا) موبخًا مطرودًا. [٤٠](أَفَأْصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إنَاثًا) وهو خطاب للكفار القائلين بأن الملائكة بنات الله. أي: هل فضلكم على نفسه فخصكم بالذكور من الأولاد، وجعل لنفسه الإناث منهم (إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا) بالغًا في العظم والجراءة على اللّٰه إلى مكان لا يقدر قدره. [٤١] (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ) أي: بينّا ضروب القول فيه من الأمثال وغيرها، أو كررنا فيه القول، (لِيَذَّكَّرُوا) أي: ليتعظوا ويتدبروا بعقولهم ويتفكروا حتى يقفوا على بطلان ما يقولونه، (وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا) تباعدًا عن الحق، وغفلة عن النظر في الصواب. [٤٢] (قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ) الخطاب للقائلين بأن مع اللّٰه آلهة أخرى (إِذًا لَا بْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ) وهو اللّٰه سبحانه ( سَبِيلا) طريقًا للمغالبة والممانعة، كما تفعل الملوك بعضهم مع البعض من المقاتلة والمصاولة. [٤٣] (سُبْحَانَهُ) التسبيح التنزيه (وَتَعَالَى) تباعد في علوّ عظمته (عَمَّا يَقُولُونَ) من الأقوال الشنيعة والفرية العظيمة. [٤٤]( تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ) من مخلوقاته الذين لهم عقول، وهم الملائكة والإنس والجن، (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) فشمل كل ما يسمى شيئًا كائنًا ما كان؛ لأن كل مخلوق يشهد بأن اللّٰه خالق قادر. وقالت طائفة: هذا التسبيح على حقيقته، تنطق به الأشياء، ولكن البشر لا يسمعون ذلك ولا يفهمونه. أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّٰه وَالِيّي: ((قرصت نملة نبيَّا من الأنبياء، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى اللّٰه إليه: من أجل نملة واحدة أحرقت أمة من الأمم تسبح؟)) (وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) لا تفهمون ما تقول الجمادات، وقيل: الخطاب للكفار الذين يعرضون عن الاعتبار، (إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) فمن حلمه الإمهال لكم، ومن مغفرته لكم أنه لا يؤاخذ من تاب منكم. [٤٥] (حِجَابًا مَسْتُورًا) أي: إنهم لإعراضهم عن قراءتك وتغافلهم عنك كمن بينك وبينه حجاب ساتر يمنعهم من السماع. [٤٦] (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً) أغطية ( أَنْ يَفْقَهُوهُ) أي: لئلا يفقهوه (وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا) أي: صممًا وثقلًا (وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ) غير مشفوع بذكر آلهتهم (وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا) أعطوك ظهورهم وذهبوا لئلا يسمعوا. [٤٧] (نَحْنُ أعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ) من الاستخفاف بك وبالقرآن واللغو أثناء ذكرك لربك وحده، (وَإِذْهُمْ نَجْوَى) أي: ونحن أعلم بما يتناجون به فيما بينهم وقت تناجيهم، بالتكذيب والاستهزاء، (إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا) سُحِرَ فاختلط عقله، وزال عن حد الاعتدال. ٤٨] (انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ) أي: قالوا تارة إنك كاهن، وتارة ساحر، وتارة شاعر، وتارة مجنون، (فَضَلّوا) عن طريق الصواب في ميع لك فَلَا يَسْتَطِيِعُونَ سَبِيلًا) إلى الهدى، أو إلى الطعن الذي تقبله العقول ويقع التصديق له. [٤٩] (وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا) الرفات: ما تكسر وبلي من كل شيء، فيكو:. ا.. ذاتًا بعد موتهم وبلى أجسادهم، صفحة 287 وقيل: الرفات هو التراب، (أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا) الاستفهام: للاستنكار والاستبعاد. [٥٠] (قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا) معناه: لو كنتم حجارة أو حديدًا لأعادكم اللّٰه كما بدأكم، ولأماتكم، ثم أحياكم كما خلقكم أول مرة. [٥١] أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ) أي: يعظم عندكم، مما هو أكبر من الحجارة، فإنكم مبعوثون لا محالة، (فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا) إلى الحياة بعد أن نصير رفاتًا، أو حجارة، أو حديدًا (قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) أي: يعيدكم الذي خلقكم واختر عكم عند ابتداء خلقكم من غير مثال سابق ولا صورة متقدمة، (فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ ) أي: يحركونها استهزاء، (وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ) أي: البعث والإعادة، (قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا) أي: لعله قريب، وكل ما هو آتٍ قريب. [٥٢] (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ) اللّٰه إلى المحشر ( فَتَسْتَجِيبُونَ حَمْدِهِ) أي: منقادين له حامدين، (وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ) في قبوركم (إِلَّا) زمنا (قَلِيلًا) تحقرت الدنيا في أعينهم، وقلَّتْ حين رأوا أهوال يوم القيامة. [٥٣] (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) أي: قل يا محمد لعبادي المؤمنين آمرًا لهم أن يقولوا عند تحاورهم الكلمة التي هي أحسن من غيرها، وقيل: يقول بِعض المؤمنين لبعض أحسن الكلام ولا يقولون سيئة، (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ) إذا قيلت الكلمة السيئة، أي: بالفساد وإلقاء العداوة والإغراء (إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا) [أي: ظاهر العداوة، ولهذا يغري بعض الناس بما يوقع بينهم وبين غيرهم من العداوات]. [٥٤] ( رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأُ يُعَذِّبْكُمْ) قيل: هذا خطاب للمشركين، والمعنى: إن يشأ اللّٰه يوفقكم للإسلام فيرحمكم، أو يميتكم على الشرك فيعذبكم، (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا)) أي: ما وكلناك في منعهم من الكفر، وقسرهم على الإيمان. [٥٥] (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أعلم بهم ذاتًا وحالًا واستحقاقا، (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِّينَ عَلَى بَعْضٍ) كما اتخذ اللّٰه إبراهيم خليلًا، وموسى كليمًا، وجعل عيسى كلمته وروحه، وجعل لسليمان ملكًا عظيمًا، وغفر محمل واليه ما تقدم من ذنبه وما تأخر، (وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا) الزبور مزامير داود، وكله كان مواعظ وأذكارًا. [٥٦] (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ) أي: ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة من د. ١. اله . (فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا) أي: لا يستطيعون رفعه ولا تحويله عنكم إلى غيركم، وليس من عجز عن ذلك إلهًا. [٥٧](أَولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ) أي: إن تلك المعبودات التي تدعونها من دون اللّٰه من الملائكة والمسيح ونحوهم، هم أنفسهم يرغبون إلى اللّٰه في طلب ما يقربهم إلى ربهم، ويتقربون إليه بالعمل الصالح، ويتنافسون ليعلموا أيهم أقرب إليه سبحانه بالطاعة والعبادة، (وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ) كما يرجوها غيرهم أي: فكيف يكونون آلهة؟! (وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ) كما يخافه غيرهم (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا) حقيق بأن يحذره العباد من الملائكة والأنبياء وغيرهم. ٥٨]( وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) أي: ما من قرية، أي: قرية كانت من قرى الكفار، إلا سيهلكون: إما بموت (أَوْ مُعَذَّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا)) بعذاب يستأصلهم قبل يوم القيامة ( كَانَ ذَلِكَ) المذكور من الإهلاك والتعذيب فِي الْكِتَابِ) أي: اللوح المحفوظ (مَسْطَورًا) أي: مكتوبًا. [٥٩] (وَمَا مَنَعَنَا أنْ نُرْسِلَ بالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذْبَ بِهَا الْأَوَّلَوْنَ) سأل أهل مكة رسول الله مَلِيد أَن . جعلَ لهم الصفا ذهبًا، وأن صفحة 288 بنحّي عنهم جبال مكة، فأتاه جبريل، فقال: إن شئت كان ما سأل قومك، ولكنهم إن لم يؤمنوا لم يمهلوا، وإن شئت استأنيت بهم، فأنزل اللّٰه هذه الآية، أي: فإن أرسلناها وكذب بها هؤلاء عوجلوا ولم يمهلوا، كما هو سنة اللّٰه سبحانه في عباده، (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً) [دالة على صدق صالحٍ رأي العين] (فَظَلَمُوا بِهَا) أي: فجحدوا بها، (وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا) أي: وما نرسل المعجزات مع الرسلِ إلا تخويفًا للمكذبين لعلهم يؤمنون. [٦٠]( وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ) أي: إنهم في قبضته وتحت قدرته، وقيل: المراد بالناس أهل مكة، وإحاطته بهم: أن اللّٰه قادر عليهم، وسوف يمكنك من رقابهم فلا تستعجل هم، (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاس) هذه الرؤيا هي رؤيا عين وهي الإسراء، وهي المذكورة في صدر السورة، وسماها رؤيا؛ لأنها وقعت باليل، وكانت الفتنة ارتداد قوم كانوا أسلموا حين أخبرهم النبي وَالِيّةِ أنه أسري به، وقد قيل: كانت رؤيا نوم. وقيل المراد: أن اللّٰه سبحانه أراه في المنام مصارع قريش في بدر، (وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ) وهي شجرة الزقوم. والفتنة فيها أن أبا جهل وغيره قالوا: زعم صاحبكم أن نار جهنم تحرق الحجر، ثم يقول: ينبت فيها الشجر. وروي أن أبا جهل أمر جارية: فأحضرت تمرًا وزبدًا، وقال لأصحابه: تزقّموا، (وَنُخَوَّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا) أي: نخوفهم بالآيات، فما يفيدهم إرسال الآيات إلا الزيادة في الكفر. [٦١] (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ) أي: فأبى وتكبّر عن السجود لآدم زاعمًا أنه أفضل منه؛ لأنه مخلوق من عنصر النار، والنار بزعمه أفضل من الطين. [٦٢] (أَرَأَيْتَكَ) أي: أخبرني عن هذا الذي فضلته عليّ: لم فضلته فأمرتني بالسجود له؟ (لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرَيَّتَهُ) أي: لأستولينّ عليهم بالإغواء والإضلال كما يحنّك الفرس، إذا جعل في حنكه الرسن، (إِلَّا قَلِيلًا) وهم الذين عصمهم اللّٰه منه بقوله: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ). [٦٣] (قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ) أي: أطاعك (فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ) أي: جزاء إبليس ومن أطاعه (جَزَاءً مَوْفُورًا) أي: وافرًا مكملا . [٦٤] (وَاسْتَفْرِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ) والمعنى: استخِفَّهم بصوتكَ داعيًا لهم إلى معصية اللّٰه (وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ) أي: صح عليهم بالفرسان [من قبيلك، والمشاة؛ ليعينوك على بني ٢٠٠١ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ) أما المشاركة في الأموال: فهي كل تصرف فيها يخالف وجه الشرع. والمشاركة في الأولاد: دعوى الولد بغير سببِ شرعي، وتحصيله بالزنى، وتسميتهم بعبد اللات وعبد العزى، (وَعِدْهُمْ) قال الفراء: قل لهم: لا جنة ولا نار، فاصنعوا ما بدا لكم، وعدهم بأنهم لا يبعثون. [٦٥] (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) يعني عباده المؤمنين، (وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا) يتوكلون عليه، فيدفع عنهم كيد الشيطان، ويعصمهم من إغوائه. [٦٦] *يُرْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ) يسوق السفن ويسيرها، (لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) لتتمكنوا من السفر في البلاد، وتحميل البضائع، فيحصل لكم من رِزقه الذي نفضل به على عباده، أو من الربح بالتجارة، (إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رحِمًا كم لى صل نياكم. [٦٧] (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ) يعني خوف الغرق، (ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ) من الآلَهة وذهب عن خواطركم، ولم يوجد لإغاثتكم ما كنتم تدعون من دونه من صنم، أو جن، أو مااء .، أم .شر (إِلَّا إِيَّاهُ) وحده، صفحة 289 فإن كل واحد منهم يعلم بالفطرة علمًا لا يقدر على مدافعته أن الأصنام ونحوها لا فعل لها، ولا تنفعه في تلك الحال، ( فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ) عن الإخلاص لله وتوحيده، ورجعتم إلى دعاء أصنامكم والاستغاثة بها، (وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا) أي: كثير الكفر لنعم الله. [٦٨] ( أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ} والخسف أن تنهار الأرض بالشيء، فحذرهم ما أمنوه من البحر، {أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ) أي: ريحًا شديدة حاصبة، وهي التي ترمي بالحصى الصغار، ( ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا ) أي: حافظًا ونصيرًا يمنعكم من بأس الله. [٦٩] (أَمْ أُمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى) أي: في البحر مرةً أخرى بأن يقوي دواعيكم إلى ركوبه، (فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ القاصف: الريح الشديدة التي لها قصيف: أي صوت شديد، (فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ) أي: سبب كفركم (ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا) أي: ثائرًا بطلبنا بما فعلنا [بكم، فيأخذ بثأركم منا]. [٧٠] (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) خلقهم على هذه الهيئة الحسنة، وميزهم بالنطق والعقل والتمييز، وخصّهم بما خصهم به من المطاعم والمشارب والملابس على وجه لا يوجد لسائر أنواع الحيوان مثله، وأكرمهم بتسليطهم على سائر الخلق، وتسخير سائر الخلق لهم، وأكرمهم بالكلام والخط والفهم، وأعظم خصال التكريم: العقل، (وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ} على الدواب، وما يصنعونه من المراكب (و) في (البَحْرِ) على السفن (وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيَّبَاتِ ) أي: لذيذ المطاعم والمشارب، (وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرِ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ) فعلى بني آدم أن يتلقوه بالشكر، ويحذروا من كفرانه. [٧١] (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أَنَاسٍ بِلِمَامِهِمْ } فيقال: يا أهِل التوراة، يا فيه أعمالهم الحسنة وأعمالهم السيئة، (وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا )) أي: لا ينقصون من أجورهم قدر فتيل، وهو القشرة التي في شق النواة. [٧٢](وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ) الدنيا ( أَعْمَى) فاقد البصيرة، أي: أعمى القلب (فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى) أعمى البصر. يعاقب بعمى البصر على عمى القلب. ٧٣] (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ) قاربوا أن يخدعوك فقالوا: تعال فتمدح آلهتنا، وندخل معك في دينك، فأوحى اللّٰه إليه (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ) الآية، وذلك لأنه في إعطائهم ما سألوه مخالفة لحكم القرآن، وافتراء على اللّٰه سبحانه من تبديل الوعد بالوعيد وغير ذلك، ( وَإِذَا لَأنَّخَذُوكَ خَلِيلًا ) أي: لو ا٦ - -. أم. اءهم والَوْك وصافَوْك. [٧٤]وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ) على الحق وعصمناك عن موافقتهم (لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ) تميل إليهم أدنى ميل ( شَيْئًا قَلِيلا) لكن أدركته الِيِ العصمة، فامتنع من أدنى مراتب الركون إليهم. [٧٥] (إِذَّا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ) أي: لصار عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا، ومثلي عذابه في الآخرة (ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا) ينصرك فيدفع عنك هذا العذاب. ٧٦] (وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ) قاربوا أن يزعجوك من أرض مكة لتخرج عنها، ولكنه لم يقع ذلك منهم، بل منعهم اللّٰه منه حتى هاجر بأمر ربه -في الموعد الذي جعله اللّٰه تعالى أجلًا للهجرة- بعد أن هموابه، وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ) أي: لا يبقون بعد إخراجك إلَّا) زمنا (قَلِيلًا) . [٧٧](سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا) أنهم إذا أخرجوا نبيهم من بين أظهرهم أو قتلوه ينزل العذاب بهم، (وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلا) أي: ما أجرى اللّٰه به العادة لم يتمكن أحد من تحويله ٧٠ .ة١ , على تغييره. صفحة 290 [٧٨] (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) أي: عند زوال الشمس عن كَبد السماء، وهي صلاة الظهر (إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) الغسق: اجتماع الليل وظلمته، والمراد: صلاتا المغرب والعشاء، (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) أي: وأقم قرآن الفجر، المراد: صلاة الصبح، والصبح تطول فيها القراءة، إِ آنَ الفَجْر كَانَ مَشْهُودًا* أي: تشهده ملائكة اللي وملائكة النهار، كما ورد ذلك في الحديث الصحيح. [٧٩](وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ) التهجد: الصلاة بالليل بعد النوم (نَافِلَةً لَكَ) زائدة على الفرائض. وقيل: كانت صلاة الليل فريضة في حقه وَاليه و لأمته تطوّع [وهو خلاف ظاهر الآية] (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) هو المقام الذي يقومه النبي وَالِيِ للشفاعة يوم القيامة للناس؛ يريحهم ربهم سبحانه مما هم فيه، فيحمده على ذلك المقام أهل المحشر، وبيده لواء الحمد. [٨٠] (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ) قيل: نزلت حين أَمِرَ النبي وَالِي با الهجرة، يريد: إدخال المدينة والإخراج من مكة، إدخال عزّ وإخراج نصر، (وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا) أي: حجة ظاهرة قاهرة تنصرني بها على جميع من خالفني، وقيل: أمر أن يسأل ربه سلطة ودولة دنيوية قوية يكون له بها عزّ [ليرفع شأن الدين وينصره، فجعل له دولة بالمدينة]. [٨١] (وَقُلْ جَاءَ الْحَقِّ) ما وعد اللّٰه نبيّه من ظهور وانتصار الإسلام، (وَزَهَقَ الْبَاطِلُ) بَطَل الشركُ واضمحلّ. أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال: دخل النبي وَلِي مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب فجعل يطعنها بعود في يده، ويقول: (جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا). [٨٢](وَنُنَزَّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ) للقلوب بزوال الجهل عنها وذهاب الريب والشبه والضلال (وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) لما فيه من العلوم النافعة المشتملة على ما فيه صلاح الدين والدنيا، ولما في تلاوته وتدبره من الأجر العظيم، ومغفرة اللّٰه ورضوانه، (وَلَا يَزِيدُ) القرآن ( الظّالِمِينَ) الذين وضعوا التكذيب موضع التصديق (إِلَّا خَسَارًا) أي: هلاكًا؛ لأن سماع القرآن يغيظهم ويحنقهم، ويدعوهم إلى زيادة ارتكاب القبائحِ تمردًا فيهلكون. [٨٣] (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ) بالنعم التي توجب الشكر كالصحة والغنى (أَعْرَذَ ) من الشكر لله والذكر له، (وَنَأَى بِجَانِبِهِ) يلوي عنه عطفه، ويوليه ظهره، فلا يكون منه إلا التكبر والبعد بنفسه عن القيام بحقوق النعم، (وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ) من مرض أو فقر (كَانَ يَتُوسًا) شديد القنوط من رحمة الله: إن ظفِرَ بالمقصود نسي المعبود، وإن فاته استولى عليه الأسف، وغلب عليه القنوط، وكلتا الخصلتين قبيحة. [٨٤] (قُلْ كُلِّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) كل إنسان يعمل على ما يشاكل أخلاقه التي ألفها، (فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا ) أي: في عمله خيرًا كان أو شرًّا . [٨٥] (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ) أي: عن حقيقتها وكُنْهها، وهي الروح التي يعيش بها الإنسان، خَلَقها اللّٰه ولم يطلع على حقيقتها أحدًا، (مِنْ أَمْرٍ رَبِّي) قد استأثِر بعلمها، ولم يطلع عليها أنبياءه، (وَمَا أوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) أي: إن علمكم الذي علمكم اللّٰه قليل. ٨٦] (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) معناه: لو شئنا لمحوناه من القلوب ومن الكتب، حتى لا يوجد له أثر، ( ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ) أي: بالقرآن إذا ذهبنا به عنك وأنسيناك إياه عَلَيْنَا وَكِيلًا) أي: لا تحام . وكل علينا ليسترجعه منّا. صفحة 291 (إلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) لكن لا نشاء ذلك رحمة من ربك ( إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا) حيث جعلك رسولًا، وأنزل عليك الكتاب، وصيّرك سيد ولد آدم، وأعطاك المقام المحمود، وغير ذلك مما أنعم به عليك: [٨٨](قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ) المنزل من عند اللّٰه من البلاغة وحسن النظم وجزالة اللفظ وفخامة المعاني (لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ) لأن المخلوق يعجز عن مثل ما يأتي به الخالق، (وَلَوْ كَانَ نَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) أيٍ: عونًا ونصيرًا. [٨٩] (وَلَقُدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلِ) أي: رددنا القول فيه بكلّ مثل يوجب الاعتبار من الآيات والعبر، والترغيب والترهيب، والأوامر والنواهي، وأخبار الأولين، والجنة والنار والقيامة [وكرّرْنا معانيه على وجوه مختلفة متباينة لعلهم يؤمنون، فيؤثر في الكافر بعض الوجوه إن لم يؤثر فيه البعض الآخر] ( فَأْبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا)) بل جحدوا وأنكروا كون القرآن كلام اللّٰه بعد قيام الحجة عليهم. [٩٠] (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ) أي: قال رؤساء مكة (حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ) الينبوع: عين الماء إذا كانت غزيرة من شأنها النبوع من غير انقطاع. [٩١ (أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةُ) أي: بستان تستر أشجاره أرضه (فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ) أي: تجريها بقوة (خِلَا لَهَا) أي: وسطها (تَفْجِيرًا) كثيرًا. [٩٢] (أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا ) أي: قطعًا (أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا) أي: معاينة حتى نراهم بأعيننا مقابلين لنا، وقيل: المعنى: تأتي بأصناف الملائكة قبيلة قبيلة. [٩٣] (أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ) أي: من ذهب، وقيل المراد: مزيّن كثير الزخارف على عادة الأغنياء والمترفين من اتخاذ البيوت المزخرفة (أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ) أي: تصعد في معارجها، (وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ) [أي: ولن نصدق لك بالرسالة إن رأيناك تصعد في السماء] (حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ) أي: حتى تنزل علينا من السماء كتابًا يصدقك ويدل على نبوّتك، (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي) أي: تنزيهًا لله عن أن يعجز عن شيء، (هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا) أي: لست أنا إلا واحدًا من البشر المخلوقين، ولست مَلكًا حتى أصعد في السماء، (رَسُولًا) مأمورًا من اللّٰه سبحانه بإبلاغكم، فهل سمعتم أيها المقترحون لهذه الأمور أن بشرًا قدر على شي ٢١٠٠٠٠ وأنا عبد مأمور ليس لي أن أتحكم على ربي. [٩٤](إِلَّا أَنْ قَالُوا) أي: ما منعهم إلا قولهم (أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولًا) وهو إنكار أن يكون الرسول من جنس البشر. ٩٥]«قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَنِنِّنَ) أي: لو وجد في الأرض بدل من فيها من البشر ملائكة يمشون على الأقدام كما يمشي الإنسان مطمئنين مستقرين فيها (لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا) حتى يكون من جنسهم فيتمكّن من تفهيمهم وتبليغهم على الوجه الأكمل [أي: وليس من الحكمة أن نرسل إليهم حينئذٍ بشرًا]. [٩٦] قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنِكُمْ) على إبلاغي إليكم ما أمرني به من أمور الرسالة، (إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا أي: عالمًا بجميع أحوالهم، محيطًا بظواهرها وبواطنها. [٩٧] (وَمَنْ يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي) إلى الحق (وَمَنْ يُضْلِلْ) أي: يرد إضلاله (فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ) ينصرونهم (مِنْ دُونهِ) سبحانه، ويهدونهم إلى الحق الذي أضلهم اللّٰه عنه، (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ) عبارة عن الإسراع بهم إلى جهنم، وة ا . انم يسحبون يوم القيامة على صفحة 292 وجوههم حقيقة، كما يفعل في الدنيا بمن يبالغ في إهانته وتعذيبه، أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال: ((قيل يا رسول الله: كيف يحشر الناس على وجوههم؟ قال الذي أمشاهم على أرجلهم قادر أن يمشيهم على وجوههم» (مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ) أي: المكان الذي يأوون إليه (كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا) أي: كلما سكن لهبها تزاد ما به يعلو لهبها ويتسعر. [٩٨] (ذَلِكَ) أي: العذاب (جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا) أي: بسبب كفرهم بها، فلم يصدقوا بِالآياتِ التنزيلية، ولا تفكروا في الآيات التكوينية (وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا) تقدم تفسيرها (الآية: ٤٩). [٩٩] (قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) أي: من هو قادر على خلق هذا، فهو على إعادة ما هو أدون منه أقدر، *وَجَعَلَ لَهُمْ أجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ) وهو الموت، أو القيامة (فَأبَى الظّالِمُونَ إلَّا كُفُورًا) أي: أبى المشركون إلا جحودًا. ١٠٠] (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي ) لو ملكوا خزائن الأرزاق لأمسكوا شحًّا وبخلًا (وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا) أي: بخيلًا مضيّقًا على نفسه وعلى غيره في النفقة. ١٠١]وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ) أي: علامات دالة على نبوّته، كأنها مساوية لتلك الأمور التي اقترحها كفار قريش، بل أقوى منها، أي: فلم يؤمن بها فرعون وقومه مع ظهور إعجازها، بل أدت بهم إلى الهلاك، فكذلك ما تطلبون يا أهل مكة. والايات التسع هي: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والعصا، واليد، والسنون، ونقص الثمرات. وقد مر تفسير أكثرها في (سورة الأعراف، الاية: ١٣٣)، وقيل: هي الوصايا التسع وهي التي في التوراة: أخرج أحمد والترمذي وصححه عن صفوان بن عسال أن يهوديين قال أحدهما لصاحبه: انطلق بنا إلى هذا النبي نسأله، فأتياه فسألاه عن قول الله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) فقال: ((لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم اللّٰه إلا بالحق، ولا نسرقوا، ولا تسحروا، ولا تمشوا ببريء إلى سلطان فيقتله، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، وعليكم يا يهود خاصة ألا لعتدوا في السبت» فقبلا يديه ورجليه، وقالا: نشهد إنك نبي الله، قال: فما يمنعكما أن تسلما؟ قالا: إن داود دعا اللّٰه ألا يزال في ذريته نبيّ، وإنا نخاف إن أسلمنا أن يقتلنا اليهود، (فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) سؤال استشهاد لمزيد الطمأنينة والإيقان، والمسئولون مؤمنو بني إسرائيل كعبد اللّٰه بن سلام وأصحابه، (فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظْنُّكَ امُ.. مَسْحُورًا) والمسحور: الذي سُحِرَ فخولط عقله. ١٠٢] (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ) يعني: الآيات التي أظهرها (إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ) أي: دلالات يستدل بها على قدرته ووحدانيته، (وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَشْبُورًا ) الظن: هنا بمعنى اليقين، والثبور الهلاك والخسران. ١٠٣] ( فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ) أي: أراد فرعون أن يخرج بني إسرائيل وموسى، ويزعجهم من أرض مصر بإبعادهم عنها، (فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا ) يعني جيشه الذي لحق بموسى. ١٠٤٦] وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ) [أي: أرض بيت المقدس] (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ) أي: الدار الآخرة وهو القيامة، أو الكرّة الآخرة التي ذكرت في أول السورة (جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا) جئنا بكم من قبوركم مختلطين من كل موضع، قد اختلط المؤمن بالكافر، وقيل: جئنا بكم من قبائل وبلدان شتى إلى الأرض المقدسة [ليتمَّ عليكم ما قض ام اللّٰه تعالى من الكرة الثانية]. صفحة 293 [١٠٥]( وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ) أي: ما أنزلنا القرآن إلا بالحق، وقد نزل وفيه الحق، (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا) لمن أطاع بالجنة (وَنَذِيرًا) مخوّفًا لمن عصى بالنار. ١٠٦] (وَقُرْآنَّا فَرَقْنَاهُ) أي: أنزلناه شيئًا بعد شيء، لا جملة واحدة (لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ) أي: على تطاول في المدّة شيئًا بعد شيء على ترسُّل وتمهُّل، فإن ذلك أقرب إلى الفهم وأسهل للحفظ، (وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا) أي: أنزلناه منجمًا مفرّقًا لما في ذلك من المصلحة، ولو أُخِذوا بجميع الفرائض في وقت واحد؛ لنفروا ولم يطيقوا. ١٠٨-١٠٧]قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا ) لا يزيده ذلك ولا بنقصه، (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَيْلِهِ) أي: إن العلماء الذين قرأوا الكتب السابقة قبل إنزال القرآن، عرفوا حقيقة الوحي، وآمارات النبوّة، كزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وعبد اللّٰه بن سلام، (إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ) أي: القرآن (يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا) أي: يسقطون على وجوهم ساجدين لله سبحانه؛ لأنه الحقّ لا يخفى عليهم، (وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا) [أي: قد كان وعده بنصر المؤمنين آتيًا لا شك فيه، أو المراد: وعده بإرسال الرسول الخاتم]. [١٠٩] (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ) كرر ذكر الخرور للأذقان؛ لتأثير مواعظ القرآن في قلوبهم، ومزيد خشوعهم، (وَيَزِيدُهُمْ ) القرآن بسماعهم له (خُشُوعًا) أي: لين قلب ورطوبة عين. [١١٠] {قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ) عن ابن عباس، قال: ((صلَّى رسول اللّٰه و لي بيميكة ذات يوم، فقال في دعائه: يا أللّه يا رحمن، فقال المشركون: انظروا إلى هذا الصابئ، ينهانا أن ندعو إلهين، وهو يدعو إلهين، فأنزل اللّٰه (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ... الآية))) ومعناه أن هذين الاسمين مستويان في جواز الإطلاق، وحسن الدعاء بهما (أَيَّا مَا تَدْعُوا) المعنى أيُّ اسم من أسمائه الحسنى دعوتموه به فقد أصبتم، «فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) ومعنى حسن الأسماء استقلالها بنعوت الجلال والإكرام، (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا) أي: بقراءة صلاتك، (وَابْتَغ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا) أي: طريقًا متوسطًا بين الأمرين، فلا تكن مجهورة ولا مخافتًا بها. وهذا للمنفرد، أما الإمام فيجهر في الصبح والمغرب والعشاء في الركعتين الأوليين من كل منهما، وفي الجمعة؛ لكي يسمع منه من خلفه. [١١١] (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يتَّخِذْ وَلَدَّا) كما تقوله اليهود والنصارى، ومن قال من المشركين إن الملائكة بنات الله، (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ » ١٠٢؟* عمه الشنوية ونحوهم من الفرق القائلين بتعدّد الآلهة (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ) أي: لم يحتج إلى موالاة أحد لذلِّ يلحقه، فهو مستغن عن الوليّ والنصير، (وَكَبّرْهُ تَكْبِيرًا) أي: عظمه تعظيمًا، وصفه بأنه أعظم من كل شيء. أخرج أحمد والطبراني عن معاذ بن أنس قال: ((قال رسول الله واليه: آية العزّ: وقل الحمد الله الذي لم يتخذ ولدًا.. الآية كلها». تفسير سورة الكهف [١] (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ) محمدٍ لَلِلِهِ علَّم اللّٰه عباده أن يحمدوه على إفاضة نعمه عليهم، ومنها: إنزال القرآن على رسول اللّٰه وَالحِيهِ أطلعه بواسطته على أسرار التوحيد، وأحوال الملائكة والأنبياء، وعلى الأحكام الشرعية التي تعبدَّه اللّٰه وتعبَّد أمته بها (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا) أي: لم يجعل فيه شيئًا من الاختلال في اللفظ أو المعنى، ولم يجعل فيه اختلافًا. [٢] (قَيِّمًا) القيم: هو المستقيم الذي لا ميل فيه، أو القيم على ما قبله من الكتب ال...١م.ة مهيمنًا عليها (لِيُنْذِرَ) صفحة 294 الكافرين (بَأْسَا شَدِيدًا) والبأس: العذاب (مِنْ لَدُنْهُ) نازلًا من عنده (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًّا) وهو الجنة حسنٌ كل ما فيها. [٣] (مَاكِثِينَ فِيهِ) أي: في ذلك الأجر (أَبَدًّا) أي: مكثًا دائمًا لا انقطاع له. ٤] (وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدَا وهم اليهود والنصارى، وبعض كفار قريش القائلون بأن الملائكة بنات الله. [٥] ( مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمِ) أي: بالولد، أو اتخاذ اللّٰه إياه (وَلَا لِآبَائِهِمْ) أي: وليسٌ عند المتقدمين منهم دليل صحيح على ذلك (كَبْرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ) لاستعظام اجترائهم على التفوه بها (إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا) لا مجال للصدق فيه بحال. ٦] ( فَلَعَلَّكَ بَاخِعُ نَفْسَكَ) أي: مهلكها ( عَلَى آثَارِهِمْ) أي: من بعد توليهم وإعراضهم {إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بهَذَا الْحَدِيثِ) أي: القرآن (أَسَفًا) أي: غيظًا أو حزنًا على قولهم هذا، وسائر ما يكفرون به، أي: فهوِّن عليك الأمر يا محمد، فإن مُهمَّتك التي بُعثْت لها أن تبلغهم الرسالة ولست مكلفًا بأن تدخل الإيمان في قلوبهم، فلا نتلف نفسك حسرة على كفرهم. إنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا) مما يصلح أن يكون زينة لها من الحيوانات والنبات والجماد، ومما يلهم اللّٰه البشر أن يصنعوه عليها من المباني والرياش (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا) لنمتحنهم أهذا أحسن عملا أم ذاك؟ وأيهم أصلح فيما أوتي من المال [والمنصب والقدرة وغير ذلك]. [٨] (وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا) من هذه الزينة عند تناهي عمر الدنيا (صَعِيدًا) ترابًا (جُرُزًّا) لا زرع ولا زينة فيه، كالزرع الذي أكله الجراد. [٩](أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبَّا أي: بل أظننت يا محمد أنهم كانوا عجبًا من آياتنا فقط؟ لا نحسب ذلك، فإن آياتنا كلها عجب كذلك، وفوق ذلك، والرقيم: اسم الوادي أو القرية، أو اللوح الذي كتبت أسماؤهم فيه. ١٠(إذْ أَوَى الْفِتْيَةُ) هم أصحاب الكهف (فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً) أي: من عندك رحمة مختصة بأنها من خزائن رحمتك، وهي المغفرة في الآخِرة، والأمن من الأعداء، والرزق في الدنيا (وَهَيِّيْء لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) أي: وأصلح لنا الأمر الذي نحن عليه وهو المفارقة للكفار. [١١](فَضَرَبْنَا عَلَى آذَا: .) سددنا آذانهم بالنوم الغالب عن سماع الأصوات (سِنِينَ عَدَدًا) أي: كثيرة [معلومة العدد، ويأتي بيانه في نهاية القصة]. [١٢ ] (ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ) أي: أيقظناهم من تلك النومة مَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ) هما الفريقان من المؤمنين والكافرين المختلفينَ في مدة لبثهم (أَحْصَى) أضبط (لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا) لمدة بقائهم نومى في الكهف. [١٣ ] ( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ) هذا شروع في تفصيل ما أجمل اللّٰه من خبر أصحاب الكهف: أي نحن نخبرك بخبرهم بالحق لا كالأخبار المشوَّشة غير المنضبطة، عند أهل الكتاب (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ)) أي: أحداثٌ شبان [قليل عددهم] (آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدَّى) [زدناهم علمًا بالحق مما كان فيه أهل زمنهم يختلفون، بالتثبيت والتوفيق]. [١٤] (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ) أي: قويناها بالصبر على هجر الأهل والأوطان (إِذْ قَامُوا) اجتمعوا وراء المدينة ليتواثقوا على الصبر على دينهم واعتزال قومهم (فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) قيل: كان لهم ملك جبار يقال له: دِقْلِدْيانوس، وكان يدعو !.!.. " ، عبادة الطواغيت، فثبَّت اللّٰه صفحة 295 هؤلاء الفتية وعصمهم حتى قاموا، فقالوا: ربنا رب السماوات والأرض (لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا) معبودًا آخر غير الله، لا اشتراكًا ولا استقلالًا (لَقَدْ قُلْنَا إِذًّا شَطَطًا) الشطط: الغلو ومجاوزة الحد في البعد عن الحق. [١٥] ( هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنِ) أي: هلا يأتون على إلاهِيَّتِهم بحجة صلح للتمسك بهاً (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا) فزعم أن له شريكًا في العبادة، أي: لا أحد أظلم منه. [١٦]( وَإِذ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ ) أي: فارقتموهم وتنحيتم عن العابدين للأصنام (وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ) أي: واعتز لتم عبادة أصنامهم (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ) أي: صيروا إليه واجعلوه مأواكم، أي: إذا اعتز لتموهم اعتزالًا اعتقاديًّا، فاعتزلوهم أيضًا اعتزالا جسمانيًّا بالالتجاء إلى الكهف (يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ) أي: يبسط ويوسع (وَيُهَيِّىْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا ) يسهل وييسر لكم من أمركم الذي أنتم بصدده ما ترتفقون به، وتنتفعون بحصوله. [١٧ ] (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ) تميل وتتنحى (عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ) أي: ناحية اليمين بالنسبة إلى باب الكهف (وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ) تعدل عنهم وتتركهم (ذَاتَ الشِّمَالِ) أي: شمال الكهف لا تصيبه، بل تعدل عن سمته إلى الجهتين (وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ) في مكان منفتح انفتاحًا واسعًا، قيل: المعنى أنهم كانوا في ظلّ جميعَ نهارهم، لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا في غروبها، وقيل: إن باب ذلك الكهف كان مفتوحًا إلى جانب الشمال، فإذا طلعت الشمس كانت عن يمين الكهف، وإذا غربت كانت عن يساره (ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ) [في حفظ أبدانهم من التلف تلك المدة المتطاولة ]. ١٨] (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ)) أي: نيام، قيل: إن عيونهم كانت مفتحة، وهم نيام، وقيل: لكثرة تقلبهم (وَنُقَلَّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشَّمَالِ) لئلا تأكل الأرض أجسادهم (وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) هو فناء الباب، وقيل: العتبة (لَوِ اطْلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا) هربًا (وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا) أي: خوفًا يملأ الصدر، قيل: سبب الرعب الهيبة التي ألبسهم اللّٰه إياها، وقيل: لطول أظفارهم وشعورهم. [١٩] (وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ) في مدة اللبث (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ) أي • .. ١).. م، قالوا ذلك لأنهم رأوا أنفسهم على غير ما يعهدونه في العادة (قَالُوا لَبثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) قال المفسرون: دخلوا الكهف غدوةٍ، وبعثهم اللّٰه سبحانه آخر النهار، فلذلك قالوا يومًا (قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ) أيٍ: إنكم لا تعلمون مدة لبثكم، وإنما يعلمها اللّٰه سبحانه ( فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ) الورق: الفضة المضروبة، والمدينة قيل: هي إفسوس مدينتهم التي كانوا فيها، ويقال لها اليوم: طرسوس، كذا قال الواحدي [ويقال الآن بأرض عمَّان الأردن في مكان معروف جنوبيّ المدينة يقال له: الرقيم، يزوره الناس للاعتبار] (فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا) أي: ينظر أي أهلها أطيب طعامًا، وأحل مكسبًا، وقيل: المراد أطهر ذبيحة، وكان غالب أهلها كفارًا يذبحون للطواغيت (وَلْيَتَلَطَّفْ) أي: يدقق النظر حتى لا يُعرف أو لا يُغبن (وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا) لا يدع أحدًا يعلم بمكانكم. [٢٠](إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ) أي: يطلعوا عليكم ويعلموا بمكانكم (يَرْجُمُوكُمْ) يقتلوكم بالرجم (أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ) التي كنتم عليها قبل أن يهديكم اللّٰه (وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا) إن رجعتم إلى دينه. ، ٧ ف . الدنيا ولا في الآخرة. صفحة 296 [٢١] (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ) أي: أطلعنا الناس عليهم (لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ) بالبعث (حَقُّ) قيل: وسبب الإعثار عليهم أن ذلك الرجل الذي بعثوه بالدراهم الفضة - وكانت من ضرْبِ دقلديانوس - إلى السوق، فلما اطلع عليها أهل السوق اتهموه بأنه وجد كنزًا، فذهبوا به إلى الملك [وكانت النصرانية قد ظهرت في تلك البلاد وآمن بها ملوكها] ثم قص عليه القصة، فركب الملك، وركب أصحابه معه حتى وصلوا إلى الكهف (وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا) أي: ولِيعلموا أن القيامة لا شكّ في حصولها (إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ} وقع التنازع والاختلاف بين أولئك الذين أعثرهم اللّٰه في أمر البعث (فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا) وذلك أن الملك وأصحابه لما وقفوا عليهم وهم أحياء أمات اللّٰه الفتية (رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ) من هؤلاء المتنازعين فيهم (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أُمْرِهِمْ لَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا) أي: تكريمًا لهم [وفي السُّنَّة ذمُّ الذين اتخذوا من الأوَّلين المساجد على القبور، فيظهر أن هذا كان من البدع التي ظهرت في النصرانية بعد طول الأمد]. [٢٢] (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ)} هؤلاء القائلون بأنهم ثلاثة أو خمسة أو سبعة، هم بعض المتنازعين في عددهم في زمن رسول اللٰه والفي من أهل الكتاب والمسلمين (وَيَقُولُونَ) أي: ويقول بعض آخر (خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ) والرجم بالغيب: هو القول بالظن والحدس من غير خبر صحيح (وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) كأن قول هذه الفرقَّة أقرب إلى الصواب بدلالة عدم إدخالهم في سلك الراجمين بالغيب {قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ) منكم أيها المختلفون ( مَا يَعْلَمُهُمْ) أي: لا يعلم ذواتهم فضلًا عن عددهم (إِلَّا قَلِيلٌ) من الناس (فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ) المراء: الجدال (إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا) أي: غير متعمق فيه، وهو أن يقصَّ عليهم ما أوحى اللّٰه إليه فحسب (وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا) ففيما قصَّ اللّٰه عليك في ذلك ما يغنيك عن سؤال من لا علم له. [٢٤ ،٢٣](وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدَّا) لما سألت اليهود النبي وَالِيِ عن خبر الفتية، قال: أخبركم غدًا، ولم يقل: إن شاء الله، فاحتبس الوحي عنه حتى شقّ عليه، فأنزل اللّٰه هذه الآية، يقول: إذا قلت لشيء: إني فاعل ذلك غدًا، فقل: إن شاء اللّٰه (وَاذْكُرْ رَبَّكَ) بالاستغفار والتهليل (إِذَا نَسِيتَ) أي: إذا نسيت أن تقول: إن شاء اللّٰه ثم تذكرت لاحقًا فقلها (وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأَقْرَبَ هِ: مَذَا شَدًّا) عسى أن يعطيني ربي من الآيات والدلالات على النبوة ما يكون أقرب في الرشد وأدل من قصة أصحاب الكهف. [٢٥] (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا ) أي: أنهم بقوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين نيامًا قبل أن بعثهم الله، وعن الزجاج: أن المراد ٣٠٠ سنة شمسية أو ٣٠٩ قمرية. [٢٦] (لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: ما خفي فيهما وغاب من أحوالهما ليس لغيره من ذلك شيء (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) فأفاد هذا التعجب من علمه بالمبصرات والمسموعات، فإنه يستوي في علمه الغائب والحاضر، والخفي والظاهر، والصغير والكبير (مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ) الضميرِ لأهل السماوات والأرض (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًّا} يقضي ما يريد ويبرمه، ولا يدخل في ذلك أحدًا يستشيره أو يستأمره. [٢٧] (وَاثْلُ مَا أَوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ) أمره اللّٰه سبحانه أن يواظب على تلاوة القرآن، وقيل المراد: اتّبع ما تقرأ (لا مُبَدَّلَ لِكَلِمَاتِهِ) أي: ما أخبر اللّٰه به وما أمر به لا مبدل له (وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا) أي: ملجاً ل -. اء . من عذاب الله. صفحة 297 [٢٨] (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) أي: في طرفي النهار (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) يريدون بدعائهم رضى اللّٰه سبحانه (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) أي: لا تتجاوزهم عيناك إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزينة، وقيل معناه: لا تحتقرهم عيناك ( تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي: مجالسة أهل الشرف والغنى أو تريد تحصيل الزينة (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا) أي: جعلناه غافلًا بالختم عليه، كأولئك الذين طلبوا منه أن ينحِّي الفقراء عن مجلسه (وَ) مع هذا فهم ممن (اتَّبَعَ هَوَاهُ) وآثره على الحق، فاختار الشرك على التوحيد (وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) هو من التفريط، وهو التقصير والتضييع في أمر اللّٰه بالجهالة. [٢٩](وَقُلِ) لأولئك الغافلين {الْحَقّ مِنْ رَبَّكُمْ)) لا من جهة غيره حتى يمكن فيه التبديل والتغيير، يعني: لم آتكم به من قبل نفسي، إنما أتيتكم به من اللّٰه (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ لَيَكْفَرْ) أي: ما دام هذا هو الحق، فإن من كفر لا يضل ولا يظلم إلا نفسه (إنّا أعْتَدْنَا لِلظَالِمِينَ) الذين اختاروا الكفر بالله والجح والإنكار لأنبيائه ( نَارًا) عظيمة {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ) السرادق: البيت المصنوع من القماش، فالآية على تشبيه ما يحيط بهم من النار بالسرادق المحيط بمن فيه (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا) من حرِّ النار (يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ) هو كل ما أذيب بالنار من معادن الأرض من حديد ورصاص ونحاس، وِقيل: المهل: عَكَرُ الزيت (يَشْوِي الْوُجُوةَ) لحرارته (بِئْسَ الشَّرَابُ) شرابهم هذا (وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) أي: منزلًا يتخذونه للراحة، ويرتفقون فيه. [٣١] (أَولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ) العدن: الإقامة، أي: يقيمون فيها على الدوام (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ) أي: من تحت غرفها وتحت أشجارها (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ) السوار: زينة تلبس في الزند من اليد، وهي زينة الملوك في الّدنيا، [يتزيَّن بها الرجال والنساء في الجنة] (وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ) السندس: الرقيق من الحرير، والإستبرق: ما ثخن من الحرير كذلك، وهو الديباج، وخصَّ الأخضر لأنه الموافق للبصر ولكونه أحسن الألوان (مُتَّكِثِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ) الأسرَّة عليها الكلل [أو الكراسي ذات الوسائد] (نِعْمَ الثَّوَابُ) ذلك الذي أثابهم اللّٰه به (وَحَسُنَتْ ) تلك الأرائك ( مُرْتَفَقًا) أي: متكأ . [٣٢] (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَا) لمن يتعزز بالدنيا، ويستنكف عن مجالسة الفقراء (رَجُلَيْنِ) مؤمن وكافر، قيل: كانا أخوين من بني ١ .١؟١ ، وقيل: هما أخوان مخزوميان من أهل مكة (جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا) وهو الكافر (جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ) من كروم متنوِّعة (وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ) جعلنا النخل مطيفًا بالجنتين من جميع جوانبهما (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا) أي: بين الجنتين. [٣٣] (كِلْتَا الْجَنَّيْنِ آتَتْ أَكُلَهَا) وأُكُلُهُمَا: هو ثمرهما (وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا) أي: لم تنقص من أكلها شيئًا، على خلاف ما يعتاد في سائر البساتين، فإنها في الغالب تكثر ثمار بعضها وتقل ثمار بعضٍ آخر (وَفَجَّرْنَا خِلَا لَهُمَا نَهَرًا) أي: أجرينا وشققنا وسط الجنتين نهرًا ليسقيهما دائمًا من غير انقطاع. [٣٤] (وَكَانَ لَهُ) أي: لصاحب الجنتين (ثَمَرٌ) [أي: من سائر الثمار غير ثمار العنب والنخيل] وقيل: الثمر هنا المال من الذهب والفضة (فَقَالَ لِصَاحِبِهِ) المؤمن (وَهُوَ يُحَاوِرُهُ) يراجعه الكلام ويجاوبه (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا) [أي: أمنع منك جانبًا لكثرة من يقوم معي في المطالبة بما أريد]. [٣٥](وَدَخَلَ جَنَّتَهُ) قال المفسرون: أخذ بيد أخيه المسلم، فأدخله جنته يطوف به فيها، ويريه عجائبها (وَهُوَ ظَالِمُ لِنَفْسِهِ) بكفره وعجبه (آَلاَ. مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا) صفحة 298 أي: قال الكافر لفرط غفلته وطول أمله: ما أظن أن تفنى هذه الجنة التي تشاهدها. [٣٦] ( وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً) أنكر البعث وأخبر أخاه كفره بفناء الدنيا وقيام الساعة (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا) زعم أنه يُرَدَّ إلى ربه فرضًا وتقديرًا كما زعم صاحبه، ليكوننَّ له يومئذ خير من هذه الجنة، قال هذا قياسًا للغائب على الحاضر، وأنه لما كان غنيًّا في الدنيا، سيكون غنيًّا في الأخرى؛ اغترارًا منه بما صار فيه من الغنى الذي هو استدراج له من الله. [٣٧] (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ) المؤمن (أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابِ) حيث خلق أباك آدم منه، وهو أصلك (ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) وهي المني {ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا) صيَّرك إنسانًا ذكرًا، وعدَّل أعضاءك وكمَّلك، وفي هذا تلويح بالدليل على البعث، فإن القادر على الابتداء قادر على الإعادة. [٣٨] (لَكِنَّا هُوَ اللَهُ رَبِّي) أي: لكن أنا هو اللّٰه ربي (وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا) أي: كما فعلت أنت. [٣٩] (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللهُ) أي: هلَّا قلت عندما دخلتها هذا القول: ((لا قوة إلا بالله)) نحضيضًا له على الاعتراف بأنها وما فيها بمشيئة الله، إن شاء أبقاها وإن شاء أفناها (لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ) تحضيض على الاعتراف بالعجز، وأن ما تيسر له من عمارتها إنما هو معونة الله، لا بقوَّته وقدرته، ولا يقوى أحد على ما في يده من ملك ونعمة بالله، ولا يكون إلا ما شاء الله، وقد ثبت في الصحيح أن النبي اله قال لأبي موسى: (( ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله». [٤٠] (فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ) أي: إن ترني أفقر منك، فأنا أرجو أن يرزقني اللّٰه سبحانه جنة خيرًا من جنتك في الدنيا أو في الآخرة (وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا ) أي: ويرسل على جنتك مقدارًا قدَّره اللّٰه عليها، وقيل: الحسبان: الصواعق (فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا) أي: فتصبح جنة الكافر أرضًا لانبات بها تزلَّ فيها الأقدام لملاستها. [٤١] (أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا) غائرًا في الأرض (فَلَنْ نَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا) لا تقدر عليه بحيلة من الحيل. [٤٢] (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ) عبارة عن إهلاك اللّٰه وإفنائه لثمار ذلك الكافر (فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ) أي: [ يقلَّبهما ظهرًا لبطن ] نحسُّرًا (عَلَى مَا أَنَّفَقَ فِيهَا) أي: في عمارتها وإصلاحها من الأموال (وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُ. * مَاكه وتلك الجنة ساقطة على دعائمها التي تعمد بها الكروم، أو ساقط بعضٍ تلك الجنة على بعض (وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا) تمنى عند مشاهدته لهلاك جنته بانه لم يشرك بالله حتى تسلم جنته من الهلاك، أو كان هذا القول منه لقصد التوبة من الشرك. [٤٣] (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ ) ما نفعه النفر الذين افتخر بهم فيما سبق (وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا ) أي: متنعًا بقوته عن إهلاك اللّٰه لجنته، وانتقامه منه. [٤٤] (هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ) أي: في ذلك المقام: النصرة لله وحده لا يقدر عليها غيره ( هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا) لأوليائه في الدنيا والآخرة (وَخَيْرٌ عُقْبًا) أي: وخير عاقبة وختامًا. [٤٥] (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي: اذكر لهم ما يشبه الحياة الدنيا في حسنها ونضارتها وسرعة زوالها (فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ) أي: نبت بسبب الماء وكثر [حتى تمَّ وأين ] فَأَصْبَحَ ) النبات ( هَشِيمًا) وهو من النبات ما تكسر وتفتت [بعد يبسه وجفافه] (تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ) تفرقه وتنشر أجزاء النبات في نواحي الأرض، وتعود الأرض كما كانت، أي: وهكذا شأن الحياة ٧١ :١١١ .تماء لها، وشأنها إلى زوال صفحة 299 (وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا) يحييه ويفنيه بقدرته لا يعجز عن شيء. [٤٦] (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) مما يتزين به في الدنيا لا مما ينفع في الآخرة إذا لم ينفق في مرضاة اللّٰه (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ) أي: كل أعمال الخير، مالية كانت أو بدنية، فيبقى محفوظًا عند اللّٰه (خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا) أي: أفضل - من هذه الزينة بالمال والبنين - ثوابًا، وأكثر عائدة ومنفعة لأهلها (وَخَيْرٌ أَمَلًا) أفضل مما يؤمله أهل المال والبنين، أخرج أحمد وابن حبان عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله وَا يه قال: ((استكثروا من الباقيات الصالحات، قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: التكبير، والتهليل، والتسبيح، والتحميد، ولا حول ولا قوة إلا بالله)». [٤٧] (وَيَوْمَ نُسَيَّرُ الْحِبَالَ) تسيير الجبال: إزالتها من أماكنها، وتسييرها كما تسير السحاب، وذلك يوم القيامة كما في الآية الأخرى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا. فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا. لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتَا) (وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً) بروزها: ظهورها وزوال ما يسترها من الجبال والشجر والبنيان (وَحَشَرْنَاهُمْ) أي: جمعن الخلائق بعد بعثهم إلى الموقف من كل مكان (فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا) فلم نترك منهم أحدًا إلا حشرناه إلى هناك. [٤٨] (وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا)) أي: قلنا لهم: ها قد جئتمونا (كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةِ) أي: حفاة عراة غُرْلًا كما ورد في الحديث (بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا) أي: زعمتم في الدنيا أن لن تبعثوا، وأن لن نجعل لكم موعدًا نجازيكم بأعمالكم. [٤٩](وَوُضِعَ الْكِتَابُ) الكتاب: صحائف الأعمال [توضع في المحشر من أجل محاسبة العاملين بما فيها] (فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ) أي: خائفين وجلين لما يتعقب ذلك من الافتضاح في ذلك الجمع، والمجازاة بالعذاب الأليم (وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا) يدعون على أنفسهم بِالهلاك (مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) لا يترك معصية صغيرة ولا كبيرة إلا حواها وضبطها وأثبتها، وهذا للذين فعلوا الكبائر ولم يتوبوا منها، أما الذين اجتنبوا الكبائر فإنهم يجدون في كتابهم الصغائر قد لحيت كما دلت عليه الآية ٣١ من سورة النساء (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا) في الدنيا من المعاصي (حَاضِرًا) مكتوبًا مثبتًا (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًّا) أي: لا يعاة . أحاًا من عباده بغير ذنب، ولا ينقص فاعل الطاعة من أجره الذي يستحقه. [٥٠](إِلَّا إِبْلِيسَ) فإنه أبى واستكبر ولم يسجد (كَانَ مِنَ الْحِنِّ فلهذا عصى (فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) خرج عن طاعة ربه (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ) أي: بعد الإباء والفسق تتخذونه وتتخذون ذريته أولياء ( مِنْ دُونِي فتطيعونهم بدل طاعتي وتستبدلونهم بي (وَهُمْ لِكَمْ عَدَوّ) أي: أعداء يترقبون حصول ما يضركم في كل وقت (بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) عن موالاة ربهم موالاةُ الشيطان. [٥١] (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ما كانوا شركاء لي في تدبير العالم بدليل أني ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض (وَلَا خَلْقَ أَنَّفُسِهِمْ) وما اعتضدت بهم [في خلق ذواتهم] بل هم كسائر الخلق، وهذا استدلال واضح كالشمس، فإنهم يقرون ان اللّٰه خالق كل شيء {وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُّدًا أى: وما كنت متخا الشياطين أو الكافرين أعوانًا. ٥٢] (وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ) أنهم شركاء لي ينفعونكم ويثن. ا.لكم [وذلك يوم القيامة] صفحة 300 (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا) وهو واد عميق فرق اللّٰه به تعالى بينهم، والمَوْبِق: مكان الهلاك. [٥٣] (وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا) أي: علموا وتيقنوا أنهم سيخالطونها بالوقوع فيها (وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا) أي: معدلًا يعدلون إليه، أو ملجأ يلجأون إليه. [٥٤] (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا)) كرَّرنا ورددنا (فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلِ) من الأمثال المذكورة في هذه السورة (وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) أي: أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدال جدلًا . [٥٥] (إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ) سننهم: أي العادة التي لازمت أولئك الأقوام، من أنهم لا يؤمنون ولا يستغفرون إلا عند نزول عذاب الدنيا المستأصل لهم، أو عند إتيان أصناف عذاب الآخرة أو معاينته. [٥٦] (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ) من رسلنا إلى الأمم (إِلَّا مُبَشِّرِينَ) للمؤمنين (وَمُنْذِرِينَ) للكافرين، أي: فلا بتمكنون من الأخذ بقلويهم إلى الهداية بل ذلك إلى اللّٰه وحده (وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ) أي: ليزيلوا بالجدال بالباطل الحق ويبطلوه بقولهم للرسل: ما أنتم إلا بشر مثلنا، ونحو ذلك (وَتَّخَذُوا آيَاتِي ) أي: القرآن (وَمَا أَنْذِرُوا) به من الوعيد والتهديد (هُزُوًا) [أي أضحوكة يهز أون بها]. [٥٧] (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا) ولم يتدبرها حقّ التدبر، ويتفكر فيها حقّ التفكر (وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) من الكفر والمعاصي، فلم يتب عنها (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ) أي: أغطية تحول بين قلوبهم وبين وصول الفهم إليها [وهي كراهيتهم للحق] (وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا)) ثقلًا يمنع من استماعه (وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدَّا) لأن اللّٰه قد طبع على قلوبهم بسبب كفرهم ومعاصيهم. ٥٨] (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) أي: كثير المغفرة، وصاحب الرحمة التي وسعت كل شيء، فلم يعاجلهم بالعقوبة (لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا) من المعاصي التي من جملتها الكفر والمجادلة والإعراض ( لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ) لاستحقاقهم لذلك (بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ) أي: أجل مقدَّر لعذابهم (لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا) أي: ملجأ يلجأون إليه. [٥٩] وَتِلْكَ الْقُرَى) أي: قرى عاد وثمود وأمثالها {أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا) .١١>: والمعاصي (وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا) أي: وقتًا معينًا. [٦٠] (وَإِذْ قَالَ مُوسَى) هو موسى بن عمران النبي المرسل إلى فرعون (لِفَتَاهُ) هو يوشع بن نون كان ملازمًا لموسى يأخذ عنه العلم ويخدمه (لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ) أي: لا أزال أسير إلى أن أبلغه، ومجمع البحرين: ملتقاهما، قيل: المراد بالبحرين: بحر الأردن وبحر القلزم [أي: ملتقى خليج السويس بخليج العقبة والله أعلم] وقيل: مجمع البحرين عند طنجة (أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًّا) أي: أسير زمانًا طويلا، روي أنه سئل موسى: من أعلم الناس؟ قال: أنا، فأوحى اللّٰه إليه: إن أعلم منك عبدًا لي عند مجمع البحرين. [٦١] ( فَلَمَّا بَلَغَا) أي: موسى وفتاه {مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا) أي: بين البحرين (نَسِيَا حُوتَهُمَا)) قال المفسرون: إنهما تزوَّدا حوتًا مملّحًا في زنبيل، وكان قد جعل اللّٰه فقدانه أمارة لهما على وجدان المطلوب (فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا ) أحيا اللّٰه الحوت، حتى وثب ونزل في البحر وذهب فيه، فشبه مسلك الحوت في البحر بالسرب الذي هو الكوَّة المحفورة في الأرض. صفحة 301 [٦٢] (فَلَمَّا جَاوَزَا ) م مجمع البحرين الذي جعل موعدًا للملاقاة (قَالَ) موسى (لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا) وأراد موسى أن يأتيه بالحوت الذي حملاه معهما (لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا) أي: تعبًا وإعياء. ٦٣١] (قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ) وتلكِ الصخرِة كانت عند مجمع البحرين (وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ) أي: أن أخبرك بخبر الحوت العجيب (وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبَّا) موضع التعجب أن يحيا حوت قد مات، وأكل منه، ثم يثب إلى البحر، ويبقى أثر جريته في الماء. [٦٤] (قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغ) أي: ما كنا نريد، فإن الرجل الذي نريده هو هنالك (فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا) أي: رجعا على الطريق التي جاءا منها يقصان أثر هما؛ لئلا يخطئا طريقهما. [٦٥] (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا) هو الخضر، وعلى ذلك دلت الأحاديث الصحيحة ( آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْلِنَا قيل: الرحمة هي النبوَّة (وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) علمه اللّٰه سبحانه أشياء من علم الغيب الذي استأثر به، وفيما فعل موسى وهو من أجلّ الأنبياء من طلب العلم والرحلة في ذلك ما لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم، وإن كان قد بلغ نهايته، وأن يتواضع لمن هو أعلم منه [وقد قيل: كان الخضر نبيًّا، والله أعلم]. [٦٦] (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلَّمَنِ مِمَّا عُلَّمْتَ رُشْدًا) استأذنه أن يكون تابعًا له على أن يعلمه مما علمه اللّٰه من العلم، وقد يأخذ الفاضل عن المفضول إذا اختص أحدهما بعلم لا يعلمه الآخر، فقد كان علم موسى علم الأحكام الشرعية، وكان علم الخضر علم بعض الغيب. [٦٧] (قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)) لا تطيق أن تصبر على ما تراه من علمي؛ لأن علمك لا يوافق ذلك. [٦٨] (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ) أي: كيف تصبر على علم لم تَحِط بحقيقته؟ [٦٩](قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا ) أي: قال موسى للخضر: ستجدني صابرًا معك، ملتزمًا طاعتك. قَالَ فَإِن اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ) مما تشاهده من أفعالي المخالفة (حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذكْرًا) حتى أكون أنا المبتدئ لك ببيان وجهه وما يؤول إليه. [٧١](فَانْطَلَقَا) فمرَّت بهم سفينة فكلموهم أن بحملوهما فحملوهما (حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا) قيل: خرق جدار السفينة ليعيد ١٠١٠. يجعل الخرق مما يلي الماء؛ لئلا يتسارع الغرق إلى أهلها (قَالَ) موسى للخضر (أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) [ فأنكر عليه ما صنعه بالسفينة؛ لأنه بادي الرأي سيؤدي إلى هلاك الأرواح والأموال] وفي بعض الروايات أن أصحاب السفينة أركبوهما معهم من غير نَوْل: أي أجر، ولذلك كان استنكار موسى أعظم ( لَقَدْ جِثْتَ شَيْئًا إِمْرًا) أي: لقد أتيت أمرًا عظيمًا. [٧٣] (وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أمْرِي عُسْرًا عاملني باليسر لا بالعسر. [٧٤] (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ) أي: الخضر، ان الغلام يلعب مع الصبيان فاقتلع الخضر رأسه ( قال؟ موسى (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً) الزكية: البريئة من الذنوب {بِغَيْرِ نَفْسٍ) أي: بغير قتل نفس محرَّمة حتى يكون قتل هذه قصاصًا (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا) أي: فظيعًا منكرًا. ٧٥](قَالَ) الخضر (أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) زاد هنا لفظ (لك)) لأن سبب العتاب أكثر، وموجبه أقوى؛ لتكرُّر المخالفة. ٧٦](قَالَ) موسى (إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا)) أي: بعد هذه المرَّة (فَلَا تُصَاحِ: 5اْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا) صفحة 302 يريد أنك قد أعذرت حيث أكون قد خالفتك ثلاث مرات، وهذا كلام نادم شديد الندامة. [٧٧] ( فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ) قيل: هي أيلة (اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا) أي: أبوا أن بعطوهما ما هو حق واجب عليهم من ضيافتهما (فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّى فَأَقَامَهُ) أي: فسوَّاه، وجده مائلاً فردَّه كما كان، في الحديث أنه مسحه بيده فإذا هو قد استقام (قَالَ) موسى (لَوْ شِئْتَ لَا تَخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا) على إقامته وإصلاحه، [أي: فيكون بيدنا ما نشتري به الطعام]. [٧٨] (قَالَ) الخضر (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) أي: هذا الكلام وإنكارك عليَّ تركي أخذ الأجر، هو المفرق بيننا (سَأُنبَتُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ) التأويل تفسير وبيان الوجه الذي فعل بسبب تلك الأفعال التي أنكرها موسى. أمَّا السَّفِينَةُ) يعني: التي خرقها (فكَانَتْ لِمَسَاكِينَ) لضعفاء لا يقدرون على دفع من أراد ظلمهم (يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ) ولم يكن لهم مال غير تلك السفينة، بكرونها من الذين يركبون البحر ويأخذون الأجرة (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا) بنزع ما نزعته منها (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ) يعني: أمامهم، وقيل أراد: خلفهم (يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ) أي: كل سفينة صالحة لا معيبة. [٨٠] (وَأَمَّا الْغُلَامُ) يعني الذي قتله (فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ) أي: ولم يكن هو كذلك (فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا) قيل: إن الخضر علم بإعلام اللّٰه له أنه طُبع يوم طُبع كافرًا، وسوف يتسبب عن كفره إضلال أبويه وكفرهما. [٨١] ( فَأْرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ) أردنا أن يرزقهما اللّٰه بدل هذا الولد ولدًا خيرًا منه (زَكَاةً) أي: دينًا وصلاحًا وطهارة من الذنوب (وَأَقْرَبَ رُحْمًا) رحمة لوالديه. [٨٢] (وَأَمَّا الْحِدَارُ) يعني: الذي أصلحه (فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيِمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ) هي القرية المذكورة سابقًا (وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا) كان مالًا جسيمًا، والكنز: المال المدفون (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) فكانِ صلاحه مقتضيًا الرعاية ولديه وحفظ مالهما (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا ) أي: كمالهما وتمام نموِّهما (وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا) من ذلك الموضع الذي عليه الجدار، ولو انقضَّ لخرج الكنز من تحته (رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) أي: كان هذا التدبير من اللّٰه تعالى رحمة لهما، بصلاح أبيهما (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) (ذَااءَ. أَأْرِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ أي: عن اجتهادي ورأيي صَبْرًا) أي: ذلك المذكور هو تفسير ما ضاق صبرك عنه، ولم تطق السكوت عليه، عن ابن عباس عن أبيِّ بن كعب. قال: قال رسول اللّٰه وتَيّة (رحمة اللّٰه علينا وعلى موسى، لو صبر لقصَّ اللّٰه علينا من خبره، ولكن (قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي))). [٨٣] (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ) السائلون هنا هم اليهود، وذو القرنين قيل: هو الإسكندر بن فيليبوس اليوناني، باني الإسكندرية، وهذا مشكل؛ لأنه كان كافرًا وهو تلميذ أرسطو، وقيل: هو أبو كرب الحميري، وقيل: هو ملك من الملائكة، وإنما سمي ذا القرنين؛ لأنه بلغ قرن الشمس من مطلعها، وقرن الشمس من مغربها (قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا) وذلك بطريق الوحي المتلوِّ. ٨٤٦] (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ) أي: أقدرناه بما مهدنا له من الأسباب حتى تمكن منها أين شاء وكيف شاء (وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) مما يتعلق بمطلوبه (سَبَبًّا) أي: طريقًا يتوصل بها إلى ما يريده. [٨٥] ( فَأَتْبَعَ سَيَبًّا)) ما .دًا تؤدِّيه إلى مغرب الشمس. صفحة 303 ٨٦] ( حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ) أي: نهاية الأرض من جهة المغرب (وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) أي: كثيرة الحمأة، وهي الطينة السوداء، قيل: ولعل ذا القرنين لما بلغ ساحل البحر المحيط رآها كذلك في نظره (وَوَجَدَ عِنْدَهَا) أي: عند مغربها (قَوْمَا) وكانوا كفارًا (إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا) أي: إما أن تعذبهم بالقتل من أوَّل الأمر وإما أن تحسن إليهم بدعوتهم إلى الحق وتعليمهم الشرائع. [٨٧](قَالَ) ذو القرنين (أمَّا مَنْ ظَلَمَ) نفسه بالإصرار على الشرك، ولم يقبل دعوتي (سَوْفَ نُعَذِّبُهُ) بالقتل في الدنيا (ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ) في الآخرة (فَيُعَذِّبُهُ) فيها (عَذَابًا نُكْرًا) أي: منكرًا فظيعًا. [٨٨] (وَأَمَّا مَنْ آمَنَ) بالله وصدَّق دعوتي (وَعَمِلَ) عملًا (صَالِحًا) مما يقتضيه الإيمان (فَلَهُ جَزَاءً الحُسْنَى) وهي الجنة، ويجوز آن يكون هذا الجزاء من ذي القرنين، أي: أعطيه وأتفضل عليه (وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أمْرنَا يُسْرًا) ذا يسر ليس بالصعب. [٨٩] (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبِبًا) أي: طِريقًا غير الطريق الأول. [٩٠] (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطَلِعَ الشَّمْسِ) أي: الموضع الذي تطلع عليه الشمس أوَّلا من معمور الأرض (وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا) يسترهم، لا من البيوت ولا من اللباس، بل هم حفاة عراة لا يأوون إلى شيء من العمارة [أو لا يحول بينهم وبينها إلا البحر، ويقال: إنه ربما بلغ الأرض التي تبقى الشمس فيها طالعة عشرات الأيام لا تغيب ولا تستتر، وذلك في شمال الكرة الأرضية]. [٩١] (كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ) أي: وقد علمنا حين ملكناه ما عنده من الصلاحية لذلك الملك والاستقلال به. [٩٢] (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًّا) أي: طريقًا ثالثًا معترضًا بين المشرق والمغرب. [٩٣] (حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ) قيل: هما جبلان من قبل أرمينية وأذربيجان (وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا) أي: قبلهما (قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً) أي: لا يفهمون كلام غيرهم: [٩٤] (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) هما قبيلان من الناس، قيل: هم من الترك، وإفسادهم في الأرض، قيل: هو الظلم، والغشم، والقتل، وسائر وجوه الإفساد (فَهَلَ نَجْعَلَ لَكَ خَرْجًا) أي: قطعة نخرجها لك من أموالنا (عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا) أي: ردمًا حاجزًا بيننا وبينهم. [٩٥] (قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ بَبّ ) ما بسطه اللّٰه لي من القدرة والملك (خَيْرٌ) من خرجكم (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ) أي: برجال منكم يعملون بأيديهم، أو أعينوني بآلات البناء (أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ) والردم: هو السدُّ. [٩٦] (انُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ) أي: قطع الحديد (حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ) والصدفان: جانبا الجبلين المتقابلين، ومعنى الآية: أنهم أعطوه زبر الحديد، فجعل يبني بها بين الجبلين حتى ساواهما (قَالَ انْفُخُوا) أي: قال للعَملة: انفخوا على هذه الزبر بالكيران (حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا) قيل: كان يأمر بوضع طاقة من الزبر والحجارة، يرقد عليها الحطب والفحم بالمنافخ حتى تحمى، والحديد إذا أوقد عليه صار كالنار المحمرَّة (قَالَ أتُونِي أَفْرِغْ عَلَيْهِ قِطَرًا) القطر: النحاس الذائب، يصبه على قطع الحديد المحمرَّة فيُلحمها. ٩٧٦] (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ) أي: فما استطاع ياجوج وماجوج أن يعلوا على ذلك الردم لارتفاعه وملاسته (وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) وما استطاعوا أن ينقبوه من أسفله لشدّته وصلابته. [٩٨] (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ م.: بَدّ ) يحول بين يأجوج ومأجوج صفحة 304 وبين الفساد في الأرض (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي) أي: أجل ربي أن يخرجوا منه قبيل يوم القيامة (جَعَلَهُ دَكَّاءَ) أي: مستويًا بالأرض (وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي) أي: وعده بخراب السد وخروج يأجوج ومأجوج قبل يوم القيامة (حَقَّا) ثابتًا لا يتخلف، وهذا آخر قول ذي القرنين. [٩٩] (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ) بعض الناس (يَوْمَئِذْ)) يوم خروج يأجوج ومأجوج (يَمُوجُ فِي بَعْضٍ) المعنى: أنهم بضطربون ويختلطون، فإن خروج يأجوج ومأجوج من علامات قرب الساعة (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ) قيل: هي النفخة الثانية، بدليل قوله بعد: (فَجَمَعْنَاهُم جَمْعًا) أي: أحييناهم بعد تلاشي أبدانهم ومصيرها ترابًا ثم أتينا بهم إلى المحشر جميعًا. [١٠٠] (وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَثِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا ) أي: أظهرناها لهم حتى شاهدوها يوم جمعنا لهم. [١٠١] (الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي) وهو الآيات التي يشاهدها مَن له تفكر واعتبار، فيذكر اللّٰه بالتوحيد والتمجيد (وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا) لتعاميهم عن المشاهدة بالأبصار، وإعراضهم عن الأدلة السمعية [١٠٢] (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي) وهم الملائكة والمسيح والشياطين (أَوْلِيَاءَ) أي: معبودين (إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً) أي: هيأنا لهم نزلًا - هو النار - يتمتعون به عند ورودهم، كما يُعَدَّ النزل للضيف. [١٠٣] (قُلْ هَلْ نُنَبَئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ) أي: هل نخبركم أيها الناس بأشد الناس خسرانًا لأعمالهم؟ ١٠٤] (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ضلال السعي: بطلانه وضياعه (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) مخدوعون بما هم عليه يظنون أنهم محسنون في ذلك منتفعون بآثاره، وهم في الحقيقة مسيئون خاسرون. [١٠٥](أَوَلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ) بدلائل توحيده من الآيات التكوينية والتنزيلية، وكفرهم بلقائه: كفرهم بالبعث وما بعده من أمور الآخرة (فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) أي: التي عملوها مما يظنُّونه حسنًا، وإنما حبطت لكفرهم (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا)) أي: لا يكون لهم عندنا قِدر ولا نعبأ بهم. [١٠٧](إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) ضد صفة من قبلهم (كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ) الفردوس في كلام العرب: الشجر الملتف، والأنا ٠ايه العنب، والمراد به في الآية: أعلى الجنان (نُزُلًا) معدًّا لهم مبالغة في إكرامهم. ١٠٨] (لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا) أي: لا يطلبون تحوُّلًا عنها؛ إذ هي أعزُّ من أن يطلبوا غيرها، أخرج أحمد والترمذي عن عبادة بن الصامت أن النبي واليّي قال: ((إن في الجنة مائة درجة، كل درجة منها ما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، ومن فوقها يكون العرش، ومنه تفجر أنهار الجنة الأربعة، فإذا سألتم اللّٰه فاسألوه الفردوس)). ١٠٩] {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي) لو كتبت كلمات علم اللّٰه وحكمته، وكان ماء البحر حبراً للقلم، والقلم يكتب، لنفد البحر قبل نفاد الكلمات، ولو جئنا بمثل البحر مددًا لنفد أيضًا، فيستفاد من الآية: كثرة كلمات اللّٰه بحيث لا تضبطها الأقلام والكتب. [١١٠] (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) أي: إن حالي مقصور على البشرية لا يتخطاها إلى الملكية أو الإلهية (يُوحَى إِلَىَّ) وكفى بهذا الوصف فارقًا بينه وبين سائر أنواع البشر ( أُنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا شريك له في ألوهيته (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ) من كان له هذا اا حاء الذي هو شأن المؤمنين صفحة 305 (فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا) وهو ما دلَّ الشِرع على أنه عمل خير يثاب عليه فاعله (وَلَا يُشْرِكُ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) من خلقه سواء كان صالحًا، أو طالحًا، حيوانًا أو جمادًا، ويدخل في النهي: الشرك الخفي الذي هو الرياء، وأخرج أحمد وابن سعد عن أبي معيد بن أبي فضالة الأنصاري، قال: سمعت رسول اللّٰه وَلِلّية يقول: ((إذا جمع اللّٰه الأوَّلين والآخرين ليوم لا ريب فيه نادى مناد: من كان أشرك في عَمَل عَمِلَه لله أحدًا، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن اللّٰه أغنى الشَركاء عن الشرك». تفسير سورة مريم [١] (كهيعص) تقدم الكلام في الحروف الواقعة في فواتح السورة مستوفى في أول سورة البقرة. [٢] (ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ) أي: هذا ذكر رحمة ربك (عَبْدَهُ زَكَرِيَّا) [وهو من أنبياء بني إسرائيل وزوجته خالة عيسى عليهما السلام]. ٣إذْ نَادَ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيَّا) جعل نداءه الله خفيًّا؛ لأنه أبعد عن الرياء، وقيل: لكونه قد صار ضعيفًا هرمًا لا يقدر على الجهر. [٤] (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) أراد أن عظامه ضعفت فضعفت قوَّته (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) كثر شيبه جدًّا، وهذا كناية عن الهرم (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) أي: لم أكن خائبًا، بل كلما دعوتك استجبت لي. [٥] (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي) الموالي هنا هم الأقارب وسائر العصبات من بني العم ونحوهم، كانوا - بعني: أقاربه وبني عمه- مهملين لأمر الدين، أي: قلَّوا وضعفوا عن حمل الدين، أو انشغلوا بالدنيا عن إقامة أمر الدين لبني إسرائيل؛ فخاف أن يضيع الدين بموته، فطلب وليًّا يقوم به بعد موته يكون حريصًا على الدين (وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا) العاقر: التي لا تلد لكبر سنها (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا) ولم يصرح بطلب الولد لما علم من نفسه بأنه قد صار هو وامرأته في حالة لا يجوَّز فيها حدوث الولد لينهما وحصوله منهما، وقيل: بل أراد الولد. [٦] (يَرِثُني وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) الوراثة هنا: هي وراثة العلم والنبوَّة على ما هو الراجح لا وراثة المال، لقول النبي اَليه: ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث))، أي: يرث ما عندهم من العلم ويقوم برعاية أمورهم في الدين (وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيَّا) أي: مرضيًّا في أخلاقه وأفعاله، ١.٢ ١. أهلا لحمل علم الدين وتعليمه وتبليغه وليقيم لهم شعائر دينهم. [٧] (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامِ اسْمُهُ يَحْيَى) استجابِ له اللّٰه دعاءه فوجه إليه هذا النداء من جهة الملائكة ولَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيَّا) معناه: لم نسمِّ أحدًا قبله يحيى، وقال مجاهد: لم يجعل له مثلًا ولا نظيرًا. «قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ) معناه: التعجب من قدرة اللّٰه وبديع صنعه، حيث يخرج ولدًا من امرأة عاقر وشيخ كبير (وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيَّا)) انتهى سنه وكبر . [٩] (وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ) خلقه ابتداء، وأوجده من العدم المحض، فإيجاد الولد له بطريق التوالد المعتاد أهون من ذلك وأسهل منه. ١٠(قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) أي: علامة تدلني على وقوع المسئول، وحصول البشرى من اللّٰه سبحانه بحمل امرأته بابنها يحى (قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا) ألا تقدر على الكلام وأنت سويُّ الخلق، ليس بك آفة تمنعك منه. [١١] (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ) وهو مصلاه ( فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ) أي: أشا. ١١.. . إشارة ولم يَكلمهم بذلك. صفحة 306 [١٢ ] (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) أي: فولد له مولود، بلغ المبلغ الذي يخاطب فيه، فقلنا له: يا يحيى، والكتاب: التوراة (بَقُوَّةٍ) أي: بجدٌّ وعزيمة واجتهاد (وَاتَيْنَاهُ الْحُكْرَ صَبِيَّا الحكم: الحكمة، وهي الفهم للكتاب، وقيل: النبوَّة أعطيها ولمَّا يخرج بعد عِن حد الصبا. [١٣ ] (وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا) أي: رحمناه رحمة من عندنا، والحنان: الرحمة والشفقة والعطف والمحبة، وقيل المعنى: أعطيناه رحمة من لدنا كائنة في قلبه يتحنن بها على الناس، حتى يخلصهم من الكفر والمعاصي (وَزَكَاةً) الزكاة: التطهير والبركة، أي: جعلناه مباركًا للناس يهديهم إلى الخير (وَكَانَ تَقِيًّا) أي: متجنبًا لمعاصي اللّٰه مطيعًا له. [١٤] (وَبَرَّا بِوَالِدَيْهِ) لطيفًا بهما محسنًا إليهما (وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيَّا) أي: لم يكن متكبرًا ولا عاصيًا لوالديه أو لربه. [١٥] (وَسَلَامٌ عَلَيْهِ) أمان عليه من الله، وقيل: يسلم اللٰه عليه (يَوْمَ وُلِدَ) أمن من الشيطان في ذلك اليوم (وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) قيل: أوحش ما يكون الإنسان في ثلاثة مواطن: يوم يولد؛ لأنه يخرج مما كان فيه، ويوم يموت؛ لأنه يرى قومًا لم يكن قد عرفهم، وأحكامًا ليس له بها عهد، ويوم يبعث؛ لأنه يرى هول يوم القيامة. [١٦] (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذْ انْتَبَذَتْ) تنحت وتباعدت. قيل: انفردت لأجل أن تعبد اللّٰه سبحانه (مَكَانًا شَرْقِيًّا) أي: مكانًا من جانب الشرق من بيت المقدس. ١٧](فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا) أي: حجابًا بسترها عنهم لئلا يروها حال العبادة (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا) هو جبريل ا ( فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) أي: تمثل لها جبريل إنسانًا مستوي الخلق لم يفقد من نعوت بني آدم شيئًا، فظنت أنهِ يريدها بسوء. [١٨] (قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) أي: ممن يتقي اللّٰه ويخافه فإني أستعيذ بالله منك، فاخرج من وراء الحجاب. [١٩ ] (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ) أي: لست أريد بك سوءًا، ولكن أنا رسول إليك من ربك الذي استعذت به، ولست ممن يتوقع منه السوء (لأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا) الزكي: الطاهر من الذنوب الذي ينمو على النزاهة والعفة. [٢٠] (قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) أي: لم يقربني زوج ولا غيره (وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) البغِي: هي الزانية التي تبغي الرجال بالأح [٢١](وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ) أي: ولنجعل هذا الغلام، أو خلقه من غير أب، آية للناس يستدلون بها على كمال القدرة (وَرَحْمَةً مِنَّا) لما ينالونه منه من الهداية والخير الكثير؛ لأنَّ كلَّ نبيِّ رحمةٌ لأمته (وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا) مقدَّرًا قد قدَّره اللّٰه وجف به القلم. [٢٢] (فَحَمَلَتْهُ) أي: فنفخ في جيب درعها، فوصلت النفخة إلى بطنها فحملته ( فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا) اعتزلت إلى مكان بعيد. ٢٣٦]فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ) المخاض: حالة الولادة (إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ) أي: ألجأها واضطرها إلى ساق النخلة اليابسة، كأنها طلبت شيئًا تستند إليه وتتعلق به، كما تتعلق الحامل لشدَّة وجع الطلق (قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا) تمنت الموت؛ لأنها خافت أن يظنَّ بها السوء في دينها (وَكُنْتُ نَسْيًا) النسي: الشيء الحقير الذي من شأنه أن يُنسى ولا يُذكر، ولا يُتألم لفقده، كالوتد والحبل. [٢٤] (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا) أي: جبريل لما سمع قولها، وكان تحت الأكمة، وقيل: تحت النخلة، وقيل: المنادي هو عيسى (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَاء، ريَّا) السريُّ: النهر الصغير، صفحة 307 وقيل: المراد بالسريِّ هنا عيسى، والسريُّ: العظيم من الرجال. [٢٥] (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) أي: أمسكي به وهزِّيه ( تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيَّا) هو ما طاب وصلح للاجتناء، أي: رطبًا طريًّا طيبًا. [٢٦] (فَكُلِي) من ذلك الرطب (وَاشْرَبِي) من ذلك النهر (وَقَرِّي عَيْنًا) طيبي نفسًا وارفضي عنك الحزن (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) الصوم هنا: الصمت عن الكلام (فَلَنْ أَكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيَّا) المراد أنها لا تكلم أحدًا من الإنس بعد إخبارهم بهذا الخبر، قيل: إنها لم تخبرهم هنا بِاللفظ، بل بالإشارة المفيدة. [٢٧] ( فَأَنَتْ بِهِ) أي: بعيسى (تَحْمِلُهُ) من المكان القصي الذي انتبذت فيه، فلما رأوا الولد (قَالُوا) منكرين لذلك (يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ) أي: فعلت ( شَيْئًا فَرِيًّا) عظيمًا. [٢٨] (يَا أَخْتَ هَارُونَ) هارون هذا رجل صالح في ذلك الوقت، وقيل المعنى: يا من نظنها مثل هارون في العبادة، كيف تأتين بمثل هذا؟ (مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيَّا) فمن أين يأتيك السوء ؟ ٢٩] أشَارَتْ لَيْهِ أي إلى يس، كتفت لإشارة ولم تأمره بالنطق؛ لأنها نذرت للرحمن صومًا عن الكلام. [٣٠] (قَالَ) عيسى (إِنِّي عَبْدُ اللهِ» فكان أوَّل كلمة نطق بها الاعتراف بالعبودية لله [إيذانًا للنصارى بضلالهم فيما ادعوه له من الربوبية] (آتَانِيَ الْكِتَابَ" أي: الإنجيل: أي قدَّر لي في الأزل أن أكون نبيًّا ذا كتاب. [٣١] (وَجَعَلَني مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ) المبارك: النفَّاع للعباد، والمعلم للخير (وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ) أي: أمرني بها (وَالزَّكَاةِ) زكاة المال، أو تطهير النفس (مَادُمْتُ حَيَّا) أي: مدة دوام حياتي. [٣٢] (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي) علم في تلك الحال أنه لم يكن له أب ( وَلَمْ يَجْعَلَنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) الجبار: المتعظم الذي لا يرى لأحد عليه حقا، والشقي العاصي لربه، وقيل: الخائب، وقيل: العاق. [٣٣] (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيَّا) أي: السلامة عليَّ يوم ولدت فلم يضرني الشيطان في ذلك الوقت، ولا أغواني عند الموت، ولا عند البعث. [٣٤] (ذَلِكَ) المتصف بالأوصاف السابقة الذي قال: إني عبد اللّٰه هو (عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ) أي: هذا الكلام هو قول الحق في حقيقة عِيسى ابن مريم، لا ما يقوله الضالون ولا المغضوب عليهم {الَّذِي فِيهِ يَيْءُ مدَ » يشكّون ويختلفون. [٣٥] (مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ) أي: ما صحَّ ولا استقام ذلك {سُبْحَانَهُ) أي: تنزه وتقدس عن مقالتهم هذه (إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) فمن كان هذ شأَنه كيف يتوهم أَن يكون له ولد؟ [٣٦] (وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) أي: هذا الذي ذكرته لكم من أنه ربي وربكم، هو الطريق القيم الذي لا اعوجاج فيه، ولا يضل سالكه. [٣٧] (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ) أي: فاختلفت الفرق في أمر عيسى، فاليهود قالوا: إنه ساحر، وقالوا: إنه ابن يوسف النجار، والنصارى اختلفت فرقهم فيه، فقالت النسطورية منهم: هو ابن الله، وقالت الملكانية: هو ثالث ثلاثة، وقالت اليعقوبية: هو اللّٰه تعالى (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) وهم المختلفون في أمره (مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) أي: من شهود يوم القيامة، وما يجري فيه من الحساب والعقاب. [٣٨] {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ) أي: ما أقوى سمعهم وأبصارهم (يَوْمَ يَأْتُونَنَا) أي: للحساب والجزاء (لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ) أي: في الدنيا (فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [ صم بكم عمي عن الحق يح من، أنهم على شيء]. صفحة 308 [٣٩] (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ) فالمسيء يتحسر على إساءته، والمحسن على عدم استكثاره من الخير (إِذْقُضِيَ الْأَمْرُ) أي: فرغ من الحساب، وطويت الصحف، وصار أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار (وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ) أي: هم الآن في الدنيا مغترون بها غافلون عما يعمل بهم يوم القيامة (وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ). [٤٠](إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا)) فلا يبقى بها أحد من أهلها يرث الأموات ما خلّفوه من الديار والمتاع (وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) أي: يُردُّون إلينا يوم القيامة، فنجازي كلًّا بعمله. [٤١] (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ) أي: اتل خبره على الناس (إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيَّا) الصِّدِّيق: الكثير الصدق، أو هو القوي التصديق لآيات الله. [٤٢] (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ) أبو إبراهيم هو آزر على ما تقدم في (سورة الأنعام: ٧٤) (لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ) دعاءك إياه (وَلَا يُبْصِرُ) ما تفعله من عبادته (وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا) فلا يجلب لك نفعًا، ولا يدفع عنك ضررًا، وهي الأصنام التي كان يعبدها آزر. [٤٣] (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ) يخبر إبراهيم أباه أنه قد وصل إليه نصيب من العلمِ بالوحي من قِبَل اللّٰه سبحانه، لم يصل إلى أبيه، وأنه قد تجدَّد له حصول ما يتوصَّل به منه إلى الحق. ويقتدر به على إرشاد الضال. [٤٤] (يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ) أي: لا تطعه، فإن عبادة الأصنام: هي من طاعة الشيطان (إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا) حين ترك ما أمره به من السجود لآدم، والعاصي حقيق بأن تَسلب عنه النعم وتحل به النقم. [٤٥] (فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيَّا) تكون بسبب موالاته في العذاب معه. [٤٦] (قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَنِي يَا إِبْرَاهِيمُ) أمعرض أنت عن تلك الأصنام ومنصرف إلى غيرها؟ ( لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ) أي: بالحجارة، وقيل: معناه: لأشتمنك (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) أي: فارقني زمانًا طويلًا . [ ٤٧](قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ) أي: تحية توديع ومتاركة كقوله: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) ( سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) وعده بأن يطلب له المغفرة من اللّٰه سبحانه تألفًا له وطمعًا في لينه وذهاب قسوته، وكان منه هذا الوعد قبل أن يعلم أنه يموت على الكفر (إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا) كان بي كثير البر واللطف، يجيبني إذا دعوته. [٤٨] (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْءُ. = -: دُونِ اللهِ) أي: أهاجر بديني عنكم وعن معبوداتكم حين لم تقبلوا نصحي، ولا نجعت فيكم دعوتي (وَأَدْعُو رَبِّي) وحده (عَسَى أَلَا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا) أي: خائبًا، وقيل: عاصيًا، قيل المراد بهذا الدعاء: هو أن يهب اللّٰه له ولدًا وأهلا يستأنس بهم في اعتزاله، ويطمئن إليهم عند وحشته. [٤٩] ( فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) هاجر في سبيل اللّٰه إلى أرض بيت المقدس حيث يقدر على إظهار دينه {وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ ابنه وَيَعْقَوْبَ) ح حفيده بدل الأهل الذين فارقهم (وَكُلَّا جَعَلْنَا نَبِيَّا) أي: كل واحد منهم جعلناه نبيًّا. [٥٠] (وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا) النبوة والكتاب والمال والأولاد (وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيَّا) لسان الصدق: الثناء الحسن على ألسن العباد. [٥١] (إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا) أي: جعلناه مختارًا، أو أخلصناه من الشرك والمعاصي (وَكَانَ رَسُولًا نَبِيَّا) أرسله اللّٰه إلى عباده، فأنبأهم عن اللّٰه بشرائعه. [٥٢] (وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطِّورِ الْأَيْمَنِ) [أي: من جانب الجبل المسمى طور سينا، ، . .ين الوادي] (وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا) صفحة 309 أي: أدنيناه بتقريب المنزلة حتى كلمناه وسمع مناجاة ربه. [٥٣](وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا) أي: من نعمتنا أخاه (هَارُونَ نَبَّا) وذلك حين سأل ربه قائلًا: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي. هَارُونَ أَخِي). [٥٤] (إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ) وصف اللّٰه سبحانه إسماعيل بصدق الوعد مع كون جميع الأنبياء كذلك؛ لأنه كان مشهورًا بذلك مبالِغًا فيه. وناهيك من صدق وعده أنه وَعد أباه أن يصبر على الذبح فوفى بذلك. كما في (سورة الصافات، الآية: ١٠٢). [٥٥] (وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ) قيل المراد بأهله هنا: أمته، وقيل: عشيرته وزوجته وأولاده. والصلاة والزكاة هنا هما العبادتان الشرعيتان (وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيَّا) أي: رضيًّا زاكيًا صالحًا. [٥٦] (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ) هو جدَّ نوح، وهو أوُّل من خط بالقلم." [٥٧] (وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيَّا) قيل: إن اللّٰه رفعه إلى السماء الرابعة، كما رواه مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك عن النبي وَالِلّيه وقيل: المراد برفعه ما أعطيه من شرف النبوة. [٥٨] (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَِّّينَ) المذكورين من أول السورة إلى هنا (وَمِمَّنْ حَمَلَّنَا مَعَ نُوح ) أي: من ذرية من حملنا معه [وهم أولاده؛ لأن النبوة في ذريته ] (وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ) أي: ومن ذرية إسرائيل، وهو يعقوب، ومنهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى (وَمِمَّنْ هَدَيْنَا) أي: من جملة من هدينا إلى الإسلام (وَاجْتَبَيْنَا) [أي: اصطفينا من العباد حتى جعلناهم أنبياء] (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيَّا) كانوا إذا سمعوا آيات اللّٰه بكوا وسجدوا. ٥٩] ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ) أي: عقب سوء من أممهم يتسمون بالإيمان والاتباع للأنبياء، ولكنهم في أفعالهم مقصرون ومخالفون، ولذلك (أَضَاعُوا الصَّلَاةَ) قيل: لم يأتوا بها على الوجه المشروع بترك شيء من شروطها أو أركانها (وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ) أي: فعلوا ما شتهيه أنفسهم من المحرَّمات، كالزنى والخبائث (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيَّا) الغيُّ: هو الشرُّ، وقيل: الخيبة. [٦٠] (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا) أي: تاب مما فرط منه من تضييع الصلوات، واتباع الشهوات، فرجع إلى طاعة اللّٰه وآمن به وعمل عملًا صالحًا (وَلَا يُظلَمُونَ شَيْئًا) أي: لا ينقص من أجو. ه. ، وإن كان قليلًا. [٦١] (الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ) آمنوا بها ولم يروها (إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا) مواعيده آتية، ومنها الجنة يأتيها أهلها. [٦٢] (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا) هو الهذر من الكلام الذي لا طائل تحته، وقيل: اللغو كل ما لم يكن فيه ذكر اللّٰه (إِلَّا سَلَامًا) أي: ولكن يسمعون سلامًا بعضهم على بعض أو سلام الملائكة عليهم (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا)) يأتيهم ما يشتهون من الطعام على مقدار ما يريدون، صباحًا ومساء. [٦٣] (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا) نجعلها لأهل التقوى [بِعد أن نحرِّمها على غيرهم]. [٦٤] (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ) أي: قل يا جبريل: وما نتنزَّل، وذلك أن رسول الله وَالِيِ استبطأ نزول جبريل عليه، فأمر جبريل أن يخبره بأن الملائكة ما تتنزل عليه إلا بأمر اللّٰه لهم بالنزول. روى البخاري وغيره أن النبي وَالِيِ قال لجبريل: ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ فنزلت هذه الآية: (لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ) أي: من الجهات والأماكن، أو من الأزمنة الماضية والمستقبلية، فلا نُقْدِمُ على أمر إلا بإذنه (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا)) أي: لم يَنْسَكَ وإن تأخر عناء، ال. - ب، ولا ينسى شيئًا. صفحة 310 [٦٥] ( رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) أي: خالقهما ومالكهما وما بينهما (فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ) اثبت على ذلك (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) أي: ليس له مثل ولا نظير حتى يشاركه في العبادة، وقيل: ليس له شريك في اسمه وهو «الله)». أي: لم يسم شيء من الأصنام ولا غيرها بالله قط. [٦٦]وَيَقُولُ الإِنْسَانُ) والمراد بالإنسان هنا: الكافر ( أُخْرَجُ) أي: من القبر حيًّا؟ [ يقول ذلك استبعادًا له ]. [٦٧] (أَوَلَا يَذْكُرُ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ) أي: ألا يتفكر هذا الجاحد في أوَّل خلقه فيستدلّ بالابتداء على الإعادة، والابتداء أعجب وأغرب من الإعادة (وَلَمْ يَكُ شَيْئًا) أي: قبل خلقه كان معدومًا بالكلية، ومع ذلك أوجدناه. [٦٨] (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ) إلى المحشر بعد إخراجهم من قبورهم أحياء (وَالشَّيَاطِينَ) أي: يحشرهم مع شياطينهم الذين أغووهم وأضلوهم (ثُمَّ اللّٰه نُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيَّا) أي: جاثين على ركبهم لما صيبهم من هول الموقف وروعة الحساب. [٦٩] (ثُمَّ لَنَنْزِ عَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ) الشيعة: الفرقة التي نبعت دينًا من الأديان (أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيَّا) ينزع من كلِّ طائفة من طوائف الغي والفساد أعصاهم وأعتاهم، وهم قادتهم ورؤساؤهم في الشر. [٧٠] (ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا ) أي: إن هؤلاء الذين هم أشدَّ على الرحمن عتيَّاهم أولى بحريق النار. [٧١](وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) أي: ما من الناس من أحد إلا سوف يرد إلى النار، والورود: هو المرور على الصراط (كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا) أمرًا محتومًا قد قضى سبحانه أنه لا بد من وقوعه لا محالة. ٢(ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا أي: اتقوا ما يوجب النار، وهو الكفر بالله ومعاصيه، فالذين يتقون اللّٰه ينجيهم اللّٰه من الوقوع في النار، فيمرون على الصراط بإيمانهم وأعمالهم (وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِئِيَّا) يبقون فيها جاثين على ركبهم لا يستطيعون الخروج. [٧٣] {أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا ) المراد: أفريقنا خير أم فريقكم منزلًا ومسكنًا، وأكبر جاهًا، وأكثر أنصارًا وأعوانًا (وَأَحْسَنُ نَدِيَّا) والنديُّ والنادي: مجلس القوم ومجتمعهم. [٧٤] (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ) القرن: الأمة والجماعة (هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا) الأثاث: المال أجمع، من الإبل، والغنم، والبقر، وال.-اء .قيل: هو متاع البيت خاصة من الفرش واللباس والستائر والبسط والأرائك والسرر (وَرِثْيًا) أي: أحسن منظرًا لدى الناس من جهة اللباس، أو حسن الأبدان وتنعمها. (قُلْ مَنْ كَانَ في الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدَّا) أي: من كان يخبط في الدنيا على هواه، فإن اللّٰه تعالى جعل جزاءه أن يتركه في ضلالته ويمدَّه فيها (إِمَّا الْعَذَابَ) في الدنيا بالقتل والمصائب (وَإِمَّا السَّاعَةَ) أي: يوم القيامة (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرُّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا ) أي: هؤلاء الذين افتخروا على المؤمنين بأنهم خير مقامًا وأحسن نديًّا، سيعلمون يوم القيامة أنهم شرٌّ مكانًا، لا خير مكانًا، وأضعف جندًا، لا أقوى ولا أحسن من فريق المؤمنين. [٧٦] (وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدَّى) وذلك أن الخير يدعو إلى الخير، والله يجعل جزاء المؤمنين أن يزيدهم يقينًا، كما جعل جزاء الكافرين أن يمدهم في ضلالته (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا) أي: إن الطاعات المؤدِّية إلى السعادة الأبدية أنفع عائدة مما يتمتع به الكفار من النعم الدنيوية (وَخَيْرٌ مَرَدَّا) 11.٥ .١١ مرجع والعاقبة. صفحة 311 [٧٧] (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا) أي: هل أخْبِركَ بقصة هذا الكافر الذي قال: (لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا) أخرج البخاري ومسلم غيرهما من حديث خبَّاب بن الأرتّ، قال: كنت رجلًا قينًا: أي: حدَّادًا، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: والله لا أكفر محمد حتى تموت ثم تبعث، قال: فإني إذا متُّ ثم بعثت، جنّني ولي ثم مال وولد فأعطيك، فأنزل اللّٰه فيه هذه الآية. ٧٨٦] ( أَطَّلَعَ الْغَيْبَ) حتى يعلم أنه في الجنة ( أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا) أقال: لا إله إلا الله فأرحمه بها؟ أو قدَّم عملاً صالحًا فهو يرجوه. [٧٩] ( كَلَّا سَنْكْتُبُ مَا يَقُولُ) أي: ليس الأمر على ما قال، بل سنحفظ عليه ما يقوله فنجازيه به في الآخرة (وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدَّا) أي: نزيده عذابًا فوق عذابه مكان ما يدَّعيه. [ ٨٠] (وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ) أي: نُميته فنرثه المال والولد الذي يقول: إنه يؤتاه (وَيَأْتِينَا فَرْدًا) أي: يوم القيامة لا مال له ولا ولد، بل نسلبه ذلك، فكيف يطمع في أن نعطيه؟ [٨٢] ( كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ) أي: ليس الأمر كما ظنوا، بل ستجحد هذه الأصنام عبادة الكفار لها يوم ينطقها اللّٰه سبحانه (وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا) أي: تكون هذه الآلهة التي ظنوها عزًّا لهم ضدًّا عليهم وأعداء، بعد أن كانوا يحبونها ويؤمنون بها. [٨٣] (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ) أي: م (تَؤُزّهُمْ أزّا) تحرِّك الكافرين تركناهم يتسلطون عليهم إلى فعل المعاصي. [٨٤] (فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ) بأن تطلب من اللّٰه التعجيل بإهلاكهم بسبب تصميمهم على الكفر وعنادهم (إِنّمَا نَعُدَّ مُهُمْ عَدَّا) يعني: نعدَّ الأيام والليالي والشهور والسنين من أعمالهم إلى انتهاء آجالهم [٨٥](يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ) أي: وافدين إلى جنته ودار كرامته. ٨٦] (وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ) نحثهم على السير طردًا (إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا) كالإبلِ ترد الماء. [٨٧] (لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا) أي: لا يملك المتقون أن يشفعوا لغيرهم، إلا لمن قال: لا إله إلا الله، مؤمنًا بها لا يشرك بالله شيئًا وعمل الصالحات.. [٨٨] (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا) هو قول اليهود والنصارى، ومن يزعم من العرب أن الملائكة بنات اللّٰه. [٨٩] (لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدَّاه ٦٧١. الأمر الفظيع. [٩٠] (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ) التفطر: التشقق (وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ) أي: وتكاد أن تنشق الأرض (وَتَخِرُّ الْحِبَالُ) تسقط (هَدَّا) وتنهدُّ هدًّا، أي: تتضعضع وتنهدم. [٩١] (أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا) [أي: لأجل غضب اللّٰه عليهم؛ لعظم ما قالوا: إن اللّٰه اتخذ ولدًا]. [٩٢] (وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا)) أي: لا يصلح له ولا يليق به، فإن هذا نقص يتعالى اللّٰه ويتنزه عنه. [٩٣] (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) أي: كل واحد من الخلق لا بدكه أن يأتي إلى اللّٰه يوم القيامة مقرًّا بالعبودية خاضعًا ذليلًا، فكيف يكون واحد منهم ولدًا له؟ [٩٤] (لَقَدْ أَحْصَاهُمْ) أي: حصرهم وعلم عددهم (وَعَدَّهُمْ عَدًّا) أي: عدَّ أشخاصهم بعد أن حصرهم فلا يخفى عليه أحد منهم، ولا يتخلف أحد عن الحضور بين يديه. [٩٥] (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا)) أي: كل واحد منهم يأتيه يوم القيامة وحده لا ناصر له ولا مال معه. [٩٦] (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدَّا) في الحديث الصحيه. «اذا أحب اللّٰه عبدًا نادى جبريل: صفحة 312 إني قد أحببت فلانًا فأحبه، فينادي في السماء، ثم ينزل له المحبة في أهل الأرض. وإذا أبغض اللّٰه عبدًا نادى جبريل: إني قد أبغضت فلانًا، فينادي في أهل السماء. ثم ينزل له البغضاء في الأرض». [٩٧] ( فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ) أي: يسرنا القرآن بإنزالنا له على لغتك، وفصلناه وسهلناه (لِتُبَشَّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ) أي: المتلبسين بالتقوى، المتصفين بها (وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدَّا) ذوي خصومة شديدة. [٩٨] ( هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ) أي: هل تشعر بأحد منهم أو تراه (أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا) الرِّكز: الصوت ، وقيل: الرّكز: ما يُفهم من صوت آو حركة. ARRRRR تفسير سورة طه [1] طه) تقدم الكلام على الحروف المقطعة التي في أول السور في سورة البقرة، ومن جملة تلك الحروف (طه) وقيل: ليس هذا منها، ولكن معناها: طأ الأرض يا محمد، قال ابن الأنباري: وذلك أن النبي وَالِي كان يتحمل شقة الصلاة حتى كادت قدماه تتورَّمان. [٢] (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) أي: لتتعب بفرط تأسفك عليهم، وتحسرك على أن يؤمنوا، فإن إيمانهم ليس إليك. [٣] (إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى) أي: ما أنزلناه إلا تذكرة لتذكر به من يوفقه اللّٰه لخشيته، وليس عليك جبرهم على الإيمان. [٤] ( تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا) إخبار عن كمال عظمة منزل القرآن وعظيم جلاله [ليقدروا القرآن حق قدره]. [٥] (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) تقدم تفسيره (سورة الأعراف: ٥٤). [٦] (وَمَا تَحْتَ الثَّرَى) أي: ما تحت التراب من شيء. [٧](وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) السر: ما حدَّث به الإنسان غيره وأسرَّه إليه، والأخفى من السر: هو ما حدَّث الإنسان به نفسه وأخطره بباله، والمعنى: إن تجهر بذكر اللّٰه ودعائه، فاعلم أنه غنيٌّ عن ذلك، فإنه يعلم السر وما هو أخفى من السر. [٨] لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) [أي: التي هي أحسن الأسماء لدلالتها على كل الكمال والجلال] وهي التسعة والتسعون التي ورد بها الحديث الصحيح، وقد تقدَّم بيانها في (سورة الأعراف، الآية: ١٨٠). [٩] (وَهَلْ أَنَاكَ حَدِيثُ مُوسَى) أي: قصته مع فرعون وملئه، وفي سياق هذه القصة : ١ النبي وَالِيم ل ما يلاقيه من مشاق أحكام النبوَّة. [ ١٠] (إذْ رَأَى نَارًا) كانت رؤيته للنار في ليلة مظلمة لما خرج مسافرًا من مدين إلى مصر (ف) لما رآها (قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا) أقيموا مكانكم (إِنِّي انَسْتُ نَارًا) أي: رأيتها من بعيد ( لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ) القِبسِ: شعلة من النار [يأخذه الرجل ليوقد به نارًا أخرى] (أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدى) أي: هاديًا يهديني إلى الطريق ويدلني عليها. [١١ ]( فَلَمَّا أَنَاهَا نُودِيَ) أي: ناداه اللّٰه قائلًا: (يَا مُوسَى). [١٢ ] (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ) أمره بنزعهما ليكون حافيًا، وذلك أبلغ في التواضع، وأقرب إلى التشريف والتكريم وحسن التأدُّب (إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوِّى) المقدَّس المطهَّر، وطوي: اسم الوادي، وهو من أرض سيناء. [١٣] (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ) للرسالة (فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى) [سماع قبول واستعداد ووعي]. ١٤]* إِنَّنِي أَنَا اللهُ) أي: الذي يناديك هو اللّٰه (فَاعْبُلْنِي) لأن اختصاص الإلهية به سبحانه موجب لتخصيصه بالعبادة (وَأَقِّمِ الصَّلَاةَ) خصَّ الصلاة بالذكر لكونها أشرف طاعة وأفضل عبادة (لِذِكْرِي) أي: لتذكرني، أو المعنى: أقم الم 71م*" ، تذكرت أن عليك صلاة. صفحة 313 [١٥ ] (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ)) أي: فاعمل لها الخير من عبادة اللّٰه والصلاة { أَكَادُ أُخْفِيهَا) بالغ في إخفاء الساعة، فذكره بأبلغ ما تعرفه العرب، وقيل: المعنى: أكاد أظهرها (لِتُجْزَى كُلّ نَفْسِ بِمَا تَسْعَى) أي: بما تسعى فيه من أعمالها من خير أو شر. [١٦ ] (فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا) أي: لا يصرفنك عن الإيمان بالساعة، والتصديق بها (مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا) من الكفرة (وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) بالانهماك [في المحرَّم من ] اللذات الحسية الفانية (فَتَرْدَى) أي: فتهلك. [١٧ ](وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى) سؤال عن العصا، للتنبيه له عليها، لتقع المعجزة بها بعد التثبُّت، والتأمل لها، والتأكد من أنها م ٨ وار عليها ي الال لاله ا المشي عند. الإعياء (وَأَهُشَّ بِهَا عَلَى غَنَمِي) أخبط بها الشجر ليسقط منه الورق [لتأكله الغنم]، وقيل: هي لزجر الغنم (وَلِيَ فِيهَا مَارِبُ أَخْرَى) أي: حوائج. ومنافع العصا كثيرة معلومة. [٢٠](فَأْلْقَاهَا) موسى على الأرض (فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى) تمشي بسرعة وخفة، فلما رآها كذلك فزع وولى مدبرًا ولم يعقب. [٢١](قَالَ) سبحانه: (خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى) سنعيدها بعد أخذك لها إلى حالتها الأولى. [٢٢] (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ) جناح الإنسان جنبه نحت العضد (تَخْرُجْ بَيْضَاءَ) [مع أن جلد موسى كان أسمر] (مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) السوء: العيب، كنى به عن البرص (إيَةً أخْرَى) أي: معجزة أخرى غير العصا. [٢٣] (لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى) لنريك بهاتين الآيتين [بعض دلائل قدرتنا على كل شيء]. [٢٤] (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) كفر وتجاوز الحدَّ. [٢٥] (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي) [وسِّعه ليحتمل أذى الناس وأعباء الرسالة ]. ٢٧٦] (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي) لكي أستطيع إفهامهم به، قيل: لم تذهب العقدة كلها، بل سأل حلّ عقدة تمنع الإفهام، لقوله حكاية عن فرعون: (وَلَا يَكَادُ يُبِينُ). [٢٨] (يَفْقَهُوا قَوْلِي) أي: يفهموا كلامي. [٢٩] (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي) شخصًا يكون معينًا لي في بعض أموري. [٣١] (اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي) أم.. ١ -له معينًا لي. [٣٢] (وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي) واجعله شريكي في أمر الرسالة، شفع له كي يكون نبيّا مثله ليعينه. [٣٦] قَالَ قَدْ أوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى) أي: أعطيتك ما سألته [من شرح الصدر، وتيسير الأمر، وحل العقدة، ونبوة هارون]. ٣٧٦] (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى) كلام مستأنف بتذكيره نعم اللّه عليه، والمنُّ: الإحسان والإفضال. [٣٨] (إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أَمَّكَ) ألهمناها (مَا يُوحَى) من الإلهام. [٣٩] (أَنِ اقْذِ فِيهِ فِي التَّابُوتِ) اطر حيه فيه، والتابوت: هو صندوق من خشب أو غيره يطفو على الماء (فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ) أي: اطرحيه في البحر، واليمُّ: البحر أو النهر الكبير، وهو هنا: نهر النيل (فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ) [أمر اللّٰه تعالى النيل بإلقاء موسى على الشط قبالةَ منزل فَرعون] (يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوُّ لَهُ) فأخذه فرعون (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ) ألقى اللّٰه على موسى محبة كائنة منه تعالى في قلوب عباده، لا يراه أحد إلا أحبه، وقيل: أحبه اللّٰه فيحبه الناس (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْني) أي: ولتَتَربَّى بمرأ .: [ ورعاية خاصة بك]. صفحة 314 [٤٠] (إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ) خرجت تمشي على الشاطئ نسير بسير التابوت، تتابعه بنظرها لترى أين يستقر، فوجدت فرعون وامرأته يطلبان له مرضعة، فقالت لهما: (هَلْ أَدُلَّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ) أي: يربيه، فجاءت الأمُّ فَقَبِل ثديها، وكان لا يقبل ثدي مرضعة غيرها (فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا) والمراد بقرَّة العين: السرور برجوع ولدها إليها بعد أن طرحته في البحر وعظم عليها فراقه (وَلَا تَحْزَنَ) بسبب يطرأ بعد ذلك (وَقَتَلْتَ نَفْسًا) نفس القبطي الذي وكزه موسى فقضى عليه ( فَنَجَيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ) أي: الغمِّ الحاصل معك من قتله خوفًا من العقوبة (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا) أي: خلَّصناك مرَّة بعد مرَّة مما وقعت فيه من المحن التي سبق ذكرها قبل أن يصطفيه اللّٰه لرسالته، وقيل معناه: ابتليناك ابتلاء. وحديث الفتون طويل أخرجه النسائي في التفسير من سننه عن ابن عباس فليرجع إليه (فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ) أي: فخرجت إلى أهل مدين فلبثت سنين. ومدين بأرض العرب على ثماني مراحل من مصر، هرب إليها موسى، فأقام بها عشر سنين كانت مهر امرأته (ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى) أي: في وقت سبق في قضائي وقدري أن أكلمك وأجعلك نبيًّا. [٤١] (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) أي: اخترتك لإقامة حجتي، وجعلتك بيني وبين خلقي. [٤٢] (وَلَا تَنْيَا فِي ذِكْرِي) أي: لا تضعفا ولا تفترا عن ذكر الله. [٤٣] (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) جاوز الحدَّ في الكفر . [٤٤] (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنَا) المرادِ: تركهما للتعنيف، كقولهما: (هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى) ( لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) أي: خاطباه بالقول اللين، فذلك أحرى به أن يمعن النظر فيما تبلّغانه ويخشى عقاب الله. [٤٥] (قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا) أن يجعل ويبادر بعقوبتنا ويشتط في أذيتنا. [٤٦] (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا)) أي: بالنصر لكما، والمعونة على فرعون ( أَسْمَعُ وَأَرَى) ما يجري بينكما وبينه ولستُ بغافل عنكما. [٤٧] (فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ) أرسلنا اللّٰه إليك * فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ) أي: خلِّ عنهم، وأطلقهم من الأسر (وَلَا تُعَذَّبْهُمْ) كانوا عند فرعون في عذاب شديد: يذبح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، ويكلفهم ما لا يطيقونه (قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ) ه ٠٠١١ ا واليد (وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى) أي: من اتبع الهدى سلم من سخط اللّٰه عجَّل ومن عذابه، وليس بتحية [أو المراد: والسلام عليك إن اتبعت الهدى]. [٤٨] (إِنَّا قَدْ أُوِحِيَ إِلَيْنَا) من جهة اللّٰه سبحانه { أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذِّبَ وَتَوَلِّى) الهلاك والدمار في الدنيا، والخلود في النار جزاء التكذيب بآيات اللّٰه ورسله. [٤٩](قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى) فأضاف الربَّ إليهما ولم يضفه إلى نفسه لعدم تصديقه لهما، ولجحده للربوبية. [٥٠] (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ) أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به المطابقة له كاليد للبطش، والرجل للمشي، واللسان للنطق، والعين للنظر، والأذن للسمع. وقيل المعنى: أعطى خلقه كل شيء يحتاجون إليه، ويرتفقون به (ثُمَّ هَدَى) هداهم إلى طرق الانتفاع بما أعطاهم فانتفعوا بكل شيء فيما خلق له ٥١] (قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى) فإنها لم تُقِرّ بالرب الذى تدعو إليه يا موسى، بل عبدت الأوثان ونحوها من المخلوقات. [٥٢] (قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ بَبِّ ) معنى: أن كلّ أعمالهم محفوظة صفحة 315 عند اللّٰه مُثْبَتَةٌ عنده في اللوح المحفوظ، يجازي بها (لا يَضِلَّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى) لا يخطئ في علم شيء من الأشياء ولا ينسى ما علمه منها. [٥٣] (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا) كالفراش ممهَّدة تعيشون عليها بيسر وسهولة فيها لكم كل المرافق (وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا) طرقًا تسلكونها وسهلها لكم (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) هو ماء المطر (فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى) أي: ضروبًا وأشباهًا من أصناف النبات المختلفة. [٥٤] (كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ) يمتنُّ اللّٰه تعالى بأن خلق ذلكِ النباتِ بأصنافه صالحًا للإنسان والأنعام المسخَّرة له ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتٍ لأُولِي النُّهَى) أصاب العقول الراجحة . [ ٥٥] ( مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ) أي: من تراب الأرض خلقناكم في ضمن خلق آدم (وَفِيهَا) أي: في الأرض ( نُعِيدُكُمْ ) بعد الموت فتدفنون فيها، وتتفرق أجزاؤكم حتى تصير من جنس الأرض (وَمِنْهَا) أي: من الأرض (نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) أي: بالبعث والنشور . [٥٦] وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا) هي الآيات التسع المذكورة، (فَكَذَّبَ وَأَبَى) أبي أن يجيب موسى إلى الإيمان. ٥٧](قَالَ أَجِنْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى) أي: جئت يا موسى بقلب العصاحية، وذلك نوع من السحر، توهم الناس بأنك نبيٌّ يجب عليهم اتباعك حتى تتوصل بذلك إلى أن تغلب على أرضنا وتخرجنا منها، وإنما ذكر الملعون الإخراج من الأرض لتنفير قومه عن إجابة موسى. [٥٨] ( فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ لنعارضنك بمثل ما جئت به من السحر (فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا) يومًا معلومًا ومكانًا معلومًا (لَا نُخْلِفُهُ) أي: لا نتخلف عن ذلك الوعد (نَحْنُ وَلَا أَنْتَ) وفوَّض تعيين الموعد إلى موسى إظهارًا لكمال اقتداره (مَكَانًا سُوَّى) [أي: مستويًا ظاهرًا ليظهر فيه الحق] وقيل: معناه مكانًا وسطًا بين الفريقين. [٥٩] (قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ) كان ذلك يوم عيد يتزينون فيه، [فيجتمعوا جميعًا، فتظهر الدعوة] (وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحَى) [ليكون الضوء غالبًا فلا يَشكُّوا في المعجزة]. [٦٠] (فَجَمَعَ كَيْدَهُ) أي: جمع ما يكيد به من سحره وحيله، وجمع السحرة (ثُمَّ أَتَّى) أي: أتى الموعد. [٦١] (قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِبًا ) [أي: قال لفرعون وملئه: لا :اَ .. ١ الربوبية كذبًا وتشركوا بالله افتراء] (فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ) أي: ليستأصلكم به (وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى) أي: خسر وهلك من افترى على اللّٰه أيِّ كذب كان. [٦٢] ( فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ) أي: السحرة لما سمعوا كلام موسى تناظروا بينهم في ذلك (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى) أي: تناجوا فيما بينهم سرًّا من موسى قائلين: [٦٣] (إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ) أي: إنهما لساحران (يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ) [قالوا ذلك متأثرين بما قاله فرعون، ومرددين لإذاعتها وهي ارض مصر (بِسِحْرِهِمَا الذي أظهراه (وَيَذْهَبَا بِطَرِيْقَتِكُمُ الْمُثْلَى ) أي: إنهما أرادا أن تنقضي سنتكم في الحياة [التي هي أعلى وأمثل وأرقى من حياة سائر الأمم، بزعمهم]. [٦٤] ( فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ) ليكن عزمكم كلكم كالكيد لجمعًا عليه (ثُمَّ انْتُوا صَفًّا)) أي: مصطفِين مجتمعين ليكون أنظم لأمورهم وأشدَّ لهيبتهم (وَقَدْ أفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى) أي: من غلب. وهذا كله من قول السحرة بعضهم لبعض، وقيل: ٠.٥ ة.١ ، فرعون لهم. صفحة 316 [٦٥] (قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ) أنت أولًا (وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ) نحن ( أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى) ما يلقيه، والمراد: إلقاء العصي على الأرض. [٦٦](قَالَ) لهم موسى (بَلْ أَلْقُوا) أمرهم بالإلقاء أوَّلًا لتكون معجزته أظهر إذا ألقوا هم ما معهم، ثم يلقي هو عصاه، فتبتلع ما ألقوه كله، وإظهارًا لعدم المبالاة بسحرهم (فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ) [توهم هو، وكذلك يتوهم من رآها أنها (تَسْعَى) كالأفاعي وذلك تَوَهُّم مجرد، بسبب تهويل السحرة على الناس وتأثيرهم على عقولهم حتى ما عادوا يرون العصيَّ والحبال إلا حيَّات، وإن كانت في الحقيقة لا تزال حبالًا وعصيًّا]. [٦٧] ( فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى) أي: أحسَّ بالخوف من أن يُغلب، وقيل: خاف لما يعرض من الطباع البشرية عند مشاهدة ما يخشى منه. [٦٨] (قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى) أي: المستعلي عليهم بالظفر والغلبة. [٦٩] وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ) يعني: العصا (تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا) أي: تبتلع الذي صنعوه من الحبال والعصي إنمَا صَنَعُوا كَيْ سَاحرٍ أي: ليس إلا خيالا . ٧٠](فَأْلْقِي السَّحَرَةُ سُجَّدًا) [أي: فلما ألقى موسى عصاه وابتلعت عصيهم وحبالهم فلم ترجع إليهم، علموا أن فعل موسى ليس من قبيل السحر، بل هو عن أمر اللّٰه القادر على كل شيء] فسجدوالله وآمنوا برسالة موسى عَاليَامهم. ٧١](قَالَ ءامَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ عاذَنَ لَكُمْ ) أي: هل صدقتم قوله واتبعتموه على دينه من غير إذن مني لكم بذلك {إِنهُ كَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) أي: هو أسحركم وأعلاكم درجة في صناعة السحر، أو معلمكم وأستاذكم (الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) أراد فرعون بهذا القول أن يدخل الشبهة على الناس حتى لا يؤمنوا، وإلا فقد علم أنهم لم يتعلموا من موسي، ولا كان رئيسًا لهم، ولا بينه وبينهم مواصلة (فَلَأُقَطَّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ) من خلاف: هو قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، أو عكسه (وَلَأصَلَبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) أي: على جذوعها، وإنما اختارها لخشونتها وأذاها (وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أشَدّ عَذَابًا وَأَبْقَى) أراد لتعلمن هل أنا أشد عذابًا لكم أم رب موسى. [٧٢](قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ) أي: لن نختارك على ما جاءنا به موسى من المعجزات الواضحة من عند اللّٰه سبحانه (وَالَّذِي فَطَرَنَا) أقسموا على ذلك بالله الذي آمنوا به ذَاقْمَنٍ مَا أَنّْتَ قَاضٍ ) أي: فاصنع ما أنت صانع (إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) أي: إنما سلطانك علينا ونفوذ أمرك فينا في هذه الدنيا بما تريد من أنواع القتل، ولا سبيل لك علينا فيما بعدها. [٧٣] (إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا) التي سلفت منا من الكفر وغيره (وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ) أي: ويغفر لنا السحر الذي أجبرتنا عليه [لإرهاب الرعايا] (وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) أي: خير منك ثوابًا وأبقى منك عقابًا. [ ٧٤] (لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا) لا يموت ميتة مريحة، ولا يحيا حياة ممتعة، فهو يألم كما يألم الحي، ويبلغ به الحال الموت في المكروه، إلا أنه لا يبطل فيها إحساس الألم. وأخرج أحمد ومسلم عن أبي سعيد أن رسول اللٰه لِيهِ خطب، فأتى على هذه الآية فقال: ((أما أهلها الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، وأما الذين ليسوا بأهلها فإن النار تميتهم إماتة، ثم يقوم الشفعاء فيشفعون، فيؤتى بهم ضبائر على نهر يقال له: نهر الحياة أو الحيوان، فينبتون كما ينبت الغثاء في حميل السيل». (ومَنْ يَأتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ) مصدقًا به قد عمل الطاعات فَأَولَئِكَ اْ الدَّ جَات لعُلَ المن الرية صفحة 317 [٧٦] وتلك الدرجات هي (جَنَّاتُ عَدْنٍ) وذلك الأجر (جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى) تطهر من الكفر والمعاصي الموجبة للنار. (أَنْ أَسْرٍ بِعِبَادِي) أي: سر بهم من مصر ليلا دون ( أن يشعر بكم أحد (فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا) أي: اجعل لهم طريقًا وسط البحر، وهو بحر القلزم (السويس) يابسًا، وذلك أن اللّٰه تعالى أيبس لهم تلك الطريق حتى لم يكن فيها ماء ولا طين (لَا تَخَافُ دَرَكًا) أي: آمنًا من أن يدرككم العدو (وَلا) أنت ( تَخْشَى) من فرعون أو من البحر. [٧٨] ( فَأْتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ) تبعهم فرعون ومعه جنوده (فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ) التكرير للتعظيم والتهويل. وقيل المعنى: غشيهم ما سمعت قصته. [٧٩]وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ) عن الرشد، وما هداهم إلى طريق النجاة عندما سلك بهم في الطريق الذي سلكه بنو إسرائيل في وسط البحر . [٨٠] (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) أي: قلنا لهم بعد إنجائهم يا بني إسرائيل: (قَدْ أَنَّجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطّورِ الْأَيْمَنَ) أمرنا موسى بإخراجكم معه لنكلمه بحضرتكم فتسمعوا الكلام الذي يخاطبه به رب العزة. والمراد: أن اللّٰه وعد موسى أن يخرج معه جماعة مختارة منهم. وكان مكان الموعد جانب الطور الأيمن وهو جبل في سيناء (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى) قد تقدم تفسير المن والسلوى في (سورة البقرة، الآية: ٥٧). [٨١] (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) والمراد بالطيبات: المستلذات من الأطعمة الحلال (وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ) لا تتجاوزوا ما هو جائز إلى ما لا يجوز، وقيلٍ المعنى: لا تجحدوا نعمة اللّٰه فتكونوا طاغين (فَيَحِلّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي) أي: ينزل بكم (وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى) أي: صار إلى الهاوية، وهي قعر النار. [٨٣] (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى) كانت المواعدة أن يوافي موسى وجماعة من وجوه قومه، فسار موسى بهم، ثم عجل من بينهم شوقًا إلى ربه، فقال اللّٰه له: ما أعجلك؟ أي: ما الذي حملك على العجلة، حتى تركت قومك وخرجت من بينهم. [٨٤] (قَالَ هُمْ أَولَاءِ عَلَى أَثَرِي) أي: هم بالقرب مني، واصلون بعدي (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) أي: لترضى عني بمسارعتي إلى ١٠ ٠٠١١. إلى مكان الموعد. [٨٥] (قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ) أي: ابتليناهم واختبرناهم وألقيناهم في فتنة ومحنة (وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) أي: جعلهم في ضلالة عن الحق بما أوقعهم فيه من عبادة عجل الذهب، وكان قبيلة منهم تعرف بالسامرة، قال لمن معه من بني إسرائيل: إنما تخلف موسى عن الميعاد الذي بينكم وبينه لما صار معكم من الحلي، وهي حرام عليكم، وأمرهم بإلقائها في النار، فكان من أمر العجل ما كان. [٨٦]«فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا ) الأسف: هو أشد الغضب (قَالَ يَا قَوْم أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا) وعدهم بالجنة إذا قاموا على طاعته، ووعدهم أن يسمعهم كلامه في التوراة على لسان موسى ليعملوا بما فيها، فيستحقوا ثواب عملهم (أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ) أي: هل طال عليكم الزمان فنسيتمٍ، أي: ولم يمض على ذلك غير شهر وأيام؟ {أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبَكُمْ) أي: يلزمكم وينزل بكم العقوبة والنقمة (فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي) وعدوه أن يقيموا على طاعة اللّٰه وتجَّلْ إلى أن يرجع إليهم من الطور . [٨٧] (قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَمْعاَاءَ الذي وعدناك (بِمَلْكِنَا) صفحة 318 أي: باختيارنا، بل كنا مضطرين إلى الخُلْف (وَلَكِنَّا حُمَّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ) فإنهم كانوا استعاروا من أهل مصر حلي الذهب حين أرادوا الخروج مع موسى، وأوهموهم أنهم يريدونها للتزيُّن في عيد لهم أو وليمة، وسميت أوزارًا: أي: آثامًا؛ لأنه لا يحل لهم أخذها (فَقَذَفْنَاهَا)) أي: طرحناها في النار طلبًا للخلاص من إثمها (فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ). [٨٨] ( فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ) أي: يخور كما يخور الحي من العجول. والخوار: صوت البقر، وقيل: خواره كان بالريح؛ لأنه كان عمل فيه خروقًا، إذا دخلت الريح في جوفه خار، ولم يكن فيه حياة (فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى) أي: قال السامري ومن وافقه هذه المقالة (فَنَسِيَ) أي: فضلّ موسى ولم يعلم مكان إلهه هذا، وذهب يطلبه في الطور، وقيل: المعنى فنسي موسى أن يذكر لكم أن هذا إلهه وإلهكم. [٨٩] (أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا) أي: أفلا يعتبرون ويتفكرون في أن هذا العجل لا يرد عليهم جوابًا، ولا يكلمهم إذا كلموه، فكيف يتوهمون أنه إله. [٩٠] (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ) أي: من قبل أن يأتي موسى ويرجع إليهم (يَا قَوْم إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ)) أي: وقعتم في الفتنة بسبب العجل وابتليتم به وضللتم عن طريق الحق لأجله (وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي) أي: ربكم الرحمن، لا العجل، فاتبعوني في عبادة الله، ولا تتبعوا السامري في أمره لكم بعبادة العجل، وأطيعوا أمري لا أمره. [٩١](قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى) أي: لن نزال مقيمين على عبادة هذا العجل، حتى يرجع إلينا موسى، فينظر هل يقررنا على عبادته، أو ينهانا عنها. فعند ذلك اعتزلهم هارون. [٩٣-٩٢] (مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا. أَلَّا تَتَّبِعَنِ) أي: ما منعك من اتباعي واللحوق بي عند أن وقعوا في هذه الضلالة ودخلوا في الفتنة (أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي) كيف خالفت أمري لك بالقيام لله، ومنابذة من خالف دينه، وأقمت بين هؤلاء الذين اتخذوا العجل إلهًا. [٩٤] (قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَنِي وَلَا بِرَأْسِي ) أي: لا تفعل هذا بي عقوبة منك لي، -وكان موسى قد أخذ برأس أخيه يجره إليه - فإن لي عذرًا (إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) خشيت إن خرجت عنهم وتركتهم أن يتفرقوا فتقول: إني فرقت جماعتهم، وذلك لأن هارون لو خرج لتبعه ج.امة منهم، وتخلف السامري عند العجل وآخرون، وربما أفضى ذلك إلى القتال بينهم (وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) ولم تعمل بوصيتي لك فيهم وتحفظها، وهي قوله: (اخلفنِي فِي قَوْمِي وَأصْلِحْ) واعتذر إليه أيضًا فى (سورة الاعراف، الاية: ١٥٠) بقوله: (إن الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي). [٩٥] (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ) أي: ما شأنك؟ أي: ما الذي حملك على ما صنعت. [٩٦] (قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ) قيل: زعم أنه رأى جبريل على فرس فألقي في ذهنه أن يقبض قبضة من أثر فرسه، وأن ذلك الأثر لا يقع على جماد إلا صار حيًّا (فَنَبَذْتُهَا) فطرحتها في الحلي المذابة المسبوكة على صورة العجل (وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي) أي: زَيَّنَتْ [٩٧](قَالَ فَاذْهَبْ) أي: فاذهب من بيننا، واخرج عنا، فإن لك ما دمت حيًا (أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ) أي: لا يمسك أحد ولا تمس أحدًا، أي: أمر موسى أن ينفي السامريَّ عن قومه، وأمر بني إسرائيل ألا يخالطوه ولا يقربوه ولا يكلموه عقوبة له (وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ ) أي: لن يخلفك اللّٰه ذلاء. ١١ .. عد، وهو يوم القيامة صفحة 319 (وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ) الذي دمت وأقمت على عبادته (لَنُحَرِّقَنَّهُ ) أي: بالنار (ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ) لنذرينه في البحر لتذهب به الريحِ. [٩٨] (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ مُ اللَهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) لا هذا العجل الذي فتنكَم به السامريُّ (وَسَعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ) أي: وسع علمه كل شيء. [٩٩] ( كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ) أي: كما قصصنا عليك خبر موسى كذلك نقص عليك (مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ) أي: من أخبار الحوادث الماضية في الامم الخالية لتكون تسلية لك ودلالة على صدقك (وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذكْرًا) المراد بالذكر: القرآن. [١٠٠](مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا} أي: كل من أعرض عنه فلم يؤمن به ولا عمل بما فيه، يحمل إثما عظيمًا وعقبة ثقيلة. [١٠١] (خَالِدِينَ فِيهِ) في جزائه وهو النار (وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا ) أي: بئس الحمل يوم القيامة. ١٠٢] ( يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ) [المراد: نفخة البعث] (وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ) هم المشركون والعصاة (زُرْقًا ) زرق العيون، أي: عطاشًا، لأن سواد العين يتغير بالعطش إلى الزرقة [ويحتمل أن المراد: زرق الأبدان من الغيظ والندامة]. [١٠٣] (يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ) يقول بعضهم لبعض سرًّا : (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا) أي: ما لبشتم في الدنيا إلا عشر ليال، ستقصرون مدة مقامهم في الدنيا، أو في القبور. [١٠٤ ] (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً) أي: أعْدَلُهُم قولًا، وأكملهم رأيًا، وأعلمهم عند نفسه ( إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا) أي: ما لبئتِم إلا يومًا واحدًا، ونسبة هذا القول إلى أمثلهم؛ لكونه أدلَّ على شدّة الهول، لا لكونه آقرب إلى الصدق. [١٠٥ ] (وَيَسْأَلَوْنَكَ عَن الْحِبَالِ) أي: عن حال الجبال يوم القيامة (فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا) يقلعها قلعًا من أصولها، بتفجيرها حتى تطير هكذا وهكذا. ١٠٦]( فَيَذَرُهَا)) أي: [فيجعلها] أو: المعنى: فيترك مواضعها بعد نسف ما كان عليها من الجبال (قَاعًا صَفْصَفًا) القاع الصفصف: الأرض الملساء بلا نبات ولا بناء. ١٠٧٦] لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا ) والعوج هنا: ما انخفض من وجه الأرض كالوادي ونحوه، والأمت: المكان المرتفع نحو التلال. ١٠٨٦] (يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّالم - ) يتبع الناس داعي اللّٰه إلى المحشر (لَا عِوَجَ لَهُ)) أي: لا معدل لهم عن دعائه، فلا يقدرون على أن يزيغوا عنه أو ينحرفوا منه، بل يسرعون إليه (وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ) سكتت رهبة وخشية وإنصاتًا لما يسمعونه من قوله تعالى فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا)) الهمس: الصوت الخفي. ١٠٩] ( يَوْمَئِذٍ لَا تَتْفَعُ الشَّفَاعَةُ من شافع كائنًا من كان (إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ) أي: إلا شفاعة من أذن له الرحمن أن يشفع (وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا) أي: رضي قوله في الشفاعة، أو رضي لأجله قول الشافع. [١١٠] (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أيْدِيهِمْ) من أمر الساعة {وَمَا خَلْفَهُمْ) من أمر الدنيا {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ) لا تحيط علومهم بذاته، ولا بصفاته، ولا بمعلوماته. [١١١] {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ) أي: ذلت وخضعت (وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا) أي: خسر من حمل شيئًا من الإثم، وقيل: هو الشرك. [١١٢]{وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ) أي: الأعمال الصالحة (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) بالله (فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْما) الهضم: النقصر ... ثاب حسناته . صفحة 320 [١١٣] (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ) أي: القرآن (قُرْآنًا عَرَبِيًّا) أي: بلغة العرب ليفهموه (وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ) بينَّا فيه ضروبًا من الوعيد تخويفًا وتهديدًا (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) كيِ يخافوا الله، فيتجنبوا معاصيه، ويحذروا عقابه (أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا) أي: تنشئ مواعظ القرآن في قلوبهم اعتبارًا واتعاظًا، وقيل: ورعًا. [١١٤] ( فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) جلَّ اللّٰه عن إلحاد الملحدين، وعما يقول المشركون في صفاته، فإنه الملك حقًّا، الذي بيده الثواب والعقاب (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ) كان النبي لل في بادر جبريل، فيقرأ قبل أن يفرغ جبريل من الوحي؛ حرصًا منه على ما كان ينزل عليه منه؛ فنهاه اللّٰه عن ذلك (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمَا) أي: سل ربك زيادة العلم ١١٥] وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ) أمرناه ووصيناه. وهو نهيه عن الأكل من الشجرة (فَنَسِيَ) ترك العمل بما وقع به العهد إليه فيه، ونسي ما عهد اللّٰه به إليه فأكل من تلك الشجرة بعينها (وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) وسوس إليه إبليس فلانت عريكته، وفتر عزمه، وأدركه ضعف البشر، فلم يصبر عن أكل الشجرة، كما في الآيات التالية. [١١٦] (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ) تقدم تفسير الآية في (سورة البقرة، الآية: ٣٤). [ ١١٧]( فَتَشْقَى) فتتعب في حياتك الدنيا في الأرض في نحصيل ما لا بدَّ منه في المعاش كالحرث والزرع. [١١٨] إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى) المعنى: إن لك في الجنة تنعمًا بأصناف المآكل الشهية والملابس البهية دون تعب في تحصيلها. [١١٩] (وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى) لا تعطش في الجنة، ولا يؤذيك الحر، كما يكون لسكان الأرض، وأصولُ المتاعب في الدنيا هي: تحصيل الشبع، والرِّيِّ، والكسوة، والسكن. ١٢٠٦]( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ) أي: قال لهما بنوع من الخفية ( شَجَرَةِ الْخُلْدِ) أي: هي الشجرة التي من أكل منها لم بمت أصلًا (وَمُلْكِ لَا يَبْلَى) أي: لا يزول ولا ينقضي. وكان ذلك كذبًا من إبليس ليستدرجهما إلى معصية اللّٰه. ١٢١] (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْاتُهُمَا) قد تقدم نفسير هذا وما بعده في سورة الأعراف (وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) أب . . : طان ليسترا عوراتهما، قيل: جعلا يلصقان عليهما من ورق التين (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) أي: فضلّ عن الصواب، وقيل: فسد عليه عيشه بنزوله إلى الدنيا. [١٢٢ ] (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ) أي: اصطفاه وقربه، بعد أن تاب من المعصية واستغفر ربه منها، وأعلن أنه قد ظلم نفسه (فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) أي: تاب عليه من معصيته، وهداه إلى التوبة. [١٢٣](قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا) إلى الأرض (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) أي: بعضكم يا معشر البشر في الدنيا عدو لبعض في أمر المعاش ونحوه، فيحدث بسبب ذلك القتال والخصام (فَإِمَّا يَأْتِيِنَكُمْ مِنِّي هُدى) بإِرسال الرسل وإنزال الكتب (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلَّ) في الدنيا (وَلَا يَشْقَى) في الآخرة. وتلا ٦ ٤ هي كن أفرض عن ان ن ميع ا عيشًا ضيقًا (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) أي: مسلوب البصر، وقيل: المراد: العمى عن الحجة. [١٢٥ ] (قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا) أي: في الدنيا. صفحة 321 [١٢٦] (قَالَ كَذَلِكَ) أي: مثل ذلك فعلت أنت ( أَنَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا) أي: أعرضت عنها، وتركتها، ولم تنظر فيها (وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى) تُترك في الشقاء والعذاب في النار. [١٢٧] (وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ الإسراف: الانهماك في الشهوات المحرمة (وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ) أي: أفظع من المعيشة الضنك (وَأَبْقَى) أي: أدوم وأثبت؛ لأنه لا ينقطع. [١٢٨ ] (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا) أفلم يتبين لأهل مكة خبر الكثير ممن {أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ) يتقلبون في ديارهم، أو يمشون في مساكن القرون الذين أهلكناهم، وذلك عند خروجهم للتجارة وطلب المعيشة، فيرون بلاد الأمم الماضية خاوية خاربة من أصحاب الحجر وثمود وقرى قوم لوط وغيرهم (إِنّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأولِي النَّهَى) أي: لذوي العقول التي تنهى أربابها عن القبيح. ١٢٩٦] (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ) وهي وعد اللّٰه سبحانه بتأخير عذاب هذه الأمة إلى الدار الآخرة (لَكَانَ) عقاب ذنوبهم (لِزَامًا) أي: لازمًا لهم، لا ينفك عنهم بحال ولا يتأخر (وَأَجَلٌ مُسَمَّى) أي: ولولا الأجل المسمى عندنا لكان الأخذ العاجل. [١٣٠] (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ) من أنك ساحر كذاب، ونحو ذلك من مطاعنهم الباطلة، لا تحتفل بهم؛ فإن لعذابهم وقتًا مضروبًا لا يتقدَّم (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) المراد: الصلوات الخمس (قَبْلَ طُلُوع الشَّمْسِ) إشارة إلى صلاة الفجر (وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) فإنه إشارة إلى صلاة العصر (وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ العشاء (فَسَبِّحْ) أي: فصلّ (وَأَطْرَافَ النَّهَارِ)) أي: المغرب والظهر، وقيل: إن الإشارة إلى صلاة الظهر بقوله: (وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) لأنها هي وصلاة العصر قبل غروب الشمس، وقيل المراد بالآية: صلاة التطوُّع، وقيل المراد: التسبيح في هذه الأوقات: أي: قول القائل: سبحان اللّٰه (لَعَلَّكَ تَرْضَى) رجاء أن تنال عند اللّٰه سبحانه ما ترضى به نفسك [١٣١] (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ ) قد تقدم تفسيره هذه الآية في سورة (الحجر، الآية: ٨٨) (زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) زينتها وبهجتها [من المال والمباني والرياش والمراكب وغيرها] (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) أي: لنجعل ذلك فتنة لهم وابتلاء منا لهم (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) أي: ما ييسره اللّٰه لك من الرزق في الدنيا، وثواب اللّٰه وما ادخر لك في الاخرة خير مما رزقهم. [١٣٢] (وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالدَّ لَه:) . المراد بهم: أهل بيته، وقيل: جميع أمته (وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) أي: اصبر على الصلاة (لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا) أي: لا نسألك أن ترزق نفسك ولا أهلك (نَحْنُ نَرْزُقُكَ) ونرزقهم (وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) ي: فالعاقبة المحمودة، وهى الجنة لاهل التقوى ١٣٣] (وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ) كما كان يأت بها من قبله من عليه أَوَلَمْ تأْنِهِمْ يَنَةُ ما في الصحف الأولى التوراه والإنجيل وفيها التصريح بنبوته والتبشير به، فإن هذه الكتب المنزلة هم معترفون بصدقها وصحتها، وفيها ما يدفع إنكارهم لنبوَّته، ويبطل تعنتاتهم وتعسفاتهم. وفيها خبر إهلاكنا للامم الذين كفروا واقترحوا الايات. [١٣٤ ]وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابِ مِنْ قَبْلِهِ) أي: من قبل بعثة محمل لَقَالُوا) يوم القيامة (رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا) أي: هلا كنت أرسلت إلينا رسولا في الدنيا (فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ) التي يأتي بها الرسول (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلّ) بالعذاب في الدنيا (وَنَخْزَى) بدخول النار. [١٣٥] (قُلْ كُلُّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا) أي: قل لهم يا محمد: كل واحد منا ومنكم منتظ ٠١اء. ل إليه الأمر، فتربصوا أنتم صفحة 322 (فَسَتَعْلَمُونَ) عن قريب (مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ) أي: فستعلمون في العاقبة من هو على الحق أنا أم أنتم 9وَمَنِ اهْتَدَى) من الضلالة ونزع عن الغواية. 2525 تفسير سورة الإنبياء (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ) أي: وقت يوم القيامة، فما بقي من الدنيا أقل مما مضى (وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ في غفلة، وذلك لاشتعالهم بمتع حياتهم وما لهم عنه غنى، فهم لذلك منشغلون بالدنيا عن الآخرة، غير متأهبين لها. [٢] (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) الذكر هنا: هو القرآن، حديث عهد بمُنزِلِه. [٣] (لَامِيَةً قُلُوبُهُمْ) لم تلتفت إلى ذلك الأمر المهم حق الالتفات (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) بالغوا في إخفاء ما يتناجون به، قائلين: (هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) لا يتميز عنكم بشيء، أي: بل هو يأكل ويشرِب مثلكم، وولد ويموت، فكيف يكون نبيًّا؟ ( أَفَتَأْتُونَ السَّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) المعنى: إذا كان بشرًا مثلكم، وكان الذي جاء به سحرًا، فكيف تجيبونه إليه وتتبعونه. [٤](قَل) محمد لا يه ( رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) أي: في أي مكان تكلم به صاحبه من جوانب السماوات والأرض، فهو عالم بما تناجيتم به (وَهُوَ السَّمِيعُ) لكل ما يسمع {الْعَلِيمُ) بكل معلوم. [٥] (بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامِ) أي: قالوا: إن الذي تأتي به هو من الرؤيا الكاذبة، والأضغاث: ما لم يكن له تأويل (بَلِ افْتَرَاهُ من تلقاء نفسه من غير أن يكون له أصل بَلْ هُوَ شَاعِرٌ) وما أتى به من جنس الشعر. وفي هذا التردُّد دليل أنهم جاهلون بحقيقة ما جاء به، لا يدرون ما هو ولا يعرفون كنهه. أو كانوا قد علموا أنه حق من عند الله، ولكن أرادوا التمويه على الأتباع (فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أَرْسِلَ الأَوَّلُونَ) أي: كما أرسل موسى بالعصا وغيرها، وصالح بالناقة. [٦] (مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا))) فيه بيان أن سنة اللّٰه في الأمم السالفة أن المقترحين إذا أُعطُوا ما اقترحوه، ثم لم يؤمنوا نزل بهم عذابِ الاستئصال لا محالة، فكيف عطيهم ما يقترحون؟ (أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ) والمعنى: إن لم تؤمن أمة من الأمم المهلكة عند إعطاء ما اقترحوا، فكيف يؤمن هؤلاء لو أعطوا ما اقترحوا؟ [وكأن اللّٰه تعالى يشير بهذا إلى رحمته بهذه الأمة من أنه ٧. .، لها عذاب الاستئصال. ولذلك لم يجبهم إلى ما اقترحوه من الآيات]. (ومَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) أي: لم نرسل قبلك إلى الأمم السابقة إلا رجالًا من البشر، ولم نرسل إليهم ملائكة (فَاسْأَلُوا أهْلَ الذَكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) وهم أهل الكتابين: اليهود والنصارى، فاسألوهم إن كنتم لا تعلمون أن رسل اللّٰه كانوا من البشر [وكذلك في كل أمر يجهله الإنسان يسأل أهل الذكر وهم أهل العلم بذلك الأمر]. [٨] (وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ) أي: إن الرسل أسوة لِسَائِرِ أفراد بني آدم في حكم الطبيعة: يأكلون كما يأكلون، ويشربون كما يشربون، فإن جسد كل إنسان لا يستغني عن الطعام والشراب، فالأنبياء كذلك لا يستغنون عنه ( وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ) بل يموتون كما يموت البشر [٩] (ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ) أي: بإنجائهم وإهلاك من كذَّبهم (فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ) من عبادنا المؤمنين من العذاب (وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ) هم المجاوزون للحد في الكفر والمعاصي، وهم المشركون. [١٠] (لَقَدْ أَنَّزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا) يعني: القرآن (فِيهِ ذِكْرُكُمْ) أي: فيه شرفكم، وقيل: مكارم أخلاقكم، ومحاسن أعمالكم صفحة 323 ( أَفَلَا تَعْقِلُونَ) أن الأمر كذلك فتؤمنوا به تحصيلًا لذلك الفضل. [١١] (وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً) أي: قد أهلكنا، كثيرًا من القرِى الظالم أهلها [مع ما كانت عليه من القوة والسيطرة] (وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ» أي: أحدثنا بعد إهلاك أهلها قومًا ليسوا منهم. [١٢](فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا) أي: أدركوا، أو رأوا عذابنا (إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ) الركض: الفرار والهرب والانهزام. [١٣ (لَا تَرْكُضُوا) أي: لا تهربوا (وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ) أي: إلى نعمكم التي كانت سبب بطركم وكفركم (وَمَسَاكِنِكُمْ) أي: التي كنتم تسكنونها وتفتخرون بها (لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ) أي: تُقْصدون للسؤال والتشاور والتدبير في المهمات، وهذا على طريقة التهكم بهم والتوبيخ لهم [١٤] (قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) اعترفوا على أنفسهم بالظلم الموجب للعذاب، في ذلك الموقف العظيم، ولكن ماذا يُجديهم الاعتراف حينئذ؟! [١٥ ] (فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ) أي: قولهم يا ويلنا، يدعون بها ويرددونها (حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا)) كما يحصد الزرع بالمنجل (خَامِدِينَ) المراد: أنهم ميتون لا حراك بهم. ١٦] وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَا عِبِينَ) أي: لم نخلقهما عبثًا ولا باطلًا. [١٧ ]لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا) اللهو: ما يتلهى به، قيل: اللهو الزوجة والولد (لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا) أي: من عندنا ومن جهة قدرتنا لا من عندكم. قيل: أراد الرد على من قال: الأصنام أو الملائكة بنات اللّٰه (إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ) أي: لو كنا ممن يرغب في أن يفعل ذلك لا تخذناه من لدنا أي: ولكن نحن أجلّ من أن نلهو، بل كل أفعالنا حق لا عبث فيه. [١٨] (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ) أي: إن ما قالوا كذب وباطل، وشأننا أن نرمي بالحق على الباطل (فَيَدْمَغُهُ) أي: يقهره، وأصل الدمغ: شج الرأس حتى يبلغ الدماغ، وهي ضربة قاتلة. قيل: أراد بالحق: الحجة، وبالباطل: شبههم (فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ) أي: زائل ذاهب، وقيل: هالك تالف (وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) أي: بسبب وصفكم لله بما يتقدس عنه. [١٩] (وَمَنْ عِنْدَهُ) يعني: الملائكة (لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ) لا يتعاظمون ولا يأنفون عن عبادة اللّٰه سبحانه والتذلل له (وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ) أر .٧٠ يتعبون. [٢٠] (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ) أي: هم مواظبون على التسبيحِ دائمًا لا يضعفون عن ذلك ولا يسأمون. [٢١] أَمِ اتَّخَذُّوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ) أي: بل هل اتخذوا آلهة من الأرض (هُمْ) مع حقارتهم (يُنْشِرُونَ) الموتى؟ أي: ليس الأمر كذلك، فإن ما اتخذوها آلهة بمعزل عن ذلك لا تستطيع إحياء أحد ولا إماتة أحد. [٢٢] (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا)) أي: لو كان في السماوات والأرض آلهة معبودون [بحق] غير اللّٰه لفسدتا: أي: لبطلتا، ووجه الفساد: أن ذلك يستلزم أن يكون كل واحد منهما قادرًا على الاستبداد بالتصرف، فيقع عند ذلك التنازع والاختلاف، ويحدث بسببه الفساد. [٢٣](لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلَ) لقوة سلطانه وعظيم جلاله لا يسأله أحد من خلقه عن شيء من قضائه وقدره (وَهُمْ) أي: العباد (يُسْأَلُونَ) عما يفعلون، أي: يسألهم اللّٰه عن ذلك لأنهم عبيده، وكذلك يؤاخذ على أعماله كل من ادعيتم ألوهيته من المخلوقات، كالمسيح والملائكة، فإذا لا يصلحون أن يكونوا آلهة. [٢٤] (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُ: ) على دعوى أنها آلهة، ولا سبيل صفحة 324 لهم إلى شيء من ذلك، لا من عقل ولا من نقل؛ لأن دليل العقل قد مر بيانه، وأما دليل النقل فقد أشار إليه بقوله: ( هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي) أي: هذا الوحي الوارد إليَّ وهذه الكتب التي أنزلت قبلي، فانظروا هل في واحد منها أن اللّٰه أمر باتخاذ إله سواه (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ) لكونهم جاهلين للحق، لا يميزون بينه وبين الباطل {فَهُمْ مُعْرِضُونَ) عن قبول الحق، مستمرون على الإعراض عن التوحيد واتباع الرسول، فلا يتأملون حجة، ولا يتدبرون في برهان، ولا يتفكرون في دليل. [٢٥] (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا) وفي هذا تقرير لأمر التوحيد وأنه دين الرسل. ٢٦١] وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَا) هؤلاء القائلون هم خزاعة، فإنهم قالوا: الملائكة بنات اللّٰه (سُبْحَانَهُ) أي: تنزيهًا له عن ذلك (بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ) أي: ليسوا كما قالوا، بل الملائكة عبيد الله سبحانه مكرمون بكرامته لهم، مقربون عنده. [٢٧] (لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ) أي: لا يقولون شيئًا حتى يقوله، أو يأمرهم به {وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) أي: هم العاملون بما يأمرهم اللّٰه به المنفذون لجميع أوامره في خلقه. [٢٨] (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ » أي: يعلم ما عملوا وما سوف يعملون، فلم يعملوا عملًا ولم يقولوا قولًا إلا بعلمه (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) أن يشفع الشافعون له، وهو من رضى اللّٰه عنهم وهم أهل لا إله إلا اللّٰه (وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) الخشية: الخوف مع التعظيم، والإشفاق: الخوف مع التوقع والحذر، أي: إن الملائكة لمعرفتهم بالله تعالى يخشونه حقَّ خشيته لا يزالون منه خائفين. [٢٩] (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ) أي: من يقل من الملائكة: إني إله من دون اللّٰه (فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ) أي: فذلك القائل، على سبيل الفرض والتقدير، نجزيه جهنم سبب هذا القول الذي قاله، كما نجزي غيره من المجرمين. [٣٠(أَوَلَمْ يَرَ الّذِينَ كَفَرُوا) أي: ألم يتفكروا ولم يعلموا (أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا) قيل: المراد كانت السماوات سماء واحدة ففتقت، وكانت الأرضون أرضًا واحدة ففتقت، وقيل: كانتا شيئًا واحدًا ملتزقتين (فَفَتَقْنَاهُمَا) أي: فصلنا بعضهما من بعض (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيِّ) أي: أحيينا بالماء الذي ننزله من السماء [أو الذي في البحار] كل شيء حي، فيشمل ١١ - . ان، والنبات، والمعنى: أن الماء سبب حياة كل شيء حي في الأرض (أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) مع وجود ما يقتضيه من الآيات الربانية. [٣١] (وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ) أي: جبالًا ثوابت {أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ) أي: لئلا تتحرك وتضطرب بهم {وَجَعَلَنَا فِيهَا) في الأرض (فِجَاجًا) هي المسالك، وقال الزجاج: كل مخترق بين جبلين فهو فج (سُبُلا) طرقًا نافذة الَعَلّهُمْ يَهْتَدُونَ) إلى مصالح معاشهم. ٣٢] (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا) أى: محفوظَ عن أن يقع ويسقط على الأرض، وقال الفرَّاء: محفوظًا برمي الكواكب من أن تسترق الشياطين السمع (وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ) آياتها كالشمس والقمر ونحوهما لا يتدبرون فيها [٣٣] ( كُلُّ فِي فَلَكِ يَسْبَحُونَ) أي: كل واحد من الشمس والقمر والنجوم [يجري في الفضاء في فلك خاص به، وفلكه: خط سيره على شكل دائرة] فهو يسير في فلكه كالسابح في الماء. [٣٤] (وَمَا جَعَلْنَ لِيَشَرٍ . : قَ ااءَ. الْخُلْدَ) أي: دوام البقاء في الدنيا صفحة 325 (أَفَإِنْ مِتَّ) بأجلك المحتوم (فَهُمُ الْخَالِدُونَ) أي: إن مت فهم يموتون أيضًا، فلا شماتة في الموت. [٣٥] ( كُلَّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) أي: ذائقة له مفارقة جسدها، فلا يبقى أحد من ذوات الأنفس المخلوقة كائنًا ما كان (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) عن ابن عباس قال: نختبركم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة، أي: لننظر كيف شكركم وصبركم (وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) لا إلى غيرنا فنجازيكم بأعمالكم. [٣٦] (وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا) يعني: المستهزئين من المِشِرِكِين (إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا) الهزو: السخرية {أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ) أَي: يقولون أهذا الذي يعيب الآلهة (وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ) يعيبون على النبي ومَا يهِ أن يذكر آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع بالسوء، والحال أنهم بذكر اللّٰه سبحانه بما يليق به من التوحيد كافرون، فهم أحق بالعيب لهم. [٣٧] (خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ) أي: من طبعه التعجُّل في الأمور، قيل: نزلت في قريش، لأنهم استعجلوا العذاب (سَأَرِيكُمْ آيَاتِي) أي: ستحل بكم نقماتي منكم بعذاب النار (فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ) أي: في الإتيان به قبل أوانه فإنه نازل بكم لا محالة. وقيل: المراد بالآيات: ما دلَّ على صدق محمد وَالِلّة من المعجزات، وما جعله اللّٰه له من العاقبة المحمودة. [٣٨] (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أي: إن كنتم يا معشر المسلمين صادقين في وعدكم لنا بأن نُبْعَث، أي: الوعد الذي تتلونه في القرآن، وتخبروننا به أنه من عند اللّٰه [لماذا لا يجيء الآن؟]. [٣٩] (لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ) أي: لو علموه علم اليقين لعلموا أن الساعة آتية. [٤٠] (بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً) أي: فجأة (فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا) أي: صرفها عن وجوههم ولا عن ظهورهم (وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ) أي: لا يمهلون ويؤخرون لتوبة واعتذار. [٤١] (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) أي: إن استهزأ بك هؤلاء فقد فعلت الأمم ذلك بمِن قبلك من الرسل على كثرة عددهم وخطر شأنهم (فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ) أي: أحاط بالذين سخروا من أولئك الرسل (مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِثُونَ» أي: أحاط بهم جزاء استهزائهم، فلم.-١.١ مهربًا. [٤٢] (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ) من يحفظكم مما يريد الرحمن إنزاله بكم من عقوبات الدنيا والآخرة (بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ) فلا يذكرونه ولا يخطر ببالهم، بل يعرضون عنه. [٤٣] (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا) المعنى: بل ألهم آلهة تردُّ عنهم عذابنا؟ (لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنَّفُسِهِمْ) أي: هم عاجزون عن نصر أنفسهم فكيف يستطيعون أن ينصروا غيرهم (وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ) أي: ولا هم يجارون من عذابنا. ٤٤] ( حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ) فاغتروا بذلك وظنوا أنهم لا يزالون كذلك (أَفَلَا يَرَوْنَ) أي: أفلا ينظرون فيرون ( أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا) أي: أرض الكفر ننقصها بالظهور عليها من أطرافها، فنفتحها لمحمد وَال ية والمسلمين بلدًا بعد بلد وأرضًا بعد أرض، وقيل: ننقصها بالقتل والسبي (أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ) أي: فكيف يكونون غالبين لنا بعد نقصنا لهم أرضَهم من أطرافها حتى نحصرهم في بلدهم ثم :٥-ما عمليك، وننقض أمرهم. صفحة 326 [٤٥] (قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْي) أي: أخوفكم وأحذركم بالقرآن، وذلك شأني وما بعثني اللّٰه به (وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ) المعنى: أن من أصم اللّٰه سمعه لا يسمع الدعاء [ممن ينذره الوقوع في الخطر، فكذلك هؤلاء القوم هم صم عما تحذرهم منه]. [٤٦] (وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابٍ رَبِّكَ) أي: ولئنِ مسهم أقل شيء من العذاب (لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) أي: فإنهم سوف يُوَلْوِلُونَ ويدعون على أنفسهم بالويل والهلاك. ويعترفون عليها بالظلم. [٤٧] (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) أي: الموازين ذات القسط، وهي العادلة، لوزن أعمال العباد (فَلَا تُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا) أي: أنها موازين عادلة عدلاً مطلقًا، فلا ينقص من إحسان محسن، ولا يزاد في إساءة مسيء (وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ) أي: وإن كان العمل في غاية الخفة والحقارة كحبة الخردل في الصغر ( أَتَيْنَا بِهَا) أي: أحضرناها من حيث كانت في ملك الله، للمجازاة عليها (وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) نتقن الحساب فلا يفوتنا شيء. [٤٨]وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ) الفرقان: التوراة؛ لأن فيها الفرق بين الحلال والحرام، وقيل: الفرقان هنا هو النصر على الأعداء (وَضِيَاءً) أي: فيها الهداية، فإن أخذوا بها استضاءوا بها في ظلمات الجهل والغواية (وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ) يتعظون بما فيها. [٤٩] (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) لأن هذه الخشية تلازم التقوى، أي: يخشون عذابه وهو غائب عنهم {وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) خائفونِ وجلون. [ ٥٠] ( وَهَذَا ذِكّرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ ) المعنى: وهذا القرآن ذكر لمن تذكر به، وموعظة لمن اتعظ به، كثير البركة والخير ( أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) هذا إنكار لما وقع منهم من الإنكار، أي: كيف تنكرون كونه منزلًا من عند اللّٰه مع اعترافكم بأن التوراة منزلة من عنده؟ [٥١] (وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ) أي: الرشد اللائق به وبأمثاله من الرسل، ومعنى (مِنْ قَبْلُ) من قبل إيتاء موسى وهارون التوراة. وقيل: المراد أعطيناه الرشد قبل النبوة، أي: وفقناه للنظر والاستدلال لما جنَّ عليه الليل فرأى الشمس والقمر والنجم (وَكُنَّابِهِ عَالِمِينَ) أنه موضع لإيتاء الرشد، وأنه يصلح لذلك. [٥٢](إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ) وأبوه هو آزر (وَقَوْمِهِ) نمرود ومن اتّبعه (مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ) الأ- ١٠.. وأصل التمثال: الشيء المصنوع مشابها لشيء من مخلوقاتِ اللّٰه سبحانه، أنكر عليهم عبادتها بقوله: ( مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ) أي: ما هذه الأصنام التي أنتم مقيمون على عبادتها؟ [٥٣] (قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ) أي: وجدنا آباءنا يعبدونها، فعبدناها اقتداء بهم، ومشيًا على طريقتهم. أجابوه بهذا الجواب السخيف الذي يتمسَّك به كل عاجز، وهو التمسُّك بمجرَّد تقليد الآباء، أي: قد وجدنا آباءنا يعبدونها فعبدناها اقتداءً بهم ومشيًا على طريقتهم، وهكذا يجيب بعض من ينتسب إلى العلم من أهل هذه الملة الإسلامية، إذا أنكر عليه العالم بالكتاب والسنة بعض العلم المخالف لهما، قالوا: هذا قد قال به إمامنا، ويرفضون الأخذ بالدليل الواضح لمجرد التقليد. [٥٤] (قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) في زيغ عن طريق الحق، واضح لا يخفى على ذي عقل وبصيرة. وفي المقلدين من آهل الإسلام شبه بهؤلاء [إن كانوا قادرين على الاستدلال على الشرائع من الكتاب والسنة واكتفوا بمتابعة من قبلهم على غير دليل] ورفضوا لذلك قول من جاءهم:١١-،. عليه الدليل واضح المنار. صفحة 327 [٥٥] (قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ» أي: أجادٌّ أنت فيما تقول، أم أَنت لاعب مازح؟ [٥٦] (الَّذِي فَطَرَهُنَّ) أي: خلقهن وأبدعهن (وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ ) أي: على ذلك الأمر الذي ذكرته لكم من كون ربكم هو رب السماوات والأرض دون ما عداه (مِنَ الشَّاهِدِينَ) أي: العالمين به المبرهنين عليه [المعلنين له]. [٥٧] (وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ ) أقسم لهم أنه سينتقل من المحاجة باللسان إلى تغيير المنكر بالفعل ثقة باللٰه سبحانه ومحاماة عن دينه، قال ذلك سرًّا، وقيل: سمعه رجل منهم (بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) إلى عيدكم. [٥٨] ( فَجَعَلَهُمْ جُذَّاذًا) قَطعًا، بتكسير تلك الأصنام، (إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ) أي: للأصنام ( لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ) أي: لعلهم إلى الصنم الكبير يرجعون، فيسألونه عن الكاسر، فإذا رجعوا إليه لم يجدوا عنده خبرًا، فيعلمون حينئذ أنها لا نجلب نفعًا، ولا تدفع ضررًا، ولا تعلم بخير. [٥٩] (مَنْ فَعَلَ هَذَا بِالِهَتِنَا) أي: فلما رجعوا من عيدهم، ورأوا ما حدث بآلهتهم، قالوا: هذه المقالة. [٦٠] (قَالُوا سَمِعْنَا فَتَّى) قال بهذا بعضهم مجيبًا للمستفهمين (يَذْكُرُهُمْ} يعيبهم (يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) أي: هذا اسمه. [٦١] (قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ) ليكون ذلك حجة عليه، يستحلُّون بها منه ما قدَ عزمواَ على أن يفعلوه به (لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) لعلهم يحضرون عقابه، وقيل: لعلهم يشهدون عليه. [٦٣-٦٢] (قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَيِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ. قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) مشيرًا إلى الصنم الذي تركه ولم يكسره ( فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) أي: إن كانوا ممن يمكنه النطق، ويقدر على الكلام، ويفهم ما يقال له؛ لأنهم إذا قالوا: إنهم لا ينطقون، قال لهم: فكيف تعبدون من يعجز عن النطق؟ [٦٤] ( فَرَجَعُوا إِلَى أَنَّفُسِهِمْ) أي: رجع بعضهم إلى بعض رجوع المنقطع عن حجته، وفهموا أن من لا يقدر على دفع المضرة عن نفسه، ولا على الإضرار بمن فعل بِه ما فعله إبراهيم بتلك الأصنام، يستحيل أن يكون مستحقّا للعبادة (فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ) أي: الظالمون لأنفسكم بعبادة هذه الجمادات وليس الظالم هو ذلك الذي كسر هذه الأشياء التي تسمونها آلهة. [٦٥] (ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ) أي: رجعوا إلى جهلهم وعنادهم (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا مَءُ ٧. بَنْطِقُونَ) أي: قائلين لإبراهيم: لقد علمت أن النطق ليس من شأن هذه الأصنام. [٦٧] (أُفِّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) تحقير لهم ولمعبوداتهم، والتأفف: صوت يدل على التضجر والاستخفاف (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) فتعلمون قبح هذا الصنع. [٦٨] (قَالُوا حَرِّقُوهُ) أي: حرقوا إبراهيم، أي: اجمعوا الحطب وأشعلوه، ثم أدخلوا إبراهيم فيه ليحترق، جزاء بما عملت يداه، قالوا هذا ميلًا منهم إلى إظهار الغلبة بأيِّ وجه كان {وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ) أي: انصروها بالانتقام من هذا الذي فعل بها ما فعل. [٦٩] (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) أي: فأضرموا النار، وألقوا إبراهيم فيها، فكانت عليه برداً وسلامًا بأمر اللّٰه الذي لا يعجزه شيء، فلم تضره. وأخرج أبو داود والترمذي عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّٰه وَالِي: (لم يكذب إبراهيم في شيء قط إلا في ثلاث، كلهن في الله: قوله: إني سقيم، ولم يكن سقيمًا؛ وقوله لسارة: أختي؛ وقوله: بل فعله كبيرهم هذا». [٧١] (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا) من أرض العراق، ولوط ابن أخي إبراهيم، وكان قد آم ١٠٠ عوة إبراهيم عليهما السلام، صفحة 328 {إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) وهي أرض بيت المقدس، مباركة لكثرة خصبها وثمارها وأنهارها، ولأنها معادن الأنبياء، منها بعث اللّٰه أكثر الأنبياء، [وينشر منها الدين والإيمان]. [٧٢](وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً) النافلة: الزيادة، وكان سأل اللّٰه أن يهب له ولدًا، فوهب له إسحاق، ثم وهب لإسحاق يعقوب من غير دعاء، فكان ذلك نافلة، أي: زيادة على ما دعا به (وَكُلَّاّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ) أي: وكل واحد من هؤلاء الأربعة: إبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب، جعلناه صالحًا عاملاً بطاعة اللّٰه تاركًا لمعاصيه. [٧٣] (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) أي: رؤساء يقتدى بهم في الخيرات، وأعمال الطاعات، بما أنزلنا عليهم من الوحي (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ) أي: أن يفعلوا الطاعات (وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) فاعلين لما نأمرهم به، تاركين ما ننهاهمِ عنه. ٧٤] (وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ) الحكم: النبوة، والعلم المعرفة بأمر الدين، وقيل: الحكم: هو فصل الخصومات بالحق (وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ) القرية: هي سدوم، والخبائث: اللواطة والضراط في مجالسهم (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ) أي: خار جين عن طاعة الله. (وأدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا) بإنجائنا إياه من القوا ( المذكورين (إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) الذين سبقت لهم منا الحسنى. ٧٦](وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ) أي: من قبل هؤلاء الأنبياء المذكورين، دعا اللّٰه بإهلاك الظالمين من قومه ( فَاسْتَجَبْنَا لَهُ) دعاءه (فَنَجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) أي: من الغرق بالطوفان، والمراد بأهله: المؤمنون منهم، وقد أنجاه اللّٰه تعالى في السفينة، وقصتها أيضًا مفصَّلة في (سورة هود، الآية: ٣٦ وما بعدها). (ونَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) منعنان() من قومه أن ينالوه بشيء من الأذى {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ) أي: لم نترك منهم أحدًا، بل أغرقنا كبيرهم وصغيرهم بسبب إصرارهم على الذنب. [٧٨](وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ) قيل: كان زرعًا، وقيل: كرمًا (إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ )) النفش: أن تنتشر الغنم بالليل من غير راع، فأكلت الشجر وأتلفته (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ) أي: لحكم الحاكمين والمحكوم بينهم، ومعنى شاهدين: حاضرين. [٧٩](فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) ة١١ . ١١ . نمسرون: دخل على داود صاحب حرث وصاحب غنم، فقال صاحب الحرث: إن هذا انفلتت غنمه ليلا، فوقعت في حرثي، فلم تبق منه شيئًا، فقال: لك رقاب الغنم، فقال سليمان: أو غير ذلك: ينطلق أصحاب الكرم بالغنم، فيصيبون من ألبانها ومنافعها، ويقوم أصحاب الغنم على الكرم، حتى إذا كان كليلة نفشت فيه، دفع هؤلاء إلى هؤلاء غنمهم، ودفع هؤلاء إلى هؤلاء كرمهم. فقال داود: القضاء ما قضيت، وحكم بذلك. أما في شرعنا فقد ثبت عن النبي وَالِعي من حديث البراء، أنه شَرَع لأمته: أن على أهل الماشية حفظها بالليل، وعلى أصحاب الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل مضمون على أهلها، وهذا الضمان هو مقدار الذاهب عينًا أو قيمة (وَكُلَّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمَا) أي: وكل واحد منهما أعيطناه حكمًا وعلمًا كثيرًا، لا سليمان وحده [وهذا لئلا يُظَنَّ القصور بعلم داود] (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْحِبَالَ يُسَبِّحْنَ) كان إذا سبح سبحت الجبال معَه وَالطِّيْرَ) أي: والطير مسخرات [يسبحن معه كذلك] (وَكُنَّا فَاعِلِينَ) يعني: ما ذكر من التفهيم، وإيتاء الحكم والتسخير. [٨٠] (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْمَةَ آ°.. لَكُمْ) وهي الدروع صفحة 329 (لِنُحْصِنْكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ) من حربكم، أو من وقع السلاح فيكم (فَهَلْ أَنَّتُمْ شَاكِرُونَ) لهذه النعمة التي أنعمنا بها عليكم؟ [٨١]( وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً) أي: شديدة الهبوب { تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الّتِي بَارَكْنَا فِيهَا) وهي أرض الشام. [٨٢] (وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ) أي: في البحار ويستخرجون منها ما يطلبه منهم سليمان (وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ) أي: تحت الماء. أو المراد: أنهم يعملون أعمالًا غير الغوص في البحار كعمل المحاريب والتماثيل (وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ) أي: لأعمالهم، أو حافظين لهم من أن يهربوا أو يتمنعوا. [٨٣] (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنيَ الضُّرُّ) شدة المرض في بدنه وهلاك أهله (وَأَنّتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) فأخبر اللّٰه سبحانه باستجابته لدعائه. ٨٤] ( فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرِّ) أي: شفاه اللّٰه مما كان به (وَاتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ) قيل: تركهم اللّٰه وعَبَك له، وأعطاه مثلهم في الدنيا، وقد كان مات أهله جميعًا إلا امرأته فأحياهم اللّٰه في أقل من طرف البصر. وقيل: ولد له ضعف الذين أماتهم اللّٰه (رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا) أي: آتيناه ذلك لرحمتنا له (وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) ليصبروا كما صبر. [٨٥] (وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ) الصحيح أن ذا الكفل رجل من بني إسرائيل، كان لا يتورع عن شيء من المعاصي، فتاب فغفر اللّٰه له، ليس بنبي، وقال جماعة: هو نبي (كُلّ مِنَ الصَّابِرِينَ) أي: كل واحد من هؤلاء من الصابرين على القيام بما كلفهم اللّٰه به. ٨٦](وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا) أي: في الجنة، أو في النبوة. [٨٧] (وَذَا النُّونِ) هو يونس بن متَّى وهو الذي أرسل إلى أهل نينوى من أرض الموصل (إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا) أي: ذهب مغاضبًا لربه، وقيل: مغاضبًا لقومه [إذ لم يؤمنوا به لما أرسله اللّٰه تعالى إليهم، فغضب وترك دعوتهم، وغادر بلدهم بعيدًا من غير أن يأذن اللّٰه له] (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) قيل: معناها أنه ظن أن لن نقدِّر معاقبته خطر ذلك في باله من قبيل حديث النفس الذي لا مؤاخذة فيه، {فَنَادَى فِي الظلَمَاتِ ) ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلما بطن الحوت، وكان نداؤه: هو قوله: (لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) توحيد لرب العالمين واعترف بذنبه، وتوبة من خطيئته. [٨٨] (وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ) بإخراجنا له من بطن الحوت، حتى قذفه إلى الساحل (وَكَذَااءَ. نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) أي: نخلصهم من همهم بما سبق من عملهم، وما أعددناه لهم من الرحمة [وانظر تمام قصته في (سورة الصافات: ١٤٩-١٣٨)]. [٨٩] (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا) أي: منفردًا وحيدًا لا ولد لي (وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ) فأنت حسبي إن لم ترزقني ولدًا [أو وليًّا] فإني أعلم أنك لا تضيع دينك، وأنه سيقوم بذلك من عبادك من تختاره للتبليغ. [٩٠] ( فَاسْتَجَبْنَا لَهُ) دعاءه (وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى) وقد تقدم في سورة مريم (وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ)) كانت عاقرًا فجعلها اللّٰه ولودًا وقيل: كانت سيئة الخلق فجعلها اللّٰه سبحانه حسنة الخلق (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) أي: يقدمون على أعمال الخير دون تمهل أو فتور (وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا) أي: يتضرَّعون إلى اللّٰه طلبًا للخير، ودفعًا للشر، في حال الرَّخاء، وحال الشدة (وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) أي: متواضعين متضرِّ عين. [٩١] (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا) أي: واذكر خبرها، وهي مريم فإنها أحصنت فرجها ولم يمسسها بشر (فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ *ةَ حَمَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ ) رُوحِنَا ) يريد روح عيسى صفحة 330 الآية فيهما أنها ولدته من غير أب، [وما أجراه اللّٰه على يديه من المعجزات]. [٩٢] (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتْكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) أي: إن هذا دينكم دين واحد لا خلاف بين الأمم المختلفة في التوحيد، وهي ملة الإسلام (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) خاصة، لا تعبدوا غيري كائنًا ما كان. [٩٣] (وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ) أي: تفرقوا فرقًا في الدين حتى صاروا كالقطع المتفرقة، فهذا موحِّد، وهذا يهودي، وهذا نصراني، وكان عليهم أن يكونوا على ملة الإسلام [ربُّ وإحد ودين واحد لجميع الأمم] (كُلّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ) أى: كل واحد من هذه الفرق راجع إلينا بالبعث. [٩٤] (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ) بعض الأعمال الصالحة (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) بالله ورسله واليوم الآخر {فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ) أي: لا جحود لعمله، ولا تضيع لجزائه (وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ) أَي: لسعيه حافظون بكتابة محاسن أعماله في الصحف. [٩٥] (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ» أي: ممتنع على أهل كل قرية قدرنا إهلاكها أن يرجعوا بعد الهلاك إلى الدنيا، وقيل المراد: ممتنعُ ألبتَّةَ عدم رجوعهم إلينا للجزاء. [٩٦] (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ) والمراد: أن هؤلاء المذكورين سابقًا مستمرون على ما هم عليه إلى أن تأتي علامات الساعة التي منها فتح السدِّ الذي عليهم (وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ) أي: إن يأجوج ومأجوج حينئذ من كل مرتفع من الأرض يخرجون يسرعون المشي في الأرض [إلى حيث قُدِّر لهم. وخروجهم من علامات الساعة ]. [٩٧] (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقَّ) المعنى: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحق، وهو القيامة [فإن خروجهم من أشراط الساعة] (فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا) [ لشدة الهول المقبل عليهم شخصت عيونهم إلى ما دَهَمَهُم ] يقولون: (يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا) البعث والحساب، فلم نستعدَّ له (بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ) أضربوا عن وصف أنفسهم بالغفلة، واعترفوا بأنهم كانوا ظالمين، بكفرهم وعصيانهم لأوامر ربهم وهداية أنبيائهم. أي: لم نكن غافلين، بل كنا ظالمين بالتكذيب وعدم الانقياد للرسل. [٩٨] (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) وهي الأصنام (حَصَبُ جَهَنَّمَ) وقود جهنم وحطبها {أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ) المراد بالورود هنا: الدخول، ولا يدخل في هذه الاية عيسى وعزير والملائكة؛ لأن ((ما)) ٧٠.١ . عقل، ولأن المخاطبين بهذه الآية مشركو مكة، دون غيرهم. [٩٩] (لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا) أي: لو كانت هذه الأصنام آلهة كما تزعمون لا متنعِوا من دخولها النار لكنهم وردوها فلم يكونوا آلهة (وَكُلِّ فِيهَا خَالِدُونَ) أي: كل العابدين ها والمعبودين في النار خالدون لا يخرجون منها. [ ١٠٠] (لَهُمْ فِيهَا زَفِيْرٌ) الزفير: صوت نَفَس المغموم، والمراد هنا: الأنين والتنفس الشديد (وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ) أي: لا يسمع بعضهم زفير بعض لشدة الهول، وقيل المعنى: لا يسمعون شيئًا [١٠١] (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى) أي: الخصلة الحسنى، وهي السعادة، فعملوا بعمل أهل الجنة (أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ) أي: عن جهنم. لما نزل (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ)، الآية.. أتى ابن الزبعرى إلى رسول اللّٰه وحيد فقال: يا محمد ألست تزعم أن عزيرًا رجل صالح، وأن عيسى رجل صالح، وأن مريم صالحة؟ قال: بلى، فقال: فإن الملائكة، وعيسى. وعزيرًا، ومريم يُعبَدون من دون الله، فهؤلاء في النار؟ فأنزل اللّٰه (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا اأْمُمْنَ) الآية. صفحة 331 [١٠٢] (لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا) الحسُّ والحسيس: الصوت تسمعه من الشيء يتحرك قريبًا منك (وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ) أي: دائمون، وفي الجنة ما تشتهيه الأنفس وتلذُّهُ الأعين. [١٠٣] (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ) أهوال يوم القيامة ( وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ) على أبواب الجنة يهنئونهم ويقولون لهم: (هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) به في الدنيا وتبشرون بما فيه. [١٠٤]( يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السَّجِلِّ لِلْكُتُبِ) السجل: الصحيفة، أي: طيًّا كطيِّ الصحيفة على ما يكتب فيها [ولم تكن الكتب بشكلها الحالي معروفة عند نزول القرآنِ، بل كانت تُلَفُّ لفًّا] وفي قولٍ: السجلُّ: الكاتب (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) أي: كما أخرجناهم إلى الأرض من بطون أمهاتهم حفاة عراة غرلًا، كذلك نعيدهم يوم القيامة (وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) أي: وعدنا وعدًا علينا إنجازه والوفاء به، وهو الإعادة، إنا قادرون على ما نشاء. [١٠٥] (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ) الزبور كتاب داود، وهو كتاب المزامير (مِنْ بَعْدِ الذَكْرِ) هو التوراة (أنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) قيل المراد: أرض الجنة، لقوله سبحانه: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ). وقيل: هي الأرض المقدَّسة. وقيل: هذا تبشير لأمة محمد وَلِيه بوارثة أرض الكافرين. ١٠٦](إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا) أي: فيما جرى ذكره في هذه السورة من الوعظ والتنبيه (لِقَوْمِ عَابِدِينَ) أي: مشغولين بعبادة اللّٰه مهتمين بها، ورأس العبَّادة: الصلاة. ١٠٧٦(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ) يا محمد بالشرائع والأحكام (إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) لجميع الناس. ومعنى كونه رحمة للكفار: أنهم أمنوا به من الخسف والمسخ والاستئصال. ١٠٨] (فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) منقادون مخلصون لعبادة وتوحيد اللّٰه سبحانه، أي: كونوا كذلك. [١٠٩](فَإِنْ تَوَلَّوْا) أي: أعرضوا عن الإسلام (فَقُلْ) لهم (آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ) أي: أعلمتكم أنَّا وإياكم حربٌ، لا صلح بيننا، كائنين على سواء في الإعلام، لم أخصَّ به بعضكم دون بعض، لا أظهر لأحد شيئًا كتمته على غيره. [١١٠](إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ) ما تجاهرون به من الكفر والطعن على الإسلام وأهله، وما نكتمونه من ذلك وتخفونه، [فإن اللّٰه يعلم المستور كما يعلم الظاهر، وعلمهما عنده .. .١. ف الوضوح]. [١١١] (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ) أي: ما أدري لعلَّ الإمهال فتنة لكم واختبار ليرى اللّٰه تعالى كيف صنعكم (وَمَتَاعٌ إِلَى حِينِ) أي: وتمتيع إلى وقت مقدَّر تقتضيه حكمته. [١ ١٢] (قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ) أي: قال محمد وتَلِيه: يا ربِّ احْكُمْ بَيْنِي وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُكَذَّبِينَ بِمَا هُوَ الْحَقُّ عِنْدَكَ، فَفَوَّضَ الْأَمْرَ إِلَيْهِ سُبْحَانَه (وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) ما تقولون من الكفر والتكذيب [به نستعين على تكذيبكم، وهو الذي سوف ينصر الحق على الباطل بقدرته وحكمته]. 10022225 تفسير سورة الحج [١] (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ) أي: احذروا عقابه، فاستتروا منه بطاعته، اي: بفعل الواجبات، وترك المحرمات (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) وهي الزلزلة التي هي أحد أشراط الساعة، تكون في الدنيا قبل يوم القيامة، هذا قول الجمهور، وقيل: هي الزلزلة المرافقة لنفخة القيامة. [٢] (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ) أي: في وقت رؤيتكم لها تغفل كل ذاء-.. ضماع عن رضيعها وتنساه، حتى صفحة 332 كأنها لا رضيع لها، وذلك من شدة الهول (وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا) تلقي جنينها لغير تمام من شدة الهول (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى) أي: يراهم الرائي كأنهم سكارى (وَمَا هُمْ بِسُكَارَى) حقيقة (وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ) فبسبب هذه الشدة والهول العظيم طاشت عقولهم، واضطربت أفهامهم، فصاروا كالسكارى. [٣] (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمِ) يخاصم في قدرة الله، فيزعم أنه غير قادر على البعث، بغير علم بعلمه، ولا حجة يدلي بها، وإنما هي مجرَّد أوهام وخيالات يردُّ بها أخبار اللّٰه التي يرسلها إلى البشر على السنة أنبيائه (وَيَتَّبِعُ) فيما يقوله ويتعاطاه ويحتج به ويجادل عنه ( كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ) أي: متمرد على اللّٰه وهو العاتي، والمراد: إبليس وجنوده، ورؤساء الكفار الذين يدعون أشياعهم إلى الكفر بزخرف القول، قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة، وعتبة بن ربيعة. [٤] (كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاه) أي: كتب على الشيطان، سواء شيطان الجن وشيطان الإنس، أن من اتبعه وصدَّق قوله وترك تصديق الأنبياء والكتب السماوية، فاتخذه وليًّا (فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ) أي: فشأن الشيطان أن يضله عن طريق الحق (وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ) يحمله على ما بصير به في عذاب السعير. [٥] (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ) [أي: إن كان لديكم شك في إمكان البعث ودخوله في قدرتنا فانظروا في خلق أنفسكم] (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابِ) في ضمن خلق أبيكم آدم (ثُمَّ) خلقناكم (مِنْ نُطْفَةٍ) أي: من منيِّ (ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ) العلقة: الدم الجامد المتكون من المنيِّ (ثُمّ مِنْ مُضْغَةٍ)) وهي: القطعة من اللحم تتكون من العلقة ( مُخَلَّقَةٍ) مستبينة الخلق ظاهرة التصوير (وَغَيْرِ مُخَلِّقَةٍ) وهو طور قبل التخليق تكون المضغة فيه لم يستبن خلقها، ولا ظهر تصويرها (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ) كمال قدرتنا بتصريفنا أطوار خلقكم (وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ ) فلا يكون سقطًا، أي: ونسقط بعضها فلا يتم حمله (إِلَى أَجَلٍ) وهو وقت الولادة (مُسَمَّى) أي: محدد معين قدره الله، وهو تسعة أشهر للمرأة، ولكل جنس من الحيوان أجل للحمل محدد (ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا) أي: نخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالًا (ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ) والأشُد: هو كمال العقل، وكمال القوة والتمييز، قيل: هو ما بين الثلاثين إلى الأربعين (وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى) يعني: قبل بلوغ ٠٩١، تَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ) أي: أخسه وأدونه، وهو الهرم والخرف حتى لا يعقل، [ويكون في حال أسوأ من حال الصغير الذي لم يميِّز] (لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمِ شَيْئًا) يصير من بعد أن كان ذا علم بالأشياء وفهم لها، لا علمّ له ولا فهم (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً) لا تنبت شيئًا ميتة يابسة (فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ) ماء المطر (اهْتَزَّتْ) اهتز نباتها لكثرته وقوته (وَرَبَتْ) ارتفعت، وقيل: انتفخت (وَأَنَّبَتَتْ) أي: أخرجت (مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) أي: من كل صنف حسن، ولون مستحسن، والبهجة: الحُسْن الذي يسرُّ الناظر إليه. [٦] ( ذَلِكَ بأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ) الحق هو الموجود الذي لا تر ل نَهُ يُحْيِي مَوْتَى) كما أحيا الأرض الهامدة (وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) كما قدر على عجائب إحياء النبات. [٧]وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةُ)) أي: في مستقبل الزمان (لَا رَيْبَ فِيهَا) لا شك فيها ولا تردد (وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) فيجازيهم بأعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. [٨] (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ) أي: في شأن الله. وهي في كل من يتصدى لإغواء اا.١. ، وإضلالهم عن شرائع اللّٰه صفحة 333 الواضحة (وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ)) الكتاب المنير: البين الحجة، الواضح البرهان [آتياً من قبَّل اللّٰه تعالى]. [٩] ثَانِيَ عِطْفِهِ) عطفا الرجل: جانباه من يمين وشمال، والمراد به: من يلوي عنقه مرحًا وتكبراً. وقيل: أي معرضًا عن الذكر (لِيُضِلّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) أي: إن غرضه هو الإضلال عن السبيل، وإن لم يعترف بذلك (لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ) الخزي: الذل [الذي ينال المستكبر ] وذلك بما يناله من العقوبة في الدنيا من العذاب المعجل، وسوء الذكر على ألسن الناس (وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ) أي: عذاب النار المحرقة. ١٠٦] ذَلِكَ العذاب (بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ) أي: بسبب ما فعلته أنت بنفسك من الكفر والمعاصي (وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَامٍ يليد ١ ( مل التاس من يتب ال على لرف ة سالٌّ في دينه على غير ثبات وطمأنينة، كالذي هو على حرف الجبل ضطرب اضطرابًا ويضعف قيامه، بخلاف المؤمن؛ لأنه يعبده على يقين وبصيرة وثبات (فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ) أيٍ: خير دنيوي من رخاء وعافية وخصب وكثرة مال (اطْمَأنَّ بِهِ) ثبت على دينه واستمر على عبادته (وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ) مكروه في أهله، أو ماله، أو نفسه (انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ) أي: ارتد ورجع إلى الكفر (خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ) أي: ذهبا منه وفقدهما، فلا حظّ له في الدنيا من الغنيمة والثناء الحسن، ولا في الآخرة من الأجر وما أعده اللّٰه للصالحين من عباده (ذَلِكَ) خسران الدنيا والآخرة (هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) أي: الواضح الظاهر الذي لا خسران مثله. [١٢] (يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ) أي: هذا الذي انقلب على وجهه ورجع إلى الكفر يعبد الأصنام وهي لا تضره إن ترك عبادتها، ولا تنفعه إن عبدها، فذلك المعبود جماد لا يقدر على ضر ولا نفع (ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ) أي: عن الحق والرشد، وقال الفراء: البعيد: الطويل. [١٣ ] (يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ) فالأصنام لا نفع فيها بِحَالٍ من الأحوال، بل هي ضرر بحت لمن يعبدها؛ لأنه يدخل النار بسبب عبادتها {لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ) أي: إن المعبود الذي عبادته تضر عابديه، بئس الناصر هو له، وبئس الصاحب. [١٤] {إِنَّ اللّهَيَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) فيشيب من يشاء ويعذب من يشاء. [١٥]أَمَنْ كَانَ يَظُنُّ أَ: آَ: بَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) المعنى: من كان يظن أن لن ينصر اللّٰه محمدً الا فيف و وينه يتهيأ له أن يقطع النصر الذي أوتيه ( فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبِ إِلَى السَّمَاءِ) أي: فليطلب حيلة يصل بها إلى السماء ( ثُمَّ لِيَقْطَعْ) أي: ليقطع النصر إن تهيا له (فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ) وحيلته (مَا يَغِيظُ) أي: ما يغضبه ويُحْنِقُه من نصر اللّٰه النبي وَالِيه وقيل: المعنى: من يئس من أن يرزقه اللّٰه (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبُ إِلَى السَّمَاءِ) أي: فليشدد حبلا في سقف بيته (ثُمَّ لِيَقْطَعْ) أي: ثم ليخنق نفسه بذلك الحبل. فلينظر هل يذهبن صنيعه وحيلته ما يغيظه. ١٦] وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ) أي: القرآن (آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) واضحات ظاهرة الدلالة على مدلولاتها (وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ) أي: يهدي من يريد هدايته ابتداء، أو زيادة فيها لمن كان مهديًّا من قبل. ١٧]إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) أي: بالله وبرسوله وهم المسلمون (وَالَّذِينَ هَادُوا) وهم اليهود المنتسبون إلى ملة موسى (وَالصَّابِئِينَ) فرقة معروفة في العراق لا ترجع إلى ملة من الملل المنتسبة إلى الأنبياء (وَالنَّّهَاَم *هم المتسبون إلى عيسى صفحة 334 (وَالْمَجُوسَ) هم الذين يعبدون النار، ويقولون: إن للعالم أصلين: النور والظلمة، قيل: كان لهم كتاب فرفع (وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) الذين بعبدون الأصنام (إِنَّ اللَهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) يقضي بينهم، فيدخل المؤمنين منهم الجنة، والكافرين منهم النار. وقيل: الفصل هو أن يميز المحق من المبطل (إنّ اللهَ عَلَى كُلَ شَيْءٍ شَهِيدٌ) على كل شيء من أفعال خلقه وأقوالهم وغيرها شهيد، لا يعزب عنه شيء منها، ولذلك كان قضاؤه بينهم على علم. [١٨] (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ) وهم الملائكة (وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) من مؤمني الإنس والجن. والمراد بالسجود هنا: سجود الطاعة الخاصة بالعقلاء (وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ) وسجودها سجود الانقياد الكامل (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) أيٍ: ويسجد له كثير من الناس سجود الطاعة (وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) أي: وكثير منهم يأبى ذلك فحق عليه العذاب (وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمِ) أي: من أهانه الله، بأن جعله كافرًا شقيًّا، فما له من مكرم يكرّمه فيصير سعيدًا عزيزًا [أي: فإن الذين يرفضون السجود لله إنما يرونه هوانًا وذلة، وهو في الحقيقة الكرامة لمن هداه اللّٰه وتَرْكُه تكبراً هو الذلة، يذل اللّه تعالى بها من يشاء] (إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) من الأشياء التي من جملتها الإكرام والإهانة. [١٩]( هَذَانِ خَصْمَانِ) أحدهما: اليهود والنصارى والصابئون والمجوس والذين أشركوا، والخصم الآخر المسلمون، فهما فريقان مختصمان. وقيل: المراد بالخصمين هم الذين برزوا يوم بدر، فمن المؤمنين: حمزة وعلي وعبيدة، ومن الكافرين: عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة (اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) في شأن ربهم: أي في دينهِ، أو في ذاته، أو في صفاته، أو في شريعته لعباده (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارِ) أي: سويت وجعلت لبوسًا لهم (يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ) الحميم: هو الماء الحار المغلي بنار جهنم. [٢٠] (يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ) الصهر: الإذابة بشدة الحرارة كما يصهر الحديد والنحاس. والمعنى: أنه يذاب بذلك الحميم ما في بطونهم من الأمعاء والأحشاء (وَالْجُلُودُ) أي: ويصهر به الجلود. [٢١] (وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ) المقامع قطع من الحديد [كالمطارق مهيأة للضرب بها]. [٢٢] (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا) أي: من النار (مِنْ غَمِّ) لأجل غم شديد من غموم النار، والعياذ بالله {أعِيدُوا فِيهَا)) أي: في النار .١١: بِ بالمقامع (وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) أي: وقيل لهم: ذوقوا عذاب الحريق. [٢٣] (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ) أي: يحليهم اللّٰه بها أو الملائكة بأمره (وَلُؤْلُؤًا) أي: ويحلون لؤلؤًا. واللؤلؤ: ما يستخرج من البحر من جوف الصدف. وقال القشيري: المراد: ترصيع السوار باللؤلؤ، ولا يبعد أن يكون في الجنة سوار من لؤلؤ مصمت، كما أن فيها أساور من ذهب {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) أن هذا النوع من الملبوس الذي كان محرمًا عليهم في الدنيا حلال لهم في الآخرة أصبح هو ملبوسهم. [٢٤] (وَهُدُوا إِلَى الطَِّّبِ مِنَ الْقَوْلِ) أي: أرشدوا إليه، قيل: هو لا إله إلا الله، وقيل: الحمد لله، وقيل: القرآن (وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ) أنهم أرشدوا إلى الصراط المحمود، أو صراط اللّٰه الذي هو دينه القويم، وهو الإسلام. [٢٥](إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) أي: يمنعون من أراد الدخول في دين اللّٰه (و) يصدون عن (الْمَسْجِدِ الْحَرَام) قيل: المراد به: المسجد نفسه، وقيل: الحرم كله؛ لأن المشركين صدوا رسول اله مَالاد ، أصحابه عنه يوم الحديبية، صفحة 335 وقيل: المراد به مكة (الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) أي: جعلناه للناس على العموم يصلون فيه، ويطوفون به، مستويًا فيه العاكف، وهو المقيم فيه الملازم له، والبادي: أي الواصل من البادية، والمراد به: الطارئ عليه من أهل البادية، أو من غيرهم من سائر البلاد. قال مالك: إن دور مكة ومنازلها يستوي فيها المقيم والطارئ. وذهب جماعة إلى أن للقادم أن ينزل حيث وجد، وعلى رب المنزل أن يؤويه شاء أم أبى. وذهب الجمهور إلى أن دور مكة ومنازلها ليست كالمسجد الحرام، ولأهلها منع الطارئ من النزول فيها [ولكن ظهر في هذا العصر معنى هذه الآية بجلاء: أي يستوي في الحرم المواطن والغريب ليس بينهم فرق في حكم الله، فلا يفضل فيه أحد على أحد] (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلَّحَادٍ بِظُّلْمِ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمِ) الإلحاد: الميل عن الحق، قيل: المراد من ارتكب جرمًا خارج الحرم والتجأ إليه، وقيل: هو الشرك والقتل، وقيل: المراد المعاصي فيه على العموم. [٢٦] (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ) بينَّا له (مَكَانَ الْبَيْتِ) ليبنيه للعبادة وأنزلناه فيه (أَنْ لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا ) كأنه قيل له: وحِّدني في هذا البيت (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ) مِن الشرك وعبادة الأوثان. وفي الآية طعن على من أشرك من قُطََّان البيت: أي هذا كان الشرط على أبيكم فمن بعده، وأنتِمِ فلم تفوا بل أشركتم [وجعلتم فيه الأصنام فلنستموه بها] (للطّائِفِينَ) بالبيت (وَالْقَائِمِينَ) فيه للصلاة (وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) أي: الراكعين الساجدين. [٢٧] (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) قال جماعة من المفسرين: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت جاءه جبريل، فأمره أن يؤذن في الناس بالحج. فعلا المقامَ، وقال: يا أيها الناس، كتب عليكم الحج إلى البيت فأجيبوا ربكم، لبيك اللهم لبيك (يَأْتُوكَ رِجَالًا) مشاة (وَعَلَي كُلِّ ضَامِرٍ) الضامر: البعير المهزول الذي أتعبه السفر (يَأْتِينَ) أي: تأتي الإبل بالركبان للحج (مِنْ كُلِّ فَجِّ عَمِيقٍ) أي: طريق بعيد. [٢٨] (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ)) قيل: المراد بها: المناسك، وقبل: التجارة والأضاحي. (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامِ مَعْلُومَاتٍ) أي: يذكروا عند ذبح الهدايا والضحايا اسم الله، والأيام المعلومات هي أيام النحر (عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) وهي الإبل والبقر والغنم (فَكُلُوا مِنْهَا) فيسن الأكل من الهَدي والأضحية. وقيل: يجب (وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) البؤس: شدة الفقر، فينبغي إطعام النة ١- من الهدي. [٢٩] (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) أي: ليؤدوا إزالة وسخهم من طول الشعر والأظفار، وذلك يوم العيد (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) أي: ما ينذرونه من البر في حجهم (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) هذا الطواف هو طواف الإفاضة. وقد سمي العتيق؛ لأن اللّٰه أعتقه من أن يتسلط عليه جبار، وقيل: العتيق الكريم، [ويحتمل أن المراد: المسجد القديم؛ لأنه أول مسجد وضع في الأرض لعبادة الله ]. [٣٠] (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظَمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) الحرمات: ما وجب القيام به، وحرم التفريط فيه، في الحج وغيره، وتعظيمها: ترك ملابستها (فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ) أي: فالتعظيم خير له (عِنْدَ رَبِّهِ) يعني: في الآخرة من التهاون بشيء منها (وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ) وهي الإبل والبقر والغنم {إِلَّا مَا يُثْلَى عَلَيْكُمْ) من المحرمات، وهي الميتة وما ذكر معها في أول سورة المائدة (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ) الرجس: النجس، ولا تزول نجاسة الشرك عن المشرك إلا بالإيمان، كما أنها لا تزول النجاسة الحسية إلا بالماء (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ الباطل، والشرك . اله . أم . لفظ كان. صفحة 336 [٣١] (حُنَفَاءَ لِلَّهِ) مائلين إليه [عن كل ما يعبد من دونه] ( غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ) شيئًا من الأشياء (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ) سقط منها إلى الأرض: أي انحط من رفيع الإيمان إلى حضيض الكفر (فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ) أي: تخطف حمه وتقطعه بمخالبها (أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ) أي: تقذفه وترمي به (فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) أي: بعيد [عميق. فإنه إن حصل ذلك اندقت عظامه وتقطع لحمه وتلف، فكذلك من أشرك بالله حبطت أعماله الصالحة وحلت به نقمة اللّٰه ]. [٣٢]( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظَمْ شَعَائِرَ اللهِ) أعلام دينه، ويدخل الهدي في الحج ومناسك الحج ومشاعره كلها في ذلك، وتدخل المساجد والمصاحف والذكر والعبادات أيضًا، فإن تعظيمها تعظيم لله (فَإِنَّهَا مِنْ تَقَوَى الْقَلَوْبِ) أي: فإن مظيمها نابع من تقوى القلوب الله تعالى [ومن أهان شيئًا منها بفعل أو قول كالهزء والسخرية، فهو من الضلال وعمى القلوَّب عمَّا يجب لله تعالى من التعظيم. ومن تعظيم البُدْن والهدي والأضاحي استسمانها واستحسانها، أي: اختيار أسمنها وأحسنها للتقرُب بها إلى اللّٰه تعالى]. [٣٣] (لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ ) أي: في الشعائر على الخصوص، وهي البُدْن، ومن منافعها الركوب والدر والنسل والصوف وغير ذلك (إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى) وهو وقت نحرها (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ» أيّ: حيث يحل نحرها. المعنى: أنها تنتهي إلى ما يلي البيت من الحرم [فتذبح هناك]. [٣٤] (وَلِكُلَّ أَمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا) [عيدًا أو مكانًا لذبح القرابين لله] (لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ) وحده ويجعلوا نسكهم خاصًا به (عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) أي: على ذبح ما رزقهم منها {فَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدُّ) [هو الذي أنزل الديانات السماوية جميعًا] (فَلَهُ أَسْلِمُوا) بالانقياد لطاعته وعبادته (وَبَشَرِ الْمُخْبِتِينَ) أي: المتواضعين لله الخاشعين المخلصين، بشرهم يا محمد بما أعد اللّه لهم من جزيل ثوابه وجليل عطائه. [٣٥] (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) أي: خافت أشد الخوف وحذرت مخالفته؛ لكمال يقينهم وقوة إيمانهم (وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ) من البلايا والمحن في طاعة اللّٰه (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) أي: يتصدقون به، وينفقونه في وجوه البر، ويضعونه في مواضع الخير. [٣٦] (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ) هي الإبل المهداة إلى البيت. واختلفوا في صحة إطلاق البدنة على البقرة (لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ) أي ١٠٠ذ- دينية ودنيوية كما تقدَّم (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا) أي: على نحرها (صَوَافَّ) أي: قائمة قد صَفَّتْ قوائمها؛ لأنها تنحر قائمة معقولة، قد رفعت إحدى يديها معقولة لئلا تضطرب أو تشرد (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا) أي: فإذا سقطت على جنبها بعد نحرها، وذلك عند خروج روحها (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ) القانع: الذي يرضى بما عنده ولا يسأل. والمعترُّ: الذي يتعرّض لك لتعطيه (كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ) فصارت تنقاد لكم إلى مواضع نحرها، فتنحرونها وتنتفعون بها، بعد أن كانت مسخرة للحمل عليها والركوب على ظهرها والحلب لها، ونحو ذلك (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) هذه النعمة التي أنعم اللّٰه بها عليكم. [٣٧] (لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا) أي: لن يصعد إليه ولا يبلغ رضاه لحوم هذه الإبل التي تتصدقون بها (وَلَا دِمَاؤُهَا) التي تنصبُّ عند نحرها، من حيث إنها لحوم ودماء (وَلَكِنْ يَنَالُهُ )) أي: يبلغ إليه تقوى قلوبكم، فإن ذلك هو الذي يقبله اللّٰه ويجازي عليه (كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ) هو قول الناحر: (اللّٰه أكبر) عند النحر أو الذب، ٧ ،١١لة على مشروعية الجمع صفحة 337 بين التسمية والتكبير (عَلَى مَا هَدَاكُمْ) على ما أرشدكم إليه من علَّمكم بكيفية التقرب بها (وَبَشَّرِ الْمُحْسِنِينَ) كل من يصدر منه الخير لوجه اللّٰه -مع إتقان العمل ومراقبة اللّٰه - يصح إطلاق اسم المحسن عليه. أخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: كان المشركون إذا ذبحوا استقلبوا الكعبة بالدماء، فينضحون بها نحو الكعبة، فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك، فأنزل اللّٰه (لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا). [٣٨] (إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا) يدافع عن المؤمنين غوائل المشركين، وقيل: يعلي حجتهم (إِنَّ اللَهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) بل إن الكافرين والخائنين هم مبغضون إلى اللّٰه غير محبوبين له. [٣٩] ( أَذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا } كان مشركو مكة يؤذون أصحاب رسول اللّٰه وَالعي بألسنتهم وأيديهم، فيشكون ذلك إلى رسول اللّٰه وَالِيِ فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر بالقتال، حتى هاجر، فانزل اللّٰه سبحانه هذه الاية بالمدينة، وهي أوّل آية نزلت في إجازة القتال [دفعًا عن العقيدة وحاملها]، وإباحة القتال لهم هي من جملة دفع اللّٰه عنهم. [٤٠] (الَّذِينَ أَخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقُّ) المراد بالديار: دور المهاجرين التي خلفوها بمكة (إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ) أي: لكن أخرجوا منها لقولهم: ربنا اللّٰه (وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ) المعنى: لولا ما شرعه اللّٰه للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء لاستولى أهل الشرك، وذهبت مواضع العبادة من الأرض. فالصوامع: هي صوامع الرهبان، والبِيَع: كنائس النصارى، واحدتها بيعة النصارى، والصلوات: هي كنائس اليهود، والمساجد: هي مساجد المسلمين. وقيل: المعنى: لولا هذا الدفع لهُدِّمت في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد وَلِيِ المساجد (يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا) [أي: فقاتلوا لإقامة ذكر الله] (وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ) والمراد بمن ينصر الله: من ينصر دينه وأولياءه. [٤١] (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ) [أي: هؤلاء هم الذين ينصرهم اللّٰه انتصارًا لدينه، وليس من يريدون الاستيلاء على بلاد الآخرين لمجرَّد نهب خيراتها] وفيه إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على مِن مكنه اللّه في الأرض وأقدره على القيام بذلك (وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) أي: أن مرجعها إلى حكمه وتدبيره دون غيره. [٤٣-٤٢] (وَإِنْ يُكَذَّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحِ وَعَادٌ وَثَمُودُ) تسلية لرسول اللّٰه وَالِلته . :..ة له، متضمنة للوَّعد له بإهلاك المكذبين له من الملأ من قريش، الذين نصبوا العداوة له، كما أهلك المكذبين من أمم الأنبياء المذكورين. [٤٤](فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ) أي: أخرت عنهم العقوبة وأمهلتهم (ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ) بالعذاب بعد انقضاء مدَّة الإمهال ( فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) أي: فانظر كيف كان إنكاري عليهم، وتغيير ما كانوا فيه من النعم وإهلاكهم بكفرهم وسيء أعمالهم. [٤٥] (فَكَأْيِّنْ مِنْ قَرْيَةِ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ) [أي: كثيرة هي القرى التي جاءها الإهلاك من قِبَلِنا لظلم أهلها] ( فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) أي: على سقوفها، وذلك بسبب مجيء العذاب حتى تهدَّمت فسقطت حيطانها فوق سقوفها (وَبِئْرِ مُعَطَّلَةٍ) هي الخالية عن أهلها لهلاكهم، وقيل: معطلة من الدلاء والأرشية (وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) هو المرفوع البنيان، وقيل: المراد بالمشيد: المجصص، والمعنى: وكم من قصر مشيد معطل من أهله، أو من آلاته، أو نحو ذلك. [٤٦] (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ)) حث للناس على السفر في نواحي الأرض ليروا مصارع تلك الأمم فيعتبروا، ومعنى (فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ مَا أنهم بسبب ما يشاهدون من صفحة 338 العبر ينبغي أن تكون لهم قلوب يعقلون بها ما يجب أن يتعقلوه (أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا) ما يجب أن يسمعوه مما يتلوه عليهم محمد له من كلام اللّٰه (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) أي: ليس الخلل في مشاعرهم وحواسهم، وإنما هو في قلوبهم وعقولهم، أي: لا تدرك عقولهم مواطن الحق ومواضع الاعتبار. [٤٧] (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ)) لأنهم كانوا منكرين مجيئه أشدَّ إنكار، فاستعجالهم على طريقة الاستهزاء والسخرية (وَلَنْ يُخْلِفَ اللَهُ وَعْدَهُ) وقد سبقِ الوعد فلا بد لن مجيئه حتمًا (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةِ مِمَّ فاليوم الواحد وألف سنة بالنسبة إلى قدرته سواء. ولذلك بمهلهم. وقيل المعنى: وإن يومًا من الخوف والشدة في الآخرة كألف سنة من سني الدنيا فيها خوف وشدة. [٤٨] (وَكَأَيَّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ) أي: وكثيرة هي القرى أهلها كانوا مثلكم ظالمين قد أمهلتهم حينًا، ثم أخذتهم بالعذاب، ومرجع الكل إلى حكمي. [٥١] (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا) أي: سعوا فيها بالتكذيب لها (مُعَاجِزِينَ) أي: ظانين ومقدِّرين أن يعجزوا اللّٰه سبحانه ويفوتوه فلا يعذبهم. [٥٢] (مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيِّ) قيل الرسول: الذي أرسل إلى الخلق بإرسال جبريل إليه ومحاورته شفاهًا، والنبي: الذي يكون الوحي إليه إلهاما أو منامًا، وقيل الرسول: من بعث بشرع وأمر بتبليغه، والنبي من جاءه الوحيُ، فيشمل الرسل ويشمل من أمر أن يدعو إلى شريعة من قبله، ولم ينزل عليه كتاب (إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) قال جماعة المفسرين في سبب نزول هذه الآية: إن النبي محمداً وَا اله لما شقٍّ عليه إعراض قومه عنه تمنى في نفسه ألا ينزل عليه شيء ينفَرهم عنه لحرصهِ على إيمانهم، فكان ذات يوم جالسًا في ناد من أنديتهم، وقد نزل عليه سورة -والنجم إذا هوى- فأخذ يقرؤها عليهم حتى بلغ قوله: (أَفَرَ أَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأَحْرَى) فجرى على لسانه مما ألقاه الشيطان أثناء قراءته ((تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتها لترتجى» فلما ممعت قريش ذلك فرحوا، فلما سجد في آخرها سجد معه جميع من في النادي من المسل ١١٠٠ . شركين، فتفرَّقت قريش مسرورين بذلك، وقالوا: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، فآتاه جبريل، فقال ما صنعت؟ تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، فحزن رسول اللّه تَلي وخاف خوفًا شديدًا، فأنزل اللّٰه هذه الاية، هكذا قالوا: وقد روي ذلك في أحاديث مرسلة وآثار منقطعة، ليس منها شيء صحيح الإسناد، واختار البغوي أن معنى قوله: (أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمُنيَّتِهِ) أي: في تلاوته وقراءته، أي: إن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك من دون أن يتكلم به رسول اللٰه وَاليّي في نفس الأمر ولا جرى على لسانه، أي: لا يهولنك ذلك ولا يحزنك، فقد أصاب مثل هذا من قبلك من المرسلين والأنبياء، فالمعنى: أنه إذا قرأ النبي المالِه القرآن تكلم به الشيطان وألقاه في مسامع الناس من دون أن يتكلم به رسول الله والِيه و لا جرى على لسانه (فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ) أي: يبطله ويجعله ذاهبًا غير ثابت (ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ) أي: يثبتها بإبطال كلام الشيطان (وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) أي: كثير العلم والحكمة في كل أقواله وأفعاله. [٥٣] (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الثَّيْطَانُ فِتْنَةَ) أي: ذلك الإلقاء الذي يلقيه الشيطان فتنة، أي: ضحاة ااَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) صفحة 339 أي: شكٍ [وضعف إيمان] (وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ) هم المشركون (وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) أي: عداوة شديدة. ٥٤١](وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) أي: الحق النازل من عنده (فَيُؤْمِنُوا بِهِ) أي: يثبتوا على الإيمان به (فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ) أي: تخشع وتسكن وتنقاد، فإن الإيمان به وإخبات القلوب له لا يمكن أن يكونا لتمكين من الشيطان، بل للقرآن (وَإِنَّ اللهَ لَهَادِي الَّذِينَ آمَنُوا ) في أمور دينهم (إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) أي: طريق صحيح لا عوج بِه. [٥٥] (وَلَا يَزَالَ الَذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ) أي: في شكٍّ من القرآن، وقيل: في الدين ( حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ) أي: القيامة بَغْتَة) أي: فجأة {أوْ يَأْتِيَهُمْ عَذْابُ يَوْم نَقِيم ) وهو يوم القيامة، عقيم لانه لا يوم بعده، وقيل: لانه لا رحمة لهم فيه، فلا يأتيهم بخير، وقيل: هو يوم حرب بقتلون فيه، كيوم بدر. [٥٦] (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) أي: السلطان القاهر والاستيلاء التامُّ لله وحده (يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) أي: كائنون فيها مستقرُّون منغمسون في نعيمها. [٥٧] (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) أي: جمعوا بين الكفر بالله والتكذيب بآياته (فَأَوَلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) للمعذبين بالغِ منهم المبلغ العظيم في الإهانة. [٥٨] (وَالَذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلُ اللهِ} هُمَ الذِين هاجروا من مكة إلى المدينة (ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا) أي: في حال المهاجرة (لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنّا) يأكلون في الجنة، ويشربون في الجنة، ويتمتعون بنعيمها الذي لا ينقطع، والمراد بهذا: أنه يكون بعد قتلهم مباشرة، وذلك قبل أن تقوم الساعة لأنهم أحياء عند ربهم يُرزقون. وفي الحديث ((أرواح الشهداء في أجواف طيرِ خضر تأكل من ثمار الجنة)) (وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) يزرق بغير حساب. م مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ) هو الأوفق [٥٩] (لَيُدْخِلَنَّهُمْ لنفوسهم، والأقرب إلى مطلبهم، على أنهم يرون في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر (وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ) بدرجات العاملين ومراتب استحقاقهم (حَلِيمُ) عن تفريط المفرطين منهم لا يعاجلهم بالعقوبة. [٦٠] (ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ) من جَازَى الظالم فاقتصَّ منه بمثل ما ماا .٨ ملم يزد عليه (ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ أي: عاوده الظالم بالمظلمة بعد تلك المظلمة الأولى (لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ) أي: لينصرنَّ اللهُ المبغيَّ عليه على الباغي (إِنَّ اللهَ لَعَفُوُّ غَفُورٌ) أي: كثير العفو والغفران للمؤمنين. [٦١] ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ) نصر اللّٰه سبحانه للمبغيِّ عليه بسبب أنه سبحانه قادر، ومن كمال قدرته: إيلاج الليل في النهار، والنهار في الليل؛ لأن زيادة أحدهما نقصان في الآخر. [٦٢] (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ) فدينه حق، وعبادته حق، ونصره لأوليائه على أعدائه حق، ووعده حق (وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ) وهي الأصنام (هُوَ الْبَاطِلُ) الذي لا ثبوت له ولا لكونه إلهًا (وَأَنَّّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ) أي: العالي على كلّ شيء، المتقدِّس عن الأشباه والأنداد، المتنزه عما يقول الظالمون (الْكَبِيرُ) أي: ذو الكبرياء والعظمة والجلال. [٦٣] (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) [بما ينبت فيها من النبات] (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ) يصل علمه إلى كل دقيق وجليل (خَبِيرٌ) بتدبير عباده وما يصلح لهم. [٦٤] (لَهُ مَا فِي السَّمَاءَ اء-، مَمَا فِي الْأَرْضِ) خلقًا وملكًا صفحة 340 وتصرُّفًا، وكلهم محتاجون إلى رزقه (وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ) فلا يحتاج إلى شيء {الْحَمِيدُ)) المستوجب للحمد في كل حال. [٦٥] ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ) من الدواب والشجر والأنهار وجعله لمنافعهم (وَالَّفُلْكَ) أي: وسخر لكم السفن في حال جريها في البحر (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ) وذلك بأنه خلقها على صفة مستلزمة للإمساك (إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) أي: كثير الرأفة والرحمة حيث سخر هذه الأمور لعباده. [٦٦] (وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ) بعد أن كنتم جمادًا ( ثُمَّ يُمِيتُكُمْ) عند انقضاء أعماركم (ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) عند البعث للحساب والعقاب (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ) أي: كثير الجحود النعم اللّٰه عليه مع كونها ظاهرة غير مستترة، [ومن ذلك إنكاره قدرة اللّه على الإحياء بعد الموت، مع أنه يعرف كيف كان عدما فخلقه اللّٰه بشرًا سويًّا، ثم نشَّأه وربَّاه بنعمه ]. [٦٧] (لِكُلِّ أُمَةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا) أي: لكل قرن من القرون الماضية وضعنا شريعة خاصة بحيث لا تتخطى كل أمة شريعتها الخاصة بها إلى غير شريعتها (هُمْ نَاسِكُوهُ) أي: تلك الأمة هي العاملة به لا غيرها، فكانت التوراة منسك الآمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى، والإنجيل نسك الأمة التي من مبعث عيسى إلى مبعث محمد وَاليه، والقرآن منسك المسلمين. وقيل: المنسك: موضع أداء الطاعة، وقيل: هو الذبائح (فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ) وذلك موجب لعدم منازعة من بقي منهم لرسول اللّٰه وَلاليه ومستلزم لطاعتهم إياه في أمور الدين [فإن الإسلام شريعة الوقت منذ بعثة محمد الخي (وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ) أي: وادعُ هؤلاء المنازعين، أو ادع الناس إلى دين اللّٰه وتوحيده والإيمان به (إِنَّكَ لَعَلَى هُدى مُسْتَقِيمِ) أي: طريق لا اعوجاج فيه. [٦٨] (وَإِنْ جَادَلُوكَ) أي: وإن أَبَوْا إلا الجدال بعد ظُهُورِ الحجة عليهم (فَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ) أي: فو كِل أمرهم إلى الله، وقل لهم هذا القول المشتمل على الوعيد. [٦٩] (اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: بين مسلمين والكافرين (فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) من أمر الدين، فيتبين حينئذ الحق من الباطل. [٧٠] (أَلَمْ تَعْلَمْ) أي: قد علمت يا محمد وتيقنت ( أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) ومن جملة ذلك ما أنتم فيه ختلفون (إِنّ ذَلِكَ) الذي في السماء والأرض من معلوماته (فِي كِتَابِ) أي: مكتوب ١٠ . «انَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ) أي: إن إحاطة علمه بما في السماء والأرض يسير عليه. [أخرج أبو داود وغيره عن عبادة بن الصامت أن النبي وَاليّي قال: ((إن أول ما خلق اللّٰه القلم، فقال له: اكتب. فقال: ربِّ وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة» ]. [٧١](وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَمْ يُنَزَّلْ بِهِ سُلْطَانًا) يعبدون أصنامًا لم يتمسكوا في عبادتها بحجة نيرة من اللّٰه سبحانه (وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمُ) من دليل عقل يدلُّ على جواز ذلك بوجِه من الوجوه، أو بنقل يأثرونه عن اللّٰه أو عن رسله {وَمَا لِلظَالِمِينَ مِنْ نَصِيرِ) ينصرهم، ويدفع عنهم عذاب الله. ٧٢] ( تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ) وهو غضبهم وعبوسهم عند سماعها، وقيل: هو التجبر والترفع (يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ) أي: يبطشون جم بضرب، او شتم، أو أخذ باليد. وأصل السطو: القر قل أفانبَئَكُمْ* أي: أأخبركم {بشرِّ مِنْ ذَلِكُمُ) الذ; فيكم من الغيظ على من يتلو عليكم آيات الله. وهو (النَّارُ) التي أعدَّها اللّٰه لكم {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) أي: الموضع الذي تصيرون ٥ ١١،، هو النار. صفحة 341 [٧٣] (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌّ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ) [ كأنه قال: سأضرب لكم ولمن تدعونه غير اللّٰه مثلاً ذا دلالة عميقة فاستمعوا له وتعقَّلوه] (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) وهي الأصنام (لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا) لن يقدروا على خلقه مع كونه صغير الجسم حقير الذات (وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) أي: ولو اجتمع العابدون والأصنام كلها، فلن يستطيعوا خلق ذبابة واحدة (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذَّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ) أي: إذا أخذ منهم الذباب شيئًا من الأشياء [التي يأكلها من طعامهم] لا يقدرون على تخليصه منه. وإذا عجزوا عن خلق هذا الحيوان الضعيف، وعن استنقاذ ما أخذه عليهم، فهم عن غيره، مما هو أكبر منه جرمًا، وأشد منه قوة، أعجز وأضعف (ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) قال ابن عباس: الطالب: الصنم والمطلوب: الذباب. [ويحتمل أن المراد: المطلوب وهي الأصنام عاجزة، فأعجز منها الطالب منها، وهم الذين يدعونها من المشركين فما أضعفهما جميعًا وهذه حالهما!]. [٧٤] (مَا قَدَرُوا اللهَ حَقِّ قَدْرِهِ) أي: ما عظموه حق العاجزة شركاء له مع كون حالها هذا الحال (إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) بخلاف آلهة المشركين. ٧٥] اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً) كجبريل وإسرافيل وميكائيل (و) يصطفي أيضا رسلًا {مِنَ النَّاسِ) وهم الأنبياء، فيختار من الملائكة فيرسل الملك إلى النبي، والنبي إلى الناس. [٧٦] ( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ) [ أي: يعلم ما يفعله رسله من الملائكة ومن الناس، فلا يقدرون على كتم شيء مما أمرهم بتبليغه، ولا بتبليغ شيء لم يأمرهم به] وقيل المراد: يعلم ما قدَّمه الناس من أعمال الخير والشر وما أخروه. [٧٧] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) أي: صلوا الصلاة التي شرعها اللّٰه لكم (وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ) أي: افعلوا جميع أنواع العبادة التي أمركم اللّٰه بها (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ) أي: ما هو خير، وأهمه الفرائض، ثم النوافل، [ومن خير الخير نفع الناس] (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي: نكونوا من الفائزين برحمة اللّٰه ورضوانه يوم القيامة. (وجَاهِدُوا فِي اللهِ) أي: في سبيله وهو الغزو للكفار، ومدافعتهم إذا غزوا بلاد المسلمين (حَقَّ جِهَادِهِ) أي: جهادًا خالصًا لله لا تخافوا في اللّٰه لومة لائم (هُوَ اجْتَبَاكُمْ)) أي: اختاركم لدينه أيها المسلمون مَمَا حَمَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) أي: من ضيق وشدَّة، فرخص لكم في النساء مثنى وثلاث ورباع وملك اليمين، وقصر الصلاة والإفطار للمسافر، والصلاة بالإيماء على من لا يقدر على غيره، وما جعل عليهم حرجًا بتكليفهم ما يشق عليهم، وجعل لهم من الذنب مخرجًا بفتح باب التوبة، وقبول الاستغفار، والتكفير فيما شرع فيه الكفارة والأرش، وغير ذلك من الرخص ( مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ) أي: اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم (هُوَ) أي: إن اللّٰه (سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) أي: في الكتب المتقدِّمة وقيل: المراد: سماهم بذلك إبراهيم بقوله: (وَمِنْ ذُرَّيِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) (وَفِي هَذَا أي: سُمِّيتم المسلمين في القرآن (لِبَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ) أي: بتبليغه إليكم (وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) أن رسلهم قد بلغتهم، أو المراد: تكونون شهداء يوم القيامة على الأمم التي تبلّغونها دين اللّٰه (فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَأتُوا الزَّكَاةَ) وتخصيص الخصلتين بالذكر لمزيد شرفهما (وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ) أي: اجعلوه عصمة لكم مما تحذرون، والتجئوا إليه في جميع أموركم (هُوَ مَوْلَاكُمْ) أي: ناصركم ومتولي أموركم (فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) أي: لا ممائل له في الولاية لأمورك . .ا:م رة على أعدائكم. صفحة 342 تفسير سورة المؤمنون [١ ](قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) أي: فاز المؤمنون الجامعون للصفات التالية وأنجحوا. [٢] (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ) الخشوع: التواضع لله والتذلل، وقيل: السكون وترك العبث. [٣] (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ) اللغو: هو كل باطل ولهو وهزل ومعصية، وما لا يجمل من القول والفعل، وإعراضهم عنه: تجنبهم له وعدم التفاتهم إليه. [٤] (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ) المراد بالزكاة هنا: الصدقات وكل ما نَفَعْتَ به مسلمًا. [٥] (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ) ممسكون لها بالعفاف عما لا يحلٍ لهم. [٦] إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ) المعنى: أنهم يلامون في إطلاق ما حظر عليهم، فأمروا بحفظه إلا على زوجاتهم، فلا يلامون على الاسترسال معهن، وليس عليهم حفظ فروجهم عنهن (أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ) [من الإماء ملكًا خالصًا، أي: فيحل لهم التسرِّي بهن ما لم يمنع مِن ذلك مانع شرعي، كأن تكون أخته من الرضاعة] (فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) في عدم حفظ فروجهم عن أزواجهم، ولا عما ملكت أيمانهم، ويلامون إن انطلقوا فيما عدا ذلك. [٧] (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأْولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) فمن تجاوز زوجتِه أو مملوكته إلى غيرها فهو معتدٍ ظالم آثم. [٨] وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) الأمانة: ما يؤتمنون عليه [مما لا إثبات فيه ولا حجة عليه إلا شهادة اللّٰه تعالى، فالمستودع مؤتمن، والمدين الذي ليس عليه حجة مؤتمن، والآب والولي في صغاره مؤتمن، وأولياء الأمور في رعاياهم مؤتمنون، والمؤمن في صلاته وصيامه وطهارته مؤتمن] والعهد: ما يعاهدون عليه من جهة اللّٰه سبحانه، أو جهة عباده، ومعنى راعون: أي: حافظون. [٩] ( وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) بإقامتها في أوقاتها، وإتمام ركوعها وسجودها وقراءتها، والمشروع من أذكارها. [ ١٠] ( أَوِلَتِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ) أي: الأحقاء بأن يكونوا الوارثين. [١١] الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ) وهو أوسط الجنة وأعلاها، يرثونه: أي يستحقونه، وقيل المعنى: أنهم يرثون من الكفار منازلهم في الجنة؛ لأنه سبحانه خلق لكل إنسان منزلًا في الجنة ومنزلًا في النار، والله أعلم (هُمْ فِيهَا خَالِدُون) يدومون فيها لا يخرجون منها ولا يموتون فيها. [١٢] (مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينِ) أي: من نطفة مستخرجة من الإنسان، وأصله من الطين الذي خلق منه آدم أبو البشر. [١٣] (ثُمَّ جَعَلْنَهُ) باعتبار ا ل م ب م (نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ) وهو الرَّحِم. [١٤] {ثَمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً) أحال النطفة البضاء علقة حمراء ( فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً) أي: قطعة لحم غير مخلقة، ثم تكون مخلّقة في طور لاحق (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا ) متصلبة لتكون عمودًا للبدن على أشكال مخصوصة (فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ) أي: أنبت اللّٰه سبحانه على كل عظم لحمًا على المقدار الذي يليق به ويناسبه ( ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) أي: نفخنا فيه الروح بعد أن كان جمادًا، وأخر جناه إلى الدنيا مع تكميل القوى المخلوقة فيه (فَتْبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) أي: استحق التعظيم والثناء بأنه أتقنُ الصانعين المقدرين. [١٥] (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيَّتُونَ) بعد تلك الأمور صائرون إلى الموت لا محالة. [١٦ ] (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) من قبوركم إلى المحشر للحساب والعا. . صفحة 343 [١٧](وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ) هي السماوات طرق بعضها فوق بعض (وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ) وما كنا عن هذه السبع الطرائق وحفظها بغافلين، وحفظنا من في الأرض أن تسقط السماء عليهم فتهلكهم، أو تميد بهم الأرض. ١٨]وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) ماء المطر، فإنه به حياة الأرض وما فيها من الحيوان (بِقَدَرٍ) بتقدير منا، أي: بمقدار يكون به صلاح الزرائع والثمار، فإنه لو كثر لكان به هلاك ذلك (فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ) جعلناه مستقرًّا فيها ينتفعون به وقت حاجتهم إليه كالماء الذي يبقى في [الينابيع والمياه الجوفية] والغدران ونحوها (وَإِنَّا عَلَى ذَهَابِ بِهِ لَقَائِرُونَ) أي: كما قدرنا على إنزاله فنحن قادرون على أن نذهب به بوجه من الوجوه. [١٩] (فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ) أي: بساتين ملتفّة أشجارها لقوِّتها تُجنُّ ما تحتها، أي: تستره (لَكُمْ فِيهَ فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ) من الرمان والتين والتفاح ونحوها، ممَّا يست بقوت لهم ولا طعام ولا إدام. [٢٠] (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) أي: تنبت ثمرها وفيه الدهن وهو زيت الزيتون (وَصِبْغٍ لِلْاَكِلِينَ) وهو زيت الزيتون نفسه؛ لأنه يصطبغ به، وكلّ إدام يؤتدم به فهو صبغ وصباغ. [٢١] (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً) يستدلُّ بخلقها وأفعالها على عظيم القدرة الإلهية (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا) وهو اللبن (وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ) في ظهورها وأولادها وأصوافها وأشعارها. [٢٢](وَعَلَيْهَا) وهي الإبل خاصة من دون باقي الأنعام من البقر والغنم، وهي غالب ما يكون الركوب عليه في البرِّ [في أيام نزول القرآن] (وَعَلَى الْفُلْكِ) السفن ( تُحْمَلُونَ) تتميمًا للنعمة وتكميلًا للمنة. [٢٤] (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ) أي: قال أشراف قومه الذين كفروا به: (مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) أي: من جنسكم في البشرية، لا فرق بينكم وبينه (يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ ) أي: بادعائه النبوَّة (وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً)) أي: لو شاء اللّٰه إرسال رسول لأرسل ملائكة (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ) أي: بمثل دعوة هذا المدَّعي للنبوَّة من البشر. [٢٥] (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ)) أي: جنون، فهو لا يدري ما يقول (فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينِ) أي: انتظروا به حتى يستبين أمره، بأن يفيق من جنونه فيترك هذه الدعوى، أو حتى يموت فتستريحوا منه، ذا . ا سمع نوح التَات كلام قومه، وعرف تماديهم على الكفر وإصرارهم عليه طلب من اللّه إهلاكهم، وكان اللّٰه تعالى قد أوحى إليه (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ) فدعا عليهم. [٢٦] (قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي) عليهم فانتقم منهم بما تشاء وكيف تريد (بِمَا كَذّبُونِ) أي: بسبب تكذيبهم إياي. [٢٧] ( فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ) وهو السفينة (بأَعْيُنِنَا) بحفظنا وكلاءتنا (وَوَحَّيِنَا) تعليمنا إياك لكيفية صنعها (فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا) بالعذاب (وَفَارَ التَّنُّورُ) [والتنور: بيت النار الذي ينضج فيه الخبز، جعل فوران الماء فيه علامة بدء الطوفان] أي: إذا وقع ذلك (فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) أي: أدخل في السفينة من كلِّ أمَّة من أمم الحيوان زوجين ذكرًا وأنثى [وإنما قيل له ذلك؛ لتعود الحياة على الأرض، وتتكاثر الحيوانات فيها بعد الغرق بالطوفان] (وَأَهْلَكَ) أي: واسلك أهلك (إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ ) أي: القول من اللّٰه تعالى بإهلاكه منهم (وَلَا تُخَاطِبْني فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا) بالدعاء لهم بإنجائهم {إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) إنهم مقضي عليهم بالإغراق لظامه . صفحة 344 [٢٨](فَإِذَا اسْتَوَيْتَ) علوت (أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ) من أهلكِ وأتباعك (عَلَى الْفُلْكِ) راكبين عليه (فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ) أي: حال بيننا وبينهم، وخلصنا من ظلمهم وشرورهم فأهلكم بقدرته وعزَّته. [٢٩] (وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلَا مُبَارَكًا) أي: أنزلني في السفينة، أمره اللّٰه سبحانه بأن يقول هذا القول عند دخوله السفينة، وقيل: عند خروجه منها (وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ) هذا ثناء منه على اللّٰه وعجّل إثر دعائه له. [٣٠] {إِنَّ فِي ذَلِكَ) مما قصه اللّٰه علينا من أمر نوح لَالر (لآيَاتٍ) لدلالات على كمال قدرته سبحانه (وَإِنْ كُنَّا لَمُيْتَلِينَ) آي: لمختبرين لهم بإرسال الرسل إليهم، ليظهر المطيع والعاصي من الناس. [٣١] (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ) أي: من بعد إهلاكهم، قال: أكثر المفسرين: هم عاد قوم هود. [٣٢] ( فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ)) نشأ فيهم بين أظهرهم، ليكون سكونهم إلى قوله أكثر من سكونهم إلى من يأتيهم من غير مكانهم ( أَنِ اعْبُدُوا اللَهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهِ غَيْرُهُ)) أي: دعاهم إلى رأس ما دعا إليه الرسل أقوامهم من عبادة اللّٰه وتوحيده وإخلاص الدين له (أَفَلَا تَتَّقُونَ) أي: أفلا تخافون اللّٰه تعالى فتتركوا عبادة غيره والإشراك به الذي يؤدي بكم إلى عذابه. [٣٣] (وَقَالَ الْمَلَأْ مِنْ قَوْمِهِ) أي: أشرافهم وقادتهم ( الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ) بما في الآخرة من الحساب والعقاب (وَأَتْرَفْنَاهُمْ) أي: وسعنا لهم نعم الدنيا فبطروا (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) من كثرة الأموال ورفاهة العيش (يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ) وذلك يستلزم عندهم أنه لا فضل له عليهم. [٣٤] (وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ) فيما ذكر من الأوصاف (إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ) أي: مغبونون بترككم آلهتكم واتباعكم إياه من غير فضيلة له عليكم، ولم يَرَوا أنه بالإمكان أن يكون الرسول المرسل إليهم بشرًا مثلهم [وهذا من ضلالهم إذ لو سألوا أنفسهم: ما المانع من أن بكون الرسول بشرًا، لما كان لديهم جواب]. [٣٥] (أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ) أي: من قبوركم أحياء كما كنتم بعد أن كان بعض أجزائكم ترابًا، وبعضها عظامًا نخرة لا لحم فيها ولا أعصاب. [٣٦](هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ) أي: بَعُدَ إخراجكم للوعد الذي توعدون بُعدًا كبيرًا. [٣٧] (إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) أي: ما الحياة إلا حياتنا الدنيا، لا الحياة الآخة التي تعدنا بها (نَمُوتُ وَنَحْيَا أي: في الدنيا لا غير. [٣٨] (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا) أي: ما هو فيما يدعيه إلا مفتر للكذب [لا أصل لما يقول]. [٣٩] (قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ) أي: قال نبيُّهم داعيًا ربه عليهم بعد أن علم أنهم لا يصدقونه ألبتة: رب انصرني عليهم وانتقم لي منهم بسبب تكذيبهم إياي. [٤٠] (قَالَ عَمَّا قَلِيل) أي: بعد مدة قليلة من الزمان (لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ) على ما وقع منهم من التكذيب والعناد والإصرار على الكفر. [٤١] ( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ)) صاح بهم جبريل صيحة واحدة مع الريح التي أهلكهم اللّٰه بها فماتوا جميعًا (فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً) أي: كغثاء السيل، وهو الزبد والرغوة الذي يحمله السيل على ظاهر الماء، صيَّرهم هلكى فيبسوا كما يبس الغثاء ( فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [أي هلاكًا لهم]. [٤٢] ثُمَّ أنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ ) أي: من بعد إهلاكهم (قُرُونًا آخَرِينَ) قيل: هم قوم صالح ولوط وشعيب، وقيل: هم بنو إسرائيل [ويحتمل أنهم أمم أخرى غير من قصَّ اللّٰه تعالى علينا أخبارهم من الأنبياء، كما اا 1.-. في (سورة إبراهيم، الآية: ٩) صفحة 345 بعد ذكر قوم نوح وعاد وثمود، قال: (وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللهُ)}. [٤٣] ( مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ) أي: ما تتقدم كل طائفة مجتمعة عن الأجل المكتوب في قرن آجالها المكتوبة لها في الهلاك، ولا تتأخر عنه. [٤٤] (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا) تتواتر واحدًا بعد واحد، ويتبع عضهم بعضًا مرسلين إلى تلك الأمم ( فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا ) أي: في الهلاك بما نزل بهم من العذاب (وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ) وهي ما يتحدث به الناس عنهم [ليس لهم وجود في الدنيا إلا تلك الأحاديث عنهم] (فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) [أي: هلاكاً لهم بلا عودة]. [٤٥](بِآيَاتِنَا) هي التسع المتقدم ذكرها غير مرة، والسلطان المبين: الحجة الواضحة البينة. [٤٦] إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ هم الأشراف منهم ( فَاسْتَكْبَرُ وا) أي: طلبوا الكبر وتكلفوه فلم ينقادوا للحق (وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ) قاهرين للناس بالبغي والظلم، مستعلين عليهم. [٤٧] (فَقَالُوا أَنَؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا)) [أي: أنسلَّم لهما ما يقولان ونتبعهما] (وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ) [كان فرعون جعل بني إسرائيل عبيدًا للمصريين]، وقيل: يحتمل أنه لما كان يدعي الألوهية، أنه دعا بني إسرائيل إلى عبادته فأطاعوه. ٤٨٦] (فَكَذَّبُوهُمَا) أي: فأصروا على تكذيبهم (فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ) بالغرق في البحر . [٤٩](وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) يعني: التوراة (لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) أي: لعل قوم موسى يهتدون بها إلى الحق، ويعملون بما فيها من الشرائع. [٥٠] (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأَمَّهُ آيَةً)) أي: علامة تدل على عظيم قدرتنا، وبديع صنعنا (وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةِ) إلى مكان مرتفع، قيل: هي في أرض دمشق، [وقيل: هي مدينة الناصرة] (ذَاتِ قَرَارٍ) أي: ذات مستقَر يستقر عليه ساكنوه (وَمَعِينٍ) أي: هو الماء الجاري من العيون في تلك الربوة. ٥١] (يَا أيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطََّّبَاتِ) المعنى: وقلنا يا أيها الرسل، والطيبات: ما يستطاب ويستلذ من الحلال (وَاعْمَلُوا صَالِحًا) موافقًا للشرع {إِنِّّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) لا فى ي شيء منه، وإني مجازيكم على حسب أعمالكم. [٥٢] (وَإِنَّ هَذِهِ أَمَّتُكُمْ أَمَّةً وَاحِدَةً) أي: إن هذه ملتكم أيها الرسل ملة واحدة، وهو دعاء جميع الأنبياء إلى عبادة اللّٰه وحده لا شريك له، فالزموه (فَاتَّقُونِ) أي: لا تفعلوا ما يوجب العقوبة عليكم مني،. أ٦ ٠٨* ركوابي غيري. [٥٣] (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا) أي: كُتبًا، أي: جعل أتباع الأنبياء دينهم مع اتحاده قطعًا متفرقة مختلفة، فأصبحوا طوائف، فاتبعت فرقة التوراة، وفرقة الزبور، وفرقة الإنجيل، [وكانٍ أصحاب كل دين فِرَقًّا كل فرقة لها كتب خاصة بها] (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) أي: معجبون به [أي: وكان الواجب اتباع آخر الأنبياء]. [٥٤] (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ) أي: اتركهم في جهلهم وحيرتهم، ولا يضق صدرك بتأخير العذاب عنهم، او حتى يموتوا فيعدبوا في النار [00]{ أَيْحْسَبُونَ أَنَّمَا تُمِدَّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ) أي: أيحسبون أن الذي نعطيهم في هذه الدنيا من الأموال والبنين. ٥٦] (نُسَارِعُ) به (لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ) فيما فيه خيرهم وإكرامهم (بَل لَا يَشْعُرُونَ) أي: كلا لا نفعل ذلك، بل إنما هو استدراج لهم ليزدادوا إثمًا. [٥٧] (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ) [أي: هم لشدة خوفهم من اللّٰه تعالى على وجل دائم]. [٥٨] (وَالَذِينَ هُمْ بِآيَاء-، مَدِّهمْ) المنزلة إليهم (يُؤْمِنُونَ). صفحة 346 ٦٠] (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) أي: يتصدقون وقلوبهم خائفة يظنون أن ذلك لا ينجيهم من عذاب اللّٰه لأنهم إلى ربهم راجعون، وسبب الوجل هو أنهم يخافون ألا يقبل منهم ذلك على الوجه المطلوب. [٦٢] (وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) فمن لم يستطع السجود في الصلاة فيومئ إيماء، ومن لم يستطع الصوم غليفطر، وهذا للتحريض على ما وُصِف به السابقون من فعل الطاعات المؤدِّي إلى نيل الكرامات، ببيان سهولته، وكونه غير خارج عن حدّ الوسع والطاقة (وَلَدَيْنَا كِتَابٌ) قد أثبت فيه أعمال كل واحد من المكلفين على ما هي عليه (يَنْطِقُ بِالْحَقِّ) يظهر به الحق المطابق للواقع من دون زيادة ولا نقص (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) بنقص ثواب أو بزيادة عقاب. [٦٣ ] (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا) أي: بل قلوب الكفار في غفلة عن هذا الكتاب الذي ينطق بالحق، أو عن الأمر الذي عليه المؤمنون (وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ) المعنى: ولهم أعمال رديئة لم يعملوها غير ما هم عليه لا بدَّ أن يعملوها فيدخلون بها النار، لما سبق لهم من الشقاوة لا محيص لهم عن ذلك. [٦٤] (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ) المتنعمين منهم (بِالْعَذَابِ) عذاب الآخرة (إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ) بالصراخ بستغيثون ويُوَلْوِلونِ، ويقال لهم حينئذ: [٦٥] (لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ) يقال لهم هذا لتبكيتهم وإقناطهم وقطع أطماعهم (إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ) إنكم لا بمنعنا أحد من تعذيبكم ولا ينفعكم جزعكم. [٦٦] (قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ) أي: في هذه الدنيا، وهي آيات القرآن (فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ) أي: ترجعون وراءكم معرضين عن سماع القرآن. [٦٧] (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ) أي: بحرم البيت الحرام، اشتهر أهل مكة بالاستكبار به، وافتخارهم بولايته والقيام به، وكانوا يقولون: لا يظهر علينا أحد؛ لأنا أهل الحرم وخدَّامه ( سَامِرًا تَهْجُرُونَ) لأنهم كانوا يجتمعون حول البيت بالليل يسمرون، وكان عامَّة سمرهم ذكر القرآن والطعن فيه، والهجر - بالفتح - الهذيان، أي: تهذون في شأن القرآن. [٦٨] (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ) القرآن، فإنهم لو تدبروا معانيه لظهر لهم صدقه وآمنوا به وبما فيه {أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ) فكان ذلك . ٧١٠. تنكارهم للقرآن؟ [ولو عقلوا لعلموا أن ذلك لخير يراد بهم اختصوا به دون آبائهم]. [٦٩] (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) ومعلوم أنهم قد عرفوه بالصدق، وأنهم لم يجربوا عليه كذبًا قط. ٧٠]أمْ يَقَوْلَونَ بِهِ جِنَّةٌ) أي: جنون، مع أنهم قد علموا أنه أرجح الناس عقلا (بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ) هو الدين القويم (وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُون) لِمَا جُبِلوا عليه من التعصب، أي: وأقلهم كانوا لا يكرهون الحق، ولكنهم لم يظهروا الإيمان خوفًا من الكارهين له. [٧١] (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ ) لو جاء الحق على ما يهوونه ويريدونه (لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيْهِنَّ) المعنى: لو كان الحق ما يقولون من وجود الآلهة مع الله لاختلفت الآلهة، ومثل ذلك قوله: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا) (بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ) أي: بالكتاب الذي هو فخرهم وشرفهم، وقيل: الذكر هو الوعظ والتحذير (فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ) أي: مهملون للأمر الذي لهم فيه أعظ . ال* ف. صفحة 347 [٧٢] ( أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا) أم هل الأمر الذي يصدُّهم عن الإيمان بك أنهم يزعمون أنك تسألهم أجرًا تأخذه على الرسالة، فتركوا الإيمان بك وبما جئت به لأجل ذلك، مع أنهم يعلمون أنك لم تسألهم ذلك ولا طلبته منهم [ حتى الصدقة حرَّمها اللّٰه تعالى على رسوله لئلا يقول قائل: إنه ادَّعى الرسالة لتحصيل المال] (فَخَرَاجُ رَبّكَ خَيْرٌ)) أي: فرزق ربك الذي يرزقك في الدنيا، وأجره الذي يعطيكه في الآخرة خير لك مما ذكر. [٧٤] (وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ) عن طريق الحق لمنحرفون إلى طرق الضلال. ٧](وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرِّ) أي: من فحط وجدب (لَلَجُوا فِي طُغْيَانِهِمْ) أي: لتمادوا في طغيانهم وضلالهم (يَعْمَهُونَ) يتردَّدون ويخبطون. [٧٦](وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ) قيل: هو الجوع الذي أصابهم في سني القحط (فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ) أي: ما خضعوا ولا تذللوا (وَمَا يَتَضَرَّعُونَ)) لا يدعونه بالرغبة في الشدائد. ](حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ قيل. هو عذاب الآخرة، وقيل: قتلهم يوم بدر بالسيف (إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) أي: متحيرون لا يدرون ما يصنعون، والإبلاس: اليأس من كل خير. [٧٨] (قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) قيل: المعنى: أنهم لا يشكرونه ألبتة، لا أن للكفار شكراً قليلاً. ٧٩] (وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ) أي: بثكم فيها كما تبث الحبوب لتنبت (وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) أي: تجمعون يوم القيامة بعد تفرِقكم. [٨٠]وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) على جهة الانفراد والاستقلال (وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) أي: يختلفان في الإضاءة والإظلام والطول والقصر، وقيل اختلافهما: تكرُرهما يومًا بعد يوم، وليلة بعد ليلة ( أَفَلَا تَعْقِلُونَ) كُنْهَ قُدْرَتِه، وتتفكرون في ذلك. [٨١] (بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ) أي: آباؤهم والموافقون لهم في دينهم، أو المراد: الأمم السابقة. [٨٢] (قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) مجرَّد استبعاد لم يتعلقوا فيه بشيء من الشبه، [وإلا فلا العلم يمنع ذلك، ولا العقل يأباه]. [٨٣] ( لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ) أي: وُعِدنا هذا البعث، ووُعِدَه آباء :7 1ذا انرهم بُعِثُوا] (إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) أي: ما هذا إلا أكاذيب الأوَّلين التي سطروها في الكتب. [٨٥](سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) أي: لا بدَّ لهم أن يقولوا ذلك (قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) [أي: إن كنتم مقرين أنها لله تعالى وأنه الخالق لها الت يها لم تعبدون معه آلهة أخرى تعلمون أنها لا تملك شيئًا؟]. [٨٧](سَيَقُولُونَ لِلَوِ) [أي: السماوات كلها لله وهو ربها](قُلْ) يا محمد (أَفَلَا تَتَّقُونَ) [أي: ما دمتم تعلمون أن آلهتكم ليس لها ملك شيء مما في السماوات فلم تصرفون إليها العبادة التي يستحقّها اللّٰه وحده]. [٨٨] (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) الملكوت: الملك (وَهُوَ يُجِيرُ) يغيث غيره إذا شاء ويمنعه (وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ) أي: لا يمنع أحد أحدًا من عذاب الله، ولا يقدر على نصره وإغاثته من اللّٰه. [٨٩] (قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) كيف يخيل لكم الحق باطلًا، والصحيح فاسدًا، [فعبدتم غير الله، مع وضوح الحق، كأن ساحرًا سحر ،. فأخذ عقولكم]. صفحة 348 [٩١] (إِذَّا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ) أي: لو كان مع اللّه آلهة لا نفرد كل إله بخلقه واستبد به، وامتاز ملكه عن ملك الآخر، ووقع بينهم التطالب والتحارب والتغالب (وَلَعَلَا نَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) أي: غلب القويُّ على الضعيف وقهره، وأخذ ملكه كعادة الملوك من بني آدم، وحينئذ فذلك الضعيف المغلوب لا يصلح أن يكون إلهًا، وإذا تقرر عدم إمكان المشاركة في الربوبية، وأنه لا يقوم بها إلا واحد، تعيَّن أن يكون هذا الواحد هو اللّٰه تعالى. [٩٢] (عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) أي: هو مختصَّ بعلم الغيب والشهادة، وأما غيره فهو وإن علم الشهادة لا يعلم الغيب (فَتَعَالَى) اللّٰه (عَمَّا يُشْرِكُونَ) والمعنى: أنه سبحانه متعال على أن يكون له شريك في الملك. [٩٣] (قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ) أي: إن كان ولا بدَّ يارب أن تجعلني أرى ما تعدهم به من العذاب الذي يهلكهم. [٩٤] (رَبِّ فَلَا تَجْعَلَنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أي: إن أنزلت بهم النقمة يا ربّ فاجعلني خارجًا عنهم، [أرى عذابهم من بعيد، ولكن لا ينالني منه شيء؛ لأنني مؤمن بك مصدق بمواعيدك]. [٩٥] (وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِلُهُمْ لَقَادِرُونَ ) أي: إن اللّٰه قادر على أن يري رسوله عِذابهم، ولِكنه يؤخره لعلمه بأن بعضهم سيؤمن. ٩٦] (ادْفَعْ بِالَتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّيَّةَ) أي: ادفع بالخصلة التي هي أحسنِ من غيرها، وهي الصفح والإعراض عما يفعله الكفار (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ) أي: ما يصفونك به مما أنت على خلافه، أو بما يصفون من الشرك والتكذيب. [٩٧] (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الثَّيَاطِينِ) نزغاتهم ووساوسهم [ وفي الحديث: ((هَمْزُهِ المُوتَةُ» أي: الجنون]. [٩٨] (وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ) فإنهم إذا حضروا الإنسان لم يكن لهم عمل إلا الوسوسة والإغراء على الشر والصرف عن الخير. [٩٩] (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ) أي: قال: أرجعني أرجعني، أرجعني. [١٠٠] (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا) في الدنيا إذا رجعت إليها من الإيمان وما يتبعه من أعمال الخير ( كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا) [أي: مجرد كلمة يقولها] ولو أجيب إلى ذلك لما حصل منه الوفاء (وَمِنْ وَرَائِهِمْ ) أي: من أمامهم وبين أيديهم (بَرْزَخٌ) أي: حاجز بين الموت والبعث (إِلَى يَوْم يُبْعَثُونَ) هو يوم القيامة، [فهم في هذه الفترة البرزخية مُرْجَأون لامر اللّٰه ة ة. . هم لا يستدركون ما فاتهم من العمل، ولا يقدرون أن يصلحوا ما أفسدوه]. [١٠١ ](فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ) هي النفخة الثانية، والصور: هو القَرْن الذي يُنفخ فيه لقيام الساعة (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ) أي: لا يتفاخرون بالأنساب، ولا يذكرونها، ولن تفيدهم يومئذ شيئًا (وَلَا يَتَسَاءَلُونَ» أي: لا يسأل بعضهم بعضًا، فإن لكل واحدٍ منهم إذ ذاك شغلًا شاغلاً. [١٠٢ ] (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ) أي: موزوناته من أعماله الصالحة (فَأَولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) أي: الفائزون بمطالبهم المحبوبة، الناجون من الأمور التي يخافونها. [١٠٣ ] (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ) أي: خفَّت موزوناته من الأعمال الصالحة في مقابلة ما له من السيئات ( فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) أي: ضيعوها وتركوا ما ينفعها. ١٠٤](تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ) اللفح: الإحراق، وخصَّ الوجوه لأنها أشرف الأعضاء (وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ) الكالح: الذي قد تشمرت شفتاه وبدت أسنانه، من التعب والألم. ١٠٦] (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا) أي: غلبت علينا لذاتنا وشهواتنا، فسمى ذااء. ثقوة؛ لأنه يؤول إلى الشقاء. صفحة 349 ١٠٧٦] رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا) إلى ما كنا عليه من الكفر (فَإِنَّا ظَالِمُونَ) لأنفسنا بالعود إلى ذلك، [طلبوا الرجوع إلى الدنيا بعد دخول النار كما طلبوه عند الموت]. [١٠٨](قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا) تباعدوا تباعُدَ سخط، كما يقال للكلب، إذا اقترب من الأشياء الطاهرة: اخسأ. [١٠٩ ](إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي) وهم المؤمنون يدعون اللّٰه بالرحمة والمغفرة ويعترفون بصفاته العُلى. [١١٠] ( فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا) أي: هزوًا بالقول (حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي) أي: نسيتم ذكر اللّٰه لشدة اشتغالكم بالاستهزاء. ١(إنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) أي: جازيتهم على صبرهم بفوزهم اليوم. ١١٢] (قَالَ كَمْ لَبِثتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ) لما سألوا الرجوع إلى الدنيا [سألهم ذلك ليبيِّن لهم أنهم قد عمَّروا فيها ما يتذكر فيه من تذكَّرَ وإن كان قليلاً بالنسبة إلى الآخرة]. [١١٣] (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) استقصروا مدَّة لبثهم في الدنيا لما هم فيه من العذاب الشديد (فَاسْألِ الْعَادِّينَ) أي: المتمكنين من معرفة العدد، نسوا عدد السنين لما نالهم من الهول. [١١٤] (قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا) أي: ما لبثتم في الأرض إلا لبثًا قليلًا ( لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) شيئًا من العلم لعلمتم اليوم قلة لبثكم في الأرض، أي: ولشغلتم أنفسكم بطاعة اللّٰه استعداداً ليوم القيامة. [١١٥] (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًّا) أي: للإهمال، كما خلقت البهائم، ولا ثواب ولا عقاب؟ (وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) بالبعث والنشور فنجازيكم بأعمالكم. [١١٦](فَتَعَالَى اللهُ) أي: تنزَّه عن أن يخلق شيئًا عبثا (الْمَلِكُ) الذي يحق له الملك على الإطلاق (الْحَقُّ) وملك غيره زائلٌ فان (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) فكيف لا يكون إلهًا وربًّا لما هو دون العرش الكريم من المخلوقات. [ ١١٧](لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ) البرهان: الحجة الواضحة، والدليل الواضحِ، وليس هناك ربُّ آخر غير اللّٰه عليه برهان. [١١٨] (وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) آمره سبحانه بالاستغفار لتقتدي به آمته تفسير سورة النور [١](سُورَةٌ) أي: هذه س؟ . . أَزَلْنَاهَا) والسورة عبارة عن آيات مسرودة لها مبدأ ومختم (وَفَرَضْنَاهَا)) أوجبناها وألزمناكم العمل بأحكامها (وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) أي أنزلنا في غضونها وتضاعيفها، وتكرير ((أنزلنا) لكمال العناية بإنزال هذه السورة، لما اشتملت عليه من الأحكام. [٢] (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا)) الزنى: هو وطء الرجل للمرأة من غير عقد زواج بينهما، والزانية: هي المرأة المطاوعة للزنى، الممكنة منه، لا المكرهة (فَاجْلِدُوا) الجلد: الضرب بالسوط أو العصا، يقال: جلده إذا ضرب جِلْدَه (مِائَةَ جَلْدَةٍ) هو حد الزاني البكر، وكذلك الزانية، وثبت بالسنة زيادة تغريب عام، وأما من كان محصنًا من الأحرار فعليه الرجم بالسنة الصحيحة المتواترة، وهذه الآية ناسخة لآية الحبس، وآية الأذى اللتين في سورة النساء (الآيتان ١٦ ،١٥) والخطاب في هذه الآية للأئمة، ومن قام مقامهم، وقيل: للمسلمين أجمعين، والإمام ينوب عنهم (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ) الرأفة: الرقة والرحمة، وقيل: هي أرق الرحمة (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) أي: إن ٢.. صمدقون بالتوحيد والبعث صفحة 350 الذي فيه جزاء الأعمال فلا تعطلوا الحدود (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أي: ليحضره فرقة من المسلمين زيادة في التنكيل بهما، وشيوع العار عليهما، وإشهار فضيحتهما، [وليتمَّ النَّكال والرَّدع عن الفاحشة باشتهار الأمر]. [٣] (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) أي: إن غالب الزناة أن الواحد منهم لا يرغب إلا في الزواج بزانية مثله، وغالب الزواني لا ترغب الواحدة منهن إلا في الزواج بزان مثلها، والمقصود: زجر المؤمنين عن نكاح الزواني بعد زجرهم عن الزنى، وهذا أرجح الأقوال (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى المُؤْمِنِينَ) أي: نكاح الزواني والمشركات؛ لما فيه من التشبه بالفسقة، والتعرض للتهمة، واحتمال أن تدخل عليه ولدًا ليس منه، فلا يحل للمسلم العفيف أن يتزوج امرأة غير عفيفة وهو يعلم، ولا يحل للمرأة العفيفة أن تتزوَّج رجلًا فاجرًا وهي تعلم. [٤] (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) ويسمى هذا الشتم بهذه الفاحشة الخاصة قذفًا، والمراد بالمحصنات: النساء العفيفات المؤمنات، وخصهن بالذكر؛ لأن قذفهن أشنع، والعار فيهن أعظم، ويلحق الرجال بالنساء في هذا الحكم بلا خلاف بين علماء هذه الأمة، والمراد بالمحصنات هنا: العفائف، وللعلماء في الشروط المعتبرة في المقذوف والقاذف أبحاث مطولة مستوفاة في كتب الفقه، ولا حد على من قذف كافرًا أو كافرة ( ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء) أي: يشهدون بوقوع الزنى منهن، وإذا لم تكمل الشهود أربعة كانوا قَذَفَة يحدون حد القذف، وقد وقع في خلافة عمر وال يَه أن جلد الثلاثة الذين شهدوا على المغيرة بالزنى (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) [أي إجلدوا كل واحد منهم هذا العدد] (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا) أي: فاجمعوا لهم بين الأمرين: الجلد، وترك قبول الشهادة (وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) والفسق: هو الخروج عن طاعة اللّٰه فتطبقِ على القاذفين أحكام الفُسَّاق. [٥] (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) من بعد اقترافهم لذنب القذف (وَأَصْلَحُوا) أعمالهم التي من جملتها ذنب القذف، وتداركوا ذلك بالتوبة والانقياد للحد، فإن تاب القاذف قبلت شهادته وزال عنه الفسق، [ولا يرتفع الحد بالتوبة] وتوبة القاذف لا تكون إلا بأن يقرَّ بأنه كَذَب في ذلك القذف الذي وقع منه وأقيم عليه الحد بسيبه (فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ولذلك لم يؤاخذ القاذف بعد التوبة، و. ذ اكم قبول شهادته. [٧ ،٦] (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ) يشهدون بما رموهن به من الزنى (فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ) أي: فشهادة أحدهم التي تزيل عنه حد القذف أن يشهد أربع مرات {بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ) فيما رماها به من الزنى، ثم يشهد (وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) أي: فيما رماها به من الزنى. [٨] (وَيَدْرَأَ عَنْهَا) أي: عن المرأة (الْعَذَابَ) وهو الحد {أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ) والمعنى: أنه يدفع عن المرأة الحد شهادتها أربع شهادات بالله: إن الزوج ( لَمِنَ الْكَاذِبِينَ). [٩] (وَالْخَامِسَةَ) أي: أن تشهد الخامسة (أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ) الزوج (مِنَ الصَّادِقِينَ) فيما رماها به من الزنى، وتخصيص الغضب بالمرأة للتغليظ عليها؛ لكون الإغراء بالزنى من جهتها في الغالب. [١٠] (وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ تَوَّابٌ) يعود على من تاب إليه، ورجع عن معاصيه بالتوبة عليه، والمغفرة له ( حَكِيمٌ) فيما شرع لعباده من اللعان، وفرض عليهم من الحدود، أي: لولا ذلك لذاا . الكاذب منهما عذاب عظيم. صفحة 351 [١١](إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ) الإفك: الكذب والبهتان، والمراد به هنا: ما وقع من الإفك على عائشة أم المؤمنين، أخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم حديث عائشة الطويل في سبب نزول هذه الآيات، وحاصله: أنها خرجت من هودجها تلتمس عقدًا لها انقطع، فرحلوا وهم يظنون أنها في هودجها، فرجعت وقد ارتحل الجيش والهودج معهم، فأقامت في ذلك المكان، ومر بها صفوان بن المعطل، وكان متأخرًا عن الجيش فأناخ راحلته، وحملها عليها، فلما رأى ذلك أهل الإفك اتهموها بالفاحشة، وقالوا ما قالوا، فبرأها اللّٰه مما قالوه ( عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) وهم عبد اللّٰه بن أُبَي رأس المنافقين، وزيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، ومن ساعدهم (لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) يحصل لكم به الثواب العظيم مع بيان براءة أم المؤمنين، وصيرورة قصتها هذه شرعًا عامَّا (لِكُلِّ امْرِئ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ) أي: بسبب تكلمه بالإفك (لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) بسب عمله السيئ. [١٢] (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنَّفُسِهِمْ خَيْرًا) أي: كان ينبغي للمؤمنين حين سمعوا مقالة أهل الإفك أن يقيسوا ذلك على أنفسهم، فإن كان ذلك يبعد منهم، فهو من أم المؤمنين أبعد، روي أن امرأة أبي أيوب الأنصاري قالت له حين قال أهل الإفك ما قالوا: ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى، وذلك الكذب، أكنت أنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله، قال: فعائشة والله خير منك وأطيب، إنما هذا كذب وإفك باطل (وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينُ) كذب ظاهر. [١٣](لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بأرْبَعَةِ شهَدَاءَ هلا جاء الخائضون بأربعة شهداء يشهدون على ما قالوا (فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ) أي: الخائضون في الإفك ( عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) أي: في حكم اللّٰه تعالى: هم الكاذبون الكاملون في الكذب. [١٤] (فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ) أي: لولا أني قضيت لكم بالفضل في الدنيا بالنعم التي من جملتها الإمهال، والرحمة في الآخرة بالعفو، لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك، ولكن برحمته ستر عليكم في الدنيا، ويرحم في الآخرة من أتاه تائبًا. ١٥] إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ) يرويه بعضكم عن بعض، وذلك أن الرجل منهم يلقر ١١ -ل فيقول: بلغني كذا وكذا، ويتلقونه تلقيًا عن غير تحقق (وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) أي: إن قولهم هذا مختص بالأفواه، من غير أن يكون واقعًا في الخارج، ناشِئًا عن رؤية أو خبر صحيح (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا) أي: شيئًا يسيرًا لا يلحقكم فيه إثم (وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ) أي: عظيم ذنبه وعقابه. [١٦] (وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا هذا عتاب لجميع الذين خاضوا في إشاعة الإفك من المؤمنين: أي هلا إذ سمعتم حديث الإفك قلتم تكذيبًا للخائضين فيه، المفترين له: ما ينبغي لنا ولا يمكننا أن نتكلم بهذا الحديث، ولا أن يصدر ذلك منا بوجه من الوجوه (سُبْحَانَكَ) للتعجب من أولئك الذين جاءوا بالإفك (هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) والبهتان: هو أن يقال في الإنسان ما ليس فيه. [١٩] (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ) أن يفشو الزنا وينتشر {فِي الَّذِينَ آمَنُوا) هم المحصنون العفيفون من أهل الإيمان (لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا) بإقامة الحد عليهم (وَالآخِرَةِ) بعذاء ، ١:١١. . صفحة 352 [٢٠] (وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) أي: لعاجلكِم بالعقوبة. [٢١] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) لا تتبعوا مسالك الشيطان ومذاهبه، ولا تسلكوا طرائقه التي يدعوكم إليها (وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ ) أي: الشيطان (يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) والفحشاء: ما أفرط فبحه، والمنكر: ما ينكره الشرع، ومن اتبع الشيطان صار مقتديًا به، يطيعه فيما يأمر به (مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًّا) ما طهر منكم نفسه من دنسها ما دام حيًّا (وَلَكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) أي: من عباده بالتفضل عليهم والرحمة لهم. [٢٢] (وَلَا يَأْتَلِ) أي: لا يحلف ( أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ) [المراتب العالية والغنى] أخرج ابن المنذر عن عائشة قالت: كان مسطح بن أثاثة ممن تولى كبره من أهل الإفك، وكان قريبًا لأبي بكر، وكان في عياله، فحلف أبو بكر ألا ينيله خيرًا أبدًا، فأنزل اللّٰه هذه الآية، قالت: فأعاده أبو بكر إلى عياله، وكفر عن يمينه ( أَنْ يُؤْتُوا أَولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ) [أي: وكان مسطح قرابة لأبي بكر، مهاجرًا مسكينًا، وكل من هذه الأوصاف الثلاثة تستدعي المعونة، وإن وقع منه ما وقع] (وَلْيَعْفُوا) عن ذنبهم الذي أذنبوه عليهم وجنايتهم التي اقترفوها (وَلْيَصْفَحُوا) بالإغضاء عن الجاني، والإغماض عن جنايته (أَلَا تُحُِّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ) بسبب عفوكم وصفحكم عن الفاعلين للإساءة عليكم (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فكيف لا يقتدي العباد بربهم في العفو والصفح عن المسيئين إليهم. [٢٣] (إِنّ الذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ الغَافِلَاتِ) أي : اللاتي لا تخطر الفاحشة ببالهن، ولا يفطنَّ لها، ومنهن ( لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ المراد باللعنة: عائشة رَضَوالعِنَهَا الإبعاد عن رحمة اللّه، وضرب الحد، وهجر سائر المؤمنين لهم، وزوالهم عن رتبة العدالة. [٢٤](يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهُمْ) في ذلك اليوم بما كلموا به (وَأَيْدِيهِمْ وَأرْجُلَهُمْ) بما عملوا بها في الدنيا، اللّٰه سبحانه ينطقها بالشهادة عليهم. [٢٥] (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ) يعطيهم اللّٰه جزاءهم عليها موفرًا لا شك في ثبوته. [٢٦](الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ) أي: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال (وَ) كذا (الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ) لا يتجاوزونهن، وهكذا قوله: (وَالطَّيَّبَاتُ لِلطَّّبِينَ وَالطَّيَّبُونَ لِلطَِّبَاتِ) وكان رسول اللّٰه ولفه ما "ا فكان أولى أن تكون له الطيبة، وكانت عائشة الطيبة، وكانت أولى بأن يكون لها الطيب (أُولَئِكَ) الطيبون والطيبات (مُبَرَّءُونَ) مما يقوله الخبيثون والخبيثات، وبهذا بُرِّئت عائشة أم المؤمنين بهذه الآية ( لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) وهو رزق الجنة. [٢٧] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) حتى تعلموا أن صاحب البيت قد علم بكم، وتعلموا أنه قد أذن بدخولكم، فإذا علمتم ذلك دخلتم (وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا) يقول: السلام عليكم، أأدخل؟ مرَّة أو مرتين أو ثلاثًا (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ) من الدخول بغتة ( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) والمراد بالتذكر: الاتعاظ، والعمل بما أمروا به. [٢٨]( حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ) بدخولها من جهة من يملك الإذن (وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا) أي: إن قال لكم أهل البيت: ارجعوا فارجعوا، ولا تعاودوهم بالاستئذان مرَّة أخرى (هُوَ أَزْكَى لَكُمْ) أي: أفضل وأطهر من التدنس بالإلحاح على الدخول؛ لما في ذلك من سلامة الصدر، والبعد من الريبة، والفرار من الدناءة. [٢٩] (لَيْسَ عَلَيْكُمْ حُتَادٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةِ ) صفحة 353 هي الفنادق والحوانيت ونحوهما من المباني العامة؛ لآن أصحابها جاءوا ببيوعهم فجعلوها فيها، فذلك بدرجة الإذن للناس جميعًا، وقال عطاء: المراد بها: الخرب (فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ) والمتاع: المنفعة والأعيان التي تباع (وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ) أي: ما تظهرون وما تخفون، وفيه وعيد لمن لم يتأدب بآداب اللّٰه في دخول بيوت الغير. [٣٠] (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) لما ذكر حكم الاستئذان، أتبعه بذكر حكم النظر على العموم لقطع ذرائع الزنى، وغضُّ البصر: أن يخفض بعض بصره بحيث تمتنع الرؤية، قيل: وجه التبعيض أنه يعفى للناظر عن أوَّل نظرة تقع من غير قصد (وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) عما يحرم عليهم ( ذَلِكَ) الغضّ والحفظ {أَزْكَى لَهُمْ ) أطهر من دنس الريبة وأطيب من التلبس بهذه الدناءة (إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) وعيد لمن لم يغضَ بصره أو لم يحفظ فرجه. [٣١] (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ) يستدلُّ به على تحريم نظر النساء إلى ما يحرم عليهنَّ، ويجب عليهنَّ حفظ فروجهن على الوجه الذي تقدَّم في حفظ الرجال لفروجهم (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) هو الثياب والوجه والكفان، وقال ابن عباس وقتادة: «ظاهر الزينة هو الكحل والسوار والخضاب والخاتم ونحو ذلك، فإنه يجوز للمرأة أن تبديه» وعن ابن عمر وابن عباس: «الوجه والكفَّان» (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) الخمر: جمع خمار، وهو ما تغطي به المرأة رأسها، والجيوب: جمع جيب، وهو موضع القطع من الدرع والقميص من حيث يدخل الرأس (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) أي: زينتهن الباطنة كالتي في الشعر أو على الصدر (إِلَّا لِعُولَتِهِنَّ) أي أزواجهن، ويدخل في قوله (أَوْ أَبْنَائِهِنَّ) أولاد أبنائهن وإن سفلوا، وأولاد بناتهنَّ وإن سفلن، وكذا آباء البعولة وآباء الآباء وآباء الأمهات وإن علوا، وكذلك أبناء البعولة وإن سفلوا، وكذلك أبناء الإخوة والأخوات، والعمُّ والخال كسائر المحارم في جواز النظر إلى ما يجوز لهم، والرضاع كالنسب (أوْ نِسَائِهِنَّ) هنَّ المختصات بهنَّ الملابسات لهن بالخدمة أو الصحبة، قيل: ويخرج من ذلك نساء الكفار من أهل الذمة وغيرهم [وعند الحنابلة تنظر الكافرة من المسلمة ما تنظره منها المرأة المسلمة](أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ) يشمل العبيد والإماء مسلمين أو كافرين (أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِبَةِ مِنَ الرِّجَالِ) وهم من يتبع أهل البيت [من خاء. أ. أجير أو خصي أو أحمق ممن لا حاجة له في النساء] (أَوِ الطَّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ) يقال للإنسان: طفل، ما لم يراهق، ولم يبلغ حدَّ الشهوة للجماع، ولا يلتفت إلى مفاتن المرأة (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) أي: لا تضرب المرأة برجلها إذا مشت ليسمع صوت خلخالها (وَتُوْبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ) فيه الأمر بالتوبة، ولا خلاف في وجوبها، وأنها فرض من فرائض الدين. [٣٢] (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ ) الأيم: الرجل الذي لا زوجة له، والمرأة التي لا زوج لها، بكرًا كانت أو ثيبًا، والنكاح سنة من السنن المؤكدة لقوله وَلِيه: ((ومن رغب عن سنتي فليس مني)) ولكن مع القدرة عليه وعلى مؤنه (وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ) عبيدكم (وَإِمَائِكُمْ) مملوكاتكم، والصلاح: هو الإيمان (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ) أي: لا تمتنعوا من تزويج الخاطبين بسبب الفقر، فمن تزوَّج يغنه الله، بغنى النفس [وغنى المال](وَاللهُ وَاسِعٌ) ذو سعة لا ينقص من سعة ملكه غنى من يغنيه من عباده ( عَلِ مُ) .. صالح خلقه. صفحة 354 [٣٣] (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا) أي: ليطلب العفة عن الزنى والحرام من لا يجد تكلفة النكاح من المهر والنفقة، أو لم يجد زوجًا مناسبًا (حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ) أي: يرزقهم رزقًا حسنًا يستغنون به، ويتمكنون بسببه من النكاح {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) الكتاب أَن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه منجمًا، فإذا أدَّاه فهو حرٌّ (إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) والخير هو القدرة على الأداء (وَاتُّوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي آَتَاكُمْ) بأن يحطوا عنهم بعض ما كوتبوا عليه من المال (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ) المراد بالفتيات هنا: الإماء، والبغاء: الزنى بأجر، وهذا مختصُّ بزنى النساء ( إِنْ أرَدْنَ تَحَصُّنَّا) كانوا يكرهونهنَّ وهنَّ يردن التعفف ( لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدَّنْيَا) وهو ما تكسبه الأمة بفرجها، باعتبار أن عادتهم كانت كذلك (وَمَنْ يُكْرِهُنَّ فَإِنَّ اللَهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) لهنَّ، فربما لا تخلوا في تضاعيف الزنى عن شائبة مطاوعة بحكم الجبلَّة البشرية. [٣٤](وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ) واضحات (وَمَثَلَا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ) أي: مثلا كأمثال الذين مضوا من القصص العجيبة المضروبة لهم في الكتب السابقة (وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) ينتفع بها المتقون خاصة. [٣٥] (اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) النور في اللغة: الضياء، وهو الذي يبين الأشياء بانعكاسه عنها ودخوله في العيون، والله جعل السماوات والأرض منيرتين باستقامة أحوال أهلهما، بكمال تدبيره وعجَل [وهدايته] لمن فيهما ( مَثَلُ نُورِهِ) نوره الفائض عنه، والذي جعله في قلب عبده المؤمن (كَمِشْكَاةٍ) وهي: الكوَّة في الحائط غير النافذة، فهي أجمع للضوء الذي يكون فيها من مصباح أو غيره (فِيهَا مِصْبَاحٌ) وهو السراج {الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ) [أي فهو لذلك أشد إضاءة] ( الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ) أي: يشابه الدُّرَّ، وقال الضحاك: الكوكب الدريُّ: الزهرة يُوقَدُ) المصباح (مِنْ) زيت (شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ) فيل: ومن بركتها أن ثمرتها إدام، ودهان، ودباغ، ووقود، وليس فيها شيء إلا وفيه منفعة (لا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ) لا يسترها عن الشمس شيء لا في حال شروقها ولا في حال غروبها (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ) لصفائه وجودته، عن ابن عباس قال: كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإذا مستد ١ .١٠١١: داد ضوءًا على ضوئه، كذلك يكون قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد هدى على هدى، ونورًا على نور (نُورٌ عَلَى نُورٍ) المصباح نور، والزجاجة نور [وانعكاسه من المشكاة نور] (وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ) أي: يبين الأشياء بأشباهها ونظائرها تقريبًا لها إلى الأفهام. [٣٦] (فِي بُيُوتٍ) أي: ذلك المصباح في المساجد {أذنَ اللهُ أنْ تُرْفَعَ ) ت بنى [عالية] وتعظم، ويرفع شآنها وتنزه عن الأنجاس والأقذار (وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) بالأذان والتسبيح وسائر الأذكار، فهي خير بيوت في الأرض (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) بأوائل النهار وأواخره. [٣٧] (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ) عن ابن عباس قال: كانوا رجالًا يبتغون من فضل اللّٰه يشترون ويبيعون، فإذا سمعوا النداء بالصلاة ألقوا ما في أيديهم وقاموا إلى المسجد فصلوا (عَنْ ذِكْرِ اللهِ) بأسمائه الحسنى (وَإِقَامِ الصَّلَاةِ) إقامتها لمواقيتها من غير تأخير (وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) المفروضة (يَخَافُونَ يَوْمَا) أي: يوم الة امة ( تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ) صفحة 355 تكون متقلبة بين الطمع في النجاة والخوف من الهلاك، وأما تقلب (وَالْأَبْصَارُ) فهو نظرها من أي ناحية يؤخذون، وإلى أي ناحية يصيرون. [٣٨] (لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا) حسبما وعدهم من تضعيف ذلك إلى عشرة أمثاله، وإلى سبعمائة ضعف {وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) بما فوق الجزاء الموعود به. ٣٩٦] (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابِ بِقِيعَةٍ) هي أعمال الخير التي عملوها، كالصدقة، والصلة، وعمارة البيت، وسقاية الحاجّ، والسراب: ما يرى في المفاوز عند اشتداد حرِّ النهار على صورة الماء في ظنّ من يراه، والقيعة: جمعٍ قاع، وهو الموضع المنخفض الذي يستقرُّ فيه الماء (حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا) وهكذا الكفار يعوِّلون على أعمالهم التي يظنونها من الخير ويطمعون في ثوابها، فإذا قدموا على اللّٰه سبحانه لم يجدوا منها شيئًا؛ لأن الكفر أحبطها ومحا أثرها (وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ) عَمَلُ الكافر كذلك السراب، إذا أتاه الموت لم يجد عمله يغني عنه شيئًا، ولا ينفعه إلا كما نفع السراب العطشان. [٤٠]{أَوْ كَظُلُمَاتٍ) ضرب اللّٰه مثلاً آخر لأعمال الكفار، فهي أيضًا تشبه الظلمات (فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ) وهو الذي لا يدرك لعمقه (يَغْشَاهُ مَوْجٌ) أي: يعلو هذا البحر موج فيستره ويغطيه بالكلية (مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ) أي: من فوق هذا الموج موج آخر (مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ) فيجتمع عليهم خوف البحر وأمواجه، والسحاب المرتفعة فوقه؛ لأنها تستر النجوم التي يهتدي بها من في البحر (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) من الجهل والشِكِّ، والحيرة، والرين، والختم، والطبع على قلبه (إِذَا أَخْرَجَ) المبتلى بهذه الظلمات في البحر (يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا) لم يرها إلا من بعد الجهد (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورِ) ومن لم بجعل اللّٰه له هداية فما له من هداية [وهذه الظلمات على قلب الكافر ضد الأنوار التي في قلب المؤمن والتي تقدم بيانها في قوله: (مثل نوره كمشكاة- (الآية)]. [٤١] ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ) التسبيح: التنزيه لله عن كل ما لا يليق به (مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) من العقلاء وغيرهم، وتسبيح غير العقلاء ما يسمع مِن أصواتها، ويشاهد من أثر الصنعة البديعة فيها (وَالطَّيْرُ صَافّاتٍ) أي: صافات لأجنحتها، وهذه الحالة هي أغرب أحوالها، فإن استقرارها في ال٠٠ا-- بحة من دون تحريك لأجنحتها، ولا استقرار على الأرض، من أعظم صنع اللّٰه الذي أتقن كلّ شيء ( كُلّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) قد علمها اللّٰه ذلك وألهمها إليه، لا أن صدوره منها على طريقة الاتفاق بلا روية. [ ٤٢] وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: له لا لغيره {وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ) لا إلى غيره الرجوع بعد الموت. [٤٣] (أَلَمْ تَرَ أَنَّ للهَ يُزْجِي سَحَابًا ) يسوق السحاب سوقًا رفيقًا إلى حيث يشاء ( ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ) أي: بين أجزائه، فيضم بعضه إلى بعض، ويجمعه بعد تفرِّقه ليقوى ويتصل ويكثف (ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا) أي: متراكمًا يركب بعضه بعضًا (فَتَرَى الْوَدْقَ المطر (يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ) أي: من داخل السحاب (وَيُنَزَّلُ مِنَ السَّمَاءِ) من جهة العلوِّ (مِنْ جِبَالٍ) من قطع عظام تشبه الجبال (مِنْ بَرَدِ) أي: ينزل من تلك القطع العظام بردًا (فَيُصِيبُ بِهِ) بما ينزل من البرد (مَنْ يَشَاءُ ) أن يصيبه (وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ) منهم (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ) أي يكاد ضوء البرق الذي في السحاب من شدَّة بريقه وزيادة لمعانه يخطة ، أ.م.ا. هم. صفحة 356 [٤٤] (يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) أي: يعاقب بينهما، وقيل: بالحرِّ والبرد (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً) العبرة: الدلالة الواضحة التي يكون بها الاعتبار (لِأُولِي الْأَبْصَارِ) كل من له بصر يبصر به فيعقل آيات اللّٰه. [٤٥] (وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ) الدابة: كل ما دبَّ على الأرض من الحيوان (مِنْ مَاءٍ) من نطفة، وهي المنيُّ (فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطِّنِهِ) وهي الحيات والحوت والدود ونحو ذلك (وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ) الإنسان والطير (وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعِ) سائر الحيوانات (يَخْلُقُ اللهُ مَا يَشَاءُ) مما ذكره هاهنا، ومما لم يذكره مما يمشي على أكثر من أربع، كالسرطان والعناكب وكثير من الحشرِات. [٤٦](لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتِ مُبَيِّنَاتٍ) وما فرطنا في الكتاب من شيء (وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) بتوفيقه للنظر الصحيح وإرشاده إلى التأمل الصادق (إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمِ) إلى طريقٍ مستو لا عوج فيه، فيتوصل بذلك إلى نعيم الجنة. [٤٧] (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا) هم المنافقون: يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ويقولون بأفواهم ما ليس في قلوبهم، ويلتزمون الطاعة لله ورسوله بمجرد اللسان، لا عن اعتقاد صحيح (ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ) من هؤلاء المنافقين، فلا يطيعون رسول اللّٰه وَالِي فيما يأمرهم به من الجهاد وغيره (مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) أي: من بعد ما صدرٍ عنهم ما نسبوه إلى أنفسهم من دعوى الإيمان والطاعة (وَمَا أَولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) الإشارة بقوله: (أولئك) راجع إلى من تولى. ٤٨] (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ) أي: ليحكم الرسول بينهم {إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ) عن المحاكمة إلى الرسول إذا كان الحقّ عليهم، وذلك من نفاقهم. [٤٩] (وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِين) أي: مظهرين الخضوع؛ لأنهم يعلمون أنه سيحكم لهم. [٥٠] (أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) أي: أكان الإعراض منهم عن التحاكم إلى النبي وَالِيهِ ب سبب النفاق الكائن في قلوبهم (أَمْ ارْتَابُوا ) وشكوا في أمر نبوَّته وَلية و عدله في الحكم {أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ) والحيف: الميل في الحكم (بَلْ أَولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ) أي: ليس ذلك لشيء مما ذكر، بل لظلمهم وعنادهم، ويجب على كل مسلم إذا دعي الإجابة إلى القاضي العالم بحكم الله، العادل في حكمه؛ لأن العلماء ورثة الأ: ١-، والحكم من قضاة الإسلام العالمين بحكم الله، العارفين بالكتاب والسنة، العادلين في القضاء، هو حكم بحكم اللّٰه وحكم رسوله. [٥١] (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) المعنى: أنه ينبغي للمؤمنين أن يكونوا هكذا، بحيث إذا سمعوا الدعاء المذكور قابلوه بالطاعة والإذعان، فهم يقولون: سمعنا قول النبي وَالِيِ وأطعنا أمره، وإن كان ذلك فيما يكرهونه ويضرُّهم (وَأُولَئِكَ) أي: المؤمنون الذين قالوا هذا القول (هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الفائزون بخير الدنيا والآخرة. [٥٢] (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) بالنعيم الدنيوي والأخروي لا من عداهم. [٥٣] (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ) أي: لئن أمرتهم بالخروج إلى الجهاد (لَيَخْرُجُنَّ) ومعنى جهد أيمانهم: طاقة ما قدروا آن يحلفوا، وكانت مقالتهم هذه كاذبة، وأيمانهم فاجرة، فردَّ الله عليهم، فقال (قُلْ لَا تُقْسِمُوا) أي: لا تحلفوا على ما تزعمونه من الطاعة والخروج إلى الجهاد إن أمرتم به (طَاعَةٌ مَعْرُوفَةً) أي: طاءة .. . فة أولى بكم من أيمانكم صفحة 357 (إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) من الأعمال، أي: فلماذا نقسمون إن كنتمِ صادقين؟ [٥٤] (قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) طاعة ظاهرة وباطنة بخلوص اعتقاد وصحة نية (فَإِنْ تَوَلَّوْا) خطاب للمأمورين، أصله: فإن تتولوا ( فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ) أي: فاعلموا أنما على النبي وَلِخِي ما حمل مما أمر به من التبليغ، وقد فعل (وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ) أي: ما أمرتم به من الطاعة {وَإِنْ تُطِيعُوهُ) فيما أمركم به ونهاكم عنه ( تَهْتَدُوا) إلى الحق وترشدوا إلى الخير وتفوزوا بالأجر (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) [فلا يقدر على حمل قلوبكم على الإيمان، فبادروا إليه بعمل من عندكم]. [٥٥] (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ) ليجعلنهم فيها خلفاء نصرفون فيها تصرف الملوك في ممالكهم (كَمَا اسْتَخْلَفَ الَذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) من بني إسرائيل وغيرهم (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) أي: يجعله اللّٰه ثابتًا مقررًا، ويوسع لهم في البلاد، ويظهر دينهم وهو الإسلام على جميع الأديان، يكون الملك لهم ولعقبهم من بعدهم ما داموا على ذلك (وَلَيْبَدَّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ) يجعل لهم مكان ما كانوا فيه من الخوف من الأعداء أمنًا، بحيث لا يخشون إلا اللّٰه سبحانه ولا يرجون غيره، وقد كان المسلمون قبل الهجرة وبعدها بقليل في خوف شديد من المشركين، لا يخرجون إلا في السلاح، ولا يمسون ويصبحون إلا على ترقب لنزولِ المضرَّة بهم من الكفار، ثم صاروا في غاية الأمن والدعة، وأذلَّ اللّٰه لهم شياطين المشركين، وفتح عليهم البلاد، ومهد لهم في الأرض، ومكنهم منها، فلله الحمد (يَعْبُدُونَني لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) أي: هذا ما يلزمهم فعله لكي أوفِّي لهم بالوعد المذكور {وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ) أي: من كفر هذه النعم بعد ذلك الوعد الصحيح (فَأَولَئِكَ) الكافرون (هُمُ الْفَاسِقُونَ) أي: الكاملون في الفسق، وهو الخروج عن الطاعة، والطغيان في الكفر. ٥٦] (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) أي: افعلوا ما ذكر راجين أن يرحمكم اللّٰه سبحانه. [٥٧] (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ) أي: لا تظن أنهم يفوتونني إذا أردت ان أوقع بهِم العذاب. [٥٨] يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) وهم العبيد والإماء (وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ) وهم الأطفال الذكور والإناث (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) ثلاث أوقات في اليوم والليلة، وقيل ١ . ١.. ثلاثة استئذانات كلما استأذنوا، أي: لا يزيد على ثلاث ( مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ) لأنه وقت القيام عن المضاجع، وطرح ثياب النوم، ولبس ثياب اليقظة، وربما يبيت عريانًا، أو على حال لا يحبُّ أن يراه غيره فيها (وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ) وذلك انتصاف النهار، فإنهم قد يتجردون عن الثياب لأجل القيلولة (وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ) وذلك لأنه وقت التجرد عن الثياب والخلوة بالأهل (ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ) والعورات: الساعات التي تكون فيها العورة، أي: هي ثلاث أوقات يختل فيها الستر، وقد قيل: حكم هذه الآية منسوخ، وكان ذلك حين لم يكن للبيوت أبواب، فلما صار للناس أبواب زالت الحاجة إلى الاستئذان، وقيل: بل حكمها ثابت في حق الرجال والنساء، يجب عليهم أن يأمروا صبيانهم ومماليكهم بالاستئذان في تلك الأوقات إذا دخلوا عليهم، وليس لهم أن يدخلوا دون إذن (لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ) أي: إثم في الدخول بغير استئذان بعد كل واحدة من هذه العورات الثلاث (طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ) أي: هم خدمكم فلا بأس أن يدخلوا عليكم في غير هذه الأوقاء-..: اذن (بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ ) صفحة 358 عضكم يطوف على بعض (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ) الدالة على ما شرعه لكم من الأحكام (وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) كثير العلم بالغ الحكمة. [٥٩] وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ) بيّن سبحانِه ها هنا حكم الأطفال الذين يبلغون الحلم (كَمَا اسْتَأذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) يستأذنون في جميع الأوقات كما استأذن الذين من قبلهم من الكبار الذين أمروا بالاستئذان في أوقات العورات وغيرها. ٦٠] (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ) العجائز اللاتي قعدن عن الحيض والولد من الكبر (اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا) أي: لا يطمعن فيه لكبرهنَّ (فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ) إذ لا رغبة للرجال فيهنَّ، أي: فتضع الثياب التي تكون على ظاهر البدن كالجلباب ونحوه، لا الثياب التي على العورة (غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ) أي: غير مظهرات للزينة التي أمر هنَّ بإخفائها في قوله: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) والمعنى: من غير أن يردن بوضع الجلابيب إظهار زينتهنَّ، ولا متعرضات بالتزين لينظر إليهنَّ الرجال (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ) أي: وأن يتركن وضع الثياب فهو خير لهنّ من وضعها (وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) كثير السماع والعلم بليغهما. [٦١] (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) قيل: إن المسلمين كانوا إذا غزوا خلَّفوا زمناهم - أي: أصحاب الأمراض المزمنة- وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم، ويقولون لهم: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، فكانوا يتحرجون من ذلك، وقالوا: لا ندخلها وهم غَيَّب، فنزلت هذه الآية رخصة لهم، وقيل المراد: لا حرج على هؤلاء في تأخرهم عن الغزو (وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) عليكم وعلى من يماثلكم من المؤمنين (أَنْ تَأْكُلُوا) أنتم ومن معكم (مِنْ بُيُوتِكُمْ) البيوت التي فيها متاعهم وأهلهم، فيدخل في ذلك بيوت الأولاد كذا قال المفسرون: وبيت ابن الرجل بيته لحديث: «أنت ومالك الأبيك» (أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ) [ذكر الأقارب الأدنين؛ لأن القرابة مظنة الإذن] (أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ) أي: البيوت التي نملكون التصرُّف فيها بإذن أربابها، وذلك كالوكلاء والعبيد والخزَّان، فإنهم يملكون التصرُّف في بيوت من أذن لهم بدخول بيته، وأعطاهم مفاتحه، ومثله: حارس البستان له أن يأكل من ثمره، قيل: وهذا إذا كان الطعام مبذولاً، فإن كان محرزًا دونهم لم يجز لهم أكا، 2أَ. صَدِيقِكُمْ) فإن الصديق في الغالب يسمح لصديقه بذلك، وتطيب به نفسه (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا) [من هذه البيوت المذكورة](جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا) مجتمعين أو مفترقين، وقد كان بعض العرب يتحرّج أن يأكل وحده حتى يجد له أكيلًا يؤاكله فيأكل معه (إِذَا دَخَلَتُمْ بُيُوْتًا) [أي: من هذه البيوت التي تقدم ذكرها أو غيرها] (فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أي: على أهلها ومن فيها من صنفكم، قيل: المراد بالبيوت هنا: هي كل البيوت المسكونة وغيرها، فيسلم على أهل المسكونة، وأما غير المسكونة فيسلم على نفسه، عن عمر وابن عباس: إذا دخلت المسجد أو البيت غير المسكون فقل: السلام علينا وعلى عباد اللّٰه الصالحين (تَحِيَّةً) معناه: فحيوا تحية (مِنْ عِنْدِ اللهِ) أي: إن اللّٰه حياكم بها لمّا أمركم أن تفعلوها طاعة له (مُبَارَكَةً) أي: كثيرة البركة والخير دائمتهما (طَيِّبَةً) أي تطيب بها نفس المستمع [ أو أن معنى الآية: قولوا: السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته] (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) أي: لأجل أن يحصل لكم تعقل آيات اللّٰه سبحانه م فمم معانيها. صفحة 359 [٦٢] (وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِع) أي: على أمر طاعة يجتمعون عليها [لينظروا في الأمور الواقعة ويستمعوا لما يريده النبي ومَلِي منهم]، ونحو الجمعة والنحر والفطر والجهاد وأشباه ذلك (لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ) قال: المفسرون: كان رسول اللّٰه وَلِيّي إذا صعد المنبر يوم الجمعة، وأراد الرجل أن يخرج من المسجد لحاجة أو عذر، لم يخرج حتى يقوم بحيال النبي وَاليي بحيث يراه، فيعرف أنه إنما قام ليستأذن، فيأذن لمن يشاء منهم، وكذلك ينبغي أن يكونوا مع الإمام لا بخالفونه، ولا يرجعون عنه في جمع من جموعهم إلا بإذنه، وللإمام أن يأذن، وله ألا يأذن، على ما يرى، وقيل: هو الأمر الجليل الذي يحتاج إلى اجتماع آهل الرأي والتجارب {إنّ الَذِينَ يَسْتَأذْنُونَكَ أولَئِكَ الَذِينَ يُؤْمِنُونَ باللهِ وَرَسُولِهِ) تأكيد لما في أول الآية، أي: إن المستأذنين هم المؤمنون بالله ورسوله (فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ) لبعض الأمور التي نهمهم (فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ) وله أن يمنع من شاء، على حسب ما تقتضيه المصلحة التي يراها (وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ) فيه إشارة أن الاستئذان وإن كان لعذر مسوَّغ، فلا يخلو عن شائبة إيثار أمر الدنيا على الآخرة. [٦٣ ] (لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا) أي: لا تجعلوا نداءه لكم كالدعاء من بعضكم لبعض في التساهل في بعض الأحوال عن الإجابة، أو الرجوع بغير استئذان، أو رفع الصوت، وقيل المعنى: قولوا يا رسول الله، في رفق ولين، ولا تقولوا: يا محمد، لتجهم، أمرهم أن يشرِّفوه ويفخموه، وقيل المعنى: لا تتعرَّضوا لدعاء الرسولِ عليكم بإسخاطه، فإن دعوته موجبة (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًّا) هم المنافقون فإنهم كانوا يستللون عن صلاة الجمعة متلاوذين، ينضم بعضهم إلى بعض استتارًا من رسول اللّٰه وَالِيِ [ وكذا عن الاجتماع لشأن الجهاد أو نحوه] واللواذ: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) الزَّوَغان خفية يخالفون أمر النبي وَالِّي بيرك العمل بمقتضاه، ويتسللون ليتجنبوا العمل بطاعته (أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ الِيمُ الفتنة: القتل والزلازل، وقيل: الطبع على قلوبهم. [٦٤] (أَلَا إِنّ لِلْهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) المخلوقات بأسرها (قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ) أي: إنه يعلم ما أنتم فيه، أيها العباد، من الأحوال، فيجازيكم بحسب ذلك (وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ) أي: ويعلم يوم يرجعون !! م، ذ حازيهم فيه بما عملوا. •فسير سورة الفرقان [١]*تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ) البركة: الكثرة من كل خير، وقال الفراء: إن «تبارك» و«تقدس)) في العربية واحد، ومعناهما: العظمة. والفرقان: القرآن، يفرق بين الحق والباطل [ويميز الهدى من الضلال والحلال من الحرام. وتنزيله: إنزاله مرة بعد مرَّة، وفي حال بعد حال، منجّمًا على حسب الحوادث، ليكون البيان به أبلغ، والتأثير به أعظم] (عَلَى عَبْدِهِ) المراد بعبده: نبينا محمد وَلِيه [ وصفه بالعبودية تكريمًا له وتشريفًا في مقام الامتنان عليه بتنزيل القرآن ] (لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) أي: ليكون محمد وَلِيم منذرًا لجميع العالمين من الإنس والجن [عن بعثهم بعد الموت، وحشرهم إلى الله، ليجزيهم بأعمالهم ]. [٢] (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) دون غيره، فهو المتصرف فيهما، ويفتقر الكل إليه في الوجود والبقاء (وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا) فيه رد على النصارى واليهود (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ) رد على، طوائف المشركين من الوثنية صفحة 360 والثنوية وأهل الشرك الخفي (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) من الموجودات (فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) بحكمته على ما أراد، وهيأه لما يصلح له، وقدر له تقديرًا من الأجل والرزق، فجرت المقادير على ما خلق وقدر. [٣] (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) أي: اتخذ المشركون لأنفسهم آلهة غير اللّٰه تعالى (لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا) أي: لا يقدرون على خلق شيء من الأشياء (وَهُمْ يُخْلَقُونَ) أي: بخلقهم اللّٰه سبحانه (وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا) فكيف يملكون ذلك لمن يعبدهم؟ (وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا) أي: لا يقدرون على إماتة الاحياء، ولا إحياء الموتى، ولا بعثهم من القبور. [٤] (وَقَالَ الّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إفْكُ افْتَرَاهُ) أي: قالوا: يس هذا القرآن إلا نوعًا من الكذب اختلقه محمد من عند (وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ) أي: على الاختلاق والافتراء (قَوْمٌ آخَرُونَ) يعنون: بعض اليهود والنصارى (فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا) أي: فقد قالوا ظلمًا هائلًا عظيمًا وكذبًا ظاهرًا. [٥] (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) أي قالوا: إن هذا القرآن أحاديث الأولين وما سطروه من الأخبار والخرافات (اكْتَتَبَهَا) أي: استكتبها من أناس آخرين، أو: كتبها لنفسه {فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ) أي: تلقى عليه تلك الأساطير بعدما اكتتبها يحفظها من أفواه من يمليها عليه، لكونه أميًّا لا يقدر على أن يقرأها من ذلك المكتوب بنفسه (بُكْرَةً وَأَصِيلًا) غدوة وعشيًا، كأنهم قالوا: إن هؤلاء يعلّمون محمدًا طرفي النهار، وقيل المعنى: دائمًا في جميع الأوقات. [٦] (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) أي: ليس ذلك مما يفترى أو يُفْتَعل بإعانة قوم وكتابة آخرين من الأحاديث الملفقة وأخبار الأولين، بل هو أمر سماوي أنزله الذي يعلم كل شيء، لا يغيب عنه شيء من الأشياء، فلهذا عجزتم عن معارضته، ولم تأتوا بسورة من مثله {إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا)) لا يعجل عليكم بالعقوبة؛ لأنه كثير المغفرة والرحمة. ](وَقَالَوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ) سموه رسولا استهزاء وسخرية، وإلا فهم ينكرون أنه رسول {يَأْكُلَ الطَعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ) أي: ما باله يأكل الطعام كما نأكل، ويتردد في الأسواق لطلب المعاش كما نتردد؟ زعموا أنه إن كان رسولًا حقًّا يجب أن يكون مَلَكًا مستغنيًّا عن الطعام والكسب (لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِ. اه -البوا أن يكون مصحوبًا بملك يعضده ويساعده ويصدقه ويشهد له بالرسالة. [٨] ( أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزُ) اقترحوا أن يكون معه كنز يلقى إليه من السماء؛ ليستغني به عن طلب الرزق (أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا) أي: بستان يأكِل منه ليكون له بذلك مزية عليهم (وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا) مغلوبًا على عقله بالسحر. [٩(انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ) ليتوصلوا بها إلى تكذيبك. والأمثال: هي الأقوال النادرة، والاقتراحات الغريبة، وهي ما ذكروه ها هنا (فَضَلُّوا) عن الصواب ( فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا) إِلى القدح في نبوة هذا النبي الكريم. [١٠] (تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ) الذي اقترحتموه (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا) القصر: البيت من الحجارة، أو بيت الطين [هذا في الدنيا، أما قصور الآخرة فلا يعلم قدرها إلا اللّٰه تعالى]. ١١] (بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ) أي: بل أتوا بأعجب من ذلك كله، وهو تكذيبهم بالساعة، فلهذا لا ينتفعون بالدلائل ولا يتأملون فيها (وَأَعْتَدْنَا أي: أعددنا (لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا) أي: نارًا مشتعلة . .... يعذب فيها. صفحة 361 [١٢] (إِذَا رَأَتُّهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا) معنى التغيظ: أن لها صوتًا يدل على الغضب على الكفار، والزفير: هو الصوت الذي يسمع من الجوف عند شدة الحنق. [١٣ ] (وَإِذَا أَلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا) وصف المكان بالضيق للدلالة على زيادة الشدة وتناهي البلاء (مُقَرَّنِينَ) قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالجوامع مصفدين بالحديد (دَعَوْا هُنَالِكَ) أي: في ذلك المكان الضيق (ثُبُورًا) أي: هلاكًا، يتمنون هنالك الهلاك لأنفسهم، وينادونه لما حلّ بهم من البلاء. [١٤] (وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا) أي: لا تدعوا على أنفسكم بالثبور دعاء واحدًا، وادعوه أدعية كثيرة، فإن ما أنتم فيه من العذاب أشد من ذلك، لطول مدته، وعدم تناهيه، والمراد: إقناطهم عن حصول ما يتمنونه من الهلاك المنجي لهم مماهم فيه. [١٥ ] (قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) أي: أتلك الحال المذكورة، في السعير الدائم عذابه، خير أم جنة الخلد الدائم نعيمها لا انقطاع له. [١٦] (لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ) من النعيم وضروب الملاذ (خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا) يسألونه الوفاء به وهو مجيبهم إليه. [١٧] (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) من الأصنام والأوثان والملائكة والجن والمسيح وعزير، وقيل: المراد: الأصنام خاصة (فَيَقُولُ أَنَّتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ) أكان ضلالهم بدعوتكم لهم إلى عبادتكم، أم هم ضلوا عن سبيل الحق بأنفسهم إذ عبدوكم؟ ١٨](قَالُوا سُبْحَانَكَ) للتعجب مما قيل لهم؛ لكونهم ملائكة أو أنبياء مكرمين، أو جمادات لا تعقل (مَا كَانَ يَنْبُغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ) أي: ما صح ولا استقام لنا أن نتخذ من دونك أولياء فنعبدهم، فكيف ندعو عبادك إلى أن يعبدونا، ويتركوا عبادتك، مع كوننا لا نعبد غيرك (وَلَكِنْ مَتَعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ) أي: ولكنك يا رب متعتهم ومتعت آباءهم بالنعم، حتى غفلوا عن ذكرك، ونسوا موعظتك، والتدبر لكتابك، والنظر في عجائب صنعك، وغرائب مخلوقاتك (وَكَانُوا قَوْمَا بُورًا) أي: صاروا بنسيانهم لذكرك هالكين. [١٩] ( فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ) فقال اللّٰه عند تبري المعبودين مخاطبًا للمشركين العابدين لغير اللّه: ها قد كذبكم المعبودون في قولكم: إنهم آلهة (فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا) أي: فما يستطيع هؤلاء الكفار لما كذبهم المعبودون صرفًا للعذاب الذه. منم اللّٰه به (وَلَا نَصْرًا) ولا يجدون أحدًا ينصرهم من عذاب اللّٰه. [٢٠] (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ) أي: لأنهم بشر لا يستغنون عن حاجاتهم البشرية، أي: فكذلك أنت يا محمد، فليس ذلك مانعًا من أن تكون رسولا من عند الله، فلماذا يقولون: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضِ فِتْنَةً) كان إذا أراد الشريف أن يُسْلِم، ورأى الوضيع قد أسلم قبله أنِف، وقال: لا أَسْلم بعده، فيكن له عليَّ السابقة والفضل، فيقيم على كفره ( أَتَصْبِرُونَ) على الحق على ما ترون من هذه الحال الشديدة والابتلاء العظيم (وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) أي: بكل من يصبر ومن لا يصبر. [٢١] (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا) لا يأملون لقاء ما وعدنا على الطاعة من الثواب ( لَوْلَا أُنْزَلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ) فيخبرونا أن محمدًا صادق، أو: هلا أنزلوا علينا رسلًا يرسلهم اللّٰه (أَوْ نَرَى رَبَّنَا) عيانًا، فيخبرنا بأن محمدًا رسول من عنده (لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنَّفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا) أي: أضمروا الا ١.٢٠.٠٠. عن الحق والعناد في قلوبهم، صفحة 362 فإنهم لم يكتفوا بإرسال البشر حتى طلبوا إرسال الملائكة إليهم، بل جاوزوا ذلك، إلى التخيير بينه وبين مخاطبة اللّٰه سبحانه، ورؤيته في الدنيا، من دون أن يكون بينهم وبينه ترجمان. [٢٢] (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ) أي: إنهم سوف يرون الملائكة، لكنها رؤية ليست على الوجه الذي طلبوه، والصورة التي اقترحوها، بل على وجه آخر، وهو يوم ظهور الملائكة لهم عند الموت، أو عند الحشر (لا بُشْرَى يَوْمَثِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ) فأعلم سبحانه بأن الوقت الذي يرون فيه الملائكة، وهو وقت لموت، أو يوم القيامة، قد حرمهم اللّٰه فيه البشرى (وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا) وهذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدوّ أو هجوم نازلة يستعيذون بها منه [أي: فما يطلبون رؤية الملائكة إلا استعجالًا لعذاب أنفسهم لو كانوا يعلمون]. [٢٣] «وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلِ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) كانوا يعملون أعمالًا لها صورة الخير: من صلة الرحم، وإغاثة الملهوف، وإطعام الطعام وأمثالها، إلا أن اللّٰه سبحانه أحبط أعمالهم بسبب كفرهم وشركهم، حتى صارت بمنزلة الهباء المنثور . [٢٤] (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا) أي: أفضل منزلًا في الجنة (وَأَحْسَنُ مَقِيلًا) القيلولة عند العرب: الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر، وإن لم يكن مع ذلك نوم، والمراد: مِكان اضطجاعهم في الجنان. [٢٥] (وَيَوْمَ تَشَقَقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ) يوم القيامة تتشقق السماء وعليها غمام، وقيل: إنها تتشقق لنزول الملائكة (وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا ) أنزل جماعة منهم بعد جماعة. [٢٦] (الْمُلْكُ يَوْمَئِذُ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ) وأما في أيام الدنيا فلغيره مُلْكٌ في الصورة وإن لم يكن حقيقيًّا (وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا) لما يصابون به في ذلك اليوم من العقاب بعد تحقيق الحساب، وأما على المؤمنين فهو يسير غير عسير، لما ينالهمٍ فيه من الكرامة والبشرى العظيمة. [٢٧] (وَيَوْمَ يَعَضّ الظَالِمُ عَلَى يَدَيْهِ) غيظا وحسرة وندمًا (يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا)) وهو طريق الحق، أي: ليتني مشيت فيه حتى أخلص من هذه الأمور المضلة. والمراد: اتباع النبي وَالِيه فيما جاء به. [٢٨] (يَا وَيْلَتَى لَيْتَني لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلاً) دعاء على نفسه بالويل والثبور على مخاللة الكافر الذي أضله في الدنيا. [٢٩] (لَقَدْ أَضَلَنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي) لقد أضلني هذا الذي اتخذته خليلًا عن الة آن،.عد أن جاءني، وتمكنت من الإيمان به، وقدرت عليه (وَكَانَ الشِّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولا) سمى خليله شيطانًا بعد أن جعله مضلاً، أو أراد بالشيطان إبليس لكونه الذي حمله على مخاللة المضلين. [٣٠] (اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) متروكًا لم يؤمنوا به، ولا قبلوه بوجه من الوجوه. وقيل المعنى: أنه اعتقدوه هُجْرًا وهذيانًا. [٣١] (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ ) من مجرمي قومه، أي: فلا تجزع يا محمد فإن هذا دأب الأنبياء قبلك، واصبر كما صبروا (وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) يهدي عباده إلى مصالح الدين والدنيا، وينصرهم على الأعداء، أي: فكذلك سوف يصنع اللّٰه لك. [٣٢] (كَذَلِكَ لِنُبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ) أي: نزلنا القرآن كذلك مفرقًا منجمًا بحسب الحوادث، لنقوِّي بهذا التنزيل -هذه الصفة- فؤادك، فإن إنزاله مفرقًا منجمًا على حسب الحوادث أقرب [إلى أن يقوي قلبك في كل أمر يحدث، مما قد يجابهونك به من المكايد وأساليب 11- > ، فلا تتردد ولا تتراجع] صفحة 363 وهو أقرب إلى حفظك له وفهمك لمعانيه؛ لأنهم لا يسألونك عن شيء إلا أجيبوا عنه (وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) آية بعد آية وبعضه في إثر بعض، محققًا مبيَّنًا. [٣٣] (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ) أي: لا يأتيك المشركون يا محمد بمثل من أمثالهم التي من جملتها اقتراحاتهم المعيَّنة، إلا جئناك في مقابلة مثلهم بالجواب الحق الثابت الذي يبطل ما جاءوا به من المثل، ويدمغه ويدفعه (وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) أحسن إيضاحًا لمشكل ما جاءوك به. [٣٤] (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا) أي: منزلًا ومصيرًا وَأَضَلّ سَبِيلًا) ذم لهم لدعواهم على رسول اللّٰه - الضلال. [٣٥](وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) التوراة (وَزِيرًا) معينًا وناصرًا ومشيرًا لأخيه، مع كونه نبيًّا أيضًا. [٣٦] ( فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) وهم فرعون وقومه. والآيات: هي التسع التي تقدم ذكرها، وإن لم يكونوا قد كذبوا بها عند أمر اللّٰه لموسى وهارون بالذهاب، بل كان التكذيب بعد ذلك، فالمراد: إلى القوم الذين آل حالهم إلى أن كذبوا (فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا) أي: فذهبا إليهم فكذبوهما فدمرناهم، أي: أهلكناهم إثرِ ذلك التكذيب إهلاكاً عظيمًا. [٣٧] (وَقَوْمَ نُوح لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ ) كذبوا نوحًا. ومن كذب نبيًّا فقد كذّب جميع الأنبياء. وكان إغراقهم بالطوفان كما تقدم في سورة هود (وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً أي: جعلنا إغراقهم، أو قصتهم عبرة لكل الناس (وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ) قوم نوح وكل من سلك مسلكهم في التكذيب. [٣٨]( وَأَصْحَابَ الرَّسِّ) الرسُّ في كلام العرب: البئر التي تكون غير مطوية. قيل: هي بئر بأنطاكية، قتلوا فيه حبيبًا النجار، فنسبوا إليها (وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا) أممًا أخرى بين تلك الأمم. [٣٩] (وَكُلَّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ) خوفناهم وقصصنا عليهم أخبار المكذبين (وَكُلَّا تَبَرْنَا تَتْبِرًا ) دمرناهم تدميرًا . [٤٠] (وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أَمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ) المعنى: ولقد أتوا: أي: مشركو مكة، على قرية قوم لوط التي هلكت بالحجارة التي أمطروا بها (أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا) عند سفرهم إلى الشام للتجارة، فإنهم يمرون بها (بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا) أي: الحق أنهم لا يخافون البعث للجزاء، فذلك هو السبب في عدم اتعاظهم. [٤١] (وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا)) أي: بدل الإيمان بك والتفكر فيما جئتم . .٨. نصرفون إلى السخرية قائلين: (أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولًا). [٤٢] (إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا) أي: إنه قد كاد أن يصرفنا عن آلهتنا فنترك عبادتها (لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا) أي: حبسنا أنفسنا على عبادتها، ولم نُطِعْهُ في اجتنابها (وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ) الذي يستحقونه ويستوجبونه بسبب كفرهم (مَنْ) هو ( أَضَلُّ سَبِيلًا) أي: أبعد طريقًا عن الحق والهدى، أهم أم المؤمنون؟ [٤٣] (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) أطاع هواه طاعة كطاعة الإله، لا يهوى شيئًا إلا اتبعه (أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا) حفيظًا وكفيلًا حتى ترده إلى الإيمان وتخرجه من الكفر، ولست تقدر على ذلك ولا تطيقه، وإنما عليك البلاغ. [٤٤](إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ) كالبهائمِ التي هي مسلوبة الفهم والعقل، فلا تطمع فيهم (بَلْ هُمْ أَضَلَّ سَبِيلًا )) أي: أضل من الأنعام طريقًا: فالبهائم تعرف ربها، وتهتدي إلى مراعيها، وتنقاد لأربابها، وهؤلاء لا ينقادون، ولا يعرفون ربهم الذي خلقهم ورزقهم، ولأن البهائم إذا لم تعقل صحة التوحيد والنبوة لم تعتقد بطلان ذلك، بخلاف هؤلاء، فإنهم اعتقدوا البطلان، عنادًا ومكا..ة وتعصبًا وغمطًا للحق صفحة 364 [٤٥] ( أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظَّلَّ) ألم تبصر إلى صنع ربك في الظل كيف مدَّه من وقت الإسفار إلى طلوع الشمس، وهو ظل لا شمس معه، ثم تطلع، فتكون ظلال الأشياء الشاخصة طويلة ممتدة إلى جهة الغرب (وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا) بسكون الشمس (ثُمَّ جَعَلْنَا الَّمْ لَه لِيلا علامة يستدل بأحوالها على أحواله، وذلك لأن الظل يزيد بها وينقص، ويمتد ويتقلص. [٤٦] (ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا) إذا طلعت الشمس صار الظل مقبوضًا وَخَلَفه في الجو شعاع الشمس (قَبْضًا يَسِيرًا) على تدريج، قليلا قليلاً بقدر ارتفاعِ الشمس. [٤٧] (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا ) يستر الأشياء ويغشاها (وَالنَّوْمَ سُبَاتًا) راحة لكم؛ لأنكم تنقطعون عن الاشتغال، وليكمل الإجمام والراحة (وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا) شبه اليقظة بالحياة بعد الموت، كما شبه النوم بالسبات الشبيه بالممات. [٤٨] (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) الطهور: الطاهر المطهر. لا يأتي ماء السماء على شيء متنجس أو قذر إلا طهَّره. [٤٩] (لِنُحْيِيَ بِهِ) أي: بالماء المنزل من السماء (بَلْدَةً مَيْتَا) بإخراج النبات من المكان الذي لا نبات فيه (وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا) أي: نسقي ذلك الماء. والأناسي: جمع إنسان، مثل سرحان وسراحين، فجعلوا الياء عوضًا من النون. [٥٠] (وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَكَّرُوا) كررنا ذكر أحوال الإظلال، وذكر إنشاء السحاب، وذكر إنزال المطر في القرآن ليتفكروا ويعتبروا. وقيل المعنى: صرفنا المطر بينهم في البلدان المختلفة، فنزيد منه في بعض البلدِان، وننقص في بعض آخر منها، ليذكروا به ويعتبروا (فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا) كفران النعمة: جحدها. رفضوا الاعتراف بنعمة اللّٰه عليهم في إنزال المطر فلم يحمدوا اللّٰه عليه، ولكن نسبوه إلى الأنداد أو الأنواء، فقالوا: مُطِرنا بنوء كذا، ولم يقولوا: مُطِرنا بفضل اللّٰه ورحمته. [٥١] (وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا) أي: رسولًا ينذرهم، كما قسمنا المطر بينهم، ولكنا لم نفعل ذلك، بل جعلنا نذيرًا واحدًا، وهو أنت يا محمد. [٥٢] (فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ) بل اجتهد في الدعوة واثبت فيها {وَجَاهِلْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) أي: جاهدهم بالقرآن، واتل عليهم ما فيه. ٥٣]( وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ) أرسلهما وأفاض أحدهما إلى الآخر (هَذَا عَذْر . ١ ٥. ) الفرات: الماء الشديد العذوبة (وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ) أي: بليغ الملوحة (وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا) البرزخ: الحاجز والحائل الذي جعله اللّٰه بينهما من قدرته، يفصل بينهما ويمنعهما التمازج (وَحِجْرًا مَحْجُورًا) ستراً مستورًا يمنع أحدهما من الاختلاط بالآخر، فلا يعذب هذا المالح بالعذب، أو يملح هذا العذب بالمالح. ولعل ذلك الحاجز هو أن الماء الذي يبخر من البحر المالح هو الماء العذب، أما الملح الذي في البحر فلا يصعد بل يبقى في البحر، ثم ينصب ماء المطر حيث شاء اللّٰه تعالى فتشرب منه الزروع والبهائم والبشر وتتكون منه الأنهار والينابيع العذبة. [٥٤] (وَهُوَ الّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًّا) خلق من النطفة إنسانا (فَجَعَلَهُ نَسَبًّا وَصِهْرًا) [النسب: الولادة وما نشأ عنها من علاقة الأبوة، والأمومة، والجدودة، والبنوة، والأخوة، والعمومة، والخئولة، وأولادهم. والصهر: العلاقة الناشئة من الزواج بين الزوج وأهل زوجته، وبين المرأة وأهل زوجها، وبين أهله وأهلها] فقرابة الزوجة هم الأختان، وقرابة الزوج هم الأحماء، وعلاقة الأصهار تعمهما (وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا) ومن جملة قدرته الباهرة خلق الإنسان وتقسيمه إلى الة من المذكورين. صفحة 365 [٥٥] (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ) إن عبدوه (وَلَا يَضُرُّهُمْ) إن تركوه (وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا) يتابع عَدُوَّ اللهِ الشيطانِ ويعاونه على معصية الله. [٥٧](قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) أي: قل لهم يا محمد: ما أسألكم على القرآن من أجر، أو على تبليغ الرسالة (إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا)) أي: لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلًا فليفعل. [٥٨] (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) الحي هو الذي يوثق به في المصالح، ولا حياة على الدوام إلا الله سحانه (وَسَبَّحْ بِحَمْدِهِ) أي: نزهه عن صفات النقصان (وَكَفَى بِهِ بِذَنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا) الخبير: المطلع على الأمور، لا يخفى عليه منها شيء. [٥٩] (ثَمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ) علا عليه وارتفع (الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) أي: هو الرحمن، فاسأل اللّٰه الخبير عن تفاصيل ما أجملناه لك في هذه الآيات، من خلق السماوات والأرض والاستواء على العرش. [٦٠] (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَن قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ ) قالوا: ما نعرف الرحمن إلا رحمان اليمامة، يعنون مسيلمة، فلما سمعوه أنكروا، فقالوا: وما الرحمن (أَنْسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا) للرحمن الذي تأمرنا بالسجود له (وَزَادَهُمْ نُفُورًا) أي: زادهم الأمر بالسجود نفورًا عن الدين وبعدًا عنه. [٦١] ( تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا) المراد بالبروج: بروج النجوم، أي: منازلها الاثنا عشر. وسميت بروجًا، وهي القصور العالية؛ لأنها للكواكب كالمنازل الرفيعة لمن يسكنها (وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا) أي: شمسًا متقدة (وَقَمَرًا مُنِيرًا) ينير الأرض إذا طلع، لكنه غير مُتَّقِد [٦٢] (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ الدَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً) أحدهما خلف الآخر ويآتي بعده، ثم يذهب هذا ويجيء هذا، بتعاقبان في الإضاءة والإظلام، والزيادة والنقصان، والحرارة والبرودة (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ) معنى الآية: أن المتذكر المعتبر إذا نظر في اختلاف الليل والنهار يعِلم أنه لا بد في انتقالهما من حال إلى حال من ناقل (أوْ أَرَادَ شُكُورًا) أي: أراد أن يشكر اللّٰه على ما أودعه في الليل والنهار من النعم العظيمة والألطاف الكثيرة. [٦٣] (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا* الهون: السكينة والوقار دون تكبر {وَإِذَا خَاطَبَهُم الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ) يتح .ا. :: ما يرد عليهم من أذى أهل الجهل والسفه، فلا يجهلون مع من يجهل، ويقولون: ( سَلَامًا) وليس هو سلام التحية، ولكن سلام المتاركة، لا خير فيها ولا شر. [٦٤] (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا)) أي: إنهم يقضون ليلهم سجدًا على وجوههم، وقيامًا على أقدامهم، في الصلاة والتهجد. [٦٥] (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا) الغرام اللازم الدائم. [٦٦] (إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ) أي: بئس المستقر النار، وبئس مكان الإقامة هي، ونعود بالله. [٦٧]وَالّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا) الإسراف: الخروج عن الحد بكثرة الإنفاق، [حتى ولو كان ما أنفق فيه حلالًا]. والإقتار: التضييق في الإنفاق (وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) القوام هو الإنفاق باعتدال [ ينفق نفقة معتدلة بحيث لا يجوع ولا يعرى هو ولا عياله، ويحصل لهم أساسيات الحياة، ويوسع إن وسَّع اللّٰه عليه، ويبذل ويتصدق، ولكن .اَ خ ارقت الحاجة]. صفحة 366 [٦٨] (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهَا آخَرَ) لا يصرفون الدعاء لغير الله، فيتخذوه ربًّا من الأرباب (وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ) أي: حرم قتلها (إِلَّا بِالْحَقِّ) أي: بما يحق أن تقتل به النفوس، وهي: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس (وَلَا يَزْنُونَ) لا يستحلون الفروج المحرمة بغير زواج، ولا ملك يمين (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ) أي: شيئًا مما ذكر (يَلْقَ) في الآخرة (أَثَامَا) والأثام: العقاب. ٦٩]وَيَخْلُدْ فِيهِ) أي: يخلد في العذاب المضاعف (مُهَانًا) ذليلًا حقيرًا. [٧٠](إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا) أي: فهذا لا يكون عليه عذاب ( فَأَولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) عن ابن عباس قال: هم المؤمنون: كانوا من قبل إيمانهم على السيئات، فرغب اللّٰه بهم عن ذلك، فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم مكان السيئات الحسنات. والتبديل في الدنيا: يبدل اللّٰه لهم إيمانًا مكان الشرك، وإخلاصًا من الشك، وإحصانًا من الفجور. أي: ويوفقهم لصالح العمل مع حسن التوبة، وعن ابن عباس أيضًا: أن ناسًا من أهل الشرك قد قتلوا فأكثروا، ثم أتوا محمدا الِيه، فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت: (وَالّذِينَ لَا يَدْعُونَ... الآية). [٧١] (وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا) المعنى: من تاب بلسانه، ولم يحقق التوبة بفعله، فليست تلك التوبة نافعة، بل من تاب فحقق توبته بالأعمال الصالحة، فهو الذي تاب إلى اللّٰه حق التوبة، وهي النصوح. [٧٢] (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) أي: لا يشهدون الشهادة الكاذبة، أو لا يحضرون الزور، ولا يشاهدونه [ومن الزور حضور المحافل المبتدعة، فإنها كذب على دين الله، ليست من دينه] (وَإِذَا مُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) أي: معرضين عنه، واللغو: كل ساقط من قول أو فعل. أي: بتنزه ويكرم نفسه عن الدخول في اللغو، والاختلاط بأهله. [٧٣] (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ) أي: بالقرآن (لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمَّا وَعُمْيَانًا) ولكنهم أكبوا عليها، سامعين مبصرين، وانتفعوا بها. [٧٤] (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أعْيُنِ) [أي: اجعلهم لنا موضع سرور بتوفيقنا وإياهم لطاعتك]. وقرة العين: برد دمعها؛ لأنه دليل السرور، كما أن حرَّها دليل الحزن والغم (وَاحْأْذَا اا مُتَّقِينَ إِمَامًا) أي: قدوة يقتدي بنا في الخير. وفي هذه الآية دلالة على أن الرئاسة الدينية مما يجب أن تطلب ويرغب فيها [لا للفخر بها، ولكن لعظم النفع بها في الناس، ولتحصيل أجرها العظيم].. [٧٥] (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ) الغرفة: الدرجة، وهي أعلى منازل الجنة وأفضلها (بِمَا صَبَرُوا) بسبب صبرهم على مشاق التكليف (وَيُلَقَوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا) يحيي بعضهم بعضًا، ويرسل إليهم الرب سبحانه بالسلام، والملائكة تحييهم وتسلم عليهم، وتدعو لهم بالسلامة من الآفات. [٧٦]( خَالِدِينَ فِيهَا) مقيمين فيها من غير موت (حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) أي: حسنت الغرفة مستقرًّا يستقرون فيه، ومقامًا يقيمون به، وهذا في مقابل ما تقدم من قوله: ساءت مستقرًّا ومقامًا. (قُل مَا يَعْبَأَ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ) يعني: أيّ مبالاة يبالي اللّٰه تعالى بكم، لولا أنكم تدعونه وتعبدونه فَقَدْ كَذّبْتُمْ) بالتوحيد (فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا)) أي: فسوف يكون جزاء التكذيب لازمًا لكم. والمراد: ما لزم المشركين يوم بدر، وقيا ٠ه. عذاب الآخرة. صفحة 367 تفسير سورة الشعراء [٣] ( لَعَلَّكَ بَاخِعُ نَفْسَكَ) أي: قاتلٌ نفسك ومهلكها (أَلَا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) أي: تأسفًا وحزنًا على عدم إيمان قومك بما جئت به. أي: فلا تحزن عليهم. [٤] (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً ) أي: معجزة تلجئهم إلى الإيمان (فَظَلِّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) أي: فيصيروا منقادين لها بالكره منهم. [٥] (وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثِ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ) [كل نجم من القرآن يكون حديث عهد بمُنزِلِه، وهو اللّٰه تعالى]. ٦١] (فَقَدْ كَذَّبُوا) أي: بالذكر الذي يأتِيهم، تكذيبًا صريحًا، ولم يكتفوا بمجرد الإعراض (فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِنُونَ) والأنباء: هي الخبر عما يستحقونه من العقوبة آجلًا وعاجلًا، جزاء استهزائهم. [٧] (مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ) أي: من كل صنف نافع لا يقدر على إنباته إلا رب العالَمين. [٨] (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً) أي: إن فيما ذكر من الإنبات في الأرض لدلالة بينة على كمال قدرة اللّٰه سبحانه، وبديع صنعته. [٩] (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) أي: الغالب القاهر لهؤلاء، بالانتقام منهم، مع كونه كثير الرحمة، ولذلك لم يعاجلهم بالعقوبة. [١٠ ](وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى) من جانب الطور (أَنِ اثْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) جمعوا بين الكفر الذي ظلموا به أنفسهم، وبين المعاصي التي ظلموا بها غيرهم، كاستعباد بني إسرائيل، وذبح أبنائهم. [١٣] (وَيَضِيقُ صَدْرِي) غمَّا لتكذيبهم إياي (وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي) بتأدية الرسالة [وكان في لسان موسى حُبْسة] (فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ) أي: أرسل إليه بالوحي ليكون معي مؤازراً معاونًا. [١٤ ] وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ) الذنب هو قتله للقبطي، فخاف موسى أن يقتلوه به. [١٥] قَلَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا)) وفي ضمن هذا الجواب إجابة موسى إلى ما طلبه من ضم أخيه إليه. أي: فاذهب أنت ومن استدعيته، ولا تخف من القبط {إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ» أراد بذلك تقوية قلوبهما وأنه مُتَوَلٌ لحفظهما وكلاءتهما ونصرهما. ١٦] (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُوا انَّا بَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) الواحد رسول، والاثنان رسول، والثلاثة كذلك. وقيل معناه: إن كل واحد منا رسول رب العالمين. ١٧](أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) هذا مضمون الرسالة. أي: أطلقهم من خدمتك وعبوديَّتك ليخرجوا معي من مصر. [١٨] (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا) أي: ربيناك لدينا صغيرًا، ولم نقتلك فيمن قتلنا من الأطفال (وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ بنينَ ) أي: فمتى كان هذا الذي تدعيه من أمر النبوة؟ ١٩](وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ) عدَّد عليهِ النعم، ثم ذكر له ذنوبه، وأراد بالفعلة: قتل القبطي (وَأَنْتَ مِنَ الكَافِرِينَ) للنعمة، حيث قتلت رجلا من أصحابي. [٢٠] (قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضًّالِّينَ) أي: قال موسى: فعلت قتل القبطي وأنا من الجاهلين، فنفى التَال عن نفسه الكفر، وأخبر أنه فعل ذلك على الجهل قبل أن يأتيه العلم الذي علمه الله. [٢١] ( فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ) إلى مدين كما في سورة القصص (فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا) أي: نبوَّة، أو علمًا وفهمًا (وَجَعَلَني مِنَ الْمُرْسَلِينَ) أي .. أم ه: بأن جعلني أحد أنيائه المرسلين. صفحة 368 [٢٢] (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَني إِسْرَائِيلَ ) أي: وهل تلك نعمة؟ أتمن عليَّ بأن ربيتني وليدًا وأنت قد استعبدت بني إسرائيل وقتلتهم وهم قومي. أي: فلو كنت لا تقتل أبناء بني إسرائيل لكانت أمي مستغنية عن قذفي في اليم، فلا تمنَّ عليَّ ما كان بلاؤك سببًا له. ٢٣٦] (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) أي: أيُّ شيء هو؟ [٢٤(قَالَ) موسى هو (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ) فعين له ما أراد بالعالمين، وترك جواب ما سأل عنه فرعون؛ لأنه سأله عن جنس ربِّ العالمين، فأجابه بما يدل على عظيم القدرة الإلهية. [٢٥](قَالَ) فرعون (لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ) معجبًا لهم من ضعف المقالة. وهذا من اللعين مغالطة. [٢٦] (قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) فأوضح لهم أن فرعون مربوب لا ربّ كما يدّعيه، أي: فكيف تعبدون من هو واحد منكم، مخلوق كخلقكم، وله آباء قد فنوا كآبائكم. [٢٧] (قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الّذِي أَرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) قاصدًا بذلك المغالطة وإيقاعهم في الحيرة مظهرًا أنه مستخف بما قاله موسى مستهزئ به، كأنه يقول لهم: أنا أسأله عن شيء وهو يجيبني بغيره. ٢٨] قَلَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا)) ولم بشتغل موسى بدفع ما نسبه إليه من الجنون، بل بإسناد تغيير أحوالها وأوضاعها تارة بالنور، وتارة بالظلمة، على الله سبحانه (إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) أي: إن كنت يا فرعون ومن معك من أهل العقول. [٢٩] (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) رجع اللعين إلى استعمال القوَّة؛ لإكراه موسى على ترك رسالته. [٣٠] (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ) أي: أتجعلني من المسجونين ولو جئتك بشيء يتبين به صدقي، ويظهر عنده صحة دعواي. [٣١] (قَالَ فَأْتٍ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) في دعواك. [٣٥] ( فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) ما رأيكم فيه وما مشورتكم في مثله؟ أظهر لهم الميل إلى ما يقولونه تألفًا لهم واستجلابًا لمودَّتهم؛ لأنه قد أشرف ما كان فيه من دعوى الربوبية على الزوال، وإلا فهو أكبر تيهًا وأعظم كبرًا من أن يخاطبهم مثل هذه المخاطبة المشعرة بأنه فرد من أفرادهم، مع كونه قبل هذا الوقت يدَّعي أنه إلههم، ٠٠أ .،.. ن له بذلك. ٣٦] (قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ) أي: أخِّر أمرهما (وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ) وهم الشُّرَط الذين يحشرون الناس، أي: يجمعونهم. [٣٧] (يَأْنُوكَ بِكُلَّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ) السحار: العليم الفائق في معرفة السحر وصنعته. [٣٨] (فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومِ) هو يوم الزينة، أي: يوم عيدهم. [٣٩] (وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنَّتُمْ مُجْتَمِعُونَ) حثَّا لهم على الاجتماع؛ ليشاهدوا ما يكون من موسى والسحرة، ولمن تكون الغلبة، وكان ذلك ثقة من فرعون بالظهور، وطلبًا أن يكون بمجمع من الناس حتى لا يؤمن بموسى أحد منهم [خفية. فوقع ذلك من موسى الموقع الذي يريده؛ لأنه يعلم أن حجة اللّٰه هي الغالبة، وحجة الكافرين هي الداحضة، فكان ذلك من عناية اللّٰه تهيئه لكي تظهر دعوة موسى، ويعلم بها أهل مصر وبنو إسرائيل]. [ ٤٠] (لَعَلِّنَا نَتَّبعُ السَّحَرَةَ) نتبعهم في دينهم {إِنْ كَانَوا هُمُ الْغَالِبِينَ) أظهروا كأنهم ا ااحياد، استخفافًا بعقول قومهم. صفحة 369 [٤١] (فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا) أي: جزاء تجزينا به من مال أو جاه (إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ) فوافقهم فرعون على ذلك. [٤٢] (قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) أي: نعم لكم ذلك عندي مع زيادة عليه، وهي كونكم من المقرَّبين لديَّ [أغراهم بالمناصب]. [٤٣] (قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ) أراد أن يقهرهم بالحجة، ويظهر لهم أن الذي جاء به ليس هو من الجنس الذي آرادوا معارضته. [٤٤] (فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا ) عند الإلقاء ( بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ) أي: نغلب بسبب عزَّته، والمراد بالعزَّة: العظمة. [٤٥](فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ) تلقف ما صدر منهم من [التدجيل والتخييل] بإخراج الشيء عن صورته الحقيقية [في الظاهر لا في الحقيقة، فأما عَصاه فقد أفنت عصيهم وحبالهم]. ٤٦]( فَألْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ) أي: لما شاهدوا ذلك علموا أنه صنع صانع حكيم، ليس من صنيع البشر، ولا من تمويه السحرة، فآمنوا بالله وسجدواله، وأجابوا دعوة موسى وقبلوا نبوَّته. [٤٨-٤٧] (قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ. رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) فيه تبكيت لفرعون بأنه ليس بربِّ، وأن الرب في الحقيقة هو هذا، وأنه رب كل العالمين، أي: ومنهم فرعون نفسه. [٤٩](قَالَ) فرعون (آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ) أي: بغير إذن مني، ثم قال مغالطًا للسحرة الذين آمنوا، وموهمًا للناس أن فعل موسى سحر من جنس ذلك السحر: (إِنَّهُ كَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) أراد أن يشكك على الناس بأن هذا الذي شاهدتم، وإن كان قد فاق على ما فعله هؤلاء السحرة، فهو فعل كبيرهم، ومن هو أستاذهم الذي أخذوا عنه هذه الصناعة، فلا تظنوا أنه فِعْلٌ لا يقدر عليه البشر، ولا أنه من فعل الربِّ الذي يدعو إليه موسى (لأُقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ) أي: اليد اليمنى مع الرجل اليسرى أو عكسه (وَلَأُصَلَّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ) [التصليب: أن يُحمل المراد قتله على الصليب، وهو خشبة قائمة، مثبت على أعلاها خشبة لعترضة. ويثبت فيه ويترك حتى يموت، أما فرعون فقد أراد صَلْبَهم في جذوع النخل؛ ليكون أشد لإيلامهم]. ٥٠] قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبَّنَا مُنْقَلِبُونَ) أي: لا ضرر علينا فيما يلحقنا من عقاب ١ : ١١١، ذان ذلك يزول، وننقلب بعده إلى ربنا، فيعطينا من النعيم، الدائم، ما لا يحد ولا يوصف، بإيماننا وصبرنا على عقوبتك لنا وثباتنا على توحيده والبراءة من الكفر. [٥٢] (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي) أمر اللّٰه سبحانه موسى أن يخرج بني إسرائيل من مصر ليلًا، وسماهم عباده؛ لأنهم آمنوا بموسى وبما جاء به (إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ) أي: يتبعكم فرعون وقومه ليردُّوكم. [٥٣] (فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ) وذلك حين بلغه مسيرهم من الأمكنة التي فيها أتباع فرعون. [٥٤] (إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ) قال هذا يريد أن يقلل من شأن بني إسرائيل. ٥٦](وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ) الحاذر: المستعد المتيقظ، كأنه أمر أتباعه جميعًا بالتنبه لحركة بني إسرائيل والعمل على إحباط خروجهم. [٥٨-٥٧] (فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمِ) يعني: فرعون وجنده أخرجهم اللّٰه تعالى من أرض مصر، وفيها الجنات والعيون والكنوز، والمقام الكريم: المنازل الحسان، مة.ا . مجالس الرؤساء والأمراء. صفحة 370 [٦٠](فَأْتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ) أي: فلحقوهم حال كونهم في وقت الشروق، وقيل: راحلين نحو المشرق [إلى جهة سيناء ليذهبوا إلى الأرض المقدَّسة]. [٦١] (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ) تقابِلا بحيث يرى كلُّ فريق صاحبه (قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) أي: سيلحقنا جمع فرعون، ولا طاقة لنا بهم. [٦٢] (قَالَ) موسى: (كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي) إن معي ربي بالنصر والهداية ( سَيَهْدِينِ) أي: يدلني على طريق النجاة. [٦٣ (فَانْفَلَقَ ) أي: فضرب فانفلق حتى بدا قاع البحر يابسًا يمكن للماشي المرور فيه، قيل: إنه صار اثني عشر غلقًا بعدد الأسباط، وقام الماء عن يمين الطريق وعن يساره كالجبلِ العظيم (فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ) الفرق: القطعة من البحر (كَالطّوْدِ الْعَظِيمِ) والطود: الجبل. [٦٤] (وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ) أي: قرَّبناهم إلى البحر، والآخرون: فرعون وقومه. [٦٥] (وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ) بمرورهم في البحر بعد أن جعله اللّٰه طرقًا يمشون فيها. [٦٦] (ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ) يعني فرعون وقومه، أغرقهم اللّٰه بإطباق البحر عليهم بعد أن دخلوا فيه متبعين موسى وقومه. [٦٧] (إِنَّ فِي ذَلِكَ) ما تقدّم ذكره مما وقع بين موسى وفرعون إلى هذه الغاية أدلُّ العلامات على قدرة اللّٰه سبحانه وعظيم سلطانه (وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) أي: ما كان أكثر هؤلاء الذين مع فرعون مؤمنين، فإنه لم يؤمن منهم إلا القليل، كآسية امرأة فرعون. ]إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ) كان يعلم أنهم يعبدون الأصنام، ولكنِه أراد إلزامهمِ الحجة. [٧١] (قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلَّ لَهَا عَاكِفِينَ) أي: فنقيم على عبادتها مستمرِّين كل وقت. [٧٣] (أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ) بوجه من وجوه النفع (أَوْ يَضُرُّونَ) أي: يضرُّونكم إذا تركتم عبادتهم، فإنها إذا كانت لا تسمع ولا تنفع ولا تضر، فلا وجه لعبادتها. [٧٤] (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) لم بجدوا جوابًا إلا برجوعهم إلى التقليد البحت، وأقروا أنها بحال من العجز لا تنفع ولا تضر ولا تسمع ولا تبصر. (فَإِنَّهُم عَدُوًّ لِي) أي: هم أعدائي، وأنا أيضا قد اتخذت عداوتي لهم طريقًا ومنهجًا في حياتي، أعاديهم لكي أقتلع عبادتهم من الأرض الَّا ، الْعَالَمِينَ) أي: لكن ربّ العالمينِ وليي في الدنيا والآخرة. الّذي خَلَقَني فَهُوَ يَهْدِينِ) يرشدني إلى مصال (1 الدين والدنيا. وقد وصف الخليل ربه بما يستحق العبادة لأجله، فإن الخلق، والهداية، والرزق الذي يدل عليه قوله: [٧٩] (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُني وَيَسْقِينِ) ودفع ضر المرض، وجلب نفع الشفاء، والإماتة والإحياء، الذي يدل على قوله: [٨١-٨٠] (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ. وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ) والمغفرة للذنب، كلها نِعم يجب أن يُشكَرَ المنعم بها، بجميع أنواع الشكر التي أعلاها وأولاها: العبادة، وأسند المرض إلى نفسه دون غيره من هذه الأفعال المذكورة رعاية للأدب مع الربِّ، وإلا فالمرض وغيره من اللّٰه سبحانه. [٨٢] (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) قال مجاهد: يعني: بخطيئته قوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا)، وقوله: (إِنِّي سَقِيمٌ)، وقوله: (إن سارة أخته) زاد الحسن: وقوله للكوكب: (هَذَا رَبِّي). [٨٣] (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا) المراد بالحكم: العلم والفهم، وقيل: النبوة والرسالة (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) يعني: ألحقني بالنبيين م ٠ة ١ في الجنة. صفحة 371 [٨٤] (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) أي: اجعل لي ثناء حسنًا في الآخرين الذين يأتون بعدي إلى يوم القيامة. وقد أعطى اللّٰه سبحانه إبراهيم ذلك، فإن كل أمة تمسك به وتعظمه. ٨٧] (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ) أي: لا تفضحني على رءوس الأشهاد بمعاقبتي، أو لا تعذبني يوم القيامة. وأخرج البخاري وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي وَلِيه قال: يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك: لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: ربِّ إنك وعدتني ألا تخزيني يوم يبعثون، فأيُّ خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله: إني حرمت الجنة على الكافرين، ثم يقول: يا إبراهيم، ما تحت رجليك؟ فإذا هو بذيخ متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار، والذيخ: هو الذكر من الضباع، فكأنه حوَّل آزر إلى صورة ذيخ. [٨٩] (إِلَّا مَنْ أَتَّى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) أي: لا ينفع الإنسان عند اللّٰه ماله ولا قرابته، ولكن ينفعه سلامة قلبه. والقلب السليم: الصحيح، وهو قلب المؤمن؛ لأن قلب الكافر والمنافق مريضان. [٩٠] (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ) أي: قربت وأدنيت لهم ليدخلوها. [٩١] (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ) أي: جعلت بارزة لهم. أظهر اللّٰه الجنة للمؤمنين قبل أن يدخلوها، وأظهر النار للكفار قبل أن يدخلوها، ليشتدَّ حزن الكافرين، ويكثر سرور المؤمنين. [٩٤] (فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ) أي: ألقوا في جهنم هم، يعني: المعبودين، والغاوون: يعني: العابدين لهم، قُلبوا جميعًا على رؤوسهم. [٩٥] (وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ) شياطينه الذين يغوون العباد، وقيل: ذريته، وقيل: كل من يدعو إلى عبادة الأصنام. [٩٦] (قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ ) [ يخاصم العابدون يوم القيامة معبوديهم وينقلبون عليهم بعد ما كانوا يتفانون في حبهم في الدنيا. [٩٧] (تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) أقسموا أنهم كانوا على الضلالة الواضحة. [٩٨] (إِذْ نُسَوِّيْكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) فنعبدكم كما نعبده. [٩٩] (وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ) من شياطين الإنس والجنّ الذين بارزوا اللّٰه بالعداوة. [١٠٢] (فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَكُ. ةَ منَ الْمُؤْمِنِينَ) المعنى: فليت لنا كرَّة أي: رجعة إلى الدنيا، فنكون من المؤمنين، أي: نصير من جملتهم. ١٠٦] (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ) أي: أخوهم [الذي أبوه وأبوهم واحد، أي هو من قبيلتهم] لا أخوهم في الدين (أَلَا تَتَّقُونَ) اللّٰه بترك عبادة الأصنام، وتجيبون رسوله الذي أرسله إليكم. ١٠٧] (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ) رسول من اللّٰه (أَمِينٌ) فيما أبلغكم عنه، فإنهم كانوا قد عرفوا أمانته وصدقه. ١٠٨] فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ) أي: وأطيعوني فيم آمركم به عن اللّٰه من الإيمان، وترك الشرك، والقيام بفرائض الدين وشرائعه. ١٠٩وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) أي: ما أطلب منكم أجرًا على تبليغ هذه الرسالة [على عظم ما فيها من النفع لكم ]، ولا أطمع في ذلك منكم (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ) أي: ما أجري إلا عليه، فمنه أرجو الثواب جزاء على دعوتي لكم [لأنه هو الذي كلفني بإبلاغ الرسالة]. ١١١](قَالُوا أَنّؤْمِنُ ااكَ، مَلدَّ عَكَ الْأَرْذَلُونَ) استر ذلوهم صفحة 372 لقلة أموالهم وجاههم، أو لا تَضاع أنسابهم، وقيل: كانوا من أهل الصناعات الخسيسة. [١١٢] (قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) والمعنى: لم أكلف العلم بأعمالهم، إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان، والاعتبارُ به، لا بالحِرف والصنائع والفقر والغنى. [١١٣] (إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ) أي: ما حسابهم والتفتيش عن ضمائرهم وأعمالهم إلا على الله، ولو كنتم من أهل الشعور والفهم لفهمتم ذلك وآمنتم به. [١١٤] (وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ) هذا جواب من نوح على طلب الطرد لهم. [١١٥] (إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ) أي: ما أنا إلا نذير موضح لما أمرني اللّٰه سبحانه بإبلاغه إليكم، أي: وهم من جملة من أمِرتُ بإنذاره، فكيف أطردهم. ١١٦] (قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ) أي: إن لم تترك عيب ديننا وسبَّ آلهتنا لنرجمنّك بالحجارة. [١١٨](فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحَا الفتح: حكم القاضي بين الخصمين، أي: احكم بيني وبينهم حكمًا يبيِّن المحقَّ من المبطل (وَنَجِّني وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) فلما دعاربه بهذا الدعاء استجاب له، فقال: [١١٩] ( فَأْنَجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) أي: السفينة المملوءة، والشحن: ملء السفينة بالناس والدواب والمتاع. [١٢٠] (ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ) أي: ثم أغرقنا بعد إنجائهم الباقين من قومه. [١٢٨] (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيع آيَةً تَعْبَثُونَ) الريع: المكان المرتفع من الأرض، وقيل: الريع الجبل، وقال مجاهد: هو الفجُّ بين الجبلين، أو الثنية الصغيرة. ومعنى الآية: أنكم تبنون بكل مكان مرتفع عَلَمًا تعبثون ببنيانه؛ إذ ليس فيه نفع حقيقي غير المباهاة والفخر والأذى، فتؤذون المارة وتسخرون منهم. [١٢٩]« وَتَتّخِذَونَ مَصَانِعَ) المصانع: هي الأبنية التي بصنعها الناس ليتخذوها منازل. وقيل: هي الحصون المشيدة (لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) كأنكم باقون مخلدون لا يدرككم الموت. [ ١٣٠] (وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ) البطش: السطوة والأخذ بالعنف. إنما أنكر عليهم ذلك لأنه ظلم، وأما في الحق فالبطش بالسوط والسيف وغيرهما جائز. [١٣٤] (وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) أي: بساتين وينابيع المياه. [١٣٥] (إِنِّي أَخَافُ عَاَمُ. حَذَابَ يَوْمِ عَظِيمٍ) إن كفرتم وأصررتم على ما أنتم فيه من عبادة غير اللّٰه تعالى، ولم تشكروا هذه النعم. [١٣٦] (قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ) أي: وعظك وعدمه سواء عندنا، لا نبالي بشيء منه، ولا نلتفت إلى ما تقوله، ولا نرجع عن شيء مما نحن عليه. قالوا ذلك تعجيزًا له وتيئيسًا لئلا يستمر على دعوتهم. [١٣٧] (إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ) أي: ما هذا الذي نحن عليه إلا عادة الأولين وفعلهم. أي: فإن آباءنا وأجدادنا والأقدمين منّا كانوا على هذا الدين الذي نحن عليه، وقد كانت أحوالهم مستقيمة وأمورهم على حال مرضيَّة، فنحن تبع لهم، وسوف نستمر على ذلك، لا نريد تبديله بشيء آخر. [ويحتمل أن هذا معترض في الكلام من قوله تعالى، والمعنى أن تكذيبهم كتكذيب سائر المترفين الذين كذبوا رسلهم قبل عاد كقوله تعالى: (تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ)]. [١٣٨] (وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) على ما نفعل من البطش ونحوه مما نحنٍ عليه الآن. [١٣٩] ( فَكَذَّبُوهُ فَأَهْ آَكْنَاهُ :) أي: أهلكهم اللّٰه جزاء على صفحة 373 تكذيبهم. وكان هلاكهم بالريح العقيم، كما بُيِّن في غير هذه الآية، كقوله: (وَأَمَّا عَادُّ فَأُهْلِكُوا بِرِيحِ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ. سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامِ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْل خَاوِيَةٍ. فَهَّلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ). [١٤٦] (أَنْتْرَكُونَ فِي مَا هَا هُنَا آمِنِينَ» أي: أتتركون في هذه النعم التي أعطاكم اللّٰه آمنين من الموت والعذاب، باقين في الدنيا. [١٤٨](وَزُرُوعِ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ) الهضيم: النضيج الرخص اللّين اللطيف [ويحتمل أن يراد بالهضيم: المسترخي في عذوقه لامتلائه ونُضْجه] والطلع: ما يطلع من [الأكمام من عذوق التمر]. [١٤٩ ] (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْحِبَالِ بُيُوتًا ) كانوا ينحتون بيوتهم في الجبال لتبقى على الدهور، لما طالت أعمارهم وتهدم بناؤهم من المدر (فَارِهِينَ) حاذقين بنحتها، وقيل: متجبرين، وقيل: معجبين ناعمين آمنين [وقيل المعنى: تنحتونها أشِرين بطرين. أي: فكانوا يبنونها للفخر والخيلاء، وينفقون عليها الأموال الطائلة من غير حاجة منهم لسكناها، ويتفنَّنون في ذلك، كما يشاهد ذلك في آثارهم الماثلة حتى اليوم]. [١٥٠](فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ) [أي: اتقوا اللّٰه بأداء حقه عليكم من توحيده وإفراده بالعبادة والإيمان برسالتي إليكم، وأطيعوني فيما آمركم به وأنهاكم عنه ]. [١٥١] (وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ) أي: المشركين [الذين يدعونكم إلى عبادة غير اللّٰه تعالى ويكيدون لي ولدعوة الله، ويأمرونكم بتكذيب الرسالة]، وقيل: هم الذين عقروا الناقة، ثم وصف هؤلاء المسرفين بقوله: [١٥٢] (الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ) أي: ذلك دأبهم: يفعلون الفساد في الأرض بالكيد لصالح والمؤمنين معه، ولا يصدر منهم الصلاح ألبتة. ١٥٣] (قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ) أي: الذين أصيبوا بالسحر [كأنهم يقولون له: إن ساحرًا سحَرَك، حتى أخذت تتخيل أمورًا من الباطل حقا، وحتى أخذت تنكر علينا ما استقامت عليه حياتنا، وجرى عليه آباؤنا وأجدادنا] وقيل المسحَّر: هو المعلل بالطعام والشراب. فكأنهم قالوا: إنما أنت بشر مثلنا تأكل وتشرب. [١٥٤] (مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) [فرأوا أن كونه بشرًا مثلهم يكذِّبه في دعوى النبوة] (فَأْتِ بِآيَةٍ) [أي: بعلامةٍ نستيقن عند رؤيتها أنك رسول من رب العالمين إن كانت مما لا يقدر عليه البشر] (إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * . ة. لك ودعواك. ١٥٥](قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ)) أخرج اللّٰه تعالى لهم بعد طلبهم الآية: ناقةً من الجبل، حيَّةً يرونها ويلمسونها بأيديهم، لتكون حجة على نبوة نبيه صالح، كما طلبوا ( لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ) أي: لها نصيب من الماء، ولكم نصيب منه معلوم، ليس لكم أن تشربوا في اليوم الذي هو نصيبها، ولا هي تشرب في اليوم الذي هو نصيبكم. [١٥٦] (وَلَا تَمَسُّوهَا بسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْم عَظِ أي: لا تمسوها بعقر، أو ضرب، أو شيء مما يسوؤهاً. ١٥٧]( فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ) على عقرها، لما عرفوا أن العذاب نازل بهم، وذلك أنه أنظرهم ثلاثًا، فظهرت عليهم العلامة في كل يوم، وندموا حيث لا ينفع الندم؛ لأن ذلك لا يجدي عند معاينة العذاب وظهور آثاره. فقوله: (فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ) [المراد به: ندمهم حينما رأوا علامات العذاب القادم عليهم، وذلك قبل مجيء العذاب نفسه بأيام] وارجع إلى بيانِ ذلك في (سورة هود، الآيات من: ٦٨-٦٤). ١٥٨٦] فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ) الذي وعدهم به. والعذاب الذي أخذ قوم صالح أن الأ.ن. رجفت بهم، أي: زلزلت صفحة 374 زلزالًا شديدًا ثم جاءتهم الصيحة فخلعت قلوبهم (فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَائِمِينَ). [١٦٠] (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطِ الْمُرْسَلِينَ) وقد تقدم تفسير قوله: (إِذْ قَالَ لَهُمْ) إلى قوله: (إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ) في هذه السورة، وتقدم أيضا تفسير قصة لوط مستوفى في الأعراف. [١٦٥] (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ) أي: أتنكحون الذكور من الناس؟ وهي الفاحشة التي لم يفعلها أحد من الناس قبلهم، وقد كانوا يفعلون ذلك بالغرباء على ما تقدم في سورة الأعراف. [١٦٦] (وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ ) أي: وتتركون ما خلقه اللّٰه لأجل استمتاعكم به من النساء، وأراد بالأزواج: جنس الإناث [إذ المراد دعوتهم إلى اتخاذ الزوجات] (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ» أي: مجاوزون للحد في جميع المعاصي، ومِن جملتها هذه المعصية. ١٦]قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لَوْطَ) أي: عن الإنكار علينا وتقبيح أمرنا لتَكَونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ) من بلدنا المنفيين عنها. ١٦٨قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ) وهو ما أنتم فيه من إتيان الذكران [وسائر ما كانوا يفعلونه من القبائح] (مِنَ الْقَالِينَ) أي: المبغضين له. [١٦٩ ] ( رَبِّ نَجِّني وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ) أي: [إن لوطًا توجَّه إلى اللّٰه تعالى أن يحفظه ويحفظ أهله من أن ينالهم شيء من سيئات قومهم، وأن يخرجهم من ذلك البلد] لينجوا من عملهم الخبيث، أو من عقوبتهِ التي ستصيبهم [ ١٧٠] ( فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ) أي: أهل بيته، ومن تابعه على دينه [ إذ أمرهم اللّٰه تعالى بالخروج في تلك الليلة التي حق عليهم العذاب في صبيحتها]. [١٧١ ]إِلَّا عَجُوزًا) هي امرأة لوط، كانت (فِي الْغَابِرِينَ) الباقين في العذاب [فإنها خرجت مع لوط وسائر أهله، وأمرهم اللّٰه تعالى ألا يلتفتوا على الظالمين عند نزول العذاب بهم، فلم يلتفت منهم أحد إلا امرأة لوط، فأخذها من العذاب ما أخذ الظالمين، فغبرت في أرضها مع الغابرينا. [١٧٢ ] (ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ) أي: أهلكناهم بالخسف والحصب. [١٧٣] (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا) يعني: الحجارة، رُموا بها من السماء (فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْتَ .. : ). ١٧٦](كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ) قيل: إن الأيكة اسم البلد كله. قال ابن عباس: كانوا أصحاب غيضة من ساحل البحر إلى مدين، وقال الخليل: الأيكة غيضة تنبت السدر والأراك ونحوهما من ناعم الشجر. [١٧٧] (إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ) لم يقل: ((أخوهم))؛ لأنه لم يكن من أصحاب الأيكة في النسب، بخلاف قصة إرساله إلى مدين فإنه قال فيها (أخاهم شعيبًا) لأنه كان منهم، وقد مضى تحقيق نسبه في الأعراف. [١٨١ ]{أَوْفُوا الْكَيْلَ) أي: أتموا الكيل لمن أراده وعاملكم به (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ) الناقصين للكيل. [١٨٢] (وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ) أي: أعطوا الحق بالميزان السويّ دون أن تعبثوا به سرًّا لتنقصوا حق المشتري. [١٨٣] (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) أي: لا تنقصوا الناس حقوقهم التي لهم. وقد تقدم تفسيره في سورة هود، وتقدم أيضًا تفسير (وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) فيها وفي غيرها. [١٨٤] (وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ) يعني: الأمم المتقدمة. صفحة 375 [١٨٦-١٨٥] (قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ. وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٍّ مِثْلُنَا قد تقدم تفسيره مستوفى في هذه السورة (الآية: ١٥٣)، (وَإِنْ نَظُّنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ) أي: حقًّا إننا ليغلب على ظننا أنك كاذب فيما تدعيه على اللّه. [١٨٧] ( فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ) قالوا له هذا القول تعنتًا واستبعادًا وتعجيزًا، والكسف: القطعة من النار أو غيرها مما يعذب به (إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) في دعواك. ١٨٨] (قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ) من الشرك والمعاصي، فهو مجازيكم على ذلك إن شاء، وليس في وسعي أن آتيكم به من عندي. [١٨٩] ( فَكَذَبُوهُ ) استمروا على تكذيبه وأصروا على ذلك (فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظلَةِ) الظلة: السحاب، أقامها اللّٰه فوق رؤوسهم، فأمطرت عليهم نارًا فهلكوا، فقد أصابهم اللّٰه بما اقترحوا (إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْم عَظِيم) لما فيه من الشدة عليهم التي لا يقادر قدرها. وعن ابن عبَّاس قَال: أرسل اللّٰه إليهم سمومًا من جهنم، فأطاف بهم سبعة أيام حتى أنضجهم الحر، فحميت بيوتهم، وغلت مياههم في الآبار والعيون، فخرجوا من منازلهم ومحلتهم هاربين، والسموم معهم، فسلط اللّٰه عليهم الشمس من فوق رءوسهم فغشيتهم، وسلط اللّٰه عليهم الرمضاء من تحت أرجلهم حتى تساقطت لحوم أرجلهم، ثم نشأت لهم ظلة كالسحابة السوداء يستغيثون بظلها، حتى إذا كانوا جميعًا تحتها أطبقت عليهم، فهلكوا ونجَّى اللّٰه شعيبًا والذين آمنوا معه. [١٩٣] ( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ) الروح الأمين: جبريل، كما في قوله: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ). [١٩٤ ] (عَلَى قَلْبِكَ) تلاه على قلبه؛ لأنه هو المدرك من الحواس الباطنة، حتى حفظه وفهمه (لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) أي: أنزله عليك لتنذرهم بما تضمنه من التحذيرات والإنذارات والعقوبات. [١٩٥] بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) جعل اللّٰه سبحانه القرآن عربيًّا بلسان الرسول العربي؛ لئلا يقول مشركو العرب: لسنا نفهم ما تقوله بغير لساننا، فقطع بذلك حجتهم ودفع معذرتهم. ١٩٦] {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ) أي: إن هذا القرآن مذكور ومبشر به في التوراة والإنجيل. [١٩٧] ( أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَني إِسْرَائِيلَ) أي: من آمن منهم كعبد اللّٰه بن سلام، وصارت شهادة أهل الكتاب حجة على المشركين؛ لأنهم كانوا يرجعون إليهم ويصدَّقونهم. ١٩٨٦] (وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بْ: الْأَعْجَمِينَ) أي: لو نزلنا القرآن على الصفة التي هو عليها على رجل من الأعجمين الذي لا يقدر على التكلم بالعربية. [١٩٩] (فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ) قراءة عربية صحيحة (مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ) مع انضمام إعجاز القراءة من الأعجمي للكلام العربي إلى إعجاز القرآن. [٢٠٠] (كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ) أي: أدخلنا الشرك والتكذيب في قلوب المجرمين. [٢٠٢](فَيَأْتِيَهُمْ) العذاب (بَغْتَةً) أي: فجأة (و) الحال أن (هُمْ لَا يَشْعُرُونَ) بِإِتِيانه. [٢٠٣] ( فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ) أي: نحن نتمنى الإمهال لنؤمِنَ ونعمل الصالحات. قالوا هذا تحسرًا على ما فات من الإيمان، وتمنيًا للرجعة إلى الدنيا لاستدراك ما فرط منهم. [٢٠٤] (أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ) بقولهم: أمطر علينا حجارة من السماء أَو ائتنا بعذاب أليم. [٢٠٥] (أَفَرَ أَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ) أي: أخبرني إن متعناهم سنين في الدنيا متطاولة، وطوَّلنا لهم الأعمار. [٢٠٦] (ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَلنُ، ١.. عَدُونَ) من العذاب والهلاك. صفحة 376 [٢٠٧] (مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ) فإن متاع الدنيا إذا انقضى فكأنه لم يكن، ولا ينفع أصحابه في الآخرة. [٢٠٨] (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ) إلا بعد الإنذار إليهم، والإعذار بإرسال الرسل، وإنزال الكتب. [٢٠٩](ذكْرَى) أي: إن هذا الخبر عن الآخرة تذكير للناس ما داموا في دار العمل (وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ) في تعذيبهم، فقد قدمنا الحجة إليهم وأعذرنا إليهم. [٢١٠] (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ» أي: بالقرآن، فليس من قبيل ما يلقيه الشياطين على الكهنة. [٢١١] (وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ) ذلك، ولا يصح منهم (وَمَا يَسْتَطِيعُونَ) أن يفعلوا ما نسبه الكفار إليهم أصلًا. [٢١٢] (إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ) للقرآن، أو لكلام الملائكة (لَمَعْزُولُونَ) محجوبون مرجومون بالشهب [٢١٣] ( فَلَا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهَا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ) كأنه قال يا محمد: أنت أكرم الخلق عليَّ، وأعزهم عندي، ولو اتخذت معي إلهًا لعذبتك، فكيف بغيرك من العباد؟ [٢١٤] (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) لما نزلت دعا النبي وَالِليهِ قريشًا، فاجتمعوا فعمَّ وخص، فحذرهم وأنذرهم. [٢١٥] (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) أي: أظهرْ لهم المحبة والكرامة، وتجاوز عنهم. [٢١٨] (الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ) أي: تقوم للصلاة وحدك. [٢١٩] (وَتَقَلْبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) أي: ويراك إن صليت في الجماعة راكعًا وساجدًا وقائمًا. [٢٢١] (هَلْ أُنْبَئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ) فيه بيان استحالة تنزل الشياطين على رسول اللّٰه وعَلِيّة، لانها: [٢٢٢] ( تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكِ أَثِيم) الأفاك: الكذّاب، والأثيم: الكثير الإثم، والمراد: الكهَّانَ. [٢٢٣] يُلْقُونَ السَّمْعَ) الشياطين يلقون السمع، أي: ينصتون إلى الملأ الأعلى ليسترقوا منهم شيئًا [ثم يلقونه إلى الكهنة ويكذبون مع الكلمة الحق مائة كذبة] أو المراد: الكهنة ستمعون إلى ما تأتيهم به الشياطين ثم هم يكذبون ويتزيَّدون. [٢٢٤] (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) أي: يجاريهم ويسلك مسلكهم، ويكون من جملتهم، الغاوون، وهم ضُلال الجن والإنس. [٢٢٥] (أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ) في كل فنٍّ لن فنون الكذب يخوضون، وفي كل شِعب من شعاب الزّور يتكلمون، فتارة يمزة. ١. الأمراض بالهجاء، وتارة يأتون المجون، كما تسمعه في أشعارهم من مدح الخمر والزنى واللواط، ونحو هذه الرذائل الملعونة. [٢٢٦] (وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ) أي: يقولون: فعلنا وفعلنا، وهم كذبة في ذلك، فقد يفتخرون بكلامهم بالكرم والخير ولا يفعلونه، وقد ينسبون إلى أنفسهم الدعاوى الكاذبة والزور الخالص المتضمن لقذف المحصنات، وأنهم فعلوا بهنَّ كذا وكذا، وذلك كذب محض وافتراء بحت. [٢٢٧](إِلَّا الّذِينَ آمَنُوا) أي: من الشعراء (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) أي: دخلوا في حزب المؤمنين وعملوا بأعمالهم الصالحة (وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا) في أشعارهم (وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا) كمن يهجو منهم من هَجَاه، أو ينتصر لعالم أو فاضل، كما كان يقع من شعراء النبي وَلِلية فإنهم كانوا يهجون من يهجوه، ويحمون عنه، ويذبون عن عرضه، ويكافحون شعراء المشركين وينافحون (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) أي: وسيعلم كذبة الشعراء ونحوهم عندلة اء الله سموء مرجعهم. صفحة 377 تفسير سورة النمل 00%0 [١]الإشارة بقوله: (تِلْكَ) إلى نفس السورة (آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ) المراد بالكتاب المبين: القرآن نفسه، فقد وصف الآيات بالوصفين: القرآنية الدالة على كونه مقروءًا عربيًّا معجزًا، والكتابية الدالة على كونه مكتوبًا مع الإبانة لمعانيه لمن يقرؤه، أو هو بمعنى: بانَ معناه واتضح إعجازه بما اشتمل عليه من البلاغة. [٢] (هُدّى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) أي: تلك آيات هادية ومبشرة. [٤] (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) وهم الكفار، أي: لا يصدِّقون بالبعث ( زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ) زين اللّٰه لهم أعمالهم السيئة حتى رأوها حسنة (فَهُمْ يَعْمَهُونَ) أي: يترددون فيها تحيرين، لا يهتدون إلى طريقة، ولا يقفون على حقيقة. [٥] أَولَئِكَ الّذِينَ لَهُمْ سُوْءُ الْعَذَابِ) فى الدنيا كالقتل والأسر (وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْأَحْسَرُونَ) أشدُّ الناس خسرانًا وخيبة. [٦] (وَإِنَّكَ لِتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) أي: يلقي عليك فتتلقاه، وتأخذه من لدن كثير الحكمةً والعلم [وهو اللّٰه جلَّت حكمته وتعالى مجده ]. [](إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ) قيل: ولم يكن معه إذ ذاك إلا زوجته (إِنَّي انَسْتُ نَارًا) أبصرتها (سَآتِيِكُمْ مِنْهَا بِخَبَرِ) السين تدلَّ على قرب مسافة النار (أَوْ آنِيِكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ) آتيكُم بشعلة نار مقبوسة: أي مأخوذة من أصلها [والقبس: ما أخذته من النار من مكان لتشعل به نارًا أخرى] (لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) أي: رجاء أن توقدوا بها نارًا، فتستدفئوا بها من البرد، وقال ثعلب: أصل الشهاب عود في أحد طرفيه جمرة، والآخر لا نار فيه. [٨] (فَلَمَّا جَاءَهَا) أي: وصل إلى موضع النار موسى (يُودِيَ أَنْ بُورِكَ) أي: تقدَّس (مَنْ فِي النَّارِ) النار هنا هي مجرَّد نور، ولكنه رآها موسى أنها نار، عن ابن عباس: بعني تبارك وتعالى نفسه كان نور رب العالمين في الشجرة (وَمَنْ حَوْلَهَا) يحتمل أنه يعني الملائكة (وَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وفيه تعجيب لموسى من ذلك. [٩] (يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَّا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) العزيز الغالب القاهر، والحكيم في أمره وفعله. قيل: إن موسى قال: يا ربّ من الذي ناداني؟ فاجابه اللّٰه سبحانه بقوله: إنه أنا الله. ١٠٦ (وَأَلْقِ عَصَاكَ) فألقاها من يده فصارت حية ( فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ) تتحرّك كما يتحرك الجانُّ، هو الحية البيضاء، شبهها بااحاةً. ة، خفة حركتها (وَلَّى مُدْبِرًا) من الخوف (وَلَمْ يُعَقِّبْ) أي: لم يرجع على عقبيه، فقال اللّٰه سبحانه: (يَا مُوسَى لَا تَخَفْ) أي: من الحية وضررها (إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ) أي: لا يخاف عندي من أرسلته برسالتي، فلا تخف أنت. [١١](إِلَّا مَنْ ظَلَمَ) أي: لكن الذي يخاف هو من أذنب (ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا) أي: توبة وندما (بَعْدَ سُوءٍ) أي: بعد عمل سوء (فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي: فإني أغفر لمن خاف مقام اللّٰه بعد ما وقع منه الذنِب [وفيه عتاب خفي لموسى لقتله القبطي]. [١٢] (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ) الجيب: فتحة القميص حيث يدخل الرأس (تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) أي: من غير برص أو نحوه من الآفات، فأدخلها ثم أخرجها فإذا هي تبرق كالبرق (فِي تِسْعِ آيَاتٍ) المعنى: فهما آيتان من تسع، يعني العصا واليد، والبقية: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطمسة، والجدب في بواديهم، والنقصان في مزارعهم (إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ) أي: إنك مبعوث، أو مرسل [بهن] إلى فرعون وقومه (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَا فَاسِقِينَ). [١٣] ( فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آبَدُنَامُ م ةَ) أي: بلغت إليهم آياتنا التي صفحة 378 تدل على صحة نبوّة موسى حال كونها واضحة بينة، كآنها لفرط وضوحها تبصر نفسها، وقيل: المعنى: أنها الوضوحها منظورة (قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) ادعوا أن كونه سحرًا أمرٌ واضح لا شبهة عندهم فيه. [١٤] (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ) أي: كذبوا بها حال كون أنفسهم مستيقنة بصحَّتها (ظُلْمًا وَعُلُوًّا) نكبراً عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى وهم يعلمون أنها من عند اللّٰه (فَانْظُرْ) يا محمد (كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) أي: تفكر في ذلك؛ فإن فيه معتبرًا للمعتبرين. [١٥] (وَلَقَدْ أَتَيْنَا دَاوْدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا ) أيٍ: علمًا كثيرًا (وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ) أي: فعملا به وقالا: الحمد لله (الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ) أي: بالعلم والنبوَّة، وتسخير الطير والجنّ والإنس، ولم يفضلا أنفسهما على الكلّ تواضعًا منهما. [١٦](وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ) أي: ورثه العلم والنبوة والملك [وليس المال، فإن الأنبياء لا يورثون كما صح به الحديث] ولو كان المراد وراثة المال لما خصّ سليمان بالذكر؛ لأن جميع أولاده في ذلك سواء (وَقَالَ يَا أيُّهَا النَّاسُ نَلَمْنَا مَنْطِقَ الطّيْر) آتاه اللّٰه فهم معنى أصوات الطيور. [١٧] (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ) أي: جمع له جنوده من هذه الأجناس (فَهُمْ يُوزَعُونَ) الوازع في الحرب: الموكل بالصفوف يزع من تقدم منهم، أي: يرده [ إلى مكانه في الصف لتكون الصفوف منتظمة]. [١٨] (قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنْكُمْ) جعل خطاب النمل كخطاب العقلاء لفهمها لذلك الخطاب (لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ) أي: حاذروا أن يطأكم سليمان وجنوده بأرجلهم وحوافر دوابهم، فيحطموا أعضاءكم (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) أي: فَعَذَرَتْهُمْ قبل أن يفعلوا، أي: لا يشعرون بحطمكم، ولا يعلمون بمكانكم. [١٩]( فَتَبَسَّمَ) سليمان (ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا) والتبسم: أوَّل الضحك، وكان ضحك سليمان تعجبًا من قولها وفهمها واهتدائها إلى تحذير النمل (وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْني) أي: ألهمني ( أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتي أَنَّعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ) فإن الإنعام عليهما إنعام عليه، وذلك يستوجب الشكر منه لله سبحانه (وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ) أي: عملًا صالحًا ترضاه مني (وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) أدخلني في جملتهم، وأثبِت اسمي في أسمائهم، واحشرني في زمرتهم إلى دار الصالحين وهي الجنة [٢٠] (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ) أو . بمااً ب سليمان حال الطير وتعرَّف حال ما غاب منها، وكانت الطير تصحبه في سفره، وتظله بأجنحتها (فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ) هل ذلك لساتر يستره عني، أو لشيء آخر؟ ثم ظهر له أنه غائب، فقال: (أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ ) أي: بل هل هو غائب؟ [٢١] (لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابَا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ) قيل: العذابِ الشديد أن ينتف ريشه، وقيل: هو أن يمنعه من خدمته (أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينِ) هو الحجة البينة على أن له عذرًا في غيبته. [٢٢] (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ) أي: الهدهد، مكث زمانًا غير طويل، وقيل: بقي سليمان بعد التفقد والتوعد زمانًا غير طويل فجاء الهدهد (فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ) أي: علمت ما لم تعلمه من الأمر (وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإِ بِنَبَإِ يَقِينِ) سبأ: اسم لمدينة باليمن كانت فيها بلقيس ملكة. والنبأ: هو الخبر الخطير الشأن. [٢٣] (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ) قيل: اسمها بلقيس بنت شرحبيل (وَأَوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) في زمانها شيئًا (وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ) العرش كرسي الملك، قيل: كان من ذهب [٢٤](وَجَدْتُهَا وَقَوْءَهَاء° حُدُونَ لِلشَمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ) صفحة 379 أيٍ: يعبدونها متجاوزين عبادة اللّٰه سبحانه (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ) التي يعملونها، وهي عبادة الشمس وسائر أعمال الكفر (فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ) أي: صدَّهم الشيطان سبب ذلك التزيين عن الطريق الواضح، وهو الإيمان بالله وتوحيده (فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ) إلى الحقِّ من أمر الدين. [٢٥] أَلَّا يَسْجُدُوا) المعنى: زين لهم الشيطان ألا سجدوا، وقيل: أي زين لهم ما هم فيه لئلا يسجدوالله (الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: يظهر ما هو مخبوء ومخفيٌّ فيهما: القطر من السماء، والنبات من الأرض، وقيل: خبء الأرض: كنوزها ونباتها ومواضع الماء فيها، وقيل: الخبء: السر (وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) المعنى: أن اللّٰه سبحانه يخرج ما في ضمائر هذا العالم الإنساني من الخفاء بعلمه له، كما يخرج ما يخرج مما خفي في السماوات والأرض. [٢٦] اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) خص العرش بالذكر؛ لأنه أعظم المخلوقات كما ثبتَ ذلك في الحديث المرفوع إلى رسول اللّه وَلِّيه. [ ٢٧](قَالَ) سليمان للهدهد (سَنَنْظُرُ) فيما أخبرتنا به من هذه القصة (أَصَدَقْتَ) فيما قلت (أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) وفيه إرشاد إلى البحث عن الأخبار والكشف عن الحقائق، وعدم قبول خبر المخبرين تقليدًا لهم واعتمادًا عليهم إذا تمكن من ذلك بوجه من الوجوه. [٢٨] (اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ) أي: إلى أهل سبأ ( ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ) أَي: تنح عنهم إلى مكان تسمع فيه حديثهم. حتى يخبر سليمان بما سمع (فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ) استمع إلى ما يتراجعونه بينهم من الكلام. فذهب الهدهد فألقاه إليهم وتنحي، فسمعها عندما: [٢٩] (قَالَتْ) أي: بلقيس (يَا أَيَّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أَلَّقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ) عظَّمَتْهُ إجلالًا لسليمان، ولاشتماله على كلام حسن. [٣٠] إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) مفتتح بالتسمية وبعد التسمية [٣١] ( أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ) أي: لا تتكبروا كما يفعله جبابرة الملوك (وَأَنُونِي مُسْلِمِينَ) أي: منقادين للدين الحق. [٣٢] (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي) المعنى: يا أيها الأشراف أشيروا عليَّ، وبينوا لي الصواب في هذا الأمر، وأجيبوني بما يقتضيه الحزم ( مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ) أي: ما كنت مبرمة أمرًا من الأمور حتى تحضروا عندي وتشيروا علي. [٣٣] (قَالُوا) مجيبين ١٠١ -نُ أُولُو قُوَّةٍ) في العدد والعدة (وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ) عند الحرب واللقاء لنا من الشجاعة والنجدة ما نمنع به أنفسنا وبلدنا ومملكتنا (وَالأَمْرُ إِلَيْكِ) أي: التدبير موكول إلى رأيك ونظرك (فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ) أي: تأملي ماذا تأمريننا به، فنحن سامعون لأمرك مطيعون له. [٣٤] (قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا) أي: إذا دخلوا قرية من القرى خربوا مبانيها، وأتلفوا أموالها، وفرقوا شمل أهلها (وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذلَّةً) أي: أهانوا أشرافها وحطوا مراتبهم، وسلبوهم الرئاسات فصاروا عند ذلك أذلة، وإنما يفعلون ذلك لأجل أن يتم لهم الملك، وتستحكم لهم الوطأة، وتتقرر لهم في قلوب الناس المهابة. وقد صدقها اللّٰه سبحانه فقال: (وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) . [٣٥](وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ) فإن كان ملكًا أرضيناه بذلك وكفينا آمره، وإن كان نبيّا لم يرضه ذلك؛ لان غاية مطلبه ومنتهى أربه هو الدعاء إلى الدين (فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ) ثم أفكر وأدبر تبعًا لما يرجع به رسلي المرسلون بالهدية من قبول أو رد، فأعما ١٠٠ يقتضيه ذلك. صفحة 380 [٣٦] (فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ) أي: فلما جاء رسولها المرسل بالهدية إلى سليمان (قَالَ أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ) أي: قال منكرًا لإمدادهم له بالمال مع علو سلطانه وكثرة ماله {فَمَا آتَانِيَ الله) من النبوة والملك العظيم والأموال الكثيرة (خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ) من المال الذي هذه الهدية من جملته (بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ) وأما أنا فلا أفرح بها، وليست الدنيا من حاجتي. قال: سليمان للرسول: [٣٧] (ارْجِعْ إِلَيْهِمْ) إلى بلقيس وقومها { فَلَنَأْتِيََّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا) لا طاقة لهم بها (وَلَنَّخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا) من أرضهم التي هم فيها ( أَذِلَّةً) بعد ما كانوا أعزة (وَهُمْ صَاغِرُونَ) الصَّغار هو الذلة، وقيل: الصغار هنا الأسر والاستعباد. [٣٨](قَالَ) سليمان (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُّ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا) أي: عرش بلقيس الذي تقدم وصفه بالعظم (قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) أخبر بوحي من اللّٰه أنهم سيأتونه ستسلمين، [أو قدَّر ذلك تقديرًا بسبب معرفته بالحال]. قيل: أراد سليمان أخذ عرشها ليريها القدرة التي هي من عند الله، ويجعله دليلًا على نبوته. [٣٩] (قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَّا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ) قبل أن يقوم من مجلسه الذي يجلس فيه للحكم بين الناس (وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ) إني لقوي على حمله ( أَمِينٌ) على ما فيه. [٤٠](قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ) قال أكثر المفسرين: اسم هذا الذي عنده علم من الكتاب آصف بن برخيا، من بني إسرائيل، وكان وزيرًا لسليمان. وقيل: هو سليمان نفسه، كأن سليمان استبطأ ما قاله العفريت، فقال تحقيرًا لمقدرته: أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك، والمراد بالطرف: تحريك الأجفان وفتحها للنظر، وارتداده: انضمامها، كما تقول لصاحبك: افعل ذلك في لحظة ( فَلَمَّا رَاهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ) أي: فأذن له سيلمان فدعا اللّٰه فأتى به، فلما رأى سليمان العرش حاضرًا لديه (قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ) أي: ليختبرني أأشكره بذلك وأَعترف أنه من فضله، أم أكفر بترك الشكر وعدم القيام به. [٤١] (قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا) غيروا سريرها إلى حال نكره إذا رآته، قيل: غير بزيادة ونقصان. وقيل: إنهم قالوا له: إن في عقلها شيئًا، فأراد أن يمتحنها {نَنْظَرْ أَتَهْتَدِي) إلى معرفته، أو إلى الإيمان بالله {أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ) إلى ذلك. [٤٢] (فَلَمَّا جَاءَتْ) أي: بلقيس إلى سليمان (قِيلَ) لها، والقائل هو سليمان، أو غيره بأمره (أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ) جعلت تعرف وتنكر، وتعجب من حضوره عند سليمان، فقالت: كأنه هو. فكأنها ليست متحققة من ذلك (وَأَوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ) قيل: هو من قول سليمان، أي: أوتينا العلم بقدرة اللّٰه من قبل بلقيس، وقيل: أوتينا العلم بإسلامها ومجيئها طائعة من قبلها. [٤٣] (وَصَدَّهَا) أي: عن الإيمان (مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ) [ تعلّقها بعبادة الشمس التي نشأت عليها ]. [٤٤] (قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ) الصرح: القصر ( فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً) أي: ظنته بحرًا. واللجة: معظم الماء، فلذلك (كَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا) لتخوض الماء، فلما فعلت ذلك (قَالَ) سليمان (إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ) أي: من زجاج، والممرد: المحكوك المملس. فلما سمعت بلقيس ذلك أذعنت واستسلمت (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي) أي: بما كنت عليه من عبادة غيرك (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ ) متابعة له داخلة في دينه (الَّه ." . الْعَالَمِينَ) . صفحة 381 [٤٥] (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ) تفسير للرسالة، أي: بأن اعبدوا اللّٰه (فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ ) الفريقان: المؤمنون منهم، والكافرون، كل فريق يخاصم على ما هو فيه، ويزعم أن الحق معه. وقيل: إن الخصومة بينهم في صالح: هل هو مرسل أم لا؟ [٤٦] (قَالَ يَا قَوْم لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ) أي: لِم تؤخرون الإيمان الذي يجلب إليكم الثواب، وتقدمون الكفر الذي يجلب إليكم العقوبة؟ وقد كانوا لفرط كفرهم يقولون: ائتنا يا صالح بالعذاب (لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَهَ) هلا تستغفرون الله، وتتوبون إليه من الشرك ( لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) كي ترحموا فلا تعذبوا. [٤٧] (قَالُوا الطَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ) أصله: تطيرنا، أي: نشاءمنا بك وبمن معك ممن أجابك ودخل في دينك، قيل: أصابهم قحط فتشاءموا بصالح (قَالَ) لهم صالح (طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ) أي: ليس ذلك بسبب الطير الذي تتشاءمون به، بل سبب ذلك عند اللّٰه [فكلِ أموركم بيده، يصنع ما يشاء ولا علم للطير بذلك] (بَلْ أَنَّتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ) أي: تمتحنون وتختبرون. وقيل: يفتنكم الشيطان بما تقعون فيه من الطيرة. [٤٨] (وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ) التي فيها صالح وهي الحجر (تِسْعَةٌ رَهْطٍ) أي: تسعة رجال من أبناء الأشراف. وهؤلاء التسعة هم أصحاب قُدار عاقر الناقة (يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ) أي: شأنهم وعملهم التخريب. [٤٩] (قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللهِ) أي: قال بعضهم لبعض: [ تعالوا يحلف كل منا للآخرين مَا لَيَتَّهُ وَأَهْلَهُ ) جواب القسم: أي: لنأتينّ صالحًا بغتة في وقت البيات في ظلمة الليل، فنقتله وأهله ( ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيّهِ) لقريبه المطالب بدمه ( مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ) تحالفوا أن يقتلوا صالحًا وأهله، ثم ينكروا عند أوليائه أنهم ما فعلوا ذلك [ بقولهم: ما رأينا مقتله أصلًا، إيهامًا منهم بأنهم ما قتلوه ولا حضروا مقتله] (وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) أي: في قولنا: ما شهدنا مهلك أهله، فإنهم لو قتلوه في الظلام لم يروه حال القتل. [٥٠] (وَمَكَرُوا مَكْرًا) أي: بهذه الطريقة (وَمَكَرْنَا مَكْرًا) جازيناهم بفعلهم فأهلكناهم (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) بمكر الله. ٥١] (أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ) دمر التسعة الرهط المذكورين، ودمر قومهم الذين لم يكونوا معهم عند مباشرتهم لذلك، ولم يسلم من العقوبة فرد من أفرادهم. [٥٢] (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً) أي: خالية عن أهلها خرابًا ليس بها ساكن (بِمَا ظَاءُ. اه أي: بسبب ظلمهم. ٥٣] (وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا) وهم صالح ومن آمن به (وَكَانُوا يَتَّقُونَ) اللّٰه ويخافون عذابه. [٥٤](وَلُوطًا) أي: وأرسلنا لوطًا (إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ) أي: الفعلة المتناهية في القبح والشناعة، وهم أهل سدوم (وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) بمعنى: النظر؛ لأنهم كانوا لا يستترون حال فعل الفاحشة عتوًّا وتمردًا، وقد تقدم تفسير هذه القصة في سورة الأعراف مستوفى. [٥٥] (أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً) فيه تكرير للتوبيخ مع التصريح بأن تلك الفاحشة هي اللواطة (مِنْ دُونٍ النَسَاءِ أي: متجاوزين النساء اللاتي هن محل لذلك (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) مقدار عظم العقوبة على هذه المصيبة. [٥٦] (إِنَّهُمْ أَنَاسُ يَتَطَهَّرُونَ) أي: يتنزهون عن أدبار الرجال، قالوا ذلك استهزاء بهم. [٥٧] ( فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ) من العذاب (إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ) أي: قدرنا أنها من الباقين في العذاب. [٥٨] (فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ) المراد بالمنذرين: الذين أُنذروا فلم يقبلوا أمطره ١١٠ ١ -حارة حتى ماتوا. صفحة 382 ٥٩] (قُل الْحَمْدُ لِلَّهِ) أي: قل يا محمد: الحمد لله على هلاك كفار الأمم الخالية (وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى) أي: الذين اختارهم، وهم صفوة البشرية: أمة محمد وَلِ يه والأنبياء وأتباعهم (اللهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ) الأصنام، وقيل المعنى: أثواب اللّٰه خير، أم عقاب ما تشركون به؟ [٦٠] (أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ) تقديره أآلهتكم خيرِ أم من خلق السماوات والأرض، وقدر على خلقهن (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) أي: نوعًا من الماء، وهو المطر (فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ) الحديقة: البستان الذي عليه حائط (ذَاتَ بَهْجَةٍ) أي: ذات حسن ورونق يبتهج به من رآه ( مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا) أي: ما كان للبشر ولا يتهيا لهم ذلك، ولا يدخل تحت مقدرتهم؛ لعجزهم عن إخراج الشيء من العدم إلى الوجود وآإِلَهٌ مَعَ اللهِ» [أي: أفَعَل ذلك كله إله مع اللّٰه حتى تعبدوه، أم الذي صنعه هو اللّٰه وحده؟] وقيل المعنى: هل معبود مع اللّٰه الذي تقدم ذكر بعض أفعاله، حتى يقرن به ويجعل شريكًا له في العبادة؟ (بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ» أي: يعدلون بالله غيره، أو يعدلون عن الحق إلى الباطل. [٦١] (أَمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا) أي: سواها بحيث مكن الاستقرار عليها (وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ) أي: جبالًا ثوابت تمسكها وتمنعها من أن تضطرب بالبشر الذين عليها (وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا) البحران: هما العذب والمالح، فلا يختلط أحدهما بالآخر، فلا هذا يغير ذاك ولا ذاك يدخل في هذا، وقد مر بيانه في سورة الفرقان (أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ) أي: إذا ثبت أنه لا يقدر على ذلك إلا الله، فهل في الوجود إله يصنع صنعه، ويخلق مثل خلقه؟ فكيف يشركون به ما لا يضر ولا ينفع؟ (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) أي: توحيد ربهم وسلطان قدرته. [٦٢] (أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ)) المضطر: هو المكروب المجهود الذي لا حول له ولا قوة، الذي عراه ضر من فقر أو مرض أو غيرهما، فألجأه إلى التضرع إلى اللّٰه سبحانه، الذي هو يجيب دعاء المضطر إذا دعاه مخلصًا له الدين (وَيَكْشِفُ السُّوءَ) الضر، والمرض، والفقر (وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ) يهلك قرنًا وينشئ آخرين، وقيل: يجعل المسلمين خلفًا من الكفار، ينزلون أرضهم وديارهم (أَلَهٌ مَعَ اللهِ) يولِيكم هذه النعم الجسام، أم هو الله وحده هَا لَا ءَا تَذَكَّرُونَ) فترجعون إلى الحق، وهو الاعتراف لله تعالى بنعمه، وتخصيصه بالعبادة دون سائر المعبودات. [٦٣] (أَمْ مَنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) أي: يرشدكم في الليالي المظلمات إذا سافرتم في مفاوز البر التي لا أعلام لها، ولجج البحار (وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) يرسل الرياح قبل المطر مبشرات بقرب نزوله ( أَلِلَه مَعَ اللهِ) يفعل ذلك ويوجده (تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) أي: تنزَّه وتقدس عن أن يكون له شريك مما يجعلونه شريكًا له. [٦٤] (أَمْ مَنْ يَبْدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ)) كانوا يقرون بأن اللّٰه سبحانه هو الخالق فألزمهم بقدرته على الإعادة (وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) بالمطر والنبات والأنعام {أَلِلَهُ مَعَ اللهِ يصنع شيئا من ذلك حتى تجعلوه شريكًا (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) [فإنكم لو كنتم صادقين فيما تدعون أن مع اللّٰه شريكًا يصنع مثل صنعه لأمكنكم البرهنة على ذلك]. [٦٥] (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) أي: لا يعلمون متى بنتشرون من القبور. [٦٦] (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُ. : الْآخِرَةِ ) ادارك: أي: تدارك بمعنى صفحة 383 تكامل علمهم في الآخرة، لأنهم رأوا كل ما وعدوا به، وعاينوه، وذلك حين لا ينفعهم العلم، لأنهم كانوا في الدنيا مكذبين (بَلْ هُمْ فِي شَكَّ مِنْهَا) أي: بل هم اليوم في الدنيا في شك من الآخرة، ثم أضرب عن ذلك إلى ما هو أشد منه فقال: (بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ» فلا يدركون شيئًا من دلائلها لاختلال بصائرهم التي يكون بها الإدراك. [٦٨] (لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا) يعنون البعث (نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ ) أي: من قبل وعد محمد لنا [وما نرى أحدًا من آبائنا عاد بعد موته] (إِنْ هَذَا) أي: قالوا: ليس هذا الوعد بالبعث (إلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) أحاديثهم وأكاذيبهم الملفقة مسطورة في الكتب المتقدمة وليس وحيًا من عند الله. [٦٩] (قَلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ) وشاهدوا عظيم آثار من بلكم فَانْظَرُوا) بأبصاركم وبصائركم (كَيْفَ كَانَ عَاقِبَة الْمُجْرِمِينَ) أي: كيف كانت نهاية الأمر، وخاتمة حال الذين كذبوا بما جاءت به الأنبياء من الإخبار بالبعث. [٧٠] (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) لما وقع منهم من الإصرار على الكفر (وَلَا تَكُ فِي ضَيْقِ) وهو ما تضيق عنه الصدور (مِمَّا يَمْكُرُونَ) أي: لا يضيق صدرك بدعوة اللّٰه لما ترى من مكر هؤلاء بك. [٧٢] (قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ) أي: عسى أن يكون قد قرب ودنا وأزف بعض ما تتعجلونه من العذاب وأنتم لا تشعرون بقربه. [٧٣] (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ) فِي تأخير العقوبة وغيره من أفضاله سبحانه وإنعامه (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ) فضله وإنعامه، ولا يعرفون حق إحسانه. [٧٤] (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنّ صُدُورُهُمْ) أي: ما نخفيه (وَمَا يُعْلِنُونَ) وما يظهرون من أقوالهم وأفعالهم. (ومَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلّا فِي كِتَابِ مُبِينِ) الغائبة: جميع ما أخفى اللّٰه عن خلقه وغيبه عنهم، فهو مبين في اللوح المحفوظ، فلا يخفى عليه شيء من ذلك، ومن جملته ما يستعجلونه من العذاب، فإنه موقت بوقت، ومؤجل بأجل علمه عند الله، فكيف يستعجلونه قبل أجله المضروب له؟ [٧٦] (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَني إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) نزل القرآن مبينًا لما اختلفوا فيه من الحق، فلو أخذوا به لوجدوا فيه ما يرفع اختلافهم ويدفع تفرقهم. (وإنَّهُ لَهُدى وَرَحْمَةٌ للْمُؤْمِنِينَ) أي: وإن القرآن( لهدى ورحمة لمن آمن بالله وتا.- . .. وله. ٧٨] (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ) أي: يقضي بين المختلفين من بني إسرائيل بما يحكم به من الحق، فيجازي المحق ويعاقب المبطل، وقيل: يقضي بينهم في الدنيا فيظهر ما حرفوه (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) العزيز الذي لا يغالب، والعليم بما يحكم به. ٧٩٦] (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) فوض إليه أمرك، واعتما عليه فإنه ناصرك، ولا تبال بمن يعاندك من المشركين {إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ) أي: الظاهر كونه حقًّا لا ينبغي آن يشك فيه بوجه من الوجوه. [٨٠] (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ) شبه الكفار بالموتى الذين لا حس لهم ولا عقل، وبالصمّ لأنهم لا يسمعون المواعظ ولا يجيبون الدعاء إلى اللّٰه {إِذَا وَلَوْا مُدْبِرِينَ) أي: إذا أعرضوا عن الحق إعراضًا تامًّا، فإن الأصم لا يسمع الدعاء إذا كان مقبلا، فكيف إذا كان معرضًا عنه موليًا ظهره إلى الداعي مدبرًا عنه. [٨١] (وَمَا أَنَّتَ بِهَادِي الْعُمْي عَنْ ضَلَالَتِهِمْ) أي: ما أنت بمرشد من أعماه اللّٰه عن ١١ ح: ١. شادًا يوصله إلى المطلوب صفحة 384 منه وهو الإيمان، وليس في وسعك ذلك ( إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ) أي: ما تسمع إلا من يصدّق بالقرآن [ فيأخذه بالقبول والرضا] لا من يكفر به (فَهُمْ مُسْلِمُونَ) أي: فهم منقادون مخلصون. [٨٢] (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ) حق العذاب عليهم، وذلك عند اقتراب الساعة، وما فيها من فنون الأهوال التي كانوا يستعجلونها {أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ) اللّٰه أعلم بوصف تلك الدابة، وعلى أي هيئة تكون، فهي من علامات الساعة ( تُكَلَّمُهُمْ) أي: تحدِّث الناس {أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ) أي: فتخبر الناس أن فلانًا مؤمن وفلانًا كافر. روى مسلم عن ابن عمر مرفوعًا: (إن أول الآيات خروجًا: طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى». [٨٣] (فَهُمْ يُوزَعُونَ) أي: اذكر يا محمد: يوم نجمع من كل أمة من الأمم جماعة مكذبين بآياتنا، فهم عند ذلك الحشر يرد أولهم على آخرهم. [٨٤] ( حَتَّى إِذَا جَاءُوا) إلى موقف الحساب (قَالَ) اللّٰه لهم: {أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي) التي أنزلتها على رسلي، وأمرتهم بإبلاغها إليكم (وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا) بل كذبتم بها مُبادرين قبل التصور الصحيح لها ومعرفة معانيها ودلالاتها، وكل من فعل ذلك فهو مستحق لأن تنزل به قارعة من قوارع العقوبة التي تزجره عن جهله وضلاله وطعنه على ما لا يعرفه ولا يعلم به، ولا يحيط بكنهه (أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» حتى شغلكم ذلك عن النظر فيها والتفكر في معانيها. ٨٥] (وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا) أي: وجب القول عليهم بإنزال العقوبة بسبب الظلم الذي أعظم أنواعه الشرك بالله (فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ) عند وقوع القول عليهم، أي: ليس لهم عذر ينطقونِ به. [٨٦] (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا) أي: جعلنا الليل للسكون والاستقرار والنوم، سبب ما فيه من الظلمة و[البرودة]، فإنهم لا يسعون فيه للمعاش، وجعلنا النهار ليبصروا فيه ما يسعون له من المعاش الذي لا بد لهم منه. [٨٧](وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ) الصور: قرن ينفخ فيه الملك. والنفخات في الصور ثلاث: الأولى: نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصعق، والثالثة: نفخة البعث. وقيل: إنها فختان، وإن نفخة الفزع -وهي المذكورة في هذه الاية - إما أن تكون هي نفخة الصه- أ. :مخة البعث ( فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) أي: خافوا وانزعجوا لشدة ما سمعوا (إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ) ألا يفزع عند تلك النفخة. قيل: هم الشهداء والأنبياء والمؤمنون كافة، بدليل قوله فيما بعد: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمنون) (وَكُلَ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ صاغرين أذلاء. ٨٨] (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً) أي: قائمة وساكنة (وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ) تسير سيرًا حثيثا كسير السحاب التي تسيرها الرياح. وهذا يوم القيامة [ويحتمل أن ذلك في الدنيا، ويكون إشارة إلى دوران الأرض، يحسبها أهلها ساكنة وهي متحركة، ولقوله فيما بعد:] (صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) [فإن الصنع الإتقان وهو غير النسف، فإن اللّٰه ينسف الجبال يوم القيامة نسفًا] (إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) فلأجل خبرته صنع ما صنع، وأتقن كل شيء، والخبير: المطلع على الظواهر والضمائر. [٨٩] (وَهُمْ مِنْ فَزَعِ يَوْمَتِذٍ آمِنُونَ) من فزع جميعٍ ذلك اليوم. وقيل المراد: الفزع الأكبر المذكور في قوله: (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ). [٩٠] (وَمَنْ جَاءَ بِاا تَغَة م المراد بالسيئة هنا: الشرك صفحة 385 (فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ) أي: كُبُّوا على وجوههم، وأُلقوا فيها وطرحوا عليها (هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ نَعْمَلُونَ) أي: يقول لهم خزنة جهنم: ما تجزون إلا جزاء عملكم السيء. [٩١] (إنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا) أي: قل يا محمد: إنما أمرت أن أخص اللّٰه بالعبادة وحده لا شريك له، رب مكة التي فيها بيت اللّٰه الحرام. ومعنى: حرَّمها: جعلها حرمًا آمنًا لا يسفك فيه دم، ولا يظلم فيها أحد، ولا يصطاد صيدها (وَلَهُ كُلّ شَيْءٍ) خلقًا، وملكًا، وتصرفًا (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) أي: المنقادين لأمر اللّٰه المستسلمين له بالطاعة، وامتثال أمره، واجتناب نهيه. [ ٩٢] (وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ) المراد: تلاوة الدعوة إلى الإيمان، أي: أن أقرأ عليكم القِرِآن لأنذركم به، وأدعوكم به إلى طاعة اللّٰه ( فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ) لأن نفع ذلك راجع إليه {وَمَنْ ضَلِّ) بالكفِر، وأعرض عن الهداية، فوبال ضلاله عليه (فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ) وقد فعلت، بإبلاغ ذلك إليكم، وليس عليَّ غير ذلك. [٩٣] (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) على نعمه من النبوة والعلم وغير ذلك (سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ) في أنفسكم وفي غيركم (فَتَعْرِفُونَهَا) أي: تعرفون آياته، ودلائل قدرته ووحدانيته، وهذه المعرفة لا تنفع الكفار؛ لأنهم عرفوها حين لا يقبل منهم الإيمان، وذلك عند حضور الموت (وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) ترهيب وتهديد. تفسير سورة القصص [٣] (نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَاِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) أي: نوحي إليك من خبرهما في هذه السورة الكريمة. خبرا متصفًا بالحق؛ ليكون ما فيها من الحق وأخبار الأنبياء هداية للمؤمنين وعبرة لهم، أما من يكفر به فلا ينتفع بما فيه. [٤] (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ) أي: تكبر وتجبر بسلطانه في أرض مصر، وادعى الربوبية، واستعبد أهلها (وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا) أي: فرقًا وأصنافًا في خدمته، يشايعونه على ما يريد، ويطيعونه، فيقهر بعض شيعهم بيعض (يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ) الطائفة: هم بنو إسرائيل (يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ)) كَان فرعون يذبح أبناءهم ويترك البنا - .'. لأن المنجمين في ذلك العصر أخبروه أنه يذهب مُلكُه على يد مولود من بني إسرائيل. قال الزجاج: والعجب من حمق فرعون، فإن الكاهن الذي أخبره بذلك إن كان صادقًا فما ينفع القتل، وإن كان كاذبًا فلا معنى للقتل [وفي تصديق هذا القول ما فيه؛ إذا المنجمون والكهان لا يعلمون من الغيب شيئًا، ولا يجوز شرعًا التصديق بمثل هذه الأخبار. ولعل قتله لأبنائهم لمجرد الاستعباد، أو لأخبار تناقلها الإسرائيليون عن أنبيائهم بظهور موسى والله أعلم] (إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) في الأرض بالمعاصي والتجبر والقتل. [٥] (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ) أي: نريد بتدبيرنا الحكيم أن نتفضل عليهم بعد استضعافهم [ولذلك هيأ الله تعالى ما هيّأه من اصطفاء موسى، وبعثه رسولًا، وما أعطاه من الآيات حتى أخرج بني إسرائيل من مصر، وأهلك فرعون وجنوده، على ما يأتي تفصيل خبره بعد هذا الإجمال] (وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَةً)) قادة في الخير، ودعاة إليه وولاة على الناس (وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) أي: للأرض المقدسة، وهي أرض بيت المقدس، كما قال اللّٰه تعالى: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْنِ مَمَذَا. بَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا). صفحة 386 [٦] (وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ) أي: نجعلهم مقتدرين عليها يتصرّفون فيها كيف شاءوا (وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا)) أي: ويري اللّه فرعونَ (مِنْهُمْ) من أولئك المستضعفين (مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) يجتهدون في دفعه، من ذهاب ملكهم، وهلاكهم على يد المولِود من بني إسرائيل المستضعفين [٧] (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أَمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ) أي: ألهمناها وقذفنا في قلبها، وليس ذلك هو الوحي الذي يوحى إلى الرسل (فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ) من فرعون بأن يبلغ خبره إليه فَألْقِيهِ فِي الْيَمِّ) وهو نهر النيل، وقد تقدّم بيان الكيفية التي ألقته عليها في اليمِّ في (سورة طه، الآية: ٣٩) (وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي) أي: لا تخافي عليه الغرق أو الضيعة، ولا تحزني لفراقه (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ) عن قريب على وجه تكون به نجاته (وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) الذين نرسلهم إلى العباد. [٨]( فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ) أخذوا التابوت الذي فيه موسى من البحر (لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًّا ) هم أخذوه قاصدين أن يكون لهم ولدًا وقرة عين، لا ليكون عدوًّا، فكان عاقبة ذلك أنه كان لهم عدوًّا وحزنًا. فاعجبوا لتدبير اللّٰه وعظيم حكمته؛ إذ رُبِّي موسى في حجر فرعون فكان هلاكه على يده (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ) عاصين آثمين في كل أفعالهم وأقوالهم بما كانوا يفعلون ببني إسرائيل من التعذيب والاستعباد وقتل أبنائهم واستحياء نسائهم. [٩] (وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنِ لِي وَلَكَ) أي: قالت امرأة فرعون لفرعون: هذا الطفل سيكون مصدر سرور لي ولك (لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا) فنصيب منه خيرًا (أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) وكانت لا تلد، فاستوهبته من فرعون فوهبه لها (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) أي: لا يشعرون أن هلاكهم على يده. [١٠] (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا) أي: فارغًا من كل شيء إلا من أمر موسى، كأنها لم تهتمَّ بشيء سواه لما سمعت بوقوعه في يد فرعون (إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ) كادت أن تقول: إنه ابنها؛ من فرط ما همها من الدهش والخوف والحزن (لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا) أي: لولا أن اللّٰه وعَجَل شدَّ على قلبها وقوّاه بالسكينة والطمأنينة والثقة بوعد اللّٰه نعالى أنه سيرد إليها ابنها، ولولا أن ألهمها اللّٰه الصبر والأناة (لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) من المصدّقين بوعد اللٰه بردِّه إليها. [١١] (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ) تتبعي أثره واعرفي خبره ( بَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ) رأة» ٠. متجانفة مخاتلة (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) أنها تقصه وتتبع خبره وأنها أخته تريد أن تنقذه من ظلمهم. [١٢] (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ) أي: منعناه أن يرضع من المرضعات (مِنْ قَبْلُ) من قبل أن نردّه إلى أمه، وقد كانت امرأة فرعون طلبت لموسى المرضعات ليرضعنه، فلم يرضع من واحدة منهن (ف) عند ذلك (قَالَتْ) أي: أخته لما رأت امتناعه من الرضاع (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ) أي: يضمنون لكم القيام به وإرضاعه (وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ) أي: مشفقون عليه لا يقصرون في إرضاعه وتربيته. [١٣ ] ( فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمَّهِ) أي: فدلتهم على أمّ موسى فدفعوه إليها، فقبل ثديها، ورضع منه (كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا) بولدها (وَلَا تَحْزَنَ) على فراقه. وفيما يؤثر عن ابن عباس: إنها لما قالت أخته: (وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ) شكّوا في أمرها وقالوا: وما يدريك بنصحهم له وشفقتهم عليه؟ فقالت: لرغبتهم في سرور الملك. فأطلقوها. فلما قبل ثديها أحسنت إليها امرأة الملك وأجر، ١٠ ١٥٠٠ النفقة والكساوي. صفحة 387 اي: فكانت ترضع ولدها وتأخذ عليه الأجر من عدوه. وهذا تدبير الحكيم العليم (وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ» أي: جميع وعده، ومن جملة ذلك: أن اللّٰه تعاليٍ وفى لها بوعده عندما وعدها بقوله: (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ) (حَقَّ ) لا خلف فيه واقع لا محالة (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) بل هم في غفلة عن القدر وسر القضاء، أو أكثر الناس لا يعلمون بذلك. [١٤] (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ) قيل: الأشد ما بين الثمانية عشر إلى الثلاثين، والاستواء إشارة إلى كمال الخلقة ( آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا) الحكم: الحكمة على العموم، وقيل: النبوّة، وقيل: الفقه في الدين، والعلم: معرفته بدينه ودين آبائه (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) أي: مثل ذلك الجزاء الذي جزينا موسى وأمه نجزي المحسنين على إحسانهم. [١٥]وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ) أي: ودخل موسى مدينة مصر الكبرى (عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا) أي: مستخفيًا، قيل: لما عرف موسى ما هو عليه من الحق في دينه عاب ما عليه قوم فرعون، وفشا ذلك منه، فأخافوه فخافهم، فكان لا يدخل المدينة إلا مستخفيًا (فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ) أي: ممن شايعه على دينه، وهم بنو إسرائيل (وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ) وهم قوم فرعون (فَاسْتَغَائَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ) أي: طلب منه أن ينصره ويعينه (عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ) فأغاثه، قيل: أراد القبطي أن يسخّر الإسرائيلي ليحمل حطبًا لمطبخ فرعون، فأبى عليه، واستغاث بموسى (فَوَكَزَهُ مُوسَى) الوكز: ضربه بعصاه (فَقَضَى عَلَيْهِ) أي: قتله، وكل شيء أتيت عليه وفرغت منه فقد قضيت عليه، قيل: لم يقصد موسى قتل القبطي، وإنما قصد دفعه فأتى ذلك على نفسه، ولهذا (قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) لأنه لم يكن مأمورًا بقتله، وقيل: إن تلك الحالة حالة كف عن القتال؛ لكونه مأمونًا عندهم، فلم يكن له أن يغتالهم ( إِنَّهُ عَدُوٌ مُضِلٌّ مُبِينٌ) أي: عدو للإنسان يسعى في إضلاله، ظاهر العداوة والإضلال. ١٦] (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ ) اللّٰه (لَهُ) ذلك (إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) ووجه استغفاره: أنه لم يكن لنبيّ أن يقتل بغير ذنب يستدعي القتل. ١](قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا بلْمُجْرِمِينَ) أي: بسبب ما أنعمت به عليَّ من العلم والحكمة والمغفرة فلن أعين مجرمًا على إجرامه. ١٨] ( فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَرَقَّبُ) أي: دخل في وقت الصباح في المدينة ال- -ا فيها القبطي يترقب المكروه، أو يترقب الفرج (فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ) أي: فإذا صاحبه الإسرائيلي الذي استغاثه بالأمس يقاتل قبطيًّا آخر أراد أن يسخره ويظلمه (قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ) أي: بين الغواية، وذلك لأنه تسبب بالأمس لقتل رجل، ويريد اليوم أن يتسبب لقتل آخر. [١٩ ](فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا) أي: يبطش بالقبطي الذي هو عدوّ لموسى وللإسرائيلي حيث كان ظالمًا لقومهما (قَالَ يَا مُوسَى) القائل هو الإسرائيلي، قيل: ظن أنه يريد أن يبطش به، فقال لموسى (أتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ) فلما سمع القبطي ذلك أفشاه، ولم يكن قد علم أحد، وقيل: إن القائل هو القبطي، وكان قد بلغه الخبر {إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ) الجبار: الذي يفعل ما يريد من الضرب والقتل، ولا ينظر في العواقب، ولا يدفع بالتي هي أحسن (وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ) بين الناس. [٢٠] (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى) أقصى المدينة: آخرها وأبعدها (قَالَ يَامُوَ اذَّااْ مَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ) صفحة 388 أي: يتشاورون في قتلك، ويتآمرون عليك (فَاخْرُجْ إِنّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ). [٢١] ( فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ) فخرج موسى من المدينة خائفًا من الظالمين مترقبًا لحوقهم به وإدراكهم (قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ). [٢٢](وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ) أي: نحو ديار قبيلة مدين قاصدًا لها، أي: سلك في الطريق الذي يوصل إلى مدين (قَالَ عَسَى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ) إلى مدين فلا أضل عن الطريق. [٢٣] (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ) أي: وصل إليه، وهو الماء الذي يستقون منه (وَجَدَ عَلَيْهِ أَمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ) وجد على الماء جماعة كثيرة من الناس يسقون مواشيهم (وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ) تحبسان أغنامهما عن الماء حتى يفرغ الناس، ويخلوا بينهما وبين الماء (قَالَ مَا خَطْبُكُمَا) أي: قال موسى للمرأتين: ما شأنكما لا تسقيان غنمكما مع الناس؟ (قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ) عادتنا التأني حتى يصدر الناس عن الماء، وينصرفوا منه؛ حذرًا من مخالطتهم، أو عجزًا عن السقي معهم (وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) عالي السن، أي: لا يقدر أن يسقي ماشيته من الكبر، فلذلك احتجنا ونحن امرأتان ضعيفتان أن نسقي الغنم. [٢٤] (فَ) لما سمع موسى كلامهما (سَقَى لَهُمَا) أيِّ: سقى أغنامهما لأجلهما (ثُمَّ) لما فرغ من السقي هما (تَوَلَى إِلَى الظَلَ ) أي: انصرف إليه، فجلس فيه (فَقَالَ رَبِّ إِنَّى لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرِ) أي خير كان (فَقِيرٌ) أي: محتاج إلى ذلك. [٢٥] (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ) أي: فذهبتا إلى أبيهما سريعتين، فحدّثتاه بما كان من الرجل الذي سقى لهما، فأمر إحدى بنتيه أن تدعوه له فجاءته. وذهب أكثر المفسرين إلى أنهما ابنتا شعيب [وليس في القرآن أو السنة ما يدل على أنه شعيب] (قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا) أي: جزاء سقيك لنا (فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ) أخبره بجميع ما اتفق له من عند قتله القبطيّ إلى عند وصوله إلى ماء مدين (قَالَ) أبوهما (لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أي: فرعون وأصحابه؛ لأن فرعون لم يكن له سلطان على أرِض مدين [٢٦] (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ) ليرعى لنا الغنم (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَ.=. الْحَوِيُّ الْأَمِينُ) أي: إنه حقيق باستئجارك؛ له لكونه جامعًا بين خصلتي القوّة والأمانة [وهاتان الصفتان إذا اجتمعتا في إنسان فهو أولى الناس بالقيام بذلك العمل، سواء أكان أجيرًا أم وكيلاً أم موظفًا أم ناظرًا، إلى غير ذلك. وأولهما: الأمانة، فلا يخون فيما وكِل إليه مما يملكه غيره، والثانية: القوة على ذلك العمل، وتشمل الخبرة فيه، والهمّة الدافعة لأدائه، والقدرة البدنية] وكل ذلك كان في موسى لَاَةُ ٢٧] (قَالَ إِنَي أَرِيدُ أنْ أَنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ) فيه مشروعية عرض وليّ المرأة لها على الرجل الكفء الصالح، وهذه سنة ثابتة في الإسلام، كما ثبت من عرض عمر لابنته حفصة على عثمان ثم على أبي بكر رَ لَمام جميعًا وأرضاهم، والقصة معروفة، وغير ذلك مما وقع في أيام النبوة وأيام الصحابة (عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ) أي: على أن يكون مهر ابنتي أن تعمل عندي ثماني سنين ترعى غنمي (فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ) أي: إن أتممت ما استأجرتك عليه من الرعي عشر سنين بدل ثمانٍ، بأن زدتني سنتين على الثمان، فمن عندك: أي تفضلًا منك لا إلزامًا مني 1ء.، -بل مازاد موكولاً إلى المروءة صفحة 389 (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ) بإلزامك إتمام العشر الأعوام (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) في حسن الصحبة والوفاء. ٢٨(قَلَ) موسى ( ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ) الإشارة إلى ما تعاقدا عليه (أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ) ثمانيًا أو عشرًا (فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ) فلا ظلم عليَّ بطلب الزيادة على ما قضيته من الأجلين، جمعهما ليجعل الأوّل كالأتمِّ في الوفاء (وَاللهُ عَلَى مَا تَقُولُ وَكِيلٌ) أي: على ما نقول من هذه الشروط الجارية بيننا شاهد وحفيظ، فلا سبيل لأحدنا إلى الخروج عن شيء من ذلك. [٢٩] ( فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ) هو أكملهما وأوفاهما، وهو العشرة الأعوام (وَسَارَ بِأَهْلِهِ) إلى مصر، قيل: وفيه دليل على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء ( أنَسَ مِنْ جَانِبٍ الطّورِ نَارًا) آنسها، أي: رآها عن بعد، وقد تقدّم تفسير هذا في سورة طه مستوفى (قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنَّي انَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ) وهذا تقدم تفسيره أيضًا في سورة طه وفي سورة النمل (أَوْ جَذْوَةٍ) الجذوة: قطعة من الجمر (لَعَلَّكُمْ صْطَلُونَ) تستدفئون بالنار . [٣٠] ( فَلَمَّا أَنَاهَا) أي: أتى النار التي أبصرها (نُودِيَ مِنْ شَاطِئ الْوَادِي الأَيْمَنِ) والأيمن صفة للشاطئ، من جهة اليمين المقابل لليسار بالنسبة إلى موسى [أو بالنسبة إلى اتجاه الماء إذا سال الوادي، وهذا أولى وأصح] وقد سماه اللّٰه في موضع آخر: الوادي المقدس طُوى (فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ) كانت نابتة على الشاطئ. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عبد اللّٰه بن مسعود قال: ذكرت لي الشجرة التي آوى إليها موسى، فسرت إليها يومي وليلتي حتى صبحتها، فإذا هي سمرة خضراء ترف، فصليت على النبيّ وَ لِيه و سلمت، فأهوى إليها بعيري وهو جائع، فأخذ منها ملء فيه فَلَاكَهُ، فلم يستطع أن يسيغه، فلفظه، فصليت على النبي وسلمت، ثم انصرفت. [٣١] (وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ) أي: قال اللّٰه تعالى له هذا في موقفه ذاك، وقد تقدم تفسير هذا وما بعده في سورتي طه والنمل، فألقاها فصارت ثعبانًا فاهتزت ( فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَهَا جَانٌّ) الجانَّ نوع من الأفاعي أبيض، أي: صارت مثل الجانّ في سرعة حركتها مع عظم جسمها (وَلَى مُدْبِرًا) أي: منهزمًا (وَلَمْ يُعَقِّبْ) أي: لم يرجع (يَا مُوسَى أَقْبِلَّ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ) قد تقدم تفسير ما ذك ١٠٨ مستوفى. [٣٢] (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ) [أي: أدخلها من فتحة قميصك، وفي الآية الأخرى: (اضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ) أي: تحت عضدك] تخرج بيضاء من غير سوء [أي: من غير داء يكون بها] وكان موسى كما في الحديث عند البخاري آدم (أي: أسمر اللون) (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ) أي: اضمم إليك يديك لتتقي بهما الحية (مِنَ الرَّهْبِ) من أجل الخوف (فَذَانِكَ) إشارة إلى العصا واليد بُرْهَانَانِ مِنْ رَبَّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ) أي: حجتان نيرتان ودليلان واضحان (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَا فَاسِقِينَ) خارجين عن طاعة الله. [٣٣](قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا) القبطي الذي وكزه فقضى عليه (فَأَحَافُ أنْ يَقْتُلُونِ) أي: أخاف أن بقتصوا مني ويقتلوني بها. [٣٤] (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا) كان في لسان موسى حُبْسة (فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدَّقُنِي) الردء: المُعِين، شفع موسى لأخيه هارون في أن يكون رسولًا مثله ليعينه على أداء المهمة (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ) إذا لم يكن معي هارون لعدم انطلاق لساني. [٣٥] (قَالَ سَنَشُدُّ عَنُلَاءَ . أَخِيكَ) أجاب اللّٰه تعالى طلبه صفحة 390 [وجعل هارون رسولًا] وقوَّاه به (وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا) أي: حجة وبرهانًا، أو تسلطًا على فرعون وعلى قومه (فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا) بالأذى ولا يقدرون على غلبتكما بالحِجة ( بِآيَاتِنَا) أي: تمتنعان منهم بآياتنا، أو اذهبا بآياتنا (أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ) تبشير لهما وتقوية لقلوبهما. [٣٦] ( فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرَى) أي: مُخْتَلق مكذوب اختلقْتَه من قبل نفسك (وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا) الذي جئت به من دعوى النبوّة، أو ما سمعنا بهذا السحر (فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ) أي: لم يكن واقعًا [في عهد أجدادنا، وهم أهل الحضارة، فهو حريٌّ أن يكون كذبًا]. [٣٧] (وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ) يريد نفسه، جاء بهذه العبارة لئلا يصرح لهم بما يريده قبل أن يوضح لهم الحجة. والله أعلم (وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِيَةُ الدَّارِ) أي: اللّه أعلم بمن سيكون له النصر والغلبة في آخر الأمر (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ) أي: لا يفوزون بمطلب خير. ٣٨] (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُّ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهِ غَيْرِي» تمسك اللعين بمجرد الدعوى الباطلة مغالطة لقومه، وقد كان يعلم أن ربه الله، ثم رِجع إلى تكبره وتجبره، وإيهام قومه بكمال اقتداره، فقال (فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطّينِ) أي: اطبخ لي الطين حتى يصير آجُرًّا ( فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا) أي: قصرًا عاليًا ( لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى) أي: أصعد إليه [فأراه حتى أصدِّق به] (وَإِنِّي لَأَظُنُهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ) [يوهم قومه أنه مجرّد ناظر يطلب الحق]. [٣٩]( وَاسْتكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) المراد بالأرض: أرض مصر، والاستكبار: التعظم بغير استحقاق، بل بالعدوان؛ لأنه لم يكن له حجة يدفع بها ما جاء به موسى، ولا شبهة ينصبها في مقابلة ما أظهره من المعجزات وَظَنّوا أَنْهُمْ مْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ المراد بالرجوع: البعث والمعاد [غلب على ظنهم لجهلهم واستكبارهم أن لا قيامة ولا حساب]. [٤٠] (فَأْخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ) بعد أن عتوا في الكفر وجاوزوا الحدّ فيه (فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ) أي: طرحناهم في البحر، وقد تقدم بيان الكلام في هذا (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) أي: انظر يا محمد كيف كان آخر أمر الكافرين حين صاروا إلى الهلاك. [٤١] (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) أي: صيرناهم رؤساء متبوعين ١١٠- . في الكافرين يدعون أتباعهم إلى النار [ويبين للطواغيت والمتجبرين كيف يتصرفون مع الدعاة إلى الحق، ويقاومون جهودهم التي يبذلونها في سبيل اللّٰه تعالى]، لأنهم اقتدوا وسلكوا طريقتهم تقليدًا لهم (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ) أي: لا ينصرهم أحد ولا يمنعِهم مانع من عذاب الله. [٤٢] (وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً) فكل من يذكرهم يلعنهم (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ) المقبوح: المطرود المبعد الممقوت، وقيل: المقبوح: المشوَّه الخلقة [٤٣] (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) يعني: التوراة (مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى) أي: من بعد قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، وقيل: من بعد ما أهلكنا فرعون وقومه وخسفنا بقارون (بَصَائِرَ لِلنَّاسِ) أي: آتيناه الكتاب لأجل أن يتبصر به الناس الحق، ويهتدوا إليه، وينقذوا أنفسهم من الضلالة بالاهتداء به (وَرَحْمَةَ) من اللّٰه رحمهم بها ( لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) هذه النعم فيشكرون اللّٰه ويؤمنون به ويجيبون داعيه إلى ما فصخ هم. صفحة 391 [٤٤] (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ) أي: وما كنت يا محمد بالجانب الغربي للوادي في سيناء [فتبيَّن أن الوادي يسيل من الشمال إلى الجنوب؛ لأن الغربي لا يكون أيمن إلا إن كان الأمر كذلك]، أي: حيث ناجى موسى ربه (إِذْ فَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ) أي: عهدنا إليه وأحكمنا الأمر معه بالرسالة إلى فرعون وقومه (وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ) لذلك حتى تقف على حقيقته وتحكيه لقومك وتقصَّ عليهم خبره من جهة نفسك، فبذلك يتبين أنه من عند اللّٰه سبحانه بوحي منه إلى رسوله. [٤٥] (وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا) أي: خلقنا أممًا بين زمان موسى وزمانك يا محمد (فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ)) طالت عليهم المهلة، وتمادى عليهم الأمد، فتغيرت الشرائع والأحكام، وتنوسيت الأديان، فتركوا أمر اللّٰه ونسوا عهده. وقد استُدلَّ بهذا الكلام على أن اللّٰه سبحانه قد عهد إلى موسى عهودًا في محمد وَالِيّي وفي الإيمان به، فلما طال عليهم العمر ومضت القرون بعد القرون نسوا تلك العهود وتركوا الوفاء بها (وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ) أي: مقيمًا بينهم كما أقام موسى، حتى تقرأ على أهل مكة خبرهم، وتقص عليهم من جهة نفسك ( تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا) أي: تقرأ على أهل مدين آياتنا وتتعلم منها لتخبر بها قومك بمكة. وقيل: بل هو مبتدأ كلام، أي: كأنه قيل: وها أنت تتلو على أمتك (وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) أي: أرسلناك إلى أهل مكة، وأنزلنا عليك هذه الأخبار، ولولا ذلك لما علمتها. [٤٦] (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطَّورِ إِذْ نَادَيْنَا)) أي: وما كنت يا محمد بجانب الجبل المسمى بالطور إذ نادينا موسى (وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) أي: ولكن [أوحينا إليك القرآن، وقصصنا عليك خبر موسى وكلام اللّٰه تعالى له، رحمة من ربك] (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ) والقومِ هم أهل مكة، فإنه لم يأتهم نذير ينذرهم قبله لَعَلَهُم يَتَذَكَّرُونَ) أي: يتعظون بإنذارك. [٤٧] (وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا) أي: هلا أرسلت إلينا رسولًا من عندك [يخبرنا بما تريد تكليفنا به] ( فَنَتَّبَعَ آيَاتِكَ) التنزيلية الظاهرة الواضحة (وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) بهذه الآيات. ومعنى الآية: أنا لو عذبناهم قبل بعثتك لقالوا: طال العهد بالرسل، ولم يرسل اللّٰه إلينا رسولًا، ويظنون أن ذلك عذر لهم، ولكنا أكملنا الحجة [٤٨] ( فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَةُّ . : مِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى) أي: فلما جاء أهل مكة الحق من عند اللّٰه وهو محمل ال يقه وما أنزل عليه من القرآن، قالوا تعنتًا منهم: هلا أوتي هذا الرسول مثل ما أوتي موسى من الآيات التي من جملتها التوراة المنزلة عليه جملة واحدة، فأجاب اللّٰه عن سؤالهم بقوله: {أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْل) أي: قد كفر كفا ي آيات ، كم بآيات محمد (قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا) أي: تعاونا على الكذب (وَقَالُوا إِنَّا بِكُلِّ كَافِرُونَ) أي: التوراة والقرآن. [٤٩] (قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا) من التوراة والقرآن (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) إن كنتم - فيما وصفتم به الرسولين أو الكتابين - صادقين. [٥٠] (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ) أي: لم يفعلوا ما كلفتهم به من الإتيان بكتاب إلهي هو أهدى من الكتابين. وقيل المعنى: فإن لم يستجيبوا لك بالإيمان بما جئت به ( فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ) أي: آراءهم الزائغة، واستحساناتهم الزائفة، بلا حجة ولا برهان (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهْ بِغَيْرِ هُدَى مِنَ اللهِ أي: ٧ أحا. أضل منه. صفحة 392 [٥١] (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ) أتبعنا بعضه بعضًا، وبعثنا رسولًا بعد رسول، يصدّق كل منهم من قبله من الرسل (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) مخافة أن ينزل بهم ما نزل بمن قبلهم. [٥٢]( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ) أي: من قبل القرآن (هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ) أخبر سبحانه أن [الذين أوتوا الكتاب حقّ الإيتاء، بأن كانوا مصدقين به تمام التصديق] وهم طائفة من بني إسرائيل فإنهم يؤمنون بالقرآن، كعبد اللّٰه بن سلام، وسائر من أسلم من أهل الكتاب. ٣(إنَّهُ الْحَقَّ مِنْ رَبِّنَا) أي: الحق الذي نعرفه، المنزل من ربنا (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ) أي: مخلصين الله بالتوحيد، أو مؤمنين بمحمد وبما جاء به؛ لما نعلمه من ذكره في التوراة والإنجيل من التبشير به، وأنه سيبعث آخر الزمان وينزل عليه القرآن. [٥٤] (أولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ) أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي موسى الاشعري قال: قال رسول الله وَلِيه: (( ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بالكتاب الأول والآخر، ورجل كانت له أمَة فأدبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها، وعبد مملوك أحسن عبادة ربه ونصح لسيده)) (بِمَا صَبَرُوا) أي: بسبب صبرهم وثباتهم على الإيمان بالكتاب الأول والكتاب الآخر، وبالنبي الأول والنبي الآخِر (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيَّةَ) أي: يدفعون بالاحتمال والكلام الحسن ما يلاقونه من الأذى من مثل ما يتعرّض لهم به سائر قومهم ممن لم يؤمن بالقرآن، وقيل: يدفعون بالطاعة المعصية (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ نْفِقُونَ) ينفقون أموالهم في الطاعات، وفيما أمر به الشرع [٥٥] (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ) تكرُّمًا وتنزُّهًا وتأدُّبًا بآداب الشرع. واللغو هنا هو ما يسمعونه من المشركين من الشتم لهم ولدينهم، والاستهزاء بهم (وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ) لا يلحقنا من ضرر كفركم شيء، ولا يلحقكم من نفع إيماننا شيء ( سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) المراد به: سلام المتاركة، ومعناه: أمَنَة لكم منا وسلامة، لا نجاوبكم بالسوء، ولا نجازيكم فيما أنتم فيه (لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) أي: لا نطلب صحبتهم. [٥٦] (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) من الناس، وليس ذلك إليك (وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) هدايته (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) أي: القابلين للهداية المستعدين لها. وهذه الآية نزلت في أبي طاا ١.١٠ امتنع عن الإسلام مع شدة حرص النبي وتيه على إيمانه، فمات على دين عبد المطلب، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما. وَقَالُوا إِنْ تَتَّبَعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا) أي: قال مشركو قريش ومن تابعهم: إن ندخل في دينك يا محمد يتخطفنا العرب من أرضنا، يعنون: مكة، ولا طاقة لنا بهم {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنَّا ) ألم نجعل لهم حرمًا ذا أمن [لا يعتدي أحد من الناس على أهله، فأنتم في أمن من أن يتخطفكم الناس] (يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ) أي: تجمع إليه الثمرات على اختلاف أنواعها من الأراضي المختلفة وتحمل إليه (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) لفرط جهلهم، ومزيد غفلتهم، وعدم تفكرهم في أمر معادهم ورشادهم. [٥٨] (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا كانوا في خفض عيش ودعة ورخاء، فبطروا النعمة، فأهلكوا. وقال عطاء: عاشوا في البطر، فأكلوا من رزق اللّٰه وعبدوا الأصنام (فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ) أي: لم يسكنها أحد بعدهم إلا زمنًا قليلا كالذي يمر بها مسافرًا، فإنه يلبث فيها يومًا أو بعض يوم، وأكثرها خراب (وَكُنَّا نَحْ الْوَارِثِينَ) صفحة 393 لهم؛ لأنهم لم يبق منهم أحد يرث منازلهم وأموالهم. [٥٩] (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أَمِّهَا رَسُولَا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ) ينذرهم ويتلو عليهم آيات اللّٰه الناطقة بما أوجبه اللّٰه عليهم، وما أعده من الثواب للمطيع والعقاب للعاصى، قيل: المراد بأم القرى هنا: مكة (وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى) بعد أن نبعث إلى أمها رسولًا (إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) قد استحقوا الإهلاك بظلمهم وكفرهم بالله ورسله. [٦٠] (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا) تتمتعون به مدة حياتكم ثم تزولون عنه أو يزول عنكم (وَمَا عِنْدَ اللهِ) من ثوابه وجزائه (خَيْرٌ) من ذلك الزائل الفاني، لأنه لذة خالصة عن شوب الكدر (وَأَبْقَى) لأنه يدوم أبدًا وهذا ينقضي بسرعة (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) أن الباقي أفضلٍ من الفاني. [٦١](أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا) أي: وعدناه الجنة وما فيها من النعم التي لا تحصى (فَهُوَ لَاقِيهِ) أي: مدركه لا محالة، فإن اللّٰه لا يخلف الميعاد، هل هو (كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) فأعطي منها بعض ما أراد، مع سرعة زواله وتنغيصه (ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) الذين أحضروا للعذاب. أي: هو صائر إلى النار، فهل يستويان؟ [٦٢] (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ) ينادي اللّٰه سبحانه هؤلاء المشركين (فَيَقُولُ) لَهم: (أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) أنهم ينصرونكمٍ ويشفعون لكم؟ [٦٣] (قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ) أي: في يوم الحشر يقول الذين حقت عليهم كلمة العذاب، وهم رؤساء الضلال الذين اتخذهم الكافرون أربابًا من دون اللّه: (رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا) أي: دعوناهم إلى الغواية، يعنون: الأتباع (أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا) أي: أضللناهم كما ضللنا (تَبَرَّأَنَا إِلَيْكَ) منهم، والمعنى: أن رؤساء الضلال، أو الشياطين، تبرءوا ممن أطاعهم (مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ) أي: وإنما كانوا يعبدون أهواءهم. [٦٤] (وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ) قيل للكفار من بني آدم: استغيثوا بآلهتكم التي كنتم تعبدونهم من دون اللّٰه في الدنيا لينصروكم ويدفعوا عنكم (فَدَعَوْهُمْ) عند ذلك (فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ) ولا نفعوهم بوجه من وجوه النفع (وَرَأَوا الْعَذَابَ) أي: التابع والمتبوع يرون العذاب إذا أقبل عليهم وقد غشيهم (لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ) المعنى: لو أنهم كانوا يهتدون لأنجاه. ذلاء . . لم يروا العذاب. [٦٥] (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) أي: ما كان جوابكم لمن أرسل إليكم من النبيين لما بلغوكم رسالاتي؟ [٦٦] (فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ)) أي: خفيت عليهم الحجج، حتى صاروا كالعمي الذين لا يهتدون [ إلى طريقهم ولا يجدون من يدلهم عليه ولا يوصلهم إلى مكان النجاة] (فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ) لا يسأل بعضهم بعضًا، ولا ينطقون بحجة، ولا يدرون بما يجيبون؛ لأن اللّٰه قد أعذر إليهم في الدنيا، فلا يكون له عذر ولا حجة يوم القيامة. ٦٧٦] (فَأَمَّا مَنْ تَابَ) من الشرك والمعاصي (وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ) الفائزين بمطالبهم من سعادة الدارين. [٦٨] (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) أن يخلقه (وَيَخْتَارُ) ما يشاء أن يختاره ( مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) بل الاختيار هو إلى اللّٰه وعَجَلْ. قيل: إن هذه الآية جواب عن قولهم: (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُل مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) وقيل: هذه الآية جواب عن اليهود حيث قالوا: لو كان الرسُول إلى محمد غير جبريل لآمنَّا به. أي: قد خلقهم اللّٰه تعالى على اله ...ة التي شاءها هو، صفحة 394 لا كما شاءوا هم، واختار من الرسل من شاء سُبْحَانَ اللهِ أي: تنزه أن ينازعه منازع أو يشاركه مشارك (وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) أي: عن الذين يجعلونهم شركاء له، أو عن إشراكهم. [٦٩] (وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ ) أي: تخفيه من الشرك، أو من عداوة رسول اللّٰه اليه ( وَمَا يُعْلِنُونَ) أي: ما ظهرونه من ذلك. [٧٠] (وَهُوَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى) أي: الدنيا (وَالآخِرَةِ) أي: الدار الآخرة (وَلَهُ الْحُكْمُ) يقضي بين عباده بما شاء من غير مشارك (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) بالبعث، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. . ٧١] (قُلْ أَرَأَيتُمْ) أي: أخبروني (إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا) أي: مستمرًا دائمًا من دونَ نهار يأتي بعده، أي: لو كان الدهر الذي يعيشون فيه ليلًا دائمًا إلى يوم القيامة، لم يتمكنوا من الحركة فيه، وطلب ما لا بد لهم منه، مما يقوم به العيش من المطاعم والمشارب والمكاسب (مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ ) أي: هل لكم إله من الآلهة التي تعبدونها يقدر على أن يرفع هذه الظلمة الدائمة عنكم بضياء، أي: بنور نطلبون فيه المعيشة، وتبصرون فيه ما تحتاجون إليه وتصلح به ثماركم، وتنمو عنده زرائعكم، وتعيش فيه دوابكم (أفَلَا تَسْمَعُونَ) سماعٍ فِهم وقبول وتدبر وتفكر؟! [٧٢] (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) أي: جعل الدهر الذي تعيشون فيه نهارًا دائمًا ستمرًّا إلى يوم القيامة (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ) أي: تستقرون فيه من النصب والتعب وتستريحون مما تزاولون من طلب المعاش والكسب (أَفَلَا تُبْصِرُونَ) هذه المنفعة العظيمة إبصارَ متعظٍ متيقظ، حتى تنزجروا عما أنتم فيه من عبادة غير الله. [٧٣] (وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) أي: جمع لكم في الخلق بين هذين الخلقين العظيمين وهما النهار والليل؛ لكي يمكنكم الجمع بين الكسب والسعي وبين الراحة والسكون، وبذلك تستقيم حياتكم. [٧٥] (وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا) يشهد عليهم يوم القيامة، وهم الأنبياء، وقيل: عدول كل أمة (فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ) أي: حجتكم ودليلكم بأن معي شرِكاء، فِعندِ ذلك اعترفوا وخرسوا عن إقامة البرهان (فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ) في الإلهية، وأنه وحده لا شريك له (وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) أي: غاب عنهم وبطا . ذه ب ما كانوا يختلقونه من الكذب في الدنيا بأن الله شركاء يستحقون العبادة. ٧٦](إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمٍ مُوسَى) قال النخعي وقتادة وغيرهما: كان قارون ابن عم موسى {فَبَغَى عَلَيْهِمْ) أي: جاوز الحد في التجبر والتكبر عليهم وخرج عن طاعة موسى وكفر بالله (وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ) الكنز هو المال المدخر (مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ) أي: مفاتيح خزائن ماله وصناديقه المقفلة لتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أولِي الْقَوَّةِ) تميل بالمجموعة من الرجال إذا أرادوا حملها. فكيف يكون مقدار تلك الكنوز نفسها؟ (إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ)) لا تبطر ولا تأشر (إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) البَطرين الأشرين الذين لا يشكرون اللّٰه على ما أعطاهم. وابْتَغ فِيمَا آَتَّاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ) فأنفقه فيه )) يرضاه اللّٰه لا في التجبر والبغي (وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) لا تِضيع حظكِ من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه (وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ) بما أنعم به عليك من نعم الدنيا (وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ) أي: لا تعمل فيه بمعاصي اللّٰه (إِنَّ اللهَ لَا أُحدُ. الْمُفْسِدِينَ) في الأرض. صفحة 395 [٧٨] (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمِ عِنْدِي) هو علمه بوجوه المكاسب والتجارات، وقيل: معرفة الكنوز والدفائن (أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً) المراد بالقرون: الأمم الخالية (وَأَكْثَرُ جَمْعًا) للمال، ولو كان المال أو القوة يدلان على فضيلة لما أهلكهم اللّٰه {وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) لا تَسْأل الملائكة غدًا عن المجرمين؛ لأنهم يعرفونهم سيماهم، فإنهم يحشرون سود الوجوه زرقًا. [٧٩] (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) أي: خرج قارون في زينة انبهر لها من رآها، ولهذا تمنى الناظرون إليه أن يكون لهم مثلها (قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) وزينتها (يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظَّ عَظِيمِ) أي: [هو محظوظ حيث كان له] نصيب وافر من الدنيا. واختلف في هؤلاء القائلين، فقيل: هم من مؤمني ذلك الوقت، وقيل: هم قوم من الكفار. [٨٠] وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) وهم أحبار بني إسرائيل، قالوا للذين تمنوا مثل أموال قارون: (وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ) أي: ثواب اللّٰه في الآخرة خير مما تتمنونه (لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا) [فيما آتاه اللّٰه من المال قليلًا كان أو كثيرًا] (وَلَا يُلَقَّاهَا) أي: لا يدخل في هذه الكلمة التي تكلم بها الأحبار في قلبه فيعمل بها (إِلَّا الصَّابِرُونَ) على طاعة الله، والمصبِّرون أنفسهم عن الشهوات. أي: فلا نتمنّوا عرض الدنيا الزائل الذي لا يدوم [تكثَّرًا وابتغاء للعلوّ في الأرض والإفساد فيها]. [٨١] ( فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ) غيّبَه وغيَّب داره حتى ساخ وذهب في الأرض (فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ) أي: ما كان له جماعة يستعين بهم يدفعون عنه ذلك الأمر الذي عذّبه اللّٰه به (وَمَا كَانَ) هو في نفسه (مِنَ الْمُتْتصِرِينَ) من الممتنعين مما نزل به من الخسف، [ولم يتمكن من أن ينجي نفسه على كثرة ما كان لديه من الأموال]. [٨٢] (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ) أي: منذ زمان قريب (يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الَرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ) أي: يقول كل واحد منهم متندّمًا على ما فرط منه من التمني [بدا لي وظهر لي ما لم يكن جليًّا: أن الأمر بيد اللّٰه يعطي من يشاء فيوسع له، ويضيِّق على من يشاء اختبارًا وابتلاء] (لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَهُ عَلَيْنَا) برحمته وعصمنا من مثل ما كان عليه قارون من البطر والبغي، ولم يؤاخذنا بما وقع منا من ذلك. ال- ( لَخَسَفَ بِنَا) كما خسف به (وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) أي: لا يفوزون بمطلب من مطالبهم. [٨٣] (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ) أي: [العزُّ والمكانة والمتاع فيها] هو ما يكون في الجنة، والإشارة إليها لقصد التعظيم لها والتفخيم لشانها في مقابل التحقير لما آوتيه قارون وآمثاله من متاع الدنيا (نَجْعَلُهَا لِلّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ) أي: رفعة وتكبرًا على المؤمنين (وَلَا فَسَادًا) أي: عملًا بمعاصي اللّٰه سبحانه فيها، أما الفساد فظاهر أنه لا يجوز شيء منه كائنًا ما كان، أما العلوّ فالممنوع منه ما كان على طريق التكبر على الغير، والتطاول على الناس، وليس منه طلب العلو في الحقّ. والرئاسة في الدين، ولا محبة اللباس الحسن، والمركوب الحسن، والمنزل الحسن [٨٤] (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا) وهو أن اللّٰه يجازيه بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف (وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أي: إلا مثل ما كانوا يعملون دون زيادة أو تضعيف، [وقد يعفو اللّٰه م.ذه. .رحمته وفضله]. صفحة 396 [٨٥](إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ) أي: أنزل عليك القرآن، وفرض عليك العمل بأحكام القرآن وفرائضه (لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) أي: إلى مكة فاتحًا ظافرًا منصورًا [وقد وفى اللّٰه تعالى لنبيه وَالِيه بهذا الوعد الذي قطعه على نفسه، فعاد وَالِيهِ إلى مكة فاتحًا لها بعد ثماني سنين من خروجه منها، وقد أعزه الله، ونصر جنده، وأظهر دين الإسلام]، وقال مجاهد: لرادُّك إلى يوم القيامة؛ لأن الناس يعودون فيه أحياء (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) هذا جواب لكفار مكة، لما قالوا للنبي وَاليه: إنك في ضلال، والمراد بمن جاء بالهدى: هو النبي وَلِيليه و من هو في ضلال مبين: المشركون. [٨٦] (وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ) أي: ما كنت ترجو [قبل أن يخصّك اللّٰه بالنبوة والرسالة] أنا نرسلك إلى العباد، وننزل عليك القرآن إلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) أي: لكن كان إلقاؤه إليك رحمة من ربك [فضلًا دون عمل منك ولا استحقاق] (فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ) أي: عونًا لهم [بمداهنتهم وموالاتهم ومداراتهم على حساب تبليغ الدعوة والصَّدْع بها]. [٨٧] (وَلَا يَصْدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ) أي: لا يصدنك يا محمد الكافرون وأقوالهم وكذبهم وأذاهم عن تلاوة آيات اللّٰه والعمل بها بعد إذ فرضت عليك (وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ) أي: ادع الناس إلى اللّٰه وإلى توحيده، والعمل بفرائضه، واجتناب معاصيه (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). [٨٨] (وَلَا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهَا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أي: فإنه الإله الواحد القادر على كل شيء، وغيره لا يضرك ولا ينفعك ( كُلُّ ءِ من الأشياء كائنًا ما كان {هَالِكَ إلّا وَجْهَهُ) أي: إلا ذاته *لهُ الحُكَمُ) أي: القضاء النافذ يقضي بما شاء، ويحكم بما أراد (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) عند البعث، ليجزي المحسن بإحسانه تفسير سورة العنكبوت [٢] ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا) معنى الآية: أن الناس لن يتركهم اللّٰه بغير اختبار ولا ابتلاء يقولون: (آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) أي: وهم لا يبتلون في أموالهم وأنفسهم، وليس الأمر كما حسبوا، بل لا بد أن نختبرهم بالجهاد أو الفقر أو الضرر أو غير ذلك، حتى يتبين المخلص من المنافق، والصادق من الكاذب. [٣] (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْا. . أم: هذه سنة اللّٰه في عباده، وأنه يختبر مؤمني هذه الأمة، كما اختبر من قبلهم من الأمم، كما جاء به القرآن في قصص الأنبياء، وما اختبر اللّٰه به أتباعهم ومن آمن بهم، من الأمور التي نزلت بهم (فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا) في قولهم: آمنا (وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) منهم، أي: ليظهرنّ اللّٰه الصادق مِنهم، ولسوف يميِّز بينه وبين الكاذبين. [٤] (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّثَاتِ) وهم العصاة الذين لا يبالون بمعصية اللّٰه (أَنْ يَسْبِقُونَا) أي: يفوتونا ويعجزونا قبل أن نؤاخذهم بما يعملون (سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) أي: بئس ما بعتقدون أن يعتقدوا أنهم يفوتون قدرتنا. [٥] (مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ) أي: من كان يطمع في أن يلقى اللّٰه تعالى، فيعمل في حياته ليلقاه بصالح القول أو العمل، فلن يضيع أجره (فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ) أي: الأجل المضروب للبعث آت لا محالة، والمعنى: فليعمل لذلك اليوم (وَهُوَ السَّمِيعُ) لأقوال عباده (الْعَلِيمُ) بما يسرّونه وما يعلنونه [فلن يضيع عليهم شيء مِن أعمالهم الصالحة]. [٦] (وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ) أي: من جاهد الكفار، وجاهد نفسه بالصبر على الطاعات، فإنما يجاهد لنفسه، أي: ثواب ذلك له لا لغير ٧٠٠٠ . جع إلى اللّٰه سبحانه من صفحة 397 نفع ذلك شيء (إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) فلا يحتاج إلى طاعاتهم كما لا تضرّه معاصيهم. ٧](وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفَّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ) أي: لنغطينها عنهم بالمغفرة، [ونحجُبُ عنهم اثارها من الغضب والعذاب] بسبب ما عملوا من الصالحات (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ) أي: بأحسن جزاء أعمالهم، وقيل: بجزاء أحسن أعمالهم، ويعطيهم أكثر مما عملوا وأحسن منه، كما في قوله: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا). [٨] (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) معناه: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما هو حسن، مما يرضيانه وتطيب به أنفسهما من البرّ بهما والعطف عليهما (وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا نُطِعْهُمَا) أي: إن والديك إن طلبا منك وألزماك أن تشرك بي إلهًا ليس لك علم بكونه إلهًا فلا تطعهما في ذلك، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ويلحق بطلب الشرك منهما: سائر معاصي اللّٰه سبحانه، فلا طاعة لهما فيما هو معصية الله [فإن أمراك بما هو محرم فاعصهما وأطع الله، ولا يمنعك هذا الأمر بالمعصية منهما من أن تحسن إليهما] صحّ ذلك عن رسول اللّٰه وال ( فَأُنْبَتُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) أي: أخبركم بصالح أعمالكم وطالحها، فأجازي كلًّا منكم بما يستحقه. [٩] (لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ) أي: في زمرة الراسخين في الصلاح. [١٠] (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أَوذِيَ فِي اللهِ) أى: فى شأن اللّٰه ولأجله كما يفعله أهل الكفر مع أهل الإيمان، وكما يفعله أهل المعاصي مع أهل الطاعات، من إيقاع الأذى عليهم لأجل الإيمان بالله والعمل بما أمر به (جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ) التي هي ما يوقعونه عليه من الأذى (كَعَذَابِ اللهِ) أَي: جزع من أذاهم، فلم يصبر عليه، وجعله في الشدّة والعظم كعذاب الله، فأطاع الناس كما يطيع الله. وقيل: هو المنافق إذا أوذي في اللّٰه رجع عن الدين فكفر، فينبغي للمؤمن أن يصبر على الأذية في اللّٰه ولا يرتدّ عن الحق لأجل ذلك، [ولا يمنعه ذلك من موافقة الكفار ظاهرًا على سبيل التقية، وقلبه مطمئن بالإيمان] (وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ* أي: نصر من اللّٰه للمؤمنين وفتح وغلبة للأعداء، وغنيمة يغنمونها منهم {لَيَقَولَنَّ إِنّا كُنَّا مَعَكُمْ) أي: داخلون معكم ف . ٢٠٠٠ ، ومعاونون لكم على عدوكم. فكذَّهم الله، فقال: (أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ) من خير وشر، فكيف يدَّعون هذه الدعوى الكاذبة؟ وهؤلاء هم قوم ممن كان في إيمانهم ضعف، كانوا إذا مسّهم الأذى من الكفار وافقوهم، وإذا ظهرت قوة الإسلام ونصر اللّه المؤمنين في موطن من المواطن قالوا: إنا كنا معكم. [١١] (وَلَيَعْلَمَنَّ اللَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ) أي: ليميزن اللّٰه بين الطائفتين، ويظهر إخلاص المخلصين، ونفاق المنافقين، فالمخلص هو الذي لا يتزلزل بما يصيبه من الأذى، ويصبر في اللّٰه حق الصبر. والمنافق هو الذي يميل هكذا وهكذا، فإن أصابه أذى من الكافرين وافقهم وتابعهم وكفر بالله وعَبِّل، وإن خفقت ريح الإسلام وطلع نصره ولاح فتحه رجع إلى الإسلام، وزعم أنه من المسلمين. [١٢] (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا) اسلكوا طريقتنا وادخلوا في ديننا (وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ ) أي: إن كان اتباع سبيلنا خطيئة تؤاخذون بها عند البعث والنشور _- كما تقولون - فلنحمل ذااء، ،:كم، فنؤاخَذُ به دونكم صفحة 398 {وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ) أي: وما هم بحاملين شيئًا من الخطيئة التي التزموا بها وضمنوا لمن تابعهم حملها عنه، بل كل يحمل وزر نفسه. [١٣] (وَلَيَحْمِلَنَّ أَثْقَالَهُمْ) أي: أوزارهم التي عملوها (وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ) أي: أوزاراً مع أوزارهم، وهي أوزارِ من أضلوهم وأخرجوهم عن الهدى إلى الضلالة (وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) تقريعًا وتوبيخًا (عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) أي: بختلقونه من الأكاذيب التي كانوا يأتون بها في الدنيا. [١٤] (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلَّفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا أ) فيه تثبيت للنبي وَلِيِيه كأنه قيل له: إن نوحًا لبث ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعو قومه ولم يؤمن منهم إلا قليل، فانت أولى بالصبر؛ لقلة مدة لبثك، وكثرة عدد أمتك (فَأَخَذَهُمُ الطّوفَانُ) عقب تمام المدّة المذكورة، والطوفان: الماء الغالب نزل عليهم من السماء ونبع من الأرض حتى أغرقهم جميعًا (وَهُمْ ظَالِمُونَ) أي: مستمرون على الظلم ولم ينجع فيهم ما وعظهم به نوحٍ، وذكَّرهم هذه المدة بطولها. [١٥] ( فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ) أي: أنجينا نوحًا، وأنجينا من معه في السفينة من أولاده وأتباعه، واختلف في عددهم على أقوال (وَجَعَلْنَاهَا) أي: السفينة (آيَةً لِلْعَالَمِينَ) أي: عبرة عظيمة لهم، فقد كانت باقية على الجوديِّ مدَّة مديدة، وقيل: جعلناها -أي: الواقعة، أو النجاة، أو العقوبة بالغرق- آية. [١٦] (وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاتَّقُوهُ) أي: أفردوه بالعبادة وخصوه بها، واتقوا أن تشركوا به شيئًا (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ) أي: عبادة اللّٰه وتقواه خير لكم من الشرك، ولا خير في الشرك أبدًا، ولكنه خاطبهم باعتبار اعتقادهم (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) شيئًا من العلم، أو تعلمون للمَا تميزون به بين ما هو خير وما هو شر ١٧٦](إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا) بيّن لهم إبراهيم أنهم يعبدون ما لا ينفع ولا يضر، ولا يسمع ولا ببصر. والأوثان: هي الأصنام، وقيل: الصنم ما يتخذ من ذهب أو فضة أو نحاس، والوثن: ما يتخذ من جصّ أو حجارة (وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا) أي: إنما تعبدون أوثانًا وأنتم نصنعونها كاذبين في قولكم: إنها آلهة تعبد (إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا) أي: لا يقدرون على أن يرزقوكم شيئًا من الرزق (فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ) أي: اصرفوا رغبتكم في أرزاة، " الله، فهو الذي عنده الرزق كله، فاسألوه من فضله، ووحدوه دون غيره. [١٨] (وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ) أي: وإن تكذبوا محمدًا فذلك عادة الكفار مع من سلف (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) لقومه الذي أرسل إليهم، وليس عليه هدايتهم، وليس ذلك في وسعه. ١٩] ( أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) المعنى: ألم يروا كيف يخلق اللّٰه الواحدَ منهم ابتداء نطفة، ثم يخرجه إلى الدنيا، ثم يتوفاه بعد ذلك، وكذلك سائر الحيوانات وسائر النباتات، فإذا رأيتم قدرة اللّٰه سبحانه على الابتداء والإيجاد فهو القادر على الإعادة (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ) لأنه إذا أراد أمرا قال له: كن؛ فيكون. [٢٠] (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) على كثرتهم واختلاف ألوانهم وطبائعهم وألسنتهم ( ثُمَّ اللَهُ يُنْشِىُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ) ينشئها نشأة ثانية عند البعث. [٢١] (يُعَذَّبُ مَنْ يَشَاءُ) تعذيبَهُ، وهم الكفار والعصاة (وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ) رحمته، وهم المؤمنون به المصدّقون لرسله العاملون بأوامره ونواهيه (وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ) أي: ترجعون وتردُّون لا إلى غ م صفحة 399 [٢٢] (وَمَا أَنَّتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ لا يعجزه سبحانه أهل الأرض في الأرض، ولا أهل السماء في السماء، إن عصوه. وقال قطرب: معنى الآية: ولا في السماء لو كنتم فيها (وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ) يواليكم (وَلَا نَصِيرِ) ينصركم ويدفع عنكم عذاب الله. [٢٣]( وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ) التنزيلية أو التكوينية أو جميعهما، وكفروا بلقاء الله: أي: أنكروا البعث وما بعدد {أولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي) أي: إنهم في الدنيا ايسون من رحمة اللّٰه لم ينجع فيهم ما نزل من كتب الله، ولا ما أخبرتهم به رسله، ويبأسون يوم القيامة من رحمة اللّٰه وهي الجنة [٢٤] (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ) هذا رجوع إلى قصة إبراهيم بعد الاعتراض بما تقدّم من خطاب محمد اليه ( فَأَنْجَاهُ اللهُ مِنَ النَّارِ) وجعلها عليه بردًا وسلاما (إِنَّ فِي ذَلِكَ) أي: إنجاء اللّٰه لإبراهيم (لَآيَاتٍ) حيث أضرموا تلك النار العظيمة وألقوه فيها ولم تحرقه ولا أثرت فيه آثرًا. [٢٥] (وَقَالَ) إبراهيم لقومه (إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي: للتوادد بينكم والتواصل لاجتماعكم على عبادتها، وللخشية من ذهاب المودّة فيما بينكم إن تركتم عبادتها، والمعنى: أن المودّة هي التي جمعتكم على عبادة الأوثان واتخاذها (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ) [أي: وتنقضي تلك المودة المؤسَّسة على الباطل] وقيل المعنى: ويتبرأ العابدون للأوثان من الأوثان، وتتبرأ الأوثان من العابدين لها (وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) أي: يلعن كلُّ فريق الآخر (وَمَأَوَاكُمُ النَّارُ) أي: هي منزلكم الذي تأوون إليه (وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) يخلصونكم منها بنصرتهم لكم. ٢٦١] (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ) أي: آمن لإبراهيم لوط فصدَّقه في جميع ما جاء به، وكان لوط ابن أخي إبراهيم وَقَالَ) إبراهيم: (إِنَّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي) هاجر من كوثى، وهي قرية من سواد الكوفة بالعراق إلى حران، ثم إلى الشام، ومعه ابن أخيه لوط، وامرأته سارة، والمعنى: إني مهاجر عن دار قومي إلى حيث أعبد ربي (إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) أي: الغالب الذي أفعاله جارية على مقتضى الحكمة. [٢٧] (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرَبَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ) منَّ اللّٰه عليه .٧.٧١ د، فوهب له إسماعيل بِكرَه، ووهب له إسحاق ولدًا له، ويعقوب ولدًا لولده إسحاق، وجعل في ذريَّته النبوّة والكتاب، فلم يبعث اللّٰه نبيَّا بعد إبراهيم إلا من صلبه، والكتاب: التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن (وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا) أعطي في الدنيا الأولاد، وأخبره اللّٰه باستمرار النبوّة فيهم، وأهل الملل كلها تدَّعيه وتقول هو منهم، وأعطاه في الدنيا عملًا صالحًا وعاقبة حسنة (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) أي: الكاملين في الصلاح المستحقين لتوفير الأجر، وكثرة العطاء من الربّ سبحانه. [٢٨] (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ) الفاحشة: الخصلة المتناهية في القبح (مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ) لم يسبقهم إلى عملها أحد من الناس على اختلاف أجناسهم. [٢٩] (أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ) أي: تفعلون بهم الفاحشة (وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ) قيل: إنهم كانوا يفعلون الفاحشة بمن يمر بهم من المسافرين، فقطعوا السبيل بهذا السبب. وقيل: كانوا يقطعون الطريق على المارة بقتلهم ونهبهم (وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَ كهة.ا . كانوا يحذفون الناس صفحة 400 بالحصباء، ويستخفُّون بالغريب، وقيل: كانوا يتضارطون في مجالسهم، وقيل: كانوا يأتون الرجال في مجالسهم وبعضهم يرى بعضًا. وقيل: غير ذلك (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اثْتِنَا بِعَذَابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) فما أجابوا بشيء إلا بهذا القول رجوعًا منهم إلى التكذيب واللجاج والعناد. [٣٠] (قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ) بإنزال عذابك عليهم، وإفسادهم: هو بما سبق من إتيان الرجال وعمل المنكر في ناديهم. [٣١] (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى) أي: بالبشارة بالولد، وهو إسحاق وبولد الولد وهو يعقوب (قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ) أي: قالوا لإبراهيم هذه المقالة، والقرية: هي قرية سدوم التي كان فيها قوم لوط. [٣٢] (قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا) فكيف تهلكونها؟ (قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا) من الأخيار والأشرار، ونحن أعلم من غيرنا بمكان لوط (لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ» من العذاب (إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ) أي: الباقين في العذاب، فتعذب من جملتهم ولا تنجو فيمن نجا. وإنما قضى اللّٰه تعالى بأن تكون امرأة لوط من الباقين في العذاب الهالكين به؛ لأنها كانت تعين قومها على بغيهم وضلالهم وآثامهم فاستحقَّت مثل جزائهم. [٣٣] (وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ) جاءه ما ساءه وخاف منه؛ لأنه ظنهم من البشر، فخاف عليهم من قومه لكونهم في أحسن صورة من الصور البشرية (وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا) أي: عجز عن تدبيرهم وحزن وضاق صدره (وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ) أي: لا تخف علينا من قومك ولا تحزن فإنهم لا يقدرون علينا {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ) من العذاب الذي أمرنا اللّٰه بأن ننزله بهم (إِلَّا امْرَأَنَّكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ) أخبروا لوطًا بما جاءوا به من إهلاك قومه وتنجيته وأهله إلا امرأته كما أخبروا بذلك إبراهيم. [٣٤] (إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ) وهو الرمي بالحجارة، وقيل: إحراقهم بنار نازلة من السماء، وقيل: هو الخسف والحصب كما في غير هذا الموضع (بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) أي: بسبب فسقهم. [٣٥](وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً) أي: أبقينا من القرية بعد إهلاكها علامة ودلالة بينة، وهي الآثار التي بها من الحجارة التي رجموا بها وخراب الديار، وآثار انقلاب الأرض بهم سافلها عاليها، ي. ا أهل العقول النيِّرة. [٣٦] (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا) أي: وأرسلناه إليهم (فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ) أي: أفردوه بالعبادة وخصوه بها (وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ) أي: توقعوه وافعلوا اليوم من الأعمال ما يدفع عذابه عنكم (وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) العُثُوُّ والعِثِيُّ: أشد الفساد. [٣٧] ( فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) أي: الزلزلة بصيحة جبريل، وهي سبب الرجفة (فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَائِمِينَ) في بلدهم أو منازلهم جاثمين [أي: واقعين على صدورهم ميِّّتين لا بِدِينَ بالأرض كما يجثم الطائر]. [٣٨] (وَعَادًا وَثَمُودَ) التقدير: وأهلكنا عادًا وثمود (وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ) أي: وقد ظهر لكم بالحِجْر والأحقاف آيات بينات تتعظون بها وتتفكرون فيها (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ) التي يعملونها من الكفر ومعاصي اللّٰه (فَصَدَّهُمْ) بهذا التزيين (عَنِ السَّبِيلِ) أي: الطريق الواضح الموصل إلى الحق (وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) أي: أهل بصائر يتمكنون بها من معرفة الحق بالاستدلال. كانوا عقلاء ذوي بصائر فلم :i. . .صائرهم. صفحة 401 [٣٩](وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ) أهلكنا هؤلاء بعد أن جاءتهم الرسل (فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ) عن عبادة اللّٰه (وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ) أي: فائتين. [٤٠](فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ) أي: عاقبنا كل واحد منهم بكفره وتكذيبه (فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلُّنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا ) أي: ريحًا ترميهم بالحصباء وهم قوم لوط (وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ) وهم ثمود وأهل مدين (وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ) وهم قارون وأصحابه (وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا) وهم قوم نوح وقوم فرعون {وَمَا كَانَ اللَهُ لِيَظَلِمَهُمْ ) بما فعلِ بهم؛ لأنه قد أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه (وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) باستمرارهم على الكفر وتكذيبهم للرسل وعملهم بمعاصي الله. [٤١] (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ) يوالونهم ويتكلون عليهم في حاجاتهم من دون الله، سواء كانوا من الجماد أو الحيوان، من الأحياء أو من الأموات (كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا) فإن بيتها لا يغني عنها شيئًا لا في حر ولا قر ولا مطر، ولا يحفظها من عدو، كذلك ما اتخذوه وليًّا من دون الله، فإنه لا ينفعِهم بوجه من وجوه النفع، ولا يغني عنهم شيئًا (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ) لا بيت أضعف منه مما يتخذه الهوام بيتًا، ولا يدانيه في الوهي والوهن شيء من ذلك. [٤٢] (إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ) عني: أن ما يدعون من دون اللّٰه ليس بشيء ينفع أو يضر {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) الغالب، المُصدِر أفعاله على غاية الإحكام والإتقان. [٤٣] (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ) أي: هذا المثل وغيره من الأمثال التي في القرآن نضربها للناس تنبيهًا لهم وتقريبًا لما بعد من أفهامهم (وَمَا يَعْقِلُهَا) أي: يفهمها ويتعقل الأمر الذي ضربناها لأجله (إِلَّا الْعَالِمُونَ) بالله الراسخون في العلم المتدبرون المتفكرون لما يتلى عليهم وما يشاهدونه. [٤٤] ( خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ) أي: بالعدل والقسط مراعيًا في خلقها مصالح عباده. ٤٥] (اتْلُ مَا أَوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ) أي: اقرأ القرآن مع التدبر لآياته والتفكر في معانيه (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) أي: دم على إقامتها واستمر على أدائها كما أمرت بذلك، والفحشاء: ما قبح من العمل، والمنكر: ما لا يعرف في الشريعة. معنى نهي الصلاة عن ذلك: أن فعلها يكون سببًا للانتهاء عن المعاه ،١.١ فيها من التذكير بمراقبة الله وتدبر آياته (وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ) أي: أكبر من كل شيء: أي: أن الذكر أفضل من العبادات كلها بغير ذكر. أي: هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر؛ لأن الانتهاء لا يكون إلا مِن ذاكرٍ لله، مراقبِ له، وإن ما في الصلاة من الذكر هو العمدة في تفضيلها على سائر الطاعات (وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) فهو مجازيكم بالخير خيرًا وبالشر شرًّا. [٤٦] (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ)) أي: بالخصلة التي هي أحسن، وذلك على سبيل التنبيه لهم على حجج اللّٰه وبراهينه، رجاء إجابتهم إلى الإسلام، لا على طريق الإغلاظ والمخاشنة (إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) بأن أفرطوا في المجادلة ولم يتأدبوا مع المسلمين، فلا بأس بالإغلاظ عليهم والتخشين في مجادلتهم (وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا) من القرآن (وَأَنْزِلَ إِلَيْكُمْ) من التوراة والإنجيل: أَي: آمنا أنهما منزلان من عند الله، وأنهما شريعة ثابتة إلى قيام الشريعة الإسلامية والبعثة المحمدية، ولا يدخل في ذلك ما حرفوه وبدلوه (وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ)) لا شريك له ولا ضد ولا ندّ (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) أم.. .: حن معاشر أمة محمد صفحة 402 مطيعون له خاصة. وأخرج البخاري والنسائي عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول اللّٰه تَلِّيه ه ((لا تصدِّقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون». وأخرج البيهقي في الشعب عن جابر بن عبد اللّٰه، قال: قال رسول اللّٰه عَة: ((لا تسالوا أهل الكتاب عن شيء؛ فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، إما أن تصدقوا بباطل، أو تكذبوا بحق، والله لو كان موسى حيًّا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني». [٤٧](وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ) أي: ومثل هذا الإنزال البديع أنزلنا إليك القرآن (فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ يعني: مؤمني أهل الكتاب كعبد اللّٰه بن سلام وأصحابه (وَمِنْ هَؤُلَاءِ) أهل مكة وهم من قد أسلم (مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ) أي: بالقرآن. وقيل الإشارة إلى جميع العرب (وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا) أي: آيات القرآن {إِلَّا الْكَافِرُونَ) المصممون على كفرهم من المشركين وأهل الكتاب. [٤٨] (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ) أي: ما كنت يا محمد تقرأ قبل القرآن كتابًا، ولا تقدر على ذلك، لأنك أمي لا تقرأ (وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ) أي: ولا تكتبه لأنك لا تقدر على الكتابة (إِذًّا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) أي: لو كنت لمن يقدر على التلاوة والكتابة لقالوا: لعله وجد ما يتلوه علينا في كتاب من كتب اللّٰه السابقة، أو من الكتب المدونة في أخبار الأمم، فلما كنت أميًّا لا تقرأ ولا تكتب لم يكن هناك موضع للريبة ولا محل للشك أبدًا. [٤٩]( بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ) يعني: القرآن (فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) يعني: المؤمنين الذين حفظوا القرآنَ على عهده وَلِي أو حفظوه بعده (وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ) أي: المجاوزون للحد في العصيان والكفر. [٥٠] (وَقَالُوا لَوْلَا أَنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ) كآيات موسى وناقة صالح، وإحياء المسيح للموتى (قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللهِ) ينزلها على من يشاء من عباده، ولا قدرة لأحد على ذلك (وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ) أنذركم كما أمرت، وأبين لكم كما ينبغي، ليس في قدرتي غير ذلك. [٥١] ( أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) أي: أولم يكف المشركين عن الآيات التي اقترحوها هذا الكتاب المعد. الأم قد تحديتهم بأن يأتوا بمثله، أو بسورة منه، فعجزوا، ولو أتيتهم بآيات موسى وآيات غيره من الأنبياء، لما آمنوا، كما لم يؤمنوا بالقرآن (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً) عظيمة في الدنيا والآخرة (وَذَكْرَى) في الدنيا يتذكرون بها وترشدهم إلى الحق ( لِقَوْم يُؤْمِنُونَ) يصدقون بما جئت به من عند الله. [٥٢] (قُلْ كَفَى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا) أي: شاهدًا بما وقع بيني وبينكم (يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) لا تخفي عليه من ذلك خافية (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ أَولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) أي: آمنوا بما يعبدونه من دون اللّه، وكفروا بالحق وهو اللّه سبحانه. [ ٥٣] (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ) استهزاء وتكذيبًا منهم (وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمَّى) قد جعله اللّٰه لعذابهم وعيّنَه، وهو يوم (لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ) الذين يستحقونه بذنوبهم القيامة (وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً) فجأة (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) [أي: يكونون قبل مجيئه غافلين عنه، لا يحسُّون به وهو مقبل عليهم]. [٥٤] (يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) أي: سيحيط .. ٠، . قرب، فإن ما هو ات قريب. صفحة 403 [٥٥] (يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أرْجُلِهِمْ) أي: من جميع جهاتهم، فإذا غشيهم العذاب على هذه الصفة فقد أحاطت بهم جهنم (وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنّمُ تَعْمَلُونَ) القائل هو اللّٰه سبحانه، أو بعض ملائكته بأمره، أي: ذوقوا جزاء ما كنتم تعملون من الكفر والمعاصي. [٥٦] (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) أي: إن كنتم في ضيق بمكة من إظهار الإيمان [والعمل بشرائع الإسلام جهارًا، لا تخشون في ذلك أحدًا، ولكنكم خوفا من أذى المشركين تضطرون لاتقاء آذاهم، سْتَخْفُون بدينكم، فإن بلاد اللّٰه واسعة، فاذهبوا فيها واخرجوا من مكان الضيق والعسر] لتتيسر لكم عبادتي وحدي، وتتسهل عليكم وتظهروا شعائر دينكم. [٥٧] (كُلّ نَفْس ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثَمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) أي: كل نفس من النفوس سوف تجد في يوم من الآيام مرارة الموت لا محالة، فلا يصعب عليكم ترك الأوطان، ومفارقة الإخوان والخلان، ثم إن إلى اللّٰه المرجع، فكل حيٌّ في سفر إلى دار القرار، وإن طال لبثه في هذه الدار. [٥٨] (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنْبَوِّثَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا) في هذا الترغيب إلى الهجرة، أي: لننزلنهم غرف الجنة، وهي علاليها [أي: فليكن هيَّنًا عليكم مفارقة دياركم في سبيل اللّٰه هربًا بدينكم، فعند اللّٰه العوض] (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) أي: من تحت الغرف (خَالِدِينَ فِيهَا) أي: في الغرف لا يموتون أبدًا، أو في الجنة (نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) أي: نعم أجر العاملين للأعمال الصالحة أجرِهم، وهو غرف الجنة. [٥٩](الَّذِينَ صَبَرُوا) على مشاق التكليف، وعلى أذية المشركين لهم (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) أي: يفوِّضون أمورهم إليه في كل إقدام وإحجام. [٦٠] (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ) المعنى: وفي الدنيا كثير من الدوابِّ التي لا تطيق حمل رزقها لضعفها ولا تدّخره، وإنما يرزقها اللّٰه من فضله ويرزقكم، فكيف لا يتوكلون على اللّٰه مع قوّتهم وقدرتهم على أسباب العيش، كتوكلها على اللّٰه مع ضعفها وعجزها. وفيه تقوية لعزم من أراد الهجرة وصدَّه عنها خوف الفقر. [٦١] (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ) أي: خلقها، لا يقدرون على إنكار ذلك، ولا يتكنذ من جحوده (فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) أي: فكيف يصرفون عن الإقرار بتفرّده بالإلهية، وأنه وحده لا شريك له؟ [٦٢] (اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ) أي: التوسيع في الرزق والتقتير له هو من اللّٰه الباسط القابض، يبسطه لمن يشاء، ويضيِّقه على من يشاء، على حسب ما تقتضيه حكمته (إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) يعلم ما فيه صلاح عباده وفسادهم. [٦٣] (وَلَئِنْ سَأَلْتُهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللهُ) أي: الذي نزّله وأحيا به الأرض هو اللّه، اعترفوا هذا الاعتراف، وهو يقتضي بطلان ما هم عليه من الشرك وعدم إفراد اللّٰه سبحانه بالعبادة. (قُلِ الْحَمْدُ لِلِّهِ) أي: احمد اللّٰه على أن جعل الحق معك، وأظهر حجتك عليهم (بَلْ أكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) فلذلك لا يعملون بمقتضى ما اعترفوا به. [٦٤] (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوُ وَلَعِبٌ) من جنس ما يلهو به الصبيان ويلعبون به (وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ) أي: وإن الدار الآخرة لهي دار الحيوان، أي: دار الحاة الباقية التي لا تزول، صفحة 404 ولا ينغصها موت ولا مرض، ولا هم ولا غم (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) أي: لو كانوا يعلمون شيئًا من العلم لما آثروا عليها الدار الفانية المنغصة. [٦٥] ( فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أي: إذا انقطع رجاؤهم عندما يركبون في السفن في البحر، فإنهم إذا اشتدت الريح وعظم الموج وخافوا الغرق، رجعوا إلى الفطرة، فدعوا اللّٰه وحده، مع تركهم عند ذلك لدعاء الأصنام؛ لعلمهم أنه لا يكشف هذه الشدة العظيمة النازلة بهم غير اللّٰه سبحانه ( فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) أي: فاجؤوا المعاودة إلى الشرك، ودعوا غير اللّٰه سبحانه. [٦٦] (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنَّا) يعني: يعلم فار قريش، أنا جعلنا حرمهم هذا حرمًا امنا، يامن فيه ساكنه من الغارة والقتل والسبي والنهب (وَيُتَخَطّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) أي: فصاروا في سلامة وعافية مما صار فيه غيرهم من العرب، فإنهم في كل حين تطرقهم الغارات، وتجتاح أموالهم الغزاة، وتسفك دماءهم الجنود، وتستبيح شُطَّار العرب وشياطينها ( أَفَبِالْبَاطِلِ حرمهم وأموالهم . يُؤْمِنُونَ) وهو الشرك بعد ظهور حجة اللّٰه عليهم (وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ) يجعلون كفرها مكان شكرها. [٦٨] (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا)) أي: لا أحد أظلم منه، وهو من زعمِ أن لِله شريكا أو اختلق وكذّب وادَّعى على اللّٰه مالم يقله (أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ ) أيٍ: كذب بالرسول والكتاب وبالتوحيد {ألَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوى لِلْكَافِرِيِنَ) أي: إنها لهم مكان يستقرُّون فيه. [٦٩] (وَالَذِينَ جَاهَدُوا فِينَا) أي: جاهدوا [ أنفسهم وأنصبوا أبدانهم في الدعوة إلى اللّٰه لطلب مرضاته] ( لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) أي: [طرق الخير الموصلة إلى رضوان الله] (وَإِنَّ اللَهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) بالنصر والعون، ومن كان اللّٰه معه لم يخذل. تفسير سورة الروم [٢] ( غُلِبَتِ الرُّومُ) قال أهْل التفسير: غَلَبَتْ فارسُ الروم، [وكان ذلك قبل هجرة النبي ماليه بأعوام] ففرح بذلك كفار مكة، وقالوا: الذين ليس لهم كتاب غلبوا الذين لهم كتاب، وافتخروا على المسلمين. وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب. فذكروه لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول اللٰه وي فقال رسول اللّٰه وَالِيه: ((أما إنهم سيغلبون)) فذكره لهم أبو بكر، فقالوا: اجعل بيننا ٠٥.:ء، أجلًا، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل بينهم أجلًا خمس سنين، فلم يظهروا، فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله ولال يع فقال: آلا جعلته -آراه قال دون العشر - فظهرت الروم بعد ذلك. [٣] (فِي أَدْنَى الْأَرْضِ) في أقرب أرضهم من أرض العرب، قيل: هي أرض الجزيرة، وقيل: أذرعات (وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) أي: والروم من بعد غلب فارس إياهم سيغلبون أهل فارس. [٤] (فِي بِضّع سِنِينَ) البضع بين الثلاثة إلى العشرة (لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ) أي: من قبل الغلب وبعده، أي: هو المنفرد بالقدرة وإنفاذ الأحكام، فكل ذلك بأمر اللّٰه سبحانه وقضائه (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ). [٥] (بنصر الله) أي: يوم أن تغلب الروم فارس في بضع سنين يفرح المؤمنون بنصر اللّٰه للروم؛ لكونهم أهل كتاب. وهذه الآية من معجزات النبي وَلِيّيِ؛ لآنها إخبار بما سيكون بعد عدة سنين، وقد كانت الغلبة للروم بعد ذلك ببضع سنوات، إنباءً بما سيكون (يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ) أن ينصره (وَهُوَ الْعَزِيزُ) الغالب القاهر (الرَّحِيمُ) الكثير الرحمة لعباده المؤمنين صفحة 405 [٦] (وَعْدَ اللهِ لَا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ) أي: هذا وعدٌ من اللّٰه تعالى مؤكِّد بذلك وعدًا لا يخلفه، وهو ظهور الروم على فارس (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) أن اللّٰه لا بخلف وعده، وهم الكفار. [٧] (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي: يعلمون ظاهر ما يشاهدونه من زخارف الدنيا وملاذها، وأمر معاشهم، وأسباب تحصيل فوائدهم الدنيوية (وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ) التي هي النعمة الدائمة، واللذة الخالصة (هُمْ غَافِلُونَ) لا يلتفتون إليها ولا يُعِدُّون لها ما يحتاج إليه. ٨] (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنَّفُسِهِمْ) المعنى: أن أسباب التفكر حاصلة لهم، وهي أنفسهم، فلو تفكروا في خلق اللّٰه لهم كما ينبغي لعلموا استحقاق اللّٰه تعالى للعبادة وحده لا شريك له. وقيل المعنى: أن يتفكر الإنسان خاليًا بنفسه في خلق السماوات والأرض وما بينهما من العوالم. أولم يتفكروا في خلق اللّٰه إياهم ولم يكونوا شيئًا (مَا خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقَّ) بالعدل، وقيل: بالحكمة (وَأَجَلٍ مُسَمَّى) أي: وبأَجل مسمى للسماوات والأرض وما بينهما تنتهي إليه، وهو يوم القيامة (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ) أي: لكافرون بالبعث بعد الموت. [٩] (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) والمعنى: أنهم قد ساروا وشاهدوا (فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) من طوائف الكفار الذين أهلكهم اللّٰه بسبب كفرهم بالله، وجحودهم للحق، وتكذيبهم للرسل (كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً) كانوا أقدر من كفار مكة ومن تابعهم على الأمور الدنيوية (وَأَثَارُوا الْأَرْضَ) حرثوها وقلبوها للزراعة وزاولوا أسباب ذلك (وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا) أي: عَمَرَتَهَا الأممُ السابقةُ [بالبنيان والزراعة] عمارة أكثر مما عمرها هؤلاء؛ لأن أولئك كانوا أطول منهم أعمارًا، وأقوى أجسامًا، وأكثر تحصيلًا لأسباب المعاش (وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ) أي: المعجزات [ومع ذلك لم يؤمنوا بالرسل وما جاءوا به من التوحيد فأهلكهم اللّٰه] (فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ) بتعذيبهم على غير ذنب، (وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) بالكفر والتكذيب. [١٠] (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى) أي: كانت عاقبتهم العقوبة التي هي أسوأ العقوبات، وقيل: هي اسم لجهنم، كما أن الحسنى اسم للجنة (أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ) أي: لأنهم كذبوا بآيات اللّٰه 11- أن لها على رسله. وقيل: المعنى: ثم كان التكذيب والاستهزاء عاقبة الذين عملوا أسوأ الأعمال وهو الشرك بالله تعالى (وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِنُونَ) . [١١] اللهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) أي: يخلقهم أولًا، ثم يعيدهم بعد الموت أحياء كما كانوا (ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) أيها الناس إلى موقف الحساب، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. [١٢ ] (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ) أي: يبأس المشركون من كل خير حين يعاينون العذاب. ١٣] (وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ ) الذين عبدوهم من دون اللّٰه ( شُفَعَاءُ) أي: شفعاء يجيرونهم من عذاب اللّٰه (وَكَانُوا) في ذلك الوقت (بِشُرَكَائِهِمْ) أي: بآلهتهم الذين جعلوهم شركاء لله (كَافِرِينَ) أي جاحدين لكونهم آلهة؛ لأنهم علموا إذ ذاك أنهم لا ينفعون ولا يضرُّون. [١٤] (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ) فريقين، فالمؤمنون يصيرون إلى الجنة، والكافرون إلى النار. [١٥] ( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ) أي: فهم في رياض الجنة في حبور وسرور ينعمون ويُكْرَمُون، وقيل: هو السماع، أم. الغناء الذي يسمعونه في الجنة. صفحة 406 ١٦] (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا بالله (وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا )) أي: بالقرآن (و) كذبوا ب (لِقَاءِ الْآخِرَةِ) أي: البعث والجنة والنار (فَأَولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ) أي: مقيمون فيه، وقيل المعنى: أنهم لا بد أنَ يُحْضَرُوا ويُجْمَعُوا إليه. [١٧] (فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ) أي: فإذا علمتم ذلك فسبِّحوا الله، أي: نزِّهوه عما لا يليق به قائلين: سبحان الله، في وقت الصباح والمساء، وفي العشي وفي وقت الظهيرة، وقيل المراد بالتسبيح هنا: الصلوات الخمس، فقوله: حين (تُمْسُونَ) :صلاة المغرب والعشاء، وقوله: وحين (تُصْبِحُونَ): صلاة الفجر، وقوله: (وعَشِيًّا) صلاة العصر، وقوله: (وَحِينَ تُظْهِرُونَ): صلاة الظهر. [١٩] (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) كالإنسان من النطفةِ، والطير من البيضة والشجرة من البذرة (وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) كالنطفة والبيضة من الحيوان، والبذرة من الشجرة (وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) أي: يحيبها بالنبات بعد موتها باليباس (وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ) من قبوركم. ٢٠٦وَمِنْ آيَتِهِ) الباهرة الدالة على البعث ( أَنْ خَلَقَكُمْ ) أي: خلق أباكم آدم (مِنْ تُرَابِ) وخلقكم في ضمن خلقه (ثَمَّ إِذَا أَنَّتُمْ بَشَرٌ تَتْشِرُونَ) [أي: ثم تناسلتم من آدم، على الوجه الذي قدره اللّٰه تعالى، حتى نشركم في الأرض كلها]. [٢١] (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ) أي: ومن علاماته ودلالاته على البعث أن خلق لكم من أنفسكم أي: من جنسكم في البشرية والإنسانية نساء تتزوَّجون بهن (لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا) أي: تألفوها وتميلوا إليها، أي: قدر لكم ما فيه سكنكم وراحة نفوسكم فيهن (وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) أي: ودادًا وتراحمًا وشفقة وحبَّا بين الرجل وزوجته في ظل عصمة النكاح، يعطف به بعضكم على بعض، من غير أن يكون بينكم قبل ذلك معرفة، فضلًا عن مودة ورحمة، وقال مجاهد: المودَّة: الجماع، والرحمة: الولد (إِنَّ فِي ذَلِكَ) المذكور سابقًا (لَآيَاتٍ) عظيمة الشأن بديعة البيان على قدرته سبحانه وحكمته. [٢٢](وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) فإن من خلق هذه الأجرام العظيمة، وخلق فيها من عجائب الصنع، وغرائب التكوين، ما هو عبرة للمعتبرين، قادر على أن يخلقكم بعد موتكم، ينشركم من قبوركم (وَاخْتِلَافُ أَلْسِتَتِكُمْ) أي: لغاتكم من عربية، وفارسية، وهندية، ورومية، وغير ذلك من اللغات (وَأَأْءَابحُ.) من البياض والسواد، والحمرة، والصفرة، والخضرة، مع كونكم أولاد رجل واحد، وأمِّ واحدة، ويجمعكم نوع واحد، وهو الإنسانية، بل في كل فرد من أفرادكم ما يميزه عن غيره من الأفراد (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ) أولى العلم والبصائر . [٢٣] (وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) تنامون بالليل، وتنامون بالنهار في بعض الأحوال، للاستراحة، كوقت القيلولة (وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ) فيهما، فإن كل واحد منهما يقع فيه ذلك، والنوم شبيه بالموت، والتصرف في الحاجات، والسعي في المكاسب شبيه بالحياة بعد الموت (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) أي: يسمعون الآيات والمواعظ سماع تفكر، فيستدلون بذلك على البعث. [٢٤] (وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا) خوفًا من الصواعق، وطمعًا في الغيث، أو خوفًا من البرد، أن يهلك الزرع، وطمعًا في المطر أن يحيي الزرع (وَيُنَزَّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) أي: يحبيها بالنبات بعد موتها باليباس (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) يستدلون بها على القد الاهرة. صفحة 407 [٢٥](وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ) أي: قيامهما واستمساكهما بإرادته سبحانه وقدرته بلا عمد بعمدهما، ولا مِستقرِّ يستقران عليه (ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ) من غير تلبث ولا توقف، كما يجيب المدعو المطيع دعوة الداعي المطاع. [٢٦] (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) من جميع المخلوقات: ملكًا، وتصرفًا، وخلقًا، ليس لغيره في ذلك شء ( كُلِّ لَهُ قَانِتُونَ) أي: مطيعون طاعة انقياد. [٢٧] (وَهُوَ الذِي يَبْدَأ الْخَلَقَ ثَمَّ يُعِيدُهُ) بعد الموت، فيحيه الحياة الدامة هو أَهْوَنُ عَلَيْهِ) قال مجاهد: الإعادة أهون عليه: أي: على الله، من البداية، أي: أيسر، وإن كان جميعه على اللّٰه هينًا، وقيل: المراد أن الإعادة فيما بعد الخلق أهون من البداية وَلَهُ الْمَثَلَ الْأَعْلَى* الوصف الأعلى {فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: قوله: ((وهو أهون عليه) قد ضربه لكم مثلاً فيما صعب ويسهل، وليس كمثله شيء (وَهُوَ الْعَزِيزُ)) القادر فلا يغالب ( الْحَكِيمُ) في أقواله وأفعالهِ. [٢٨] (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) أي: مثلًا منتزعًا ومأخوذا من أنفسكم، فإنها أقرب شيء منكم، على بطلان الشرك (فَأْنْتُمْ فِيهِ سَوَاءً) أي: هل ترضون لأنفسكم - والحال أن عبيدكم وإماءكم أمثالكم في البشرية- أن يساووكم في التصرُف فيما رزقناكم من الأموال، ويشاركوكم فيها من غير فرق بينكم وبينهم، بحيث (تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنَفُسَكُمْ) كما تخافون الأحرار المشاركين لكم في الأموال؟ فإنهم لا بدَّ أن يقولوا: لا نرضى بذلك، فإذا طلت الشركة بين العبيد وساداتهم، فيما يملكه السادة بطلت الشركة بين اللّٰه وبين أحد من خلقه؛ لأن الكل عبيده. [٢٩] (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ ) أي: فلم يعقلوا الآيات (بِغَيْرِ عِلْم) أي: جاهلين بأنهم على ضلالة (فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلِّ اللَّهُ* أي: لا أحد يقدر على هدايته إن لم يقدر اللّٰه له الهداية (وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) يحولون بينهم وبين عذاب اللّٰه سبحانه. [٣٠] ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ) مائلًا إليه، مستقيما عليه، غير ملتفت إلى غيره من الأديان الباطلة (فِطْرَةَ اللهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) فطرهم اللّٰه على الإسلام، لولا عوارض تعرض لهم فيبقون بسببها على الكفر، كما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم، قال: قال رسول اللّٰه وَالي:. ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة، ولكن أبواه يهوِّ «انه ..نصِّرانه ويمجِّسانه» وفي المسند عن عياض أن رسول اللّٰه وعَلِيه خطب يومًا فقال في خطبته حاكيًا عن اللّٰه سبحانه: ((إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلّتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللتُ لهم» (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ) أي: لا تبدِّلوا خلق الله، بعبادة غير الله، بل ابقوا على فطرة الإسلام والتوحيد (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) أي: لزوم الفطرة هو الدين المستقيم. [٣١] (مُنِبِينَ إِلَيْهِ) المعنى: فأقم وجهك ومن معك نيبين إلى اللّٰه (وَاتَّقُوهُ) أي: باجتناب معاصيه (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) التي أُمرتم بها (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) بالله. [٣٢] (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا) تفرقوا فرقًا في الدين يشايع بعضهم بعضًا من أهل البدع والأهواء واليهود والنصارى (كُلّ حِزْبِ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) أي: كل فريق بما لديهم من الدين المبني على غير الصواب مسرورون مبتهجون يظنون أنهم على الحق وليس بأيديهم منه شيء. [٣٣] (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرُّ) أي: قحط وشدَّة (دَعَوْا رَبَّهُمْ) أن يرفع ذلك عنهم واستغاثوا به (مُنِبِينَ إِلَيْهِ) أي: راجعين إليه، ملتجئين به، لا يعولون على غ م ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً) صفحة 408 بإجابة دعائهم ورفع تلك الشدائد (إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) [رجعوا إلى عبادة غير اللّٰه وهم يعلمون أنه ما رفع الضرّ عنهم إلا اللّه ]. [٣٤] (لِيَكْفَرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) ما يتعقب هذا التمتع الزائل من العذاب الأليم. [٣٥] (أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا )) المعنى: بل هل أنزلنا عليهم برهانًا ظاهرًا (فَهُوَ يَتَكَلِّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ) أي: ينطق بإشراكهم بالله سبحانه، أي: يدل على أن إشراكهم حق. [٣٦] (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً) أي: خصبًا ونعمة وسعة وعافية (فَرِحُوا بِهَا) فَرَحَ بَطَرٍ وأَشَرٍ، لا فَرَحَ شكر بها وابتهاج بوصولها إليهم (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) شدَّة على أي صفة (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) أي: بسبب ذنوبهم {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ) القنوط: الإياس من الرحمة. [٣٧] ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ) من عباده، أي: يوسع له (وَيَقْدِرُ) أي: يضيق على من يشاء (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) فيستدلون على الحق لدلالتها على كمال القدرة. [٣٨]( فَئَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ) بالإحسان إليهم بالصدقة والصلة والبر (وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ) أي: وآت المسكين وابن السبيل حقهما الذي يستحقانه، وحق المسكين: أن يتصدق عليه ويعان، وحق ابن السبيل: الضيافة والمعونة (ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ) أي: ذلك الإيتاء أفضل من الإمساك لمن يريد التقرُّب إلى اللّٰه سبحانه (وَأُولَتِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) أي: الفائزون بمطلوبهم حيث أنفقوا لوجه اللّٰه امتثالاً لأمره. [٣٩] (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا) أي: من مال طلبًا لزيادة خالية عن العوض (لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ) أي: ليزيد وينمو في أموالهم (فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ) أي: لا يبارك اللّٰه فيه، وقيل: ليس تأويل الآية هكذا، بل قال أكثر المفسرين: الربا في هذا الموضع ما يفعله بعض الناس من الهدية يهديها الرجل لأخيه يطلب المكافاة، فإن ذلك لا يربو عند الله، فلا يؤجر عليه صاحبه، ولا إثم عليه، يعني: دفع الإنسان الشيء لِيُعوَّض أكثر منه، وما خدم به الإنسان أحد لينتفع به في دنياه، فإن ذلك النفع الذي يجزى به من الخدمة، لا يربو عند الله، وكان حرامًا على النبي وَاِيّي على الخصوص؛ لقوله سبحانه: (وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) قال عكرمة: الربا ربوان: فربا حلال، وربا حرام، فأما الربا الحلال فهو الذي يهدي يلتم ١٠ م. أفضل منه، يعني: كما في هذه الآية: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ) أي: وما أعطيتم من صدقة لا تطلبون بها المكافأة، وإنما تقصدون بها ما عند اللّه (فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) يعطون بالحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف. [٤٠] (هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْء) ومعلوم أنهم يقولون ليس فيهم من يفعل شيئًا من ذلك، فتقوم عليهم الحجة (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) أي: نزَّهوه تنزيهًا عن إشراك المشركين. [٤١] ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) المراد بالبحر: المدن والقرى التي هي على الأنهار والبحار، والبر: المدن والقرى التي ليست على بحر أو نهر (بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) بِيَّن اللّٰه سبحانه أن الشرك والمعاصي سبب لظهور الفساد في العالم، وظهور الفساد هو القحط وعدم النبات، ونقصان الرزق، وكثرة الخوف، وكساد الأسعار، وقلة المعاش، وقطع السبل، والظلم، وغير ذلك ( لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا) أي: ليذيقهم عقاب بعض عملهم (لَعَلِّهُمْ يَرْجِعُونَ) عماهم فيه من المعاصي ويتوبوا. ٨١ !١ه. صفحة 409 [٤٢] (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ) أمرهم بأن يسيروا لينظروا آثارهم ويشاهدوا كيف كانت عاقبتهم، فإن منازلهم خاوية، وأراضيهم مقفرة موحشة، كعاد وثمود ونحوهم من طوائف الكفار (كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ) إيضاح للسبب الذي صارتِ عاقبتهم به إلى ما صارت إليه. [٤٣]( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّم) المعنى: إذا ظهر لك أن الفساد ما حصل إلا بالسبب المتقدم فأقم وجهك يا محمد، أي: اجعل جهتك اتباع الدين القيم، وهو الإسلام المستقيم (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ) يعني: يوم القيامة (لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ) أي: لا سبيل إلى رده ومنع حصوله عند أجله، ولا يقدر أحد على ذلك (يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ) أي: يفترق الناس فيه، فأهل الجنة يصيرون إلى الجنة، وأهل النار يصيرون إلى النار. [٤٤] (مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ) أي: جزاء كفره، وهو النار (وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ) أي: يوطِّئون لأنفسهم منازل في الجنة بالعمل الصالح. [٤٥] (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا) أي: يتفرقون ليجزي اللّٰه المؤمنين بما يستحقونه ( مِنْ فَضْلِهِ) [أي: مما يفضل أي: يزيد على استحقاقهم أضعافًا لا يقدر قدرها إلا اللّٰه] {إنّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) كناية عن بغضه لهم الموجب لغضبه سبحانه، وغضبه يستتبع عقوبته. [٤٦] (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشَّرَاتٍ) بالمطر؛ لأنها تتقدمه (وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ) يعني: الغيث والخصب (وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ) في البحر عند هبوبها (وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) أي: تبتغوا الرزق بالتجارة التي تحملها السفن. [٤٧] (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ) كما أرسلناك إلى قومك (فَجَاءُوهُمْ بِالبيِّنَاتِ) أيٍ: بالمِعجزات والحجج النيرات، فكفروا (فَانَّتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا) أي: فعلوا الإجرام، وهي الآثام (وَكَانَ حَقّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ) وهو صادق الوعد لا يخلف الميعاد. [٤٨]{الله الذِي يُرْسِلَ الرِّيَاحَ فتثِيرُ سَحَابًا ) ترفعه [من بخار مياه البحار] (فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ ) تارة سائرًا وتارة واقفًا، وتارة مطبقًا، وتارة غير مطبق، وتارة إلى مسافة بعيدة، وتارة إلى مسافة قريبة (وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا) قطعًا متفرقة (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ) الودق: المطر، من خلاله: من وسطه (فَإِذَا أَصَابَ بِهِ) أي: بالمطر (مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) أي: بلادهم وأرضهم {إِذَا هُمْ يَسْتَبْهِ مدَه الاستبشار: الفرح. [٤٩] (وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ) أي: قد كانوا من قبل تنزيل الغيث عليهم، أو من قبل الزرع والمطر، يائسين من حصولهما. ٥٠] ( فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللهِ) الناشئة عن إنزال المطر، من النبات والثمار والزرائع، التي بها يكون الخصب ورخاء العيش، لتستدلَّ بذلك على توحيد اللّٰه وتفرُّده بهذا الصنع العجيب (كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) أي: انظر إلى كيفية هذا الإحياء البديع للأرض ( إِنَّ ذَلِكَ) أي: إن المخترع لهذه الأشياء المذكورة (لَمُحْيِي الْمَوْتَى) أي: القادر على إحيائهم في الآخرة، وبعثهم ومجازاتهم، كما أحيا الأرض الميتة بالمطر. [٥١] (وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ) رأوا زرعهم ونباتهم ( مُصْفَرَّا) من إِلبرد الناشئ عن الريح التي أرسلها اللّٰه بعد اخضراره (لَظَلّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ) بالله ويجحدون نعمه، وفي هذا دليل على سرعة تقلبهم وعدم صبرهم وضعف قلوبهم، وليس هكذا حال أهل الإيمان. [٥٢] (فَإِنَّكَ لَا تُسْمِهُ الْمَمْةَ )) إذا دعوتهم، فكذا هؤلاء، صفحة 410 عدم فهمهم للحقائق ومعرفتهم للصواب (وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدَّعَاءَ) إذا دعوتهم إلى الحق ووعظتهم بمواعظ اللّٰه (إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ) عن الحق [٥٣] (وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْي عَنْ ضَلَالَتِهِمْ) لفقدهم للانتفاع بالأبصار كما ينبغي، أو لفقدهم للبصائر (إِنْ نُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا)) لكونهم أهل التفكر والتدبر والاستدلال بالآثار على المؤثر (فَهُمْ مُسْلِمُونَ) أي: منقادون للحق متبعون له. ٥٤] اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ) هذا مثل آخر ضربه اللّٰه تدليلًا على كمال قدرته، وهو خلق الإنسان نفسه على أطوار مختلفة. ومعنى من ضعف: من نطفة، وقيل: المراد حال الطفولية والصغر (ثَمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قَوَّةٍ ضَعْفَا) أي: عند الكبر والهرم (وَشَيْبَةَ)) الشيبة: هي تمام الضعف يَخْلق مَا يَشَاءُ) من جميع الأشياء، ومن جملتها القوَّة والضَّعف في بني آدم (وَهُوَ الْعَلِيمُ) بتدبيره { الْقَدِيرُ) على خلق ما يريده. [٥٥] (وَيَوْمَ تَقَومُ السَّاعَةُ) أي: القيامة، قيل: سميت ساعة؛ لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا (يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ) أي: يحلفون أنهم ما لبثوا في الدنيا، أو في قبورهم، أكثر من ساعة واحدة، استقلّوا مدَّة لبثهم، واستقر ذلك في أذهانهم، فحلفوا عليه، وقيل: كذبوا في هذا الوقت كما كانوا يكذبون من قبل (كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ) مثل ذلك الصرف كانوا يصرفون عن الحق، وهو دليل على أن حلفهم كان كذبًا. ٥٦] (وَقَالَ الَّذِينَ أَوْتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ) قيل: هم الملائكة، وقيل: الأنبياء، وقيل: علماء الأمم، ومؤمنو هذه الأمة (لَقَدْ لَبِئْتُمْ) في حياتكم وفي قبوركم (فِي كِتَابِ اللهِ) أي: في علم اللّٰه المثبت في اللوح المحفوظ (إلَى يَوْم البَعْثِ لَهَذا الوقت الذي صاروا فيه هو (يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) أنه حق، بل كنتمٍ تستعجلونه تكذيبًا واستهزاءً. [٥٧] (فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ ) أي: لا بنفعهم الاعتذار يومئذ، ولا يفيدهم علمهم بالقيامة (وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) لا يُدْعَوْنَ إلى إزالة عتبهم، من التوبة والطاعة، كما دُعُوا إلى ذلك في الدنيا، والاستعتاب: الاسترضاء وطلب الموافقة. (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) من الأمثال التي تدلهم على توحيد اللّٰه وصدق رسله، واحتججنا عليهم بكل حجة تدل على :iML. الشرك، [كما عَرَضَه اللّٰه تعالى في هذه السورة عَرْضًا من وجوه كثيرة، وعلى صور متعددة، وبأدلة وأمثلة مختلفة] (وَلَئِنْ جِتُهُمْ بِآيَةٍ) مِنْ آيَاتِ القرآن الناطقة بذلك (لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ) أي: ما أنت يا محمد وأصحابك إلا أصحاب أباطيل، تتبعون السحر وما هو مُشَاكِل له في البطلان. [٥٩] (كَذَلِكَ) أي: إن هذه الدعوة منهم ببطلان قولك وبطلان ما جئتهم به من الآيات، هو تكذيبٌ منشؤه أن اللّٰه تعالى طبع على قلوبهم حتى عارضوا الحق وعاندوه ولم يخضعوا له، ومثل هذا الطبع (يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبٍ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) الفاقدين للعلم النافع الذي يهتدون به إلى الحق وينجون به من الباطل. [٦٠] (فَاصْبِرْ) على ما تسمعه منهم من الأذى وتنظره من الأفعال الكفرية (إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ) أي: فإن اللّٰه قد وعدك بالنصر عليهم، وإعلاء حجتك، وإظهار دعوتك، ووعده حق لا خلف فيه (وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ) أي: لا بحملنك على الخفة، ولا يستفزنك عن دينك وما أنت عليه (الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ) بالله ولا يصدقون أنبياءه ولا :؟ من. ١،.كتبه. صفحة 411 تفسير سورة لقمان [٢-١] الم. تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ) تقدم الكلام على أمثال فاتحة هذه السورة فلا نعيده (الْحَكِيم) ذو الحكمة البالغة. [٣] (هُدى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ) المحسن: العامل للحسنات، أو من يعبد اللّٰه كأنه يراه [كما في حديث جبريل عاليَام أنه سأل النبي وعَلِية: ((ما الإحسان؟ فقال: أن تعبُد اللّٰه كأنك تراه. فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) وذلك أن من راقب اللّٰه تعالى وعلم أنه مطَّلع عليه حين يعمل، عَبَد اللّٰه فأحسن عبادته، فأتى بالأعمال الصالحة في أفضل أوقاتها، وعلى خير الكيفيات التي هداه إليها رسوله وَلِيّي، فكان إحسانه سببًا لمزيد الهداية له، وذلك سبب لتوالى الرحمات].. [٤] الذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزِّكَاةَ وَهُمْ بالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) خصَّ هذه العبادات الثلاث؛ لأنها عمدة العبادات، وضمَّ إليها الإيمان بالآخرة عن يقينٍ؛ لأنه هو الذي يحمل صاحبه على تقوى اللّٰه واتباع هداه. [٦] (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ) لهو الحديث: كل ما يلهو به الناس من الغناء والملاهي والأحاديث والقصص (لِيُضِلّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) أي: يتبع هذه الملاهي قاصدًا أن يضل غيره عن طريق الهدى ومنهج الحق، فهو يدعوهم إلى اللهو؛ لئلا يستمعوا القرآن ويتدبروه، وإنما ستحق الذم من اشترى لهو الحديث لهذا المقصد (بِغَيْرِ عِلَمِ) أي: حال كونه غير عالم بحال ما يشتريه، أو بحال ما ينفع من التجارة وما يضر، فلهذا استبدل بالخير ما هو شر محض (وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا) يشتري لهو الحديث للإضلال عن سبيل الله، ولأجل السخرية بكتاب اللّٰه (أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) هو الشديد الذي يصير به من وقع عليه مهينًا. ٧]( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا) أي: وإذا تتلى آيات القرآن على هذا المستهز (وَلَّى مُسْتَكْبِرًا) أي: أعرض عنها مبالغًا في التكبر (كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا ) مع أنه قد سمعها (كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا) الوقر: الثقل أو الصمم (فَبَشِّرْهُ بِعَذَّابٍ لِيم ) أخبره بأن له العذاب البليغ في الآلم [٩] خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللهِ حَقَا) أي: وعدهم اللّٰه ذلك وعدًا، وحق ذلك حقًّا ولا خلف فيه (وَهُوَ الْعَزِيزُ) الذي لا يغلبه غالب (الْحَكِيمُ) في كل أفعاله وأقواله. [١٠] ( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) فيمكن أن تكون ثَمَّ عمد، ولكن لا ترب. منحوز أن يكون المعنى: ولا عمد ألبتة (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ) أي: جبالًا ثوابت (أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) جعلها مستقرة ثابتة لا تتحرك بجبال جعلها عليها وأرساها على ظهرها (وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلَ دَابَّةٍ) أي: من كل نوع من أنواع الدواب (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلَ زَوْجِ كَرِيم) أي: من كل سنف، ووصفه بكونه كريمًا لحسن كونه وكثرة منافعه. [١١ ] ( هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) من آلهتكم التي تعبدونها، فأرونٍ أي شيءٍ خلقوا مما يحاكي خلق اللّٰه أو يقاربه (بَلِ الظَالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) فقرر ظلمهم أولًا وضلالهم ثانيًا. [١٢] (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ) لقمان ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه ليس بنبي، والحكمة التي آتاه اللّٰه هي: الفقه والعقل والإصابة في القول (أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ) فشكر، فكان حكيمًا بشكره (وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ) لأن نفع ذلك راجع إليه، وفائدته حاصلة له؛ إذ به تستبقى النعمة، وبسببه يستجلب المزيد منها من اللّٰه سبحانه. ١٣] (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ ) يخاطبه بالمواعظ التي ترغبه في التوحيد ومحاسن الآداء ، وتصدَّه عن الشرك وما إليه صفحة 412 (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) بل هو أعظم الظلم، [لأن حقيقة الظلم صرف الحق عن أهله، والحق في العبادة لله تعال وحده لا يستحقها غيره؛ لأن الخلق خلقه والأمر أمره، فصرْف شيء من العبادة عن اللّٰه تعالى إلى غيره وضعٌ للحق في غير موضعه، فيكون أعظم الظلم، وإن كان اللّٰه تعالى لا يبلغُ أحدٌ ضُرَّه، بل هو الغني الحميد]. [١٤] (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ) في جعل الشكر لهما مقترنًا بالشكر لله، دلالة على أن حقهما من أعظم الحقوق على الولد وأكبرها وأشدها وجوبًا (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنَا عَلَى وَهْنِ) حملته في بطنها وهي تزداد كل يوم ضعفًا على ضعف، وقيل: المعنى: أن المرأة ضعيفة الخلقة، ثم يضعفها الحمل (وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ) الفصال: الفطام {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ) هذا مضمون وصية اللّٰه بهما (إِلَيَّ الْمَصِيرُ) أي: الرجوع إليَّ لا إلى غيري، فانظر هل لمت بحق وصيتي. [١٥] (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) أي: ما لا علم لك بكونه شريكًا لله (فَلَا تُطِعْهُمَا) في ذلك (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) أي: بالبر بهما، والإحسان إليهما، ولو جاهداك لتشرك بالله (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ) أي: اتبع سبيل من رجع إليَّ من عبادي الصالحين بالتوبة والإخلاص (ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَنَبَئُكُمْ) أي: أخبركم عند رجوعكم (بِمَا كَنْتُمْ تَعْمَلُونَ) من خير وشر فأجازي كل عامل بعمله. ثم شرع سبحانه في بقية كلام لقمان في وعظه لا بنه، فقال: [١٦ ] (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ) أي: إن الخطيئة إن تكن بوزن الخردلة أصغر الحبوب، ولا يدرك بالحس ثقلها، ولا ترجح ميزانًا (فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ) قد صارت في أخفى مكان وأحرزه ( أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ) أي: أو حيث كانت من بقاع السماوات أو من بقاع الأرض (يَأْتِ بِهَا اللهُ) أي: يحضرها ويحاسب فاعلها عليها (إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ) يصل علمه بِيُسْرٍ إلى كل خفي (خَبِيرٌ) بكل شيء لا يغيب عنه شيء. [١٧](يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ) وجه تخصيصِ هذه الطاعات: أنها أمهات العبادات وعماد الخير (إِنَّ ذَلِكَ) أي: الطاعات المذكورة (مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) أي: مما جعله اللّٰه عزيمة وأوجبه على عباد. .. مل أن المراد أن ذلك من مكارم أهل الأخلاق، وعزائم أهل الحزم. ١٨] (وَلَا تُصَعَّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) أي: لا تعرض عن الناس تكبراً عليهم، وقيل المعنى: ولا تلو شدقك إذا ذكر الرجل عندك كأنك تحتقره {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ) أي: خيلاء وفرحًا، والمعنى: النهي عنَ التكبر والتجّر (إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) الاختيال: هو المرح والكبرياء، والفخور: هو الذي يفتخر على الناس بماله أو شرفه أو قوته، وليس منه التحدَّث بنعم الله، فإن اللّٰه يقول: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ). [١٩] (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ) ثبت أن رسول اللّٰه والِهِ كان إذا مشى أسرع، فمعناه: لا تختل في مشيتك. وقال عطاء: امش بالوقار والسكينة (وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ) أي: انقص منه واخفضه ولا تتكلف رفعه، فإن الجهر بأكثر من الحاجة يؤذي السامع (إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) أي: أوحشها وأقبحها، أوله زفير وأخره نهيق [فهو مثل لرفع الصوت بغير داع]. [٢٠] (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) تسخيرها للآد. ٦٠٠.كينهم من الانتفاع بها، فمن صفحة 413 مخلوقات السماوات المسخرة لنبي آدم: الشمس، والقمر، والنجوم، ونحو ذلك، ومن جملة ذلك: الملائكة، فإنهم حفظة لبني آدم بأمر اللّٰه سبحانه، ومن مخلوقات الأرض: الأحجار والتراب، والزرع والشجر، والثمر والحيوانات التي ينتفعون بها، والعشب وغير ذلك. والمراد بالتسخير: جعل المسخَّر بحيث ينتفع به المسخَّر له سواء كان منقادًا له وداخلًا تحت تصرفه أم لا وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً)) أي: أتمَّ وأكمل عليكم نعمه. والنعم الظاهرة: ما يدرك بالعقل أو الحسّ، ويعرفه من يتعرفه: كالصحة، وكمال الخلق، والمال، والجاه، والجمال، وفعل الطاعات؛ والنعم الباطنة: المعرفة، والعقل، وما يجده المرء في نفسه من العلم بالله وحسن اليقين، وما يدفعه اللّٰه عن العبد من الآفات (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجَادِلَ فِي اللهِ) في توحيده وصفاته مكابرة وعنادًا بعد ظهور الحق له، وقيام الحجة عليه (بِغَيْرِ عِلَمِ) من عقل ولا نقل (وَلَا هُدَّى ) يهتدي به إلى طريق الصّواب (وَلَا كِتَابِ مُنِيرٍ) أنزله اللّٰه مبحانه، بل مجرد تعنت ومحض عناد. [٢١] (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ) أي: ما أنزله اللّٰه على رسوله من الكتاب تمسكوا بمجرد التقليد البحت، و (قَالُوا بَلْ نَتَّبَعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا) فنعبد ما كانوا يعبدونه من الأصنام، ونمشي في الطريق التي كانوا يمشون بها في دينهم (أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ) كأنه تعالى يقول: أيتبعون آباءهم ولو كان الشيطان هو الذي سوَّل لآبائهم ما كانوا عليه حتى أوقعهم في الشرك، فأوردهم بذلك عذاب جهنم المستعر، فما معنى اتباع الآباء والحال هذه؟! [٢٢] (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ) أي: يفوَّض إليه أمره، ويقبل عليه بكليته (وَهُوَ مُحْسِنٌ) في أعماله، والإحسان: ((أن نعبد اللّٰه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك» «فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) أي: اعتصم بالعهد الأوثق وتعلق به. وهو تمثيل لحال من أسلم وجهه إلى اللّٰه بحال من أراد أن يترقى إلى شاهق جبل، فتمسك بأوثق عرى حبل متدل منه (وَإِلَى اللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) أي: مصيرها إليه، لا إلى غيره. ٢٣] (وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ) فإن كفره لا يضرك (إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُتبَتُهُمْ بِمَا عَمِلُوا) أي: نخبرهم بقبائح أعمالهم ونجازيهم عليها (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) أي: بالضمائر، لا تخفى عليه من ذلك خافية، فالسر عنده كالعلانية. [٢٤] (نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ) أم.. : ٦ ، الكفار في الدنيا مدة قليلة يتمتعون بها، فإن النعيم الزائل هو أقل قليل بالنسبة إلى النعيم الدائم (ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ) أي: نلجئهم إلى عذاب النار. [٢٥](وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ الله) أي: يعترفون بأن اللّٰه هو خالقهما، لا جواب لهم غير ذلك (قُلِ) يا محمد (الْحَمْدُ لِلَّهِ) على اعترافكم، فكيف تعبدون غيره وتجعلونه شريكًا له؟ (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) اي: لا ينظرون ولا يتدبرون حتى يعلموا أن خالق هذه الأشياء هو الذي تجبٍ له العبادة دون غيره. [٢٦] (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ملكًا وخلقًا، فلا يستحق العبادة غيره (إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ) عن غيره ( الْحَمِيدُ) أي: المستحق للحمد. [ ٢٧](مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ) المعنى: [أن الأشجار التي في الدنيا لو كانت كلها أقلامًا، وكان ماء البحار مدادًا، أي: حبرًا، فكتب بها كلمات اللّٰه التي يتكلم بها إذا شاء، لنفد ماء البحر وانتهى، ولم تنته كلمات الله، ولو كان وراء البحر سبعة أبحر تمده] قيل: إنها لما :١٠ - ، ( مَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) صفحة 414 في اليهود، قالوا: كيف وقد أوتينا التوراة، فيها كلام اللّٰه وأحكامه، فنزلت هذه الآية (إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) أي: غالب لا يعجزه شيء، ولا يخرج عن حكمته وعلمه فرد من أفراد مخلوقاته. [٢٨] (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) أي: قدرة اللّٰه على بعث الخلق كلهم وعلى خلقهم كقدرته على خلق نفس واحدة وبعث نفس واحدة، لقدرته على كل شيء (إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ) لكل ما يسمع (بَصِيرٌ) بكل ما يبصر. [٢٩] (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهِارَ فِي اللَّبْلِ) أي: يدخل كلٍ واحد منهما في الآخر {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ» أي: ذلّلهما وجعلهما منقادِين بالطلوع والأفول تقديرًا للآجال، وتتميمًا للمنافع { كُلّ يَجْرِي إِلَى أجَل مُسَمَّى) قيل: الاجل هو يوم القيامة، وقيل: وقت الطلّوع ووقت الأفول (وَأَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) لا نخفى عليه منها خافية؛ لأن من قدر على مثل هذه الأمور العظيمة فقدرته على العلم بما تعملونه بالأولى. [٣٠] {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ» أي: فعل ذلك ليعلموا أنه الحق (وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ) هو ما أشركوا به من صنم أو غيره (وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ) على عرشه فوق سماواته، العليُّ بقدره وجلاله (الْكَبِيرُ) ذو الكبرياء في ربوبيته وسلطانه. [٣١] (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللّٰهِ) أي: بلطفه ورحمته لكم؛ لأنها تمكنكم من السير على الماء برفق عند أسفاركم في البحر لطلب الرزق (لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ) ما يشاهدونه من آثار قدرة الله، وما يرزقهم في البحر (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) من له صبر بليغ، وشكر كثير، يصبر عن معاصي الله، ويشكر نعمه. [٣٢)« وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُلَلِ) شبه الموج لكبره بما يظل الإنسان من جبل أو سحاب أو غيرهما (دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) لا يعوِّلون على غير اللّٰه في خلاصهم من موج البحر إذا هاج؛ لأنهم يعلمون أنه لا يضر ولا ينفع سواه فلا يدعون أصنامهم، بل ينسونها في تلك الحال (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ صاروا على قسمين: فقسم (مُقْتَصِدٌ)) أي: يوفي بما عاهد عليه اللّٰه في البحر من إخلاص الدين له، ويبقى على ذلك بعد أن أخرجه إلى البر سالمًا، ومنهم كافر (وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ) الختَّار: كثير الخَتْر، وهو الغدر وعدم الوفاء بالعهد. [٣٣] (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ) لا ينفعه بوجه من وجوه النفع لاشتغاله بنفسه (وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا ) فما عداهما من القرابات لا يجزي بالأولى، فكيف بالأجانب؟! اللهم اجعلنا ممن لا يرجو سواك، ولا يُعوّل على غيرك (إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقَّ) لا يتخلف، فما وعد به من الخير وأوعد به من الضرر فهو كائن لا محالة (وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ) الغَرور هو الشيطان، يغر الخلق ويمنِّيهم بالأماني الباطلة، ويلهيهم عن الآخرة. [٣٤] (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) أي: علم وقتها، لا يعلمه أحد إلا الله ويل (وَيُنَزَّلُ الْغَيْثَ) في الأوقات التي جعلها معينة لإنزاله (وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ) من الذكور والإناث والصلاح والفساد (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ) من النفوس حتى الملائكة والأنبياء والجن والإنس (مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا) من كسب دين أو كسب دنيا (وَمَا تَدْرِي نَفْسُ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ)) أي: لا يدري أحدٌ من الأحياء في أي مكان يقضي اللّٰه عليه بالموت. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد: قال: ((جاء رجل من أهل البادية إلى النه جَالتد فتمال: إن امرأتي حبلى، صفحة 415 فأخبرني ما تلد؟ وبلادنا مجدبة فأخبرني متى ينزل الغيث؟ وقد علمتُ متى وُلِدتُ، فأخبرني متى أموت؟ فأنزل اللّٰه وعَمَل (إِنّ اللَهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ... الآية)، وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: رسول اللّٰه وعيّيِّة: ((مفاتيح الغيب خمس لا بعلمهن إلا الله: لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا متى تقوم الساعة إلا الله، ولا ما في الأرحام إلا الله، ولا متى ينزل غيث إلا اللّه تفسير سورة السجدة [٢]( لَا رَيْبَ فِيهِ) أي: لا شك أنه منزل من رب العالمين، وأنه ليس بكذب ولا سحر ولا كهانة ولا أساطير الأولين. [٣] (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) افتعله محمد من عند نفسه واختلقه (بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) كذبهم سبحانه في دعوى الافتراء (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ) وهم أهل مكة، وكانوا أمة أمية، لم يأتهمّ رسول (لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) أي: لأجل أن يهتدوا. [٤] اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّام) [الله أعلم بتلك الأيام وما طولها] ( ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) وقد تقدم تفسير هذا مستوفى (مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيع ) أي: ليس لكم من دون اللّٰه أو من دون عذابه من ولي يواليكُم ويردٍ عنكم عذائهِ ولا شفيع يشفع لكم عنده (أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ) تذكُّر تدبُّر وتفكُّر، وتسمعون هذه المواعظ سماع من يفهم ويعقل حتى تنتفعوا بها. [٥] (يُدَبَّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ) أي: يُحكِم الأمر بقضائه وقدره من السماء إلى الأرض، وقيل المعنى: يدبر أمر الدنيا بأسباب سماوية، من الملائكة وغيرها، نازلة أحكامها وآثارها إلى الأرض (ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمِ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةِ مِمَّا تَعُدُّونَ) أي: ثم يرجع ذلك الأمرُ ويُصعد ذلك التدبير إليه سبحانه في يوم مقداره الف سنة، وقيل: يدبر آمر الحوادث اليومية بإثباتها في اللوح المحفوظ فتنزل بها الملائكة، ثم تعرج إليه في زمانِ هو كألف سنة مِن أيام الدنيا. ٧] (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) أنقن وأحكم خلق خلوقاته، وبعض المخلوقات، وإِن لم تكن حسنة المنظر في مسها، فهي متقنة محكمة {وَبَدَأ خَلَقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ) بعني: آدم خلقه من طينِ على صورة بديعة وشكل حسن. [٨] (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ أي: ذريته ( مِنْ سُلَالَةٍ) سميت الذرية سلالة، لأنها تسلّ من '٤ "، وتنفصل عنه (مِنْ مَاءٍ مَهِين) من ماء حقير، وهو المنيُّ. [٩]أَثُمَّ سَوَّاه) أي: الإنسان الذي بدأ خلقه من طين، وهو آدم، عدل خلقه، وسوَّى شكله، وناسب بين أعضائه (وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ نسب اللّٰه تعالى الروح إلى نفسه تكريمًا لها وتشريفًا (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْتِدَةَ) تكميلًا لنعمته عليكم، وتتميمًا لتسويته لخلقكم، حتى تجتمع لكم النعم، فتسمعون كل مسموع، وتبصرون كل مبصر، وتتعقلون كل متعقل، وتفهمون كل ما يفهم (قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) بيان لكفرهم لنعم الله، وتركهم لشكرها إلا فيما ندر من الأحوال. [١٠] (وَقَالُوا أَءذا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ) ذهبنا وضعنا وصرنا ترابًا، وغبنا عن الأعين (أَثِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) أي: أنبعث ونصير أحياء (بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ) أي: جاحدون له مكابرة وعنادًا. [١١ ] (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ) قيل: هو عزرائيل (الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ) وُكِّل بقبض أرواحكم عند حضور آجالكم (ثُمَّ إِلَى رَبَّكُمْ تُرْجَعُونَ) أي: تصيرون إليه أحياء لا إلى غيره، فيجازيكم بأعمالكم. صفحة 416 [١٢] (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ) هم القائلون أإذا ضللنا (نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ) مطأطئوها حياء وندما على ما فرط منهم في الدنيا من الشرك بالله والعصيان له (عِنْدَ رَبِّهِمْ) عند محاسبته لهم لرأيت العجب: يقولون: (رَبَّنَا أَبْصَرْنَا) الآن ما كنا نكذب به (وَسَمِعْنَا) ما كنا ننكره، وقيل: أبصرنا صدق وعيدك، وسمعنا تصديق رسلك. أبصروا حين لم ينفعهم البصر، وسمعوا حين لم ينفعهم السمع (فَارْجِعْنَا) إلى الدنيا (نَعْمَلْ) عملًا (صَالِحًا) كما أمرتنا (إِنَّا مُوقِنُونَ) أي: بصدقون بالذي جاء به محمد والِي، وصفوا أنفسهم بالإيقان حينذاك طمعًا فيما طلبوه من إرجاعهم إلى الدنيا، وأنى لهم ذلك؟ (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَانُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ). [١٣](وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا) فهدينا الناس جميعًا، فلم يكفر منهم أحد (وَلَكِنْ حَقَّ الْقُوْلُ مِنِّي) أي: سبقت كلمتي، وقضيت قضائي (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) هذا هو القول الذي وجب من اللّٰه وحق على عباده، ونفذ فيه قضاؤه؛ لأنه سبحانه قد علم أنهم من أهل الشقاوة. [١٤] ( فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَاَ أَيٍ: عِذِابٍ لقاء يومكم هذا، بسبب ترككم لما أمرتكم به (وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ) أي: ذوقوا العذاب الدائم الذي لا بنقطع أَبدًا بما كنتم تعملونه في الدنيا من الكفر والمعاصي. [١٥] (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا) يصدق بها وينتفع (الَّذِينَ إِذَا ذُكَّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا) أي: خافوا من اللّٰه فقاموا يصلون له، أي: الصلوات الخمس، وقيل: النوافل، تعظيمًا لآيات الله، وخوفًا من سطوته وعذابه (وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) أي: نزَّهوه عن كل ما لا يليق به، وحمدوه على نعمه التي أجَلُّها وأكملها الهداية إلى الإيمان، والمعنى: قالوا في سجودهم: سبحان اللّٰه وبحمده، أو: سبحان ربي الأعلى وبحمده (وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ» خاضعين لله، متذللين له. [١٦](تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِع) أي: ترتفع وتنبو، قيل المعنى: فلا ينامون حتى يصلوا العشاء، وقيل: هم المتهجدون الذين يقومون عن الفراش للصلاة بالليل (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) حال كونهم داعين ربهم خوفًا من عذابه وطمعًا في رحمته (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) وذلك الصدقة الواجبة، وقيل: صدقة النفل [١٧ ] (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسُ مَا أخْفِىَ لَهُمْ مِنْ قَرَّةِ أَعْيُن) أي: لا تعلم نفس من النفوس، أيُّ نفس كانت، ما أخفاه اللّه سبحانه لأولئك الذين تقدم ذكرهم مداتَدَدٌ .. أعينهم. أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن رسول اللّٰه وتيليم قال: قال اللّٰه تعالى: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. قال أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُن))). ١٨](أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا ) أي: ليس المؤمن كالفاسق، فقد ظهر ما بينهما من التفاوت (لا يَسْتَوُونَ) . [١٩ ] ( أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى) والمأوى: هو الذي يأوون إليه، فالجنات هي المأوى الحقيقي (نُزُلًا) معدَّة لهم عند نزولهم. [٢٠](وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا) عن طاعة اللّٰه وتمرَّدوا عليه وعلى رسله {فَمَاوَاهُمُ النّارُ) أي: منزلهم الذي يصيرون إليه ويستقرُّون فيه هو النار (وَقِيلَ لَهُمْ ذَوقَوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) القائل: هو خزنة جهنم من الملائكة، أو القائل لهم هو اللّٰه وعَمَل [٢١] (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى) وهو عذاب الدنيا من مصائبها وأسة ١٨٠١، مقيل: القتل بالسيف يوم بدر صفحة 417 (دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ) أي: قبل عذاب الآخرة (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) عما هم فيه من الشرك والمعاصي بسبب ما ينزل بهم من العذاب إلى الإيمان والطاعة، ويتوبون عما كانوا فيه. [٢٢] (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكَّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا ) أي: لا أحد أظلم منه، لكونه سمع من آيات اللّٰه ما يوجبِ الإقبال على الإيمان والطاعة، فجعل الإعراض مكان ذلك (إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ) يدخل فيه من أعرض عن آيات الله. [٢٣](وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) أي: التوراة (فَلَا تَكُنْ) يا محمد (فِي مِرْيَةٍ) أي: شك وريبة (مِنْ لِقَائِهِ) هذا وعد من اللّٰه لرسوله وَلِيه أنه سيلقى موسى قبل أن يموت، ثم لقيه في السماء أو في بيت المقدس حين أسري به، وقيل: فلا تكن في شك من لقاء موسى يوم القيامة وستلقاه فيها (وَجَعَلْنَاهُ هُدى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ) أي: جعلنا التوراة هدى لبني إسرائيل. [٢٤] (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا)) أي: قادة إلى الخير يدعونهم إلى الهداية، بما يُلقونه إليهم من أحكام التوراة ومواعظها (لَمَّا صَبَرُوا) أي: جعلناهم أئمة لصبرهم على مشاق التكليف والهداية للناس، وقيل: صبروا عن الدنيا (وَكَانُوا بِآيَاتِنَا) التنزيلية (يُوقِنُونَ) أي: يصدِّقونها ويعلمون أنها حق، وأنها من عند الله، لكثرة تدبرهم. [٢٥] (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ) أي: يقضي بينهم ويحكم بين المؤمنين والكفار (يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) وقيل: يقضي بين الأنبياء وأممهم. [٢٦] ( أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ) أي: أولم يبين لهم (كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ) عاد وثمود ونحوهم (يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ) ويشاهدونها، وينظرون ما فيها من العبر، وآثار العذاب، ولا يعتبرون بذلك (إِنَّ فِي ذَلِكَ) المذكور (لَآيَاتٍ) عظيمات (أَفَلَا يَسْمَعُونَ لها ولا يتعظون بها. [٢٧] (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ ) أي: التي لا تنبت إلا بسَوق الماء إليها (فَنُخْرِجُ بِهِ) أي: بالماء (زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ) أي: من الزرع، كالتبن والحَبِّ والورق، ونحوهما مما لا يأكله الناس (وَأَنْفُسُهُمْ) أي: يأكلون الحبوب الخارجة في الزرع مما يقتاتونه (أَفَلَا يُبْصِرُونَ) هذه النعم، ويشكرون المنعم ويوحدونه. [٢٨] (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُتُمْ صَادِقِينَ) أي: متى الفتح الذي تعدوننا به، وهو يوم البعث الذي يقضي اللّٰه فيه بين عباده؟ [٢٩] (قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ) أي: إن آمنوا (وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ه ٧ . مهلون ولا يؤخرون. [٣٠] (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ) أي: عن سفههم وتكذيبهم، ولا تجبهم إلا بما أمرت به (وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ) أي: وانتظر يوم الفتح، وهو يوم القيامة، إنهم منتظرون بك حوادث الزمان من موت أو غلبة. 2222 تفسير سورة الأحزاب [١] (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ) أي: دم على تقْوَى اللّٰه وازدد منها (وَلَا تُطِع الْكَافِرِينَ) من أهل مكة، ومن هو على مثل كفرهم (وَالْمُنَافِقِينَ) أي: الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وذلك أنهم قالوا للنبي ويلِيه: اترك سب آلهتنا ولا تذكرها بسوء، وقل: إن لها شفاعة لمن عبدها. فأمره اللّٰه بألا يلين لكلامهم. [٢] (وَاتَّبْعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) أي: اتبع الوحي في كل أمورك، ولا تتبع مشورات الكافرين والمنافقين. [٣] (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا) أي: اعتمِد عليه، وفوِّض أمورك إليه، وكفى به حافظًا يحفظ مَن توكل عليه. [٤] (مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُا : مَأْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ) كان الواحد صفحة 418 من المنافقين يقول: لي قلب يأمرني بكذا، وقلب بكذا، فبين اللّٰه تعالى أنه لا يكون للإنسان إلا قلب واحد، ليس فيه إلا إسلام أو كفر أو نفاق {وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أمَّهَاتِكُمْ) الظهار أن يقول الرجل لا مرأته: أنت عليَّ كظهر أمي، وكان هذا في الجاهلية طلاقاً. فبين اللّٰه تعالى أن الزوجة ليست أمَّا، وأن هذا القول منكر ممن قاله وزور وإثم. وجعل على من قاله كفارة [انظر أول سورة المجادلة] (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ) أي: لم يجعلهم أبناءكم حقيقة وشرعًا، والأدعياء هم الأبناء بالتبني (ذَلِكُمْ) أي: ما تقدم من ذكر الظهار والادعاء (قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ ) أي: ليس ذلك إلا مجرد قول بالأفواه ولا تأثير له، فلا تصير المرأة به أمَّا، ولا يصير ابن الغير به ابنًا، ولا يترتب على ذلك شيء من أحكام الأمومة والبنوة. [٥] ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ) للصُّلْبِ، وانسبوهم إليهم ولا ننسبوهم إلى غيرهم (هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ) أي: أعدل من قولكم: هو ابن فلان ولم يكن ابنه (فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيْكُمْ) فقولوا: أخي ومولاي، ولا تقولوا: ابن فلان، حيث لم تعلموا آباءهم على الحقيقة (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ) أي: لا إثم عليكم فيما وقع منكم من ذلك خطأ من غير عمد (وَلَكِنْ) الإثم في (مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) من نسبة الأبناء إلى غير آبائهم مع علمكم بتحريم ذلك. قال قتادة: ولو دعوت رجلًا لغير أبيه وأنت ترى أنه أبوه لم يكن عليك بأس. [٦] (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنَفُسِهِمْ) أي: هو أحق بهم في أمور الدين والدنيا، وأولى بهم من أنفسهم، فضلاً عن أن يكون أولى بهم من غيرهم، فيجب عليهم أن يطيعوه فوق طاعتهم لأنفسهم، ويقدموا طاعته على ما تميل إليه أنفسهم وتطلبه خواطرهم. وقيل: المراد: أن النبي أولى بالمؤمنين من بعضهم ببعض. أخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة عن النبي وَلِيّي قال: ((ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة. اقرأوا إن شئتم (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) فأيما مؤمن ترك مالًا فلترثه عصبته من كانوا، فإن ترك دينًا أو ضياعًا فليأتني فأنا مولاه)) (وَأَزْوَاجُهُ أَمَّهَاتُهُمْ ) أي: أمهاتهم في الحكم بالتحريم، ومنزلات منزلتهن في استحقاق التعظيم، فلا يحل لأحد أن يتزوج بواحدة من أمهات المؤمنين زوجات النبي وعاليه بعده، كما لا يحل له أن يتزوج بأمه، وهن أمهات ال..... رجالًا ونساء (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ) المراد بأولي الأرحام: القرابات، أي: بعضكم أحق بميراث بعض. وقد تقدم تفسير هذه الآية في آخر سورة الأنفال، وهي ناسخة لما كان في صدر الإسلام من التوارث بالهجرة والموالاة فِى كِتَاب الله) القرآن، أى: فى آيات المواريث (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) المعنى: أن ذوي القرابات من المؤمنين (وَالْمُهَاجِرِينَ) بعضهم أولى ببعض من المؤمنين والمهاجرين الذين هم أجانب ولو كان بينهم حلف أو صداقة (إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا) من صدقة أو وصية فإن ذلك جائز، فلما نسخ التوارث بالحلف والهجرة أباح أن يوصى لهم ( كَانَ ذَلِكَ) أي: كان نسخ الميراث بالهجرة والمحالفة والمعاقدة، وردُّه إلى ذوي الأرحام من القرابات (فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا) أي: في اللوح المحفوظ، أو في القرآن مكتوبًا [أي: فيجب عليكم العمل به ]. ٧(وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيّنَ مِيثَاقَهُمْ) على أن يعبدوا الله، ويدعوا إلى عبادة الله، وأن يصدق بعضهم بعضًا، وأن ينصحوا لقومهم (وَمِنْكَ وَمِنْ نُوس مَادُ لهمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ) صفحة 419 خصهم لكونهم أولى العزم من الرسل، وتقديم ذكر نبينا لَال لف من تأخر زمانه فيه من التشريف له والتعظيم ما لا بخفى (وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) أي: عهدًا شديدًا على الوفاء بما حملوا وما أخذه اللّٰه عليهم. [٨] (لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ) في الوفاء بهذا الميثاق، ومنه تبليغ الرسالة إلى قومهم، وإذا كانوا يسألون عن ذلك فكيف غيرهم؟ (وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا) أي: ويسأل الكافرين عما أجابوا به رسلهم، وأعد لهم عذابًا أليمًا. [٩](إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودُ) هم جنود الأحزاب الذين نحزبوا على رسول اللّٰه وَالِيّي وغزوه إلى المدينة، وهي الغزوة المسماة (غزوة الخندق» أو ((غزوة الأحزاب)) وهم: أبو سفيان بن حرب بقريش، وعيينة بن حصن الفزاري وقومه غطفان، وبنو قريظة والنضير من اليهود، في شوال سنة خمس من الهجرة (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا) حتى ألقت قدورهم ونزعت فساطيطهم (وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا) الملائكة، بعث اللّٰه عليهم الملائكة فقلعت الأوتاد، وقطعت أطناب الفساطيط، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها في بعض، وأرسل اللّٰه عليهم الرعب. [١٠] (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ) من أعلى الوادي، وهو جهة المشرق (وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ) من أسفل الوادي من جهة المغرب (وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ) شخصت دهشًا من فرط الهول والحيرة (وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ) أي: ارتفعت القلوب من مكانها، ووصلت من الفزع والخوف إلى الحناجر، وهو على طريق المبالغة. والمعنى: أنهم جبنوا وجزع أكثرهم (وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا) فبعضهم ظن النصر ورجا الظفر، وبعضهم ظن خلاف ذلك. ١١]*هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ) أي: بالقتال والجوع والحصر والنزال، ليتبين المؤمن من المنافق (وَزُلْزِلُوا زِلْزَالَا شَدِيدًا) اضطربوا، فمنهم من اضطرب في نفسه، ومنهم من اضطرب في دينه. ١٢] (وَإِذْ يَقُولُ الَّمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) هم أهل الشك والاضطراب (مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولَهُ) من النصر والظفر (إِلَّا غُرُورًا) اعترضتهم في حفر الخندق صخرة، نضربها النبي وتيّة بالفاس فطارت منها قطعة، فقال: إن اللّٰه أعطاني ملك فارس، ثم ضربها أخرى فطارت قطعة فقال: إن اللّٰه أعطاني ملك الروم. فقال ..: المنافقين: يَعدُنا ملك كسرى وقيصر وأحدنا يخاف أن يذهب ليقضي حاجته. [١٣] (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ) أي: من المنافقين (يَا أَهْل يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ) ها هنا في العسكر ( فَارْجِعُوا) أمروهم بالهرب من عسكر النبي وَاليم إلى منازلهم بالمدينة (وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ) أَي: فريق آخر من ضعاف الإيمان ( يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ) أي: ضائعة سائبة ليست بحصينة، نخشى عليها العدو، ولا نأمن على أهلنا (وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ) فكذبهم اللّٰه سبحانه فيما ذكروه (إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا) أي: ما يريدون إلا الهرب من القتال. [١٤] (وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا) لو دخلت عليهم بيوتهم، أو المدينة من جوانبها ( ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ) [خيانة المؤمنين وفتح الطريق للعدو] وقيل: هي القتال للعصبية (لاتَوْهَا) أي: لأعطوها (وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا) بل هم مسرعون إليها، ولا يتعللون عن الإجابة بأن بيوتهم في هذه الحالة عورة. [١٥] (وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ) غابوا عن بدر ورأوا ما أعط اللّٰه أهل بدر من الكرامة صفحة 420 والنصر فقالوا: لئن أشهدنا اللّٰه قتالًا لنقاتلن، قيل: هم بنو حارثة وبنو سلمة (وَكَانَ عَهْدُ اللهِ مَسْئُولًا) مطلوبًا من صاحبه بالوفاء به، ومجازى على ترك الوفاء به [يذكرهم اللّٰه تعالى عهدهم مع رسولِه بنصرتِه وحمايته عندما هاجر إليهم]. [١٦] (وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا) أي: تمتعًا قليلاً أو زمانًا قليلًا بعد فرارهم إلى أَن تنقضي آجالهم (وكل ما هو آت فهو قريب) . [١٧ ] (قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ) يحميكم منه (إنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا) أي: هلاكًا أو نقصًا في الأموال وجَدبًا ومرضًا (أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً) يرحمكم بها من خصب ونصر وعافية (وَلَِّا) يواليهم ويدفع عنهم (وَلَا صيرًا ) ينصرهم من عذاب اللّٰه. [١٨] (قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ) هؤلاء قوم من المنافقين كانوا يثِّطون أنصار النبي وَلِي قالوا لهم: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، أي: جماعة قليلة سيغلبهم أبو سفيان وحزبه (وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا أي: يقولون لأقاربهم من الأنصار: تخلوا عن محمد وأصحابه وانضموا إلينا (وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ) أي: الحرب (إِلَّا قَلِيلًا) خوفًا من الموت، بحضرون القتال من غير احتساب. [١٩] (أَشِحَةً عَلَيْكُمْ) أي: بخلاء عليكم لا يعاونونكم بحفر الخندق ولا بالنفقة في سبيل اللّٰه (فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ) يِمِينًا وشمالًا، وذلك وضع الجبان إذا شاهد ما يخافه (كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) أي: كعين الذي نزل به الموت يشخص بصره فلا يطرف (فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةِ حِدَادٍ) أي: آذوكم بالكلام في الأمن بألسنة سليطة ذَرِبَة، فهم عند السلم أشح قوم وأبسطهم لسانًا، ووقت البأس أجبن قوم وأخوفهم ( أشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ) على الغنيمة، وقيل: على المال أن ينفقوه في سبيل اللّٰه (أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا) بل هم منافقون (فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمَالَهُمْ) أبطل اللّٰه جهادهم؛ لأنه لم يكن في إيمان (وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا) كان نفاقهم على اللّٰه هينًا. [٢٠] (يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا) أي: يحسب هؤلاء المنافقون لجبنهم أن الأحزاب باقون في معسكرهم لم يذهبوا إلى ديارهم (وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ) مرة أخرى بعد هذه المرة (يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ) أي: يتمنى هؤلاء المنافقون أنهم في غير المدينة، بل في بادية الأعراب؛ لما حلّ بهم من الرهبة (يَسْأَلُونَ ءَ: أَبَلِيِكُمْ) أي: يسألون عن أخباركم وما جرى لكم كل قادم عليهم من جهتكم، من غير مشاهدة للقتال؛ لفرط جبنهم وضعف نياتهم (وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا) خوفًا من العار وحمية على الديار. ٢١) (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) أي: قدوة صالحة، حيث بذل نفسه للقتال، وخرج إلى الخندق لنصرة دين الله، وللمؤمنين جميعًا أسوة برسول اللّٰه وَلِلِهِه في جميع أحواله (لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) يرجون ثواب اللّٰه أو لقاءه، ويرجون رحمة اللّٰه يوم القيامة، أو يصدقون بحصوله وأنه كائن لا محالة (وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا) فإن بذلك تتحقق الأسوة الحسنة برسول اللّٰه وَا لهِ [٢٢] (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ) قالوه استبشارًا بحصول ما وعدهم اللّٰه ورسوله من مجيء هذه الجنود، وأنه يتعقب مجيئهم إليهم نزول النصر والظفر من عند اللّٰه (وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ) أي: ظهر صدق خبر الله ورسوله (وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا)) ما زادهم النظر إلى الأحزاب إلا إيمانًا وتسليمًا لأمر اللّٰه [وذلك يؤدي إلى بذل الجهد في القتال، ورد كيد أعا al شه ورسوله]. صفحة 421 [٢٣] (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللٰهَ عَلَيْهِ) وفوا بما عاهدوا عليه رسول اللّٰه وَالِيِ ليلة العقبة من الثبات معه، والمقاتلة لمن قاتله، بخلاف من كذب في عهده وخان اللّٰه ورسوله وهم المنافقون، وقيل: هم الذين كانوا يوم بدر نذروا إن لقوا العدو أن يقاتلوا حتى يقتلوا أو يفتح اللّٰه لهم، ففي غزوة الأحزاب قضوا نحبهم، أي: أدركوا أمنيتهم، وقضوا حاجتهم ووفوا بنذرهم، واستشهدوا (وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ) قضاء نحبه حتى يحضر أجله، فإنهم مستمرون على الثبات والقتال ومنتظرون لقضاء حاجتهم، وحصول أمنيتهم بالقتل وإدراك فضل الشهادة (وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) أي: ما غيَّروا عهدهم الذي عاهدوا اللّٰه ورسوله عليه كما غيَّر المنافقون عهدهم. ٢٤]وَيُعَذَبَ الْمُنَافِقِينَ) بما صدر عنهم من التغيير والتبديل إن شاء تعذيبهم، إذا أقاموا على النفاق ولم يتركوه ويتوبوا عنه ( أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) إن شاء (إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) أي: لِمن تاب منهم وأقلع عن النفاق. [٢٥] (وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) وهم الأحزاب (بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا) ردَّهم بغيظهم لم يشف صدورهم ولا نالوا خيرًا في اعتقادهم، وهو الظفر بالمسلمين، بل رجعوا خاسرين لم يربحوا إلا عناء السفر وغرم النفقة (وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ) بما أرسله من الريح والجنود من الملائكة (وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا) على كل ما يريده (عَزِيزًا) غالبًا قاهرًا، لا يعارضه معارض في سلطانه. [٢٦] (وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) أي: عاضدوهم وعاونوهم على رسول اللّٰه وَايِيه وهم بنو قريظة، فإنهم عاونوا الأحزاب، ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول اللّٰه ويلِية وصاروا يدًا واحدة مع الأحزاب (مِنْ صَيَاصِيهِمْ صياصي البقر: قرونها، والمراد به هنا: حصون التي يحتمون بها (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ) أي: الخوف الشديد حتى سلموا أنفسهم للقتل، وأولادهم ونساءهم للسبي (فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ) فالفريق الأول هم الرجال، والفريق الثاني: هم النساء والذرية. [٢٧] (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ) العقار والنخيل (وَدِيَارَهُمْ ) هي المنازل والحصون (وَأَمْوَالَهُمْ) هي الحلي والأثاث والمواشي والسلاح والدراهم والدنانير (وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا) هي خيبر، ولم يكونوا إذ ذاك قد نالوها، فوعدهم اللّٰه بها، وقيل: هي كل أرض تفتح إلى:٠ - الة امة. [٢٨] (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاحِكَ) قال المفسرون: إن زوجات النبي والي سالنه الزيادة في النفقة، وآذينه بغيرة بعضهن على بعض، فآلى رسول اللّٰه وَالِي منهن شهرًا، وأنزل اللّٰه آية التخيير هذه {إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا) سعتها ونضارتها ورفاهيتها والتنعم فيها (فَتَعَالَيْنَ) أي: أقبلن إليَّ (أُمَتَّعْكُنَّ) يعني: متعة الطلاق (وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا) أي: أطلقكن من غير ضرار، بل على مقتضى السنة؛ ليكون لكن من زينة الدنيا ما شئتنَّ. [٢٩] (وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ) أي: الجنة ونعيمها (فَإِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ) أي: اللاتي عملن عملا صالحًا (أَجْرًا عَظِيمًا) وبعد نزول هذه الآية دعا النبي ويّه نساءه وقرأها عليهن واحدة واحدة فاخترن البقاء. قالت عائشة: ((خيرنا رسول اللّٰه وتَيّي فاخترناه، فلم يعده طلاقا)). [٣٠] (بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) أي: ظاهرة القبح واضحة الفحش، وقد عصمهنَّ اللّٰه عن ذلك، وبرأهنَّ وطهرهنَّ {يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ) أي: يعذبهن مثلي عذاب غير هنَّ من النساء إذا أتين بمثل تلك الفاحشة؛ مذااء ، ا كانة النبي وَلِيَّةِ و علوِّ درجتهن صفحة 422 (وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا)) لا يتعاظمه ولا يصعب عليه. [٣١] (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ) أي: من يلزم منكن الطاعة الكاملة لله ورسوله (نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) أي: ضعف ما يستحقه غير هنَّ من النساء إذا فعلن تلك الطاعة. [٣٢] (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأْحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ) فبين سبحانه أن هذه الفضيلة لهن لا لمجرد اتصالهنَّ بالنبي وعَلِيّي، وقد وقعت منهن والله الحمد التقوى البينة، والإيمان الخالص، والمشي على طريقة رسول اللّٰه وَلِيِي في حياته وبعد مماته (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ) لا تُلِنَّ القول عند مخاطبة الرجال، كما تفعله المُرِيبَات من النساء (فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) أي: فُجُور، أو نفاق (وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا) عند الناس، بعيد عن الريبة، عن سنن الشرع، لا ينكر منه سامعه شيئًا. [٣٣] (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) معناه: الأمر لهن بالقرار والسكون في بيوتهن والا يخرجن {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرَّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأَولَى) التبرَّج: أن تبدي المرأة من زينته ومحاسنها ما يجب عليها ستره مما تستدعي به شهوة الرجل (وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ) في كل ما هو شرع [ وأطعن رسول الله فيما يأمركن به من شئون الدنيا] ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) أي: أنه أو صاكنَّ بما أو صاكنَّ من التقوى والطاعة؛ وليذهب عنكم يا أهل بيت النبوة الإثم والذنب المدنسين للأعراض، الحاصلين بسبب ترك ما أمر اللّه به، وفعل ما نهى عنه (وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) من الأرجاس والأدران. وأهل البيت المذكورون في الآية، قال ابن عباس وعكرمة وعطاء وسعيد بن جبير: هن زوجات النبي وَلِليمة خاصة، وهو الحق؛ لأن الآية نازلة فيهن، وما قبلها وما بعدها هو فيهن أيضًا، وليس في شيء من ذلك ذكر لعلي وزوجته وأولاده . قيل: هي شاملة للمتقين من آل البيت [من أزواجه وذريته وأعمامه وأولادهم، ولا تشمل غير المتقين، كأبي لهب وأشباهه منهم في كل عصر]. [٣٤] (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ) أي: تذكرن الآيات القرآنية [والسنة النبوية] التي تتلى في بيوتكن وتنبع منها، فحافظن على تلاوتها وتعلمها وتعليمها. [٣٥] إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ.. ) الإسلام: الدخول في الدين والانقياد له مع العمل، ثم عطف على المسلمين المسلمات تشريفًا لهن بالذك . .هكذا فيما بعد، وإن كنّ داخلات في لفظ المسلمين والمؤمنين ونحو ذلك؛ والمؤمنون والمؤمنات هم من يؤمن بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر والقدر خيره وشره؛ والقانت: العابد المطيع، وكذا القانتة، وقيل: المداومين على العبادة والطاعة؛ والصادق والصادقة هما من يتكلم بالصدق، ويتجنب الكذب ويفي بما عاهد عليه؛ والصابر والصابرة هما من يصبر عن الشهوات وعلى مشاق التكليف؛ والخاشع والخاشعة هما المتواضعان الله الخائفان منه الخاضعان في عبادتهما لله؛ والمتصدِّق والمتصدِّقة هما من تصدق من ماله بما أوجبه اللّٰه عليه وما ندبه إليه؛ وكذلك الصائم والصائمة؛ والحافظ والحافظة لفرجيهما عن الحرام بالتعفف والتنزه والاقتصار على الحلال؛ والذاكر والذاكرة هما من يذكر اللّٰه على كل أحواله. [٣٦] (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُم الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ أي: لا يحل لمن يؤمن بالله إذا أمر اللّٰه والنبي أمرًا أن يختار من أمر نفسه ما شاء، بل يجب عليه أن يفعل ما طلب منه ويوقف نفسه تحت أمر اللّٰه ورسوله (وَمَنْ يَعْصِ الَّهَمَنَهُ . لَهُ ) في أمر من الأمور صفحة 423 (فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالَا مُبِينًا) أي: ضلَّ طريق الحق ضلالًا ظاهرًا واضحًا لا يخفى. نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش ابنة عمة النبي وَالِي، قال رسول اللّٰه وَلِيّيِ لزينب: ((إني أريد أن أزوجك زيد بن حارثة، فإني قد رضيته لك»، قالت: يا رسول الله: لكني لا أرضاه لنفسي، وأنا أيم قومي، وَبِنْتُ عمتك، فلم أكن لأفعل. فنزلت هذه الآية. قالت: قد أطعتك فاصنع ما شئتٍ، فزوجها زيدًا فدخل عليها. [٣٧] (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنَّعَمْتَ عَلَيْهِ) وهو زيد بن حارثة، أنعم اللّٰه عليه بالإسلام، وأنعم عليه رسول اللّٰه اليه بأن أعتقه من الرق، وكان من سبي الجاهلية، اشتراه رسول اللّٰه وَالِيحي في الجاهلية، وأعتقه وتبناه، وزوَّجه امرأة من قريش، هي بنت عمته زينب بنت جحش { أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) يعني: زينب (وَاتَّقِ اللهَ) في أمرها ولا تعجل بطلاقها (وَتُخْفِي) يا محمد (فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ) وهو نكاحها إن طلقها زيد [وكان الله تعالى قد أوحى إليه أن زيدًا سيطلقها، وأنك ستتزوجها بعده لتبطل عادة التبني وآثارها] (وَتَخْشَى النَّاسَ) أي: تستحيهم، أو تخاف من تعبيرهم بأن يقولوا: أمر مولاه بطلاق امرأته ثم تزوجها (وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) في كل حال وتخاف منه وتستحييه (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا) قضى وطره منها بنكاحها والدخول بها، ثم طلقها بحيث لم يبق له فيها حاجة (زَوَّجْنَاكَهَا) فلما أعلمه اللّٰه بذلك [كان ذلك تزويجًا من اللّٰه له] ولذلك دخل عليها بغير إذن ولا عقد ولا تقدير صداق ولا شيء مما هو معتبر في النكاح في حق أمته، وبه جاءت الأخبار الصحيحة (لِكَيْ لَا تَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ) أي: ضيق ومشقة (فِي أَزْوَاجٍ أَدْعِبَائِهِمْ) أي: في التزوَّج بأزواج من يجعلونهم أبناءهم بالتبنِّي، كما كانت تفعله العرب ويعتقدون أنه يحرم عليهم نساء من تبنوه، كما تحرم عليهم نساء أبنائهم حقيقة، فأخبرهم اللّٰه أن نساء الأدعياء حلال لهم (إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًّا) خلاف ان الصلب، ن مرأته تحرم على أبيه بالعقد عليها. [٣٨](سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ) أي: إِنَّ هذا هو السنن الأقدم في الأنبياء، والأمم الماضية، أن ينالوا ما أحله اللّٰه لهم من أمر النكاح وغيره. [٣٩] الَّذِينَ يُبَلَّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللّهَ) [ أي: فكذلك أنت يا محمد، لا تبال بما يقول الناس فيك بسبب تبليغك آيات اللّه] (وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا ) محاسبًا لهم في كل ؟ - ولما تزوج النبي وَلِية زينب قال بعض الناس: تزوج امرأة ابنه، فأنزل اللّٰه تعالى: [٤٠] (مَا كَانَ مُحَمَّدْ أبَا أحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ) أي: ليسر هو بِأَبِ لزيد بن حارثة على الحقيقة، حتى تحرم عليه زوجته، ولا هو أبٌ لأحد لم يلده، وقد وُلِدَ له من الذكور: إبراهيم، والقاسم، والطَِّّب، والمطهَّر، ولكن لم يعشِ له ابن حتى يصير رجلًا (وَلَكِنْ) كان (رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّيِّينَ) خاتم الشيء: آخره، فلا نبي من بعده، وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن جابر، قال: قال رسول اللّٰه وَلِّي: ((مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل ابنتي دارًا، فأكملها وأحسنها، إلا موضع لبنة، فكان من دخلها فنظر إليها قال: ما أحسنها، إلا موضع اللبنة، فأنا تلك اللبنة، حتى ختم بي الأنبياء». [٤٣]( هُوَ الَّذِي يُصَلَّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ) الصلاة من الدعاء العباد الاستنار وُغُرجَكُمْ مِنَ الطَلِقاتِ إلَى الدعاء لهم وا النُّورِ) من ظلمات المعاصي إلى نور الطاعات، ومن ظلمة الضلالة إلى نور الهدى. [٤٤] (تَحِيُّتُهُمْ يَوْمَ أْذَهْنَهُ سَلَامٌ » أي: تحية المؤمنين صفحة 424 من اللّٰه سبحانه يوم لقائهم له عند الموت، أو عند البعث، أو عند دخول الجنة، هي التسليم عليهم منه عجِّل. وقيل المعنى: فيسلمهم اللّٰه من الآفات، ويبشرهم بالأمن من المخافات يومٍ يلقونه. [٤٥] (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا) أي: على أمته يشهد لمن صدَّقه وآمن به، وعلى من كذبه وكفر به. [٤٦] (وَدَاعِيَّا إِلَى اللهِ) يدعو عباد اللّٰه إلى التوحيد والإيمان بما جاء به، والعمل بما شرعه لهم (بِإِذْنِهِ) بأمره له بذلك وتقديره (وَسِرَاجًا مُنِيرًا) أي: يستضاء بِهَدْبِهِ في ظلمات الحياة، كما يستضاء بالمصباح في الظلمة. [٤٨] (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ) فيما يشيرون به عليك من المداهنة في الدين (وَدَعْ أَذَاهُمْ) أي: لا تبال بما يصدر منهم إليك من الأذى، بسبب دعوتك إلى دين الله، وشدَّتك على أعدائه. [٤٩] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) أيٍ: تعاقدتم معهن عقد الزواج (ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أُنْ نَمَسُّوهُنَّ) من قبل أن تجامِعوهن، فكنى عن ذلك بلفظ المسِّ (فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا) وهذا مجمع عليه، وإسناد ذلك إلى الرجال للدلالة على أن العدة حق لهم [يحاسبونهن عليه ويلزمونهن به] (فَمَتَّعُوهُنَّ فالمطلقة قبل الدخول مع التسمية للصداق تستحق نصف المسمى، ومع عدم التسمية تستحق المتعة عملًا بهذه الآية، وأما المتوفى عنها زوجها، إذا مات بعد العقد عليها، وقبل الدخول بها، كان الموت كالدخول، فتعتدَّ أربعة أشهر وعشرة أيام بالإجماع (وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا) أي: ائذنوا لهن بالخروج من منازلكم إن كن دخلنها؛ إذ ليس لكم عليهنَّ عدَّة، والسَّراح الجميل: الذي لا إيذاء معه. [ ٥٠] (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ) ذكر سبحانه في هذه الآية أنواع الأنكحة التي أحلها لرسوله، وبدأ بأزواجه اللاتي قد أعطاهن مهور هنَّ؛ لأنهنَّ قد اخترنه على الدنيا وزينتها (وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكَ) مما ردَّه اللّٰه عليك من الكفار بالغنيمة، من نسائهم المأخوذات على وجه القهر والغلبة، وتحل له أيضًا السرِّية المشتراة والموهوبة ونحوهما (وَبَنَاتِ عَمِكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ ) [ أي: هنَّ حلال أن تخطب منهن من شئت فتتزوجها] ولا تحل له من لم تهاجر من هؤلاء (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِنَّبِيِّ» إن وهبت نفسها منك بغير صداة. . أ.ا من لم تكن مؤمنة فلا تحلُّ لك بمجرد هبتها نفسها لك (إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا) أي: يصيِّرها منكوحة له، ويتملك بضعها بتلك الهبة بلا مهر (خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) أي: هذا الإحلال الخالص للمرأة الواهبة نفسها بلا مهر، هو خاص بك دون غيرك من المؤمنين، ولا يجوز لغيره (قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ) أي: ما فرضه اللّٰه سبحانه علي المؤمنين في حق زوجاتهم من شرائط العقد وحقوقه، لا يحل لهم الإخلال به، ولا الاقتداء برسول اللّٰه وَلِيه فيما خصه اللّٰه به توسعة عليه وتكريمًا له، فلا يتزوَّجوا إلا بمهر وشهود ووليّ، ولا يزيد الواحد منهم عن أربع زوجات (وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ) أي: وعلمنا ما فرضنا عليهم فيما ملكت أيمانهم من كونهنّ ممن يجوز سبيه وحربه، لا من كان لا يجوز سبيه، أو كان له عهد من المسلمين (لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ) أي: وسعنا عليك في التحليل لك؛ لئلا يضيق صدرك فتظن أنك قد أثمت في بعض المنكوحات. [٥١] {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ) كان القَسْمُ واجبًّا عليه، حتى :٨ . - ١٠أ.ه الآية، فارتفع الوجوب، صفحة 425 وصار الخيار إليه، فكان وَيِّيه يسوِّي بين من آواها من نسائه في القسم، وكان يقسم لمن أرجأها ما شاء (وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ) المعنى: إنه إن أراد أَن يؤوي إليه امرأة ممن قد عزلهنَّ عن القسمة، ويضمها إليه، فلا حرج عليه في ذلك (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ) أي: ذلك التخيير الذي خيَّرناك في صحبتهنَّ أدنى إلى رضاهنَّ، إذ كان من عندنا؛ لأنهنَّ إذا علمن أنه من اللّٰه قرَّت أعينهنَّ (وَلَا يَحْزَنَّ) أي: بإيثارك بعضهنَّ دون بعض (وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ) أي: بما أعطيتهنَّ، من تقريب وإرجاء، وعزل وإيواء (وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ) من كل ما ضمرونه، ومن ذلك ما تضمرونه من أمور النساء. [٥٢] ( لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ) حرم اللّٰه بهذه الآية على رسوله وَلِيِ أَن يتزوَّج على نسائه، مكافأة لهنَّ بما فعلن حين اخترن اللّٰه ورسوله والدار الآخرة، على الحياة الدنيا وزينتها (وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ) أي: ليس لك أن تطلق واحدة منهن أو أكثر، وتتزوج بدل من طلقت منهنَّ (وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ) ولو أعجبك حسن التي أردت أن نجعلها بدلًا من إحداهن (إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ) أي: فيجوز لك أن تستبدل بمن عندك من الإماء وتستزيد منهن [وقد قالت عائشة وبعض الصحابة: ما مات النبي وَيَلِيّيه حتى أحلّ اللّٰه له أن يتزوج من النساء ما شاء، إلا ذات محرم]. [٥٣] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ) هذا نهي عام لكل واحد من الصحابة أن يدخل بيتًا من بيوت رسول اللٰه واليه إلا بإذن (إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامِ) أي: إلا أن يؤذن لكم مدعوِّين إلى طعام (غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ) أي: غير منتظرين نضجه وإدراكه (وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا) أي: إذا دعيتم وأذن لكم فادخلوا، وإلا فنفس الدعوة لا تكون إذنًا كافيًا في الدخول (فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا) المراد: الإلزام بالخروج من المنزل الذي وقعت الدعوة إليه، عند انقضاء المقصود من تناول الطعام {وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ) المراد: النهي لهم عن أن يجلسوا بعد الطعام بتحدثون مستأنسين بالحديث (إِنَّ ذَلِكُمْ) الدخول بغير إذن، أو الدخول بإذن مع الانتظار والاستئناس للحديث ( كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ) لأنهم كانوا يضيقون المنزل عليه وعلى أهله، ويتحدثون بما لا يريده، وكان النبي وتَلِيِةٌ يحتمل إطالتهم كرمًا منه، فيصبر على الأذى في ذلك، فعلَّم اللّٰه من بحضره الأدب، فصار أدبًا ل. . .ا.ن بعدهم ( فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ) أي: يستحيي أن يقول لكم: قوموا أو اخرجوا (وَاللهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقَّ) أي: لا يترك أن يبين لكم ما هو الحق (وَإِذَا سَأْلْتُمُوهُنَّ) أي: سألتم زوجات النبي ا ( مَتَاعًا ) من الماعون وغيره يعني: أو كلمتموهن (فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) أي: من وراء ستر بينكم وبينهن {ذَلِكُمْ) أي: سؤال المتاع من وراء حجاب (أَطْهَرُ لِقُلَّوبِكُمْ وَقُّلُوبِهِنَّ) أي: أكثر تطهيرًا لها من الريبة، وخواطر السوء التي تعرض للرجال في أمر النساء، وللنساء في أمر الرجال (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ) أي: ما صح لكم ولا استقام أن تؤذوه بشيء من الأشياء كائنا ما كان (وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدَّا) بعد وفاته؛ لأنهنَّ أمهات المؤمنين، ولا يحل للأولاد نكاح الأمهات (إِنَّ ذَلِكُمْ) أي: نكاح زوجاته من بعده (كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا)) أي: ذنبًا عظيمًا وخطبًا هائلًا شديدًا. [٥٤] (إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ) قيل: نزلت لما قال بعض الصحابة: إن مات رسول اللّه وَيّد تزوجت فلانة م. :محاته. صفحة 426 [٥٥] (لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ) فهؤلاء لا يجب على نساء رسول اللّٰه وَالِيه الاحتجاب منهم (وَلَا نِسَائِهِنَّ) [أي: من قراباتهن أو جاراتهن أو من له بلقائهن حاجة من النساء] (وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ) من العبيد (وَاتَّقِينَ اللهَ) في كل الأمور التي من جملتها ما هو مذكور هنا. أخرج البخاري ومسلم عن أنس قال: قال عمر بِن الخطاب: يا رسول اللّٰه إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجرُ فلو حجبتهن، فأنزل اللّٰه آية الحجاب. [٥٦] (إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ) أخبر اللّٰه عباده بمنزلة نبيه عنده في الملأ الأعلى، بأنه يثني عليه عند ملائكته، وأن الملائكة تصلي عليه، وأمر عباده بأن يقتدوا بذلك ويصلوا عليه. وقد اتفق العلماء على أن الصلاة عليه وَالِيَّيِ فرض على كل مسلم، وأقلها في العمر مرة. ولفظ الصلاة والسلام على رسول اللّٰه شعار له، فلا ينبغي أن يقال: صلى اللّٰه على فلان، أو فلان عَليَّان [استقلالًا ويجوز تبعًا]. [٥٧] (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ) هم المشركون واليهود والنصارى، جعلوا لله الولد، [ويدخل في هذا كل من سب الله، تعالى وتقدس، أو نسب إليه ما فيه إهانة بأي طريق كان ] والذين يؤذون رسول اللّٰه ولييهم الذين كذَّبوا رسول الله، وشجُّوا وجهه، وكسروا رباعيته، وقالوا: مجنون أو شاعر أو اب أو ا ك ا من الأقول ولأفعال. [٥٨] (وَالّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) بوجه من وجوه الأذى من قول أو فعل { بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا) أي: غير حق، وذلك كأن يشتم المؤمن أحدًا، أو يضربه، أو يقتله، فيجوز أن يفعل المؤذى به مثل ذلك قصاصًا، وإن أتلف مالًا فعليه غرامة مثله، وربما كان فعله معصية فيُعَزَّر. [٥٩] «يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَا بِيبِهِنَّ) الجلباب: الملحفة، وهو ثوب يستر جميع بدن المرأة، وإدناؤه أن تقربه وتلمَّه حتى يغطي زينتها التي أمر اللّٰه بسترها (ذَلِكَ) أي: إدناء الجلابيب (أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ) أي: أقرب أن يعرفَهُنَّ من يراهن فيتميزن عن الإماء، ويظهر للناس أنهنَّ حرائر [كريمات طاهرات] (فَلَا يُؤْذَيْنَ) من جهة أهل الريبة بالتعرض لهنَّ. [٦٠] (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ) عما هم عليه من النفاق {وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) أي: شك وريبة في أمر الدين (وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ) بذكر الأخبار الكاذبة المتضمنة التوهين جانب المسلمين، وذاء.. 1) .شركين عليهم، وذلك بأن هؤلاء المرجفين كانوا يخبرون عن سرايا المسلمين بأنهم هُزِمُوا، وتارة بأنهم قُتِلوا، وتارة بأنهم غُلِبُوا، ونحو ذلك مما تنكسر له قلوب المسلمين من الأخبار، فتوعدهم اللّٰه سبحانه بقوله: ( لَنُغْرِبَنَّكَ بِهِمْ) أي: لنسلطنك عليهم (ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلا أي: بأمرنا لك بنفيهم وتشريدهم عن المدينة. ٦١] مَلْعُونِينَ) مطرودين (أَيْنَمَا تُقِفُوا) وجدوا وأدركوا (أُخِذُوا وَقُتَلُوا تَقْتِيلًا) [لن يجدوا أحدًا يؤويهم، بل يتخطفهم الناس أسرًا وقتلاً لغضب اللّٰه ورسوله عليهم]. [٦٢] (سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ) أي: سنَّ اللّٰه ذلك في الأمم الماضية، وهو لعن المنافقين، وأخذهم وتقتيلهم، وكذا حكم المرجفين (وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا) أي: تحويلًا وتغييرًا، بل هي ثابتة دائمة في أمثال هؤلاء من الخلف والسلف. [٦٣] (يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَن السَّاعَةِ) أي: عن وقت قيامها (وَمَا يُدْرِيكَ) يا محمد (لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا) أي: في زمان قريب، والخطاب ا ١...٠. الله وَالِلِيه لبيان أنها إذا كانت صفحة 427 محجوبة عنه لا يعلم وقتها، وهو رسول الله، فكيف بغيره من الناس؟ [٦٤] (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ) أي: طردهم وأبعدهم من رحمته (وَأَعَدَّ لَهُمْ) في الآخرة ( سَعِيرًا) أي: نارًا شديدة التسعر. [٦٦] (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ) وهذا التقلب هو تقلبهم تارة على جهة منها، وتارة على جهة أخرى، أو ظهرًا لبطن، أو تغير ألوانهم بلفح النار، فتسودُّ تارة وتخضرُ أخرى (يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا) تمنوا أنهم أطاعوا اللّٰه والرسول، وآمنوا بما جاء به؛ لينجوا مما هم فيه من العذاب كما نجا المؤمنون. [٦٧](وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا* هم الرؤساء والقادة الذين كانوا يمتثلون أمرهم في الدنيا ويقتدون بهم (فَأَضَلُّونَا السَّبِلَ} بما زينوا لنا من الكفر بالله ورسوله. [٦٨] ( رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ) أي: مثل عذابنا مرتين، أو: عذاب الكفر وعذاب الإضلال (وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا) أي: لعنًا عظيمِ القدر شديد الموقع. [٦٩] (لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى) وعظ اللّٰه المؤمنين ألا يؤذوا محمدًا لِيّي كما آذى بنو إسرائيل موسى. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: قال لموسى قومه: إنه آدر، فخرج ذات يوم ليغتسل، فوضع ثيابه على حجر، فخرجت الصخرة تشتد بثيابه، فخرج موسى يتبعها عريانًا، حتى انتهت به إلى مجالس بني إسرائيل فرأوه وليس بآدر (وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا) وكان موسى عند اللّٰه ذا وجاهة، حتى إنه كلمه تكليمًا. [٧٠] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ) أي: في كل الأمور (وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) صوابًا وحقا في كل أمر من أموركم، ويدخل فيه القول في شأن زيد وزِينب، ولا تنسبوا النبي إلى ما لا يحل. ٧٢](إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ) الأمانة: منها الطاعة والفرائض التي يتعلق بأدائها الثواب، وبتضيبعها العقاب [مما وُكِلَ أداؤه إلى الإنسان لا يطلع عليه إذا تركه إلا الله] ومنها: أمانة الأموال كالودائع وغيرها مما لا بيِّنة عليه. وغسل الجنابة أمانة، والفرج أمانة، والأذن أمانة، والعين أمانة، واللسان أمانة، والبطن أمانة، واليد أمانة، والرِّجل أمانة (فَأَبْيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا) أي: إن السماوات والأرض والجبال، على كبر أجرامها، لو كانت بحيث يجوز تكليفها لثقل عليها تقلد الشرائع [الموكولة إلى الإنسان مما لا يطلع عليه إذا قصَّر فيه غير اللّٰه تعالى] لما فيها من الثواب والعقاب (وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) أي: التزم بحقها، وهو في ذلك ظلوم لنفسه، جهول لقدر ما دخل فيه. وقيل: معنى حملها: صار مستعدًّا لها بالفطرة، أو حملها عند عرضها عليه في عالم الذر. [٧٣] (لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ) أي: حملها الإنسان ليعذبهم بما خانوا من الأمانة، وكذبوا من الرسل، ونقضوا من الميثاق (وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) الذين أدَّوا ما حملوه من الأمانات من العبادة وغيرها. 22228S تفسير سورة سبأ ١] الْحَمْدُ لِلَّهِ) تعريف الحمد: ما تقدم تحقيقه في فاتحة الكتاب [وهو الثناء على المحمود بجميل صفاته وأفعاله] (الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) أي: إن جميع ما هو فيهما في ملكه، وتحت تصرفه، يفعل به ما يشاء، ويحكم فيه بما يريد. فحمده على ما في السماوات والأرض هو حمد له على النعم الته أنه . -ها على خلقه مما خلقه لهم صفحة 428 [كما أنه حمدٌ له على صفات الكمال، من القدرة والحكمة والعلم والخبرة، التي يعلمها العباد باستلزام خلق اللّٰه للسماوات والأرض لها] (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ) أي: له حمد عباده الذين يحمدونه في الدار الآخرة إذا دخلوا الجنة، كما في قوله: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ) فهو المحمود في الآخرة، كما أنه المحمود في الدنيا (وَهُوَ الْحَكِيمُ) أحكم أمر الدارين ( الْخَبِيرُ) بأمر خلقه فيهما. [٢] (يَعْلَمُ مَا يَلُجُ فِي الْأَرْضِ) من ماء أو كنز دفين (وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا) من زرع ونبات وحيوان (وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ من الامطار والثلوج والبَرَد والصواعق والبركات، وما ينزل منها من ملائكته وكتبه إلى أنبيائه (وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا) من الملائكة وأعمال العباد (وَهُوَ الرَّحِيمُ) بعباده (الْغَفُورُ) لذنويهم. [٣] (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ) وهي القيامة والبعث، قالوا ذلك إنكارًا منهم لوجودها [وجحودا للأخبار الواردة إليهم من ربهم على ألسنة أنبيائه، والتي ضمنتها كتبه] (قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ) أمر اللّٰه تعالى نبيه أن يخبرهم ويقسم بالله على صحة خبره تقوية وتأكيدًا، أن القيامة لا بد آتية (عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ)) لا يغيبِ عنه ولا يستتر (عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ) المثقال (وَلَا أَكْبَرُ) منه (إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينِ) المعنى: إلا وهو مثبت في اللوح المحفوظ. أ٤] (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) أي: إن إتيان الساعة فائدته جزاء المؤمنين بالثواب والكافرين بالعقاب ( أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) [لذنوبهم، أي: محوها من قبل اللّٰه تعالى بسبب غلبة إيمانهم وأعمالهم الصالحة، على ذنوبهم أو بتفضل اللّٰه تعالى عليهم] (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) [ هو ما بقيَّض لهم من ملاذً الأطعمة] في الجنة. [٥] (وَالّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ) أي: سعوا في إبطال آياتنا المنزلة على الرسل، يحسبون أنهم يفوتوننا ولا يدركون، وذلك باعتقادهم أنهم لا يبعثون (أولَئِكَ) أي: الذين سعوا (لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزِ) الرجز: هو أسوأ العذاب وأشده ( ألِيم) الأليم: الشديد الالم. ٦]وَيَرَى الّذِينَ أَوْتُوا الْعِلْمَ الَّذِى أَنْزَلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ) أي: ويعلم أهل العلم الذين هم على الحق أن ما أنزل إليك من اللّٰه هو الحق، وهم الصحابة، وقيل: هم مؤمنو أهل الكتاب (وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْهَ... اأْحَ.يدِ) [أي: ويعلم العلماء بكتاب اللّٰه أن هذا الكتاب] يهدي إلى دين اللّٰه وهو التوحيد. [٧] (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: قال بعض الكفار لبعض (هَلْ نَدُلَّكُمْ عَلَى رَجُلٍ) يعنون: محمدًا في ( يُنَُّكُمْ ) أي: يخبركم بأمر عجيب، ونبأ غريب، هو أنكم إِذَا مُزَّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) أي: فُرِّقتم كل تفريق، وقُطَّعتم كلِ تقطيع، وصرتم بعد موتكم رفاتًا وترابًا متفرق الأجزاء، مبدَّد الذرَّات (إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) أي: تخلقون خلقًا جديدًا، وتبعثون من قبوركم أحياء، وتعودون إلى الصور التي كنتم عليها؟ قالوا ذلك استهزاء بما وعدهم اللّٰه على لسان رسوله من البعث. [٨] ( أَفْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ) أي: قالوا أهو كاذب فيما قاله، أم به جنون بحيث لا يعقل ما يقوله؟ (بَلِ الّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ) أي: لَيس الأمر كما زعموا، بل حقيقة الأمر: أن الذين ضلوا عن الفهم وإدراك الحقائق، فكفروا بالاخرة، ولم يؤمنوا بما جاءهم به الرسول، صاروا بسبب ذلك في العذاب الدائم في الآخرة، وهم اليوم في الضلال البعيد عن الحق غاية البعد. [٩]( أَفَلَمْ يَرَوْام وبخم . م نا لهم أن ذلك لم يصدر منهم صفحة 429 إلا لعدم التفكر والتدبر في خلق السماء والأرض، ومعنى (إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ)) أنهم إذا نظروا رأوا السماء خلفهم وقدامهم [وكلها عجائب تدل على قدرة اللّٰه ووحدانيته] وكذلك إذا نظروا في الأرض رأوها خلفهم وقدَّامهم، [تنطق بمثل ما تنطق به السماء من الدلالة] فلو نظروا إليهما لعلموا أن خالقهما قادر على تعجيل العذاب لهم {إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ) كما خسف بقارون {أَوْ تُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا ) أي: قطعًا {مِنَ السَّمَاءِ) كما أسقطها على أصحاب الأيكة، فكيف يأمنون (إِنَّ فِي ذَلِكَ) المذكور من خلق السماء والأرض (لَآيَةً) واضحة ودلالة بينة (لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) أي: راجع إلى ربه بالتوبة والإخلاص. [١٠ (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا ) هو النبوة والزبور، وقيل: القوة بإلانة الحديد، والأولى أن يقال: هو ما ذكره اللّٰه بعده من قوله: (يَا جِبَالُ) إلى آخر الآية (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ) أي: قلنا يا جبال: سبحي بتسبيح ه (وَالطَّيْرَ) المعنى: وسخرنا له الطير تسبح معه (وَأَلنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) أي: جعلناه لينًا ليعمل به ما شاء، قيل: صار الحديد كالشمع يعمِله من غير نار، والله أعلم. [١١ ](أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ) أي: دروعًا سابغات، والسابغات: الكوامل الواسعات التي تغطي البدن كله (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ السرد: نسج الدروع، ويقال: السَّرد والزَّرد، أي: لا تعملها صغيرة فتضعف ولا يقوى الدرع على الدفاع، ولا تعملها كبيرة فتثقل على لابسها، وذلك تقديرها. [١٢] (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ) التقدير: وسخرنا لسليمان الريح [قال السدي: تحمل بساطه] (غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرُ) أي: تسير بالغداة مسيرة شهر، وتسير بالعشي كذلك (وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ) أسلنا له عين النحاس كما ألنا الحديد لداود (وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ) المعنى: وسخرنا له من الجن من يعمل بين يديه ما يأتي ذكره من المحاريب وغيرها، بأمر اللّٰه وتسخيره إياهم لسليمان (وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا) الذي أمرناه به: وهو طاعة سليمان (نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ) وذلك في الآخرة، وقيل: في الدنيا. ١٣] (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ) وهي الأبنية الرفيعة والقصور العالية، وقيل: المراد بالمحاريب هنا: محاريب المساجد (وَتَمَاثِيلَ) التماثيل: كل شيء مجسم صورته بصورة الحيوان من نحاس أو زجاج أو رخام أو غير ذلك، قيل: كانت هذه التما؟ ا -ور الأنبياء والملائكة والعلماء والصلحاء، وقد قيل: إن التصوير كان مباحًا في شرع سليمان [ثم نسخ ذلك في شرع نبينا محمد وايي (وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ أي: قصاعًا في العظم حياض الإبل، يجتمع على القصعة الواحدة جمع كبير يأكلون منها، والجوابي: الحياض التي يجبى فيها الماء للإبل (وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ) أي: ثابتات لا تحمل ولا تحرَّكِ لعظمها [يطبخ له فيها الطعام لإطعام الجنود] (اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا) أي: وقلنا لهم اعملوا بطاعة اللّٰه يا آل داود، شكرًا لله على ما آتاكم. [١٤ ]( فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ) أي: حكمنا عليه به، والزمناه إياه، مات عليَّام وهو قائم متكئ على عصاه، فلم تعلم الجنُّ بموته، وبقوا يعملون خوفًا منه (مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ) يعني: الأرضَة ( تَأْكُلُ مِنْسَأَنَهُ ) أي: تأكل عصاه التي كان متكئًا عليها (فَلَمَّا خَرَّ) أي: سقط عندما وقعت عصاه (تَبِيَّنَتِ الْجِنُّ) أي: ظهر لهم (أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا) أي: لو صح ما يزعمونه من أنهم يعلمون الغيب لعلموا بموته ولم يلبثوا بعد موته مدة طويلة (فِي الْعَذَابِ الْمُم... ذ، العمل الذي سخرهم فيه صفحة 430 والطاعة له، وهو إذ ذاك ميت، حتى أكلت الأرضة عصاه فخر ميتًا، فعلموا بموته، وعلم الناس أن الجن لا تعلم الغيب. [١٥] ( لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ) سبأ قبيلة كانت باليمن، وكان منها ملوك اليمن (فِي مَسْكَنِهِمْ) هو مأرب [إلى الشرق من صنعاء] وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ليال (آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ) عن يمين واديهم وشماله، وكانت مساكنهم في الوادي، وفي الجنتين من جميع الثمار، والآية هي الجنتان (كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبَّكُمْ) أي: قيل لهم ذلك، والمراد بالرزق: ثمار الجنتين (وَاشكُرُوا لَهُ على ما رزقكم من هذه النعم، واعملوا بطاعته، واجتنبوا معاصيه (بَلْدَةٌ طَيِّبَةُ) لكثرة أشجارها، وطيب ثمارها (وَرَبٌّ غَفُورٌ) أي: إن المنعم عليهم رب غفور لذنويهم. ١٦](فَأعْرَضُوا) عن الشكر وكفروا بالله (فَأرْسَلْنَ عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ) فتق اللّٰه عليهم سدَّ مأرب حتى انتقض، فدخل الماء جنتهم فغرَّقها، ودفن السيل بيوتهم. والعرم: السيل الذي لا يطاق لقوته وشدته (وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ) أعطيناهم بدلهما جنتين لا خير فيهما، ولا فائدة لهم فيما هو نابت فيهما (ذَوَاتَيْ أَكُلِ خَمْطٍ)) الخمط: كل شجرة مرة ذات أشواك (وَأَثَّلٍ) الأثل: هو الشجر المعروف الشبيه بالسَّرْو، ولا ثمر للأثل (وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلِ) أهلك أشجارهم المثمرة، وأنبت بدلها الأراك والطرفاء والسدر، مما لا ثمر له. [١٨] (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا) وهي قرى الشام (قُرَّى ظَاهِرَةً) أي: متواصلة، وكان متجرهم من أرضهم التي هي مأرب إلى الشام، وكانوا يبيتون بقرية ويقيلون بأخرى حتى يرجعوا (وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ) قال المفسرون: المقيل في قرية، والمبيت في قرية أخرى، إلى أن يصل إلى الشام (سيرُوا فِيهَا) أي: وقلنا لهم سيروا في تلك القرى المتصلة (لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ) مما يخافونه، قال قتادة: كانوا يسيرون غير خائفين ولا جياع ولا ظمأى، فلم يشكروا النعمة: بل طلبوا التعب والكد. [١٩] (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) سئموا النعمة ولم يصبروا على العافية، فتمنوا طول الأسفار والتباعد بين الديار (فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ) يتحدث الناس بأخبارهم من بعدهم؛ تعجبًا من فعلهم، واعتبارًا بحالهم وعاقبتهم (وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) أي: فرقناهم في كل وجه من البلاد كل التفريق، فصارت ١- .. تضرب بهم الأمثال، فتقول: ((تفرق القوم أَيَادِيَ سبأ» فلحقت الأوس والخزرج بيثرب، وغسان بالشام، والأزد بعمان، وخزاعة بتهامة. [٢٠] (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ) ظن بهم أنه إذا أغواهم اتبعوه (فَاتَّبَعُوهُ) قال الحسن: ما ضربهم بسوط ولا بعصا، وإنما ظن ظنّا فكان كما ظن بوسوسته. [٢١] (وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ ) أي: لم يقهرهم على الكفر، وإنما كان منه الدعاء والوسوسة والتزيين (إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ) أي: ولكن ابتليناهم بوسوسته؛ لنعلم ذلك عليم ظهور، وإلا فالله بكل شيء عليم. [٢٢](قُلِ ادْعُوا الّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ ليكشفوا عنكم الضر الذي نزل بكم في سنين الجوع، ثم أجاب سبحانه عنهم، فقال: (لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) أي: ليس لهم قدرة على خير ولا شر في أمر من الأمور (وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ) أي: ليس للأصنام في السماوات والأرض مشاركة، لا بالخلق، ولا بالملك، ولا بالتصرف (وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ) من معين يعينه على شيء من أمر !....ا. ات والأرض ومن فيهما. صفحة 431 [٢٣] (وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) أي: لا تنفع الشفاعة في حال من الأحوال إلا لمن أذن اللّٰه له أن يشفع، من الملائكة والنبيين وأهل الإيمان والعلم والعمل، وهؤلاء لا بشفعون إلا لمن يستحق الشفاعة، لا للكافرين (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) هذا الفزع يكون للملائكة في كل أمر يأمر به الرب. والمراد: أن الملائكة، وهذا فزعهم من أمر الله، كيف يشفعون لديه لمن لا يرضاه؟ وأخرج البخاري وأبو داود من حديث أبي هريرة أن النبي وَالِّي قال: ((إذا قضى اللّٰه الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، ينفذهم ذلك، فإذا فزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا لذي قال: الحق، وهو العلي الكبير). [٢٤] (قَلْ مَنْ يَرْزُقَكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) فإن آلهتكم لا يملكون مثقال ذرة، والرزق من السماء: هو المطر، والرزق من الأرض: هو النبات والمعادن ونحو ذلك (قُل الله) أي: هو الذي يرزقكم من السماوات والأرض (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) والمعنى: أن أحد الفريقين على هدى والآخر على ضلال، ومعلوم أن مَن عَبَدَ الذي يخلق ويرزق وينفع ويضر، هو الذي على الهدى، ومَنْ عَبَدَ الذي لا يقدر على خلق ولا رزق ولا نفع ولا ضرٍ، هو الذي على الضلالة. [٢٥] (قَلْ لَا تُسْأَلَونَ عَمَّا أجْرَمْنَا) أي: إن كانت عبادتنا الله وطاعتنا له جريمة فلستم مسئولين عنا (وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) أي: لا ينالنا من كفركم وترككم لإجابتي ضور. : ٢٦] (قُلْ يَجْمَعُ بَيْتَنَا رَبُّنَا) أي: يوم القيامة (ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقَّ) أي: يحكم ويقضي بيننا بالحق فيثيب المطيع، ويعاقَب العاصي (وَهُوَ الْفَتَّاحُ) أي: الحاكم بالحق، القاضي بالصواب ( العَلِيمُ) بما يتعلق بحكمه وقضائه من المصالح. [٢٧] (قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ) أي: أروني الذين ألحقتموهم بالله فجعلتموهم شركاء له حتى أراهم وأرى ما يقدرون عليه (كَلَّا بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) أي: ارتدِعوا عن دعوى المشاركة، بل المنفرد بالإلهية هو الله، القاهر الغالب الحكيم بالحِكمة الباهرة. [٢٨] (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ) أي: وما أرسلناك إلا للناس جميعًا عربهم وعجمهم (بَشِيرًا وَنَذِيرًا)) أي: مبشرًا لهم بالجنة، ومنذرًا لهم من النار (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) ما عند اللّٰه وما لهم من النفع في إرسال الرسل. [٢٩] (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا اأ-عْاُ اْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) قالوه استهزاء بما أخبرهم به النبي وَلِيه من البعث والحساب. [٣٠] قَل لَكَمْ مِيعَادُ يَوْمِ) وهو يوم البعث ولا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ أى: هذا الميعاد المضروب لكم لا تتأخرون عنه ولا تتقدمون عليه، بل يكون لا محالة في الوقت الذي قدر اللّٰه وقوعه فيه، فلن ياتي قبل الموعد الذي وقَّته اللّٰه تعالى له، وهو آت فى ذلك الموعد. [٣١] (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) وهي الكتب القديمة: كالتوراة والإنجيل، والرسل المتقدمين (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ} محبوسون في موقف الحساب (يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ) أي: يتراجعون الكلام فيما بينهم باللوم والعتاب، بعد أن كانوا في الدنيا متعاضدين متناصرين متحابين (يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا) وهم الأتباع (لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) وهم الرؤساء المتبوعون (لَوْلَا أَنْتُمْ) صددتمونا عن الإيمان بالله والاتباع لرسوله (لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ) بالله مصدقين لرسوله وكتابه. [٣٢] (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ) مجيبين لهم، مستنكرين لما قالوم (أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى ) صفحة 432 أي: منعناكم عن الإيمان (بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ) الهدى (بَلْ كُتُمْ مُجْرِمِينَ) أي: مصرِّين على الكفر، كثيرِي الإجرام، عظيمي الآثام. ٣٣١] (وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) ردًّا لما أجابوا به عليهم، ودفعًا لما نسبوه إليهم من صدهم لأنفسهم (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) المكر: الخديعة والحيلة، والمعنى: بل مكركم بنا طول الليل والنهار ودعوتكم المستمرة المدبرة دومًا، لنا إلى الكفر، هو الذي حملنا على هذا (إِذْ تَأْمُرُ ونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا) أي: أشباهًا وأمثالًا (وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ) راجعٌ إلى الفريقين: أي: أضمر الفريقان الندامة على ما فعلوا من الكفر، وأخفوها عن غيرهم، أو أخفاها كل منهم عن الآخر مخافة الشماتة. وتبينت الندامة في وجوههم (وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: جعلتِ الأغلال من الحديد في أعناق هؤلاء في النار (هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا عْمَلَوْنَ) من الشرك باللّه والمكر بدعوة الحق [٣٤] •إِنَا بِمَا أَرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) أي: مكذبون لكم بما أرسلتم به من التوحيد والإيمان. [٣٥] (وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) أي: قالوا: إن اللّٰه فضلنا عليكم بالأموال والأولاد في الدنيا، وذلك يدل على أنه قد رضي ما نحن عليه من الدين، فما نحن بمعذَّبين في الآخرة بعد إحسانه إلينا في الدنيا ورضاه عنَّا. [٣٦] (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ) أن يبسطه له (وَيَقْدِرُ) أي: يضيق على من يشاء أن يضيقه عليه، وليس مجرد بسط الرزق لمن بسطه له يدل على أنه قد رضي عنه ورضي عمله، ولا قبضُه عمن قبضه عنه يدل على أنه لم يرضه ولا رضي عمله. [٣٧] (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى) أي: وليست كثرة أموالكم وأولادكم هي مما يقرِّبكم إلى رحمتنا وفضلنا، فإنما أموالكم وأولادكم فتنة واختبارِ؛ لنعلم من يسيرها في طاعة الله، ممن يعصي اللّه فيها (إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا) أي: لكن من آمن وعمل صالحا [واستعمل أمواله التي أعطاه اللّٰه إياها في طاعته، وكان مؤمنًا، فإنها تقربه لدينا. وكذلك الولد لمن رباه على طاعة الله] (فَأَولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضَّعْفِ بِمَا عَمِلُوا ) أي: الجزاء المضاعف للحسنات (وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ) من جميع ما يكرهون، والمراد: غرفات الجنة. ٣٨] (وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ ةِ آ٠ا:١٠) بالردِّ لها، والطعن فيها، حال كونهم (مُعَاجِزِينَ) أي: مسابقين لنا، زاعمين أنهم يفوتوننا بأنفسهم (أَولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ) لحضرهم الزبانية إليها، ولا يجدون عنها محيصًا. [٣٩] (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) أي: في فعل الخيرات التي أمر اللّٰه بها في كتابه وبيَّنها رسوله ال ته ( فَهُوَ يُخْلِفُهُ ) أي: يخلفه عليكم، وذلك البدل إما في الدنيا وإما في الآخرة (وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) فإن رزق العباد بعضهم لبعض إنما هو بتيسير اللّٰه وتقديره، وليسوا برازقين على الحقيقة. [٤٠](وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا) للحساب: العابد والمعبود، والمستكبر والمستضعف (ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ) تقريعًا للمشركين، وتوبيخًا لمن عبد غير اللّٰه وعَجَّل. [٤١] (قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِّنَا مِنْ دُونِهِمْ) أي: تنزيهًا لك، أنت الذي نتولاه ونطيعه ونعبده من دونهم، ما اتخذناهم عابدين، ولا توليناهم، وليس لنا غيرك وليٌّ (بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ) أي: الشياطين وهم إبليس وجنوده، كانوا يزعمون أنهم يرونهم، وأنهم ملائكة، وأ: ٠١٠٠ ٠-، اللّٰه (أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ ) صفحة 433 أي: أكثر المشركين بالجن مؤمنون، يصدقون ما يلقونه إليهم من الوساوس والأكاذيب، ومنها: أمرهم بعبادة الأصنام. [٤٢] (فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ) يعني: المعبودين (لِبَعْضٍ) يعني: العابدين (نَفْعًا ) أي: شفاعة ونجاة، ولا عذابًا وهلاكًا (وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا) أنفسهم بعبادة غير الله (ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ) في الدنيا. [٤٣] (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا) أي: الآيات القرآنية {بَيَّنَاتٍ) واضحات الدلالات، ظاهرات المعاني (قَالُوا مَا هَذَا التالي لها، وهو النبي لل له ( إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ ) أي: أسلافكم من الأصنام التي كانوا يتخذونها آلهة يعبدونها (وَقَالُوا) ثانيًا: (مَا هَذَا) يعنون: القرآن الكريم (إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرَى) أي: كذب مختلق (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) ثالثًا: ( لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ) أي: لأمر الدين الذي جاءهم به رسول اللٰه وَاليه من القرآن والمعجزات (إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) أي: ليس هذا إلا من جنس السحر. [٤٤] (وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبِ يَدْرُسُونَهَا) أي: ما أنزلنا على العرب كتبًا سماوية يدرسون فيها (وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرِ) يدعوهم إلى الحق وينذرهم بالعذاب، فليس لتكذيبهم بالقرآن وبالرسول وجه، ولا شبهة يتشبثون بها، أي: فمن أين كذبوكِ؟ ولم يأتهم كتاب ولا نذير بهذا الذي فعلوه؟ [٤٥] (وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) من القرون الخالية (وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ) أي: إن مشركي قريش وغيرهم من العرب على ما آتيناهم من القوة وكثرة المال، لم يبلغا عشر ما آتينا من قبلهم من القوة، وكثرة المال، فأهلكهم الله، كعاد وثمود وأمثالهم. وقيل: المعشار: الجزء الواحد من ألف جزء من الشيء الواحد (فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) أي: فكيف كان إنكاري عليهم بالعذاب والعقوبة؟ [٤٦] (قُلْ إِنَّمَا أَعِظْكُمْ بِوَاحِدَةٍ ) أي: أحذركم وأنذركِم سوء عاقبة ما أنتم فيه بأن أوصيكم بخصلة واحدة، وهي ( أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى) أي: هي قيامكم في طلب الحق بالفكرة الصادقة، متفرقين اثنين اثنين، أو واحدًا واحدًا؛ لأن الاجتماع يشوِّش الفكر (ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) وينصح بعضكم بعضًا بإخلاص أن تنظروا في حقيقة أمر النبي وما جاء به من الكتاب، فإنكم عند ذلك تعلمون أنه ( مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ) لا هو سحور ولا مجنون [فليس من أحواله ولا تصرفاته ما يدل على أنه كذلك. وما جاء به من الوحي دلائل الصدق عليه ظاهرة] (إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ به، بَآَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) بين يدي الساعة. وقد علموا أنه أرجح الناس عقلًا، وأنهم ما جربوا عليه كذبًا مدَّة عمره وعمرِهم. [٤٧] «قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ) أي: ما طلبت منكم من مال تجعلونه لي مقابل الرسالة فهو لكم إن سألتكموه (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ) لا على غيره (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) أَي: مطَّلع لا يغيب عنه منه شيء [أي: فهو شاهد علي أنني لم أطلب منكم على دعوتي لكم إلى الإسلام أجرًا، وأن كل أجر طلبته فسوف أرجعه إليكم]. [٤٨] (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ) يتكلم بالحق، وهو القرآن والوحي، أي: يلقيه إلى أنبيائه، وقيل المعنى: يرمي الباطل بالحق فيدمغه (عَلَّامُ الْغُيُوبِ) والغيب: هو ما غاب عن أبصار بني آدم وإدراكهم. [٤٩] (قُلْ جَاءَ الْحَقِّ) أي: الإسلام والتوحيد، والقرآن الذي فيه البراهين والحجج [فقوته وأدلته آتية لا ريب] (وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ) أي: ذهب الباطل ذهابًا لم يبق منه إقبال ولا إدبار، ولا إبداء ولا إعادة. [٥٠] (قُلْ إِنْ ضَلَلْ» * . الطريق الحقة الواضحة صفحة 434 (فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي) أي: إثم ضلالتي يكون على نفسي (وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوِحِي إِلَيَّ رَبِّي) من الحكمة والموعظة والبيان بالقرآن (إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ) مني ومنكم، يعلم الهدى والضلالة. ٥١] (وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا) عند نزول الموت. وقال قتادة: هو فزعهم إذا خرجوا من قبورهم، أي: لرأيت أمرًا هائلًا (فَلَا فَوْتَ) فلا يفوتني أحد منهم، ولا ينجو منهم ناج (وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ) من ظهر الأرض، أو من القبور، أو من موقف الحساب، فهم من اللّٰه قريب لا يبعدون عنه، ولا يفوتونه. [٥٢] (وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ) أي: بمحمد (وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ ) التناوش: التناول، أي: كيف لهم أن يتناولوا الإيمان من بُعْد، بعني: في الآخرة، وقد تركوه في الدنيا، وهو معنى {مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) أي: هو تمثيل لحالهم في طلب الخلاص بعد ما فات عنهم [فهو بعيد بالنسبة إليهم إذا قد كفروا به من قبل]. ٥٣] (وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ) أي: يرمون بالظن، فيقولون: لا بعث ولا نشور، ولا جنة ولا نار (مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) أي: من جهة بعيدة، ليس فيها مستند لظنهم الباطل. وفيه تمثيل لحالهم بحال من يرمي شيئًا ليصيبه وهو لا يراه، من مكان بعيد لا مجال للوهم في إصابته. [٥٤] (وَحِيل بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) في الدنيا، من أموالهم وأهليهم، أو من الرجوع إلى الدنيا (كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قبْل أي: بامثالهم ونظرائهم من كفار الأمم الماضية إنهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ) من أمر الرسل، والبعث والجنة والنار، أو في التوحيد وما جاءتهم به الرسل من شأن الدين تفسير سورة فاطر ١] ( الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [ يحمد اللّٰه تعالى نفسه على عظيم قدرته وعلمه وحكمته التي يشهد عليها فطره للسماوات والأرض، أي: ابتداء خلقهما من العدم واختراعهما على غير مثال. عن ابن عباس قال: ((كنت لا أدري ما قوله: (فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه: هذه بئري وأنا فطرتها»] (جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا ) الرسل من الملائكة: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، [وغيرهم] (أَولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) قال قتادة: بعضهم له جناحان، وبعضهم له ثلاثة، وبعضهم له أربعة، ينزلون بها من السماء إلى الأرض .... جون بها من الأرض إلى السماء (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ) يزيد في خلق الملائكة أجنحة أخرى ما يشاء، ويزيد في خلق غيرهم ما يشاء، من الملاحة في العينين، والحسن في الأنف، والحلاوة في الفم، وقيل: الوجه الحسن، وقيل: الخط الحسن، وقيل: الشعر الجعد، وقيل: العقل والتمييز، وقيل: العلوم والصنائع (إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فبقدرته يزيد ما يشاء. [٢] (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ) أي: ما يأتيهم اللّٰه به من مطر ورزق وخير لا يقدر أحد أن يمسكه (وَمَا يُمْسِكَ) من ذلك لا يقدر أحد أن يرسله من بعد إمساكه. ورد عن المغيرة بن شعبة أن رسول اللّٰه وَلّي كان إذا انصرف من الصلاة تشهَّد، ثم قال: ((اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدَّ منك الجدُّ»، وقيل المعنى: أن الرسل بُعِثوا رحمة للناس، فلا يقدر على إرسالهم غير الله. [٣](يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ) لاستدامتها وشكرها وطلب المزيد منها (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ) بالمطر (وَالْأَرْضِ) بالنبات وغير ذلك ( فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) أي: فكيف تصرفون عن الحد ٠٠ه, توحيد الله وشكره؟ صفحة 435 [٥] (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقُّ) أي: وعده بالبعث والنشور، والحساب والعقاب، والجنة والنار (فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا بزخرفها ونعيمها ولاتها عن مل الآخر (وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ) لا يغرنكم الشيطان بالله، فيقول لكم: إن اللّٰه يتجاوز عنكم، ويغفر لكم لفضلكم [ورئاستكم وغناكم]، أو لسعة رحمته لكم، [فتسرعوا في المعاصي]. [٦] (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُقٌّ فَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا) أي: فعادوه بطاعة الله، ولا تطيعوه في معاصي اللّٰه (إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) يدعو أشياعه وأتباعه والمطيعين له إلى معاصي اللّٰه سبحانه، فيكونوا من أهل النار، وذلك لعداوته لآدم وبنيه. [٨] (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًّا) بتزيين الشيطان ذلك له حتى أضله، واستمر على أعماله الفاجرة وهو يظنها صالحة، أهو كمن هو على الهدى يعلم أنه على الحق؟ (فَإِنَّ اللهَ يُضِلِّ مَنْ يَشَاءُ) أن يضله (وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) أن يهديه (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) أي: لا تقتل نفسك حزنًا على استمرارهم على الضلال، فإن اللّٰه هو الذي شاء أن يضلهم لسوء أفعالهم (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا صْنَعُونَ) لا يخفى عليه من أفعالهم خافية. [٩] (وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا) تزعجه من حيث هو [أي: من بخار ماء البحر] وتحركه ليسير إلى حيث يريد اللّٰه تعالى (فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ) [قد مات نباته وَظَمِيَ أهله وحيوانه] (فَأْحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ) أي: أحيبنا بالمطر الأرض بإنبات ما ينبت فيها (بَعْدَ مَوْتِهَا» أي: بعد يبسها وذهاب ما كان عليها من نبات (كَذَلِكَ النُّشُورُ) أي: كذلك بحيي اللّٰه العباد بعد موتهم، كما أحيا الأرض بعد موتها. [١٠](مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ) قال الفراء: معناه من كان يريد علم العزة لمن هي، فإنها لله جميعًا. وقالِ قتادة: من كان يريد الوصول إلى العزَّة، فليتعزَّز بطاعة اللّٰه (فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) أي: فليطلبها منه لا من غيره، ليس لِغيره منها شيء. وهو يهب منها لمن يشاء (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطِّبُ) يصعد الكتبة من الملائكة بما يكتبونه من الصحف. والكلم الطيب: كل كلام طيب من ذكر الله، وأمر بمعروف، ونهى عن منكر، وتلاوة، وغير ذلك (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) أي: يرفعه اللّٰه إليه ويقبله. وقيل المراد: أن العملِ الصالح يرفع الكلم الطيب من الدعاء والذكر حتى يكون مقبولًا مجابًا (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ) هم الذين بعملون السيئات في الدنيا (لَهُمْ عَذَاءٌ. شَدِيدٌ) لهم عذاب بالغ الغاية في الشدة (وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ) أي: يبطل ويهلك. والمكر في الأصل: الخديعة والاحتيال. ١١١] (وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابِ) في ضمن خلق أبيكم من تراب (ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) أخرجها من ظهور آباءكم {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أزْوَاجًا) أي: زوَّج بعضكم ببعض، فالذكر والأنثى زوجان (وَمَا تَحْمِلَ مِنْ أَنْتَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلَمِهِ) فلا يخرج شيء عن علمه وتدبيره (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ) أي: ما يطول عمر أحد، ولا ينقص من عمر معمر آخر (إِلَّا فِي كِتَابِ) أي: في اللوح المحفوظ. وقال سعيد بن جبير: فما مضى من أجله فهو النقصان، وما يستقبل، فهو الذي يعمره. وقيل المعنى: وما يعمر من معمر إلى الهرم، ولا ينقص آخر من عمر الهرم، إلا في كتاب، أي: بقضاء الله. وتطويل العمر وتقصيره هما بقضاء اللّٰه وقدره، لأسباب تقتضي التطويل، وأسباب تقتضي التقصير، فمن أسباب التطويل: صلة الرحم، ومن أسباب التقصير الاستكثار من معاصي اللّٰه وعجّل ( إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ) أي: لا يصعب عليه منه شيء، ولا يعزب عن اللّٰه تعالى كثير ولا قليل، ٧٠؟... ولا صغير. صفحة 436 [١٢ ] (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ) وهو الأنهار وبعض البحيرات العذبة الماء (وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ) الأجاج: الشديد الملوحة وهي مياه البحر المحيط والبحار المتفرعة منه (وَمِنْ كُلَّ) منهما ( تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا) وهو ما يصاد منهما من حيواناتهما التي تؤكل (وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً)) كالعقد والسوار من اللؤلؤ، أو المرجان. وهما يكونان في البحر المالح، وفي النهر العذب إذا اختلط بالمالح، وهو معنى قوله: (ومن كل) (وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ) ترى السفن في البحر شاقة للماء، بعضها مقبلة، وبعضها مدبرة (لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) الفضل: هو التجارة في البحر إلى البلدان البعيدة في مدة قريبة، كما تقدم في (سورة البقرة، الآية: ١٦٤) (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) اللّٰه على ما أنعم عليكم به من ذلك. ١٣] (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) فيزيدٍ في كل منهما بالنقص من الاخر {وَسَخْرَ الشّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمَّى) قدَّره اللّٰه لجريانهما، وهو يوم القيامة. وقيل: هو المدة التي يقطعان في مثلها الفَلَك، وهو سنة للشمس، وشهر للقمر. وقيل: المراد به جري الشمس في اليوم، والقمر في الليلة (ذَلِكُمُ) الفاعل لهذه الأفعالِ {اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ) المالك للعالم، والمتصرِّف فيه (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ) القطمير: القشرة الرقيقة التي تكون بين التمرة والنواة، وتصير على النواة كاللفافة لها. [١٤](إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ) لكونها جمادات لا تدرك شيئًا (وَلَوْ سَمِعُوا) على طريقة الفرض (مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ) لعجزهم عن ذلك (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ كَفَرُونَ بِشِرْكِكَمْ) أي: يتبرأون من عبادتكم لهم ويجحدون أن يكون ما فعلتموه حقّا، وينكرون أنهم أمروكم بعبادتهم {وَلَا يُنَبَئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) أي: لا يخبرك أحدٌ مثل من هو خبير بالأشياء عالم بها، وهو اللّٰه سبحانه. [١٥] (أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ) أي: المحتاجون إليه في جميع أمور الدين والدنيا، فنحن الفقراء إليه على الإطلاق {وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ) على الإطلاق الْحَمِيدُ) أي: المستحق للحمد من عباده بإحسانه إليهم. [١٦] (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) إن يشأ يفنكم ويأت بدلكم بخلق جديد من جنس البشر، أو من جنس آخر غيرهم، يطيعونه ولا يعصونه. [ ١٧] (وَمَا ذَلِكَ) الإذهاب لكم، والإتيان بآخرين ( عَلَى اللهِ بِعَزِيزِ ) أي: بممتن - ٧٠ . تعسر [١٨] (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) أي: لا تحمل نفس حِمْلَ نفس أخرى، أي: إثمها، بل كل نفس تحمل وزرها (وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ) معنى الآية: إن تدع نفس مثقلة بالذنوب نفسًا أخرى، لتحمل عنها بعض الذنوب التي تحملها، لم تحمل تلك المدعوَّة من تلك الذنوب شيئًا، ولو كانت قريبة لها في النسب، فكيف بغيرها ممن لا قرابة بينها وبين الداعية لها (إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) أي: إن إنذارك لا ينفع إلا الذين يخافون اللّٰه حال كونهم غائبين عن عذابه، أو يخشون عذابه وهو غائب عنهم، أو يخشونه في الخلوات عن الناس (وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ) احتَفلوا بأمرها، ولم يشتغلوا عنها بشيء مما يلهيهم (وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ) من تطهَّر بترك المعاصي، واستكثر من العمل الصالح، فإنما يتطهر لنفسه؛ لأن نفع ذلك مختص به، كما أن وزر من تدنَّس يكون عليه لا على غيره. [١٩] (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى) أي: المسلوب حاسة البصر (وَالْبَصِيرُ) الذي له ملكة البصر، فشبَّه الكافر بالأعمي، وشبَّه المؤمن ١١٠ - .. صفحة 437 [ ٢٠] (وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ) أي: ولا تستوي الظلمات ولا النور، فشبه الباطلٍ بالظلمات، وشبّه الحق بالنورو [٢١] وَلَا الظَل وَلَا الْحَرُورُ)) لا يستوي الظل الذي لا حرَّ ولا أذى، والحرُّ الذي يؤذي، قيل: أراد الثواب والعقاب، أو أراد بالظل: الجنة، وبالحرور: النار. [٢٢] (وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ) فشبَّه المؤمنين بالأحياء، وشبَّه الكافرين بالأموات، وقيل: أراد تمثيل العلماء والجهلة (وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) يعني: الكفار الذين أمات الكفر قلوبهم. [٢٣](إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ) أي: ما أنت إلا رسول منذر، ليس عليك إلا الإنذار والتبليغ، أما الهدى والضلالة فإنها بيد الله وعجَل. [٢٤](إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ) أي: بالوعد الحق ( بَشِيْرًا) لأهل الطاعة (وَنَذِيرًا) لأهل المعصية (وَإِنْ مِنْ أَمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) أي: ما من أمة من الأمم الماضية إلا مضى فيها نذير من الأنبياء ينذرها. [٢٥] (وَإِنْ يُكَذَّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) من الأمم الماضية أنبياءهم (جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْيِيِّنَاتِ) أي: بالمعجزات الواضحة، والدلالات الظاهرة (وَبِالزُّبُرِ) أي: الكتب المكتوبة، كصحف إبراهيم (وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ) كالتوراة والإنجيل، وقيل: البينات المعجزات، والزبر: الكتب التي فيها مواعظ، والكتاب: ما فيه شرائع وأحكام. [٢٦] (فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) أي: فكيف كان نكيري عليهم، وعقوبتي لهم؟ [٢٧] ( فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًّا أَلْوَانُهَا) أي: بعضها أبيض، وبعضها أحمر، وبعضها أصفر، وبعضها أخضر، وبعضها أسود (وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ) طرائق وخطوط تكون في الجبال كالعروق (بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ) الغربيب: الشديد السواد الذي يشبه لونه لون الغراب. [٢٨] (وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ) أي: خَلْقٌ مختلف ألوانه، كاختلاف الثمراَت والجبال. وإنما ذكر سبحانه اختلاف الألوان في هذه الأشياء؛ لأن هذا الاختلاف من أعظم الأدلة على قدرة اللّٰه وبديع صنعه، فذكر أولًا اختلاف الألوان في الثمار، ثم في الجمادات، ثم في الناس والحيوان (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)) المعنى: إنما بخشاه سبحانه بالغيب العالمون به، وبما يليق به من صفاته الجليلة وأفعاله الجميلة، فمن كان أعلم بالله كان أخشاهم له، ومن لم يخش الله، فليس بعاا. 1١.٦ مراد بالعلم هنا: العلم بكيفية اختلاف الألوان ونحوها من أفعال اللّٰه تعالى، فإن خشية من يعلم ذلك وهو مؤمن أعظم من خشية غيره]. [٢٩](إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ) أي: يستمرون على تلاوة القرآن الكريم (وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ) في أوقاتها، مع كمال أركانها وأذكارها (وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً) فيه حث على الإنفاق كيفما تهيأ، فإن تهيأ سرًّا فهو أفضل، وإلا فعلانية، ولا يمنعه ظنه أن يكون رياء (يَرْجُونَ تِجَارَةً) هي ثواب الطاعة (لَنْ تَبُورَ) لن تكسد ولن تهلك. [٣٠] (لِيُوَفَّيَهُمْ أُجُورَهُمْ ) أي: إنها لن تكسد لأجل أن اللّٰه يوفيهم أجور أعمالهم الصالحة (وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) يتفضل عليهم بزيادة على أجورهم التي هي جزاء أعمالهم. [٣١] (وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ) يعني: القرآن (هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) أي: موافقًا لما تقدمه من الكتب (إِنَّ اللهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ) أي: محيط بجميع أمورهم. [٣٢] (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَاء ، الَّذْينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) صفحة 438 أي: قضينا وقدرنا بأن نورث العلماء من أمتك يا محمد هذا الكتاب الذي أنزلناه عليك، ولا شك أن علماء هذه الأمة من الصحابة فمن بعدهم، قد شرفهم اللّٰه على سائر العباد، وجعلهم أمة وسطًا ليكونوا شهداء على الناس، وأكرمهم بكونهم أمة خير الأنبياء سيد ولد آدم، ثم قسم هؤلاء إلى ثلاثة أقسام، فقال: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ تُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ) الظالم لنفسه هو المقصر عن أداء الواجبات، أو يفعل المحرمات، والمقتصد هو من يتوسط في أمر الدين، يترك المحرمات ويفعل الواجبات ولا يزيد عليها، وهذا من أهل الجنة، وأما السابق فهو الذي سبق غيره في أمور الدين، وهو خير الثلاثة. والإشارة قوله: (ذَلِكَ) إلى توريث الكتاب، والاصطفاء، وقيل: إلى السبق بالخيرات {هُوَ الفَضْلَ الْكَبِيرُ ). [٣٣] (جَنَّاتُ عَدْنِ يَدْخُلُونَهَا) وعد للسابقين، أو هو للمصطفين جميعًا (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًّا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) قد تقدم تفسير الآية مستوفى في (سورة الحج، الآية: ٢٣). [٣٤] (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ) أذهب اللّٰه عن أهل الجنة كل الأحزان، ما كان منها لمعاش أو معاد، فأهل الإيمان لا يزالون وَجِلِين من عذاب اللّٰه خائفين مضطربي القلوب، هل تُقبل أعمالهم أو تُرَد، حذرين من عاقبة السوء وخاتمة الشر، ثم لا تزال همومهم وأحزانهم حتى يدخلوا الجنة فيحمدون اللّٰه على زوالها (إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ) لمن عصاه ثم تاب إليه ( شَكُورٌ) لمن أطاعه. [٣٥] ( الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ) أي: دار الإقامة التي يقام فيها أبدًا، ولا يُنتقل عنها، تفضلًا منه ورحمة (لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ) عناء ولا تعب ولا مشقة (وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) وهو الإعياء من التعب، والكلال من النصب. (٣٦] (لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ) بالموت ( فَيَمُوتُوا) ويستريحوا من العذاب (وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا ) بِل (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) (كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ) أي: مثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي كل من هو مبالغ في الكفر. [٣٧] (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا) من الصراخ أي: وهم ستغيثون في النار، رافعين أصواتهم، ينادون: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا تَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا تَعْمَلُ) من الشرك والمعاصَي، فنجعل الإيمان منا بدل ما كنا مام من الكفر، والطاعة بدل المعصية (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) أي: ألم نعمركم عمرًا يتمكن فيه من التذكر من أراد أن يتذكر، قيل: هو [سن الرشد] ثمانية عشر عامًا، قيل: هو ستون سنة، وقيل: هو أربعون {وَجَاءَكَمُ النّذِيرُ) قال جمهورِ المفسرين: هو النبي الي، وقيل: هو الشيب (فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِير) أىّ فذوقوا عذاب جهنم؛ لأنكم لم تعتبروا ولم تتعظوا، فما لكم من ناصر يمنعكم من عذاب الله، ويحول بينكم وبينه. [٣٨](إِنَّ اللهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: يعلم كل أمر خفي فيهما، ومن جملة ذلك: الأعمال، لا تخفى عليه منها خافية، فلو ردَّكم إلى الدنيا لم تعملوا صالحًا، كما قال سبحانه: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ) (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) لأنه إذا كان يعلم مضمرات الصدور علم ما فوقها بالاولى. ٣٩]( هُوَ الَذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِف فِي الْأَرْضِ) أي: جعلكم أمة خالفة لمن قبلها. وقال قتادة: خلفًا بعد خلف، وقرنًا بعد قرن (فَمَنْ كَفَرَ) منكم هذه النعمة (فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ) أي: عا هن ركفره، لا يتعداه إلى غيره صفحة 439 (وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا ) أي: غضبًا وبعضًا (وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا)) أي: نقصًا وهلاكًا. [٤٠](أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ) حتى عبد تموهم ( أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ) أي: بل أَلهم شركة مع اللّٰه في خلقها، أو في ملكها، أو في التصرف فيها، حتى يستحقوا بذلك الشركة في الإلهية؟ (أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا) هل أعطينا كفار مكة كتابًا، فهم على بيان منه بأن مع اللّٰه شريكًا (بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا) كما يفعله الرؤساء والقادة، من المواعيد لأتباعهم، يغرونهم به، ويزينونه لهم، وهو الأباطيل التي تغرُّ ولا حقيقة لها، وذلك قولهم: إن هذه الآلهة تنفعهم وتقربهم إلى الله، وتشفع لهم عنده. [٤١] (إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا) ستأنفة لبيان قدرة اللّٰه سبحانه، وبديع صنعه، بعد بيان ضعف الأصنام، وعدم قدرتها على شيء (وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ) أي: لا يقدر أحدٌ غيره تعالَى على إمساكهما لو قُدِّر إشرافهما على الزوال. [٤٢] (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ) المراد قريش: أقسموا قبل أن يبعث اللّٰه محمدًا وَالِيِ بهذا القسم، حين بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم. وكانت العرب تتمنّى أن يكون منهم رسول، كما كان الرسل في بني إسرائيل (فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ) أي: أتاهم ما تمنوه، وهو رسول اللّه وَلِلية الذي هو أشرف نذير وأكرم مرسل، وكان من أنفسهم (مَا زَادَهُمْ) مجيئه إلا نفورًا عنه، وتباعدًا عن إجابته. [٤٣] (اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ) أي: إنهم ما نفروا عن محمد وَالاليه، ولا كذبوا برسالته لاعتقاد كذبه، إنما فعلوا ذلك لأجل الاستكبار عن أن يكونوا له أتباعًا، ولأجل العتوِّ وهو التجبُّر، والمضي في الفساد (وَ) لأجل (مَكْرَ السَّبِّي) أي: مكر العمل السيء. والمكر هو الحيلة والخداع والعمل القبيح (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) أي: تنزل عاقبة السوء بمن أساء، قبل أن تنزل بمَن أسيء إليه (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ) أي: فهل ينتظر المستكبرون الماكرون إلا سنة اللّٰه في الأولين بأن ينزل بهؤلاء العذاب، كما نزل [بالأمم السابقة، عندما كذبوا الأنبياء] (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا ) أي: لا يقدر أحد أن يبدِّل سنة اللّٰه التي سنّها في الأمم المكذبة، من إنزال عذابه بهم، بأن يضع موضعه غيره ٠الا .،، (وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلا) بأن يحوِّل ما جرت به سنة اللّٰه من العذاب، فيدفعه عنهم، ويضعه على غيرهم. [٤٤] (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) كما أنزلنا بعاد وثمود ومدين وأمثالهم، من العذاب، لما كذبوا الرسل، فإن ذلك هو من سنة اللّٰه في المكذبين التي لا تبدَّل ولا تحوَّل، وآثار عذابهم وما أنزل اللّٰه بهم موجودة في مساكنهم ظاهرة في منازلهم [قد سار فيها قومك يا محمد في أسفارهم. فهلًا تفكَّروا في مصارع الظالمين، وهلًا خافوا من مثلها] (و) الحال أن أولئك (كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً) أطول أعمارًا، وأكثر أموالا، وأقوى أبدانًا، من أهل مكة (وَمَا كَانَ اللَهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) أي: ما كان ليسبقه ويفوته من شيء من الأشياء [إذا أراد أن يدركه] كائنًا ما كان فيهما. [٤٥](وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا) من الذنوب، وعملوا من الخطايا ( مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا) أي: [ على ظهر الأرض من الأحياء] (مِنْ دَابّة) من الدماد . ال- تدبُّ، كائنة ما كانت، صفحة 440 أما بنو آدم فلذنوبهم، وأما غيرهم فلشؤم معاصي بني آدم. وقيل: أراد بالدابة هنا الناس وحدهم دون غيرهم (وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى) وهو يوم القيامة (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَهَ كَانَّ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا) أي: بمن يستحق منهم بستحق منهم العقابِ. الثواب، وم تفسير سورة يس [](يس) تقدم في أول سورة البقرة الكلام في الحروف المقطعة. [٢] (وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ) يقسم اللّٰه تعالى لمحمد للالفه بالقرآن المتمثلة فيه الحكمة، على أن محمدًا رسول من عند الله؛ لئلا يشك أحد في كونه مرسلا. [٣] (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) قيل: هذا رد على من أنكر رسالته من الكفار بقولهم: لست مرسلا . [٤] (عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمِ) الصراط المستقيم: الطريق [الذي هو على استقامة واحدة ليس فيه التواء ولا اعوجاج] بل هو الموصل إلى المطلوب. أي: أنت يا محمد على طريقة الأنبياء الذين تقدَّموك. [٥] تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) المعنى: أن القرآن تنزيل العزيز الرحيم. [٦] (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنَّذِرَ آبَاؤُهُمْ) أي: أنزلنا إليك القرآن لتنذر قومًا لم يُنذَر آباؤهم من قبلهم (فَهُمْ غَافِلُونَ) عن الشرائع والأحكام. ٧] (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ) هو كلمة العذاب (عَلَى أَكْثَرِهِمْ) وهم الذين يموتون على الكفر (فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) أي: لأن اللّٰه سبحانه قد علم منهم الإصرار على ماهم فيه من الكفر، والموت عليه. ٨] إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالَا فَهِيَ) أي: الأغلال منتهية (إِلَى الْأَذْقَانِ) فلا يقدرون عند ذلك على الالتفات، ولا يتمكنون من عطفها (فَهُمْ مُقْمَحُونَ) أي: رافعون رؤوسهم، غاضون أبصارهم، وقيل المعنى: جعلنا في أعناقهم أغلالاً ربطت إليها الأيدي، وهو مثل ضربه اللّٰه لهم في امتناعهم عن الهدى كامتناع المغلول عن التصرف، وقيل: الآية إشارة إلى ما يفعل بقوم في النار من وضع الأغلال في أعناقهم وفي أيديهم. [٩] (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) أي: منعناهم عن الإيمان بموانع، فهم لا يستطيعون الخروج من الكفر إلى الإيمان، كالمضروب أمامه وخلفه بالأسداد، [وما تلك الأسداد إلا استكبارهم و -٠.٠ :عنادهم عن قبول الحق والخضوع له] (فَأَغْشَيْنَاهُمْ) أي: غطينا أبصارهم (فَهُمْ) بسبب ذلك (لَا يُبْصِرُونَ) أي: لا يقدرون على إبصار سبيل الهدى، عموا عن البعث، وعموا عن قبول الشرائع في الدنيا. [١٠] (وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) أي: إنذارك إياهم وعدمه سواء، فلا ينفعهم الإنذار، [ما داموا لا يقبلون الحق، ولا يخضعون لله ]. [١٢] (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى) أي: نبعثهم بعد الموت، وقيل: نحيبهم بالإيمان بعد الكفر، والعلم بعد الجهل (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا) أي: أسلفوا من الأعمال الصالحة والطالحة (وَآثَارَهُمْ) أي: ما أبقوه من الحسنات التي لا ينقطع نفعها بعد الموت، كمن سَنَّ سُنَّة حسنة، أو السيئات التي تبقى بعد موت فاعلها، كمن سَنَّ سُنَّة سيئة، ومن آثار الخير: تعليم العلم وتصنيفه، والوقف على القرب، وعمارة المساجد، والقناطر. ومن اثار الشر: ابتداعِ المظالم، وإحداث ما يضر بالناس، ويقتدي به أهل الجور (وَكُلّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ ) أي: كل شيء من أعمال العباد وغيرها (فِي إِمَامِ مُبِينِ) أي: في كتاب موضح لكل شيء، قيل: أراد اللوح المحفوظ، وقيل: صحائف ، الأعمال. صفحة 441 ١٣] (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ) أي: قل لهم: لست أنا بدعًا من الرسل، فقبلي جاء أصحاب القرية مرسلون، وأنذروهم بما أنذرتكم، وذكروا التوحيد، وخوّفوا بالقيامة، وبشروا بنعيم دار الإقامة. قال القرطبي: هذه القرية هي أنطاكية، في قول جميع المفسرين، وقوله: (إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ) هم أصحاب عيسى، بعثهم إلى أهل أنطاكية للدعوة إلى الله . [١٤] (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ) لأن عيسى أرسلهم بأمر اللّٰه سبحانه (فَكَذَّبُوهُمَا) في الرسالَة، وقيل: ضربوهما وسجنوهما (فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) أي: قوَّينا وشددنا أمر الاثنين بمرسل ثالث. [١٥ ) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) أي: مشاركون لنا في البشرية، فليس لكم مزية علينا تختصون بها (وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ) مما تدَّعونه من الوحي (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ) أيٍ: في دعوى ما تدَّعون من ذلك. [١٨] (قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ) أي: إنا تشاءمنا بكم (لَئِنْ لَمْ تَتْهُوا) تتركوا هذه الدعوة، وتعرضوا عن هذه المقالة (لَنَرْجُمَنَكُمْ) بالحجارة (وَلَيَمَسَّنَكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي: شديد فظيع، قيل: القتل، وقيل: الشتم، وقيل: هو التعذيب المؤلم. [١٩] (قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ ) أي: شؤمكم معكم من جهة أنفسكم، لازِم في أعناقكم بسبب تكذيبكم، فهو سبب الشؤم لا نحن (أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ) أي: أئن ذكرناكم بالله ادعيتم أن فينا الشؤم عليكم (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) أي: مجاوزون للحد في مخالفة الحق. [٢٠](وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى) هو حبيب بن موسى النجار، قال قتادة: كان يعبد اللّٰه في غار، فلما سمع بخبر الرسلِ جاء يسعى. [٢٢] (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي) أي: أيُّ مانع من جانبي يمنعني من عبادة الذي خلقني؟ [أي: وكذلك أنتم ما لكم لا تعبدون اللّٰه الذي فطركم] (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) فتحاسبون على ما أجبتمونا إذ دعوناكم. [٢٣] ( أَأَنَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) أي: لن أتخذ من دون اللّٰه آلهة، فأعبدها وأترك عبادة من يستحق العبادة، وهو الذي فطرني (إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرِّ لَا تُغْنِ عَنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا) أي: شيئًا من النفع كائنًا ما كان (وَلَا يُنْقِذُونِ) من ذلك الضر إن أرادني الرحمن به. [٢٤] (إِنِّي إِذًا) أي: إذا اتخذت من دونه آلهة (لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) واضح. وهذا - ٠ هم. ثم صرح بإيمانه تصريحًا لا يبقى بعده شك، فقال: [٢٥] (إِنِّي آمَنْتُ بِرَبَّكُمْ فَاسْمَعُونِ) قيل: إنه خاطب بهذا الكلام قومه لما أرادوا قتله، تصلبًا في الدين، وتشددًا في الحق. فلما قال هذا القول، وصرح بالإيمان، وثبوا عليه فقتلوه، وقيل: وطئوه بأرجلهم، قيل: حرقوه، وقيل: نشروه بالمنشار. [٢٧-٢٦] (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ)) تكريمًا له بدخولها بعد قتله، كما هي سنة اللّٰه في شهداء عباده، فلما دخلها وشاهدها (قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ. بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ) تمنى أن يعلموا بحاله ليعلموا حسن مآله، وحميد عاقبته، إرغامًا لهم، أو ليؤمنوا مثل إيمانه، فيصيروا إلى مثل حاله. [٢٨] (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ) أي: على قوم حبيب النجار من بعد قتلهم له (مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ) لإهلاكهم وللانتقام منهم (وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ) لسبق قضائنا وقدرنا بأن إهلاكهم بالصيحة لا بإنزال الجند، أو هذا من تحقير شأنهم وتصغير أمرهم، أي: ليسوا بأحقاء بأن ننزل لإهلاكهم جندًا من السماء. [٢٩] (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَ حَةً هَاحدَةً) صاح بها جبريل فأهلكهم صفحة 442 (فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ) ميتون لا يُسْمَع لهم حِسُّ، كالنار إذا طفئت فخمدت. [٣٠](يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ) والتقدير يا هؤلاء نحسروا حسرة، وقيل: إنها حسرة الملائكة على الكفار حين كذبوا الرسل (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) ذلك هو سبب التحسر عليهم. [٣١] (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ) من الأمم الخالية (أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ ) بعد هلاكهم. [٣٢] (وَإِنْ كُلِّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ) أي: ليسوا إلا محضرين لدينا للحساب جميعًا. [٣٣] (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْنَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبَّا لَمِنْهُ يَأْكُلُونَ) والحَبُّ معظم ما يؤكل، وأكثر ما يقوم به المعاش. [٣٥] (لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ) أي: ثمر الجنات والنخيل (وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ) أي: ليأكلوا من ثمره، ويأكلوا مما عملته أيديهم، كالعصير والدبس ونحوهما، وقيل المعنى: لم يعملوه، بل العامل له في الحقيقة هو الله.. ٣٦](سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا) الأزواج: الأنواع والأصناف، لأن كل جنس، كالنخيل مختلف الألوان والطعوم والأشكال [والصواب: أن المراد بالأزواج: الذكور والإناث من النبات والحيوان] (وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ) أي: وخلق الأزواج من أنفسهم، وهم الذكور والإناث من بني آدم {وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ» من أصناف خلقه في البر والبحر، والسماء والأرض. [٣٧] (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ) المعنى: أن ذلك علامة دالة على توحيد اللّٰه وقدرته ووجوب إلاهيته، والسلخ: إذهاب الضوء، ومجيء الظلمة (فَإِذَا هُمْ نُظْلِمُونَ) أي: داخلون في الظلام مفاجأة وبغتة. [٣٨] (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرِّ لَهَا) آية مستقلة، قيل: مستقرُّها نهاية ارتفاعها في الصيف، ونهاية هبوطها في الشتاء، وقيل: مستقرُّها تحت العرش. [٣٩] (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ) المنازل: هي الثمانية والعشرون التي ينزل القمر في كل ليلة في واحدةٍ منها، وهي معروفة، فإذا صار القمر في آخرها عاد إلى أولها (حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) أي: سار في منازله، فإذا كان في آخرها دقَّ واستقوس وصغر، حتى صار كالعرجون القديم، والعرجون هو الغصن الذي عليه طلع النخلة، وهو أصفر عريض يعوج ويقطع منه الشماريخ، فيبقى ءا المخل يابسًا. [ ٤٠] (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ) لأن لكل واحد منهما فلكًا على انفراده، فلا يتمكن أحدهما من الدخول على الآخر [وإن كان في نظر العين تسبق الشمس القمر في كل شهر مرة] (وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ) أي: لا يسبقه فيفوته، ولكن يعاقبه، ويجيء كل واحد منهما في وقته، ولا يسبق صاحبه (وَكُلٌّ) من الشمس والقمر، والليل والنهار ( فِي فَلَكِ يَسْبَحُونَ) والفلك مسار الكوكب على شكل دائرة. [٤١] (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرَيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) أي: على السفن في البحار، فامتنَّ اللّٰه عليهم بذلك، وقيل المعنى: أن اللّٰه حمل آباء هؤلاء وأجدادهم في سفينة نوح. [٤٢](وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) قيل: هو الإبل، خلقها لهم للركوب في البر، مثل السفن المركوبة في البحر [أو: لعله إشارة إلى المركبات والقطارات والطائرات المستحدثة]. [٤٣] (وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ) أي: فلا مغيث لهم يغيثهم إن شئنا إغراقهم (وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ). [٤٤] (إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا) أم ٧٠٠٠ أحد ينقذهم، وقد نأذن بإنقاذهم صفحة 443 لرحمة منَّا لهم (وَمَتَاعًا) أي: نمتعهم بالحياة الدنيا (إِلَى حِينِ) وهو وقت الموت. [ ٤٥] (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ ) أي: احذروا ما هو قدامكم من الآفات والنوازل (وَمَا خَلْفَكُمْ) منها في الآخرة، أي: أنهم إذا قيل لهم ذلك أعرضوا. [٤٦] (إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ» المعنى: ما تأتيهم من آية من آيات القرآن إلا أعرضوا عنها ولم يلتفتوا إليها. [٤٧] (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنّْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ الله) أي: تصدَّقوا على الفقراء من أموالكم (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا ) إستهزاء بهم، وتهكمًا بقولهم: (أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ) وقد كانوا سمعوا المسلمين يقولون: إن الرازق هو الله، وإنه يغني من يشاء، ويفقر من يشاء، فكأنهم حاولوا بهذا القول الإلزام للمسلمين قالوا: نحن نوافق مشيئة الله، فلا نطعم من لم يطعمه اللّٰه وهذا غلط منهم، ومكابرة ومجادلة بالباطل، فإن اللّٰه سبحانه أغنى بعض خلقه، وأفقر بعضًا، وأمر الغني أن بطعم الفقير، وابتلاه به فيما فرض له من ماله من الصدقة. [٤٨] (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ) الذي تعِدوننا به من العذاب والقيامة، والمصير إلى الجنة أو النار (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) فيما تقولونه وتعدوننا به. قالوا ذلك استهزاء منهم وسخرية بالمؤمنين. [٤٩] (مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً) وهي نفخة إسرافيل في الصور (تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ) أي: مختصمون فيما بينهم في البيع والشراء ونحوهما من أمور الدنيا، هذه صعقة الموت لجميع الأحياء. [٥٠] (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً) أي: لا يستطيع بعضهم أن يوصي إلى بعض بما له وما عليه، أو لا يستطيع أن يوصيه بالتوبة والإقلاع عِن المعاصي، بل يموتون في أسواقهم ومواضعهم {وَلَا إِلَى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) أي: إلى منازلهم التي ماتوا خارجين عنها. أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّٰه وَلِيه: ((لتقومنَّ الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما، فلا بتبايعانه، ولا يطويانه، ولتقومنَّ الساعة وهو يليط حوضه فلا بسقي فيه، ولتقومنَّ الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا بطعمه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها». [٥١] (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ) هذه هي النفخة التي يبعثون بها من قبورهم (فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ» أي: القبور (إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ) أي: يسرعون. [٥٢] (مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِذَا ه ما .. ا لاختلاط عقولهم بما شاهدوا من الهول، وما داخلهم من الفزع، أنهم كانوا نيامًا (هَذَا ما وعد الرحمن مسلون} وا إلى أنفسهم فاعترفوا أنهم كانوا في الموت وبعثوا] وأقروا بصدق الرسل يوم لا ينفع التصديق. [٥٣](إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً) صاحها إسرافيل نفخة في الصور (فَإِذَاهُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ) أي: فإذا هم مجموعون لدينا بسرعة للحساب والعقاب. [٥٥] (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ) بما هم فيه من اللذات، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، اشتغلوا بذلك عن الاهتمام بأمر الكفار، ومصيرهم إلى النار، وإن كانوا من قراباتهم (فَاكِهُونَ) أي: متنعمون. [٥٦] (هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ ) المراد: الستور التي تظللهم كالخيام والحجال، والأرائك: الأسِرَّة التي في الحجال. [٥٧] (لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةُ) من كل نوع من أنوع الفواكه (وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ) أي: ما يطلبه أهل الجنة يأتيهم، وقيل المعنى: من ادَّعى منهم *. ٤ا فمو له. صفحة 444 [٥٨] ( سَلَامٌ) أي: لهم أن يسلم اللّٰه عليهم، وهذا مُنَى أهل الجنة (قَوْلًا مِنْ رَبِّ رَحِيمٍ) أي: من جهته، يقول لهم: سلام عليكم يا أهل الجنة، وقيل: الملائكة تدخل على أهل الجنة من كل باب، يقولون: سلام عليكم يا أهل الجنة من ربِّ رحيم. [٥٩] (وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ) أي: ويقال للمجرمين: اعتزلوا اليوم، يعني: في الآخرة، من الصالحين، أو المراد: يمتاز المجرمون بعضهم من بعض، فيمتاز اليهود فرقة، والنصارى فرقة، والمجوس فرقة، والصابئون فرقة، وعبدة الأوثان فرقة. [٦٠] (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ) المعنى: ألم أتقدم إليكم على لسان الرسل يا بني آدم؟ وقيل: المراد بالعهد هنا: الميثاق المأخوذ عليهم حين أخرجوا من ظهر آدم، وقيل: هو ما نصبه اللّٰه لهم من الدلائل العقلية التي في سماواته وأرضه. [٦١] (وَأَنِ اعْبُدُونِي) أي: ألم أعهد إليكم بترك عبادة الشيطان وبعبادتي (هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) أي: إن عبادة اللّٰه هي الصراط المستقيمِ [٦٢] (وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًا كَثِيرًا) أي: إن الشيطان قد أغوى خلقًا كثيرًا (أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ) عداوة الشيطان لكم فتتركوا اتباعه. [٦٣] ( هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) بها في الدنيا على ألسنة الرسل. [٦٤] (اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) أي: قاسوا حرَّها اليوم، وادخلوها، وذوقوا أنواع العذاب فيها بسبب كفركم، بالله في الدنيا، وطاعتكم للشيطانِ، وعبادتكم للأوثان. [٦٥] (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ) ختمًا لا يقدرون معه على الكلام (وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ليعلموا أن أعضاءهم التي كانت أعوانًا لهم في معاصي اللّٰه صارت شهودًا عليهم. [٦٦] (وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ) أي: أذهبنا أعينهم، وجعلناها بحيث لا يبدو لها شِقُّ ولا جفن، فتركناهم عميًا يترددون، لا يبصرون طريق الهدى (فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ) أي: تبادروا إلى الطريق ليجوزوه ويمضوا فيه. [٦٧] (وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ) أي: لو شئنا لبدَّلنا خلقهم على المكان الذي هم فيه، قال الحسن: أي: لأقعدناهم فلا بستطيعون أن يمضوا أمامهم ولا يرجعوا وراءهم، وقيل المعنى: لو نشاء لمسخناهم في المكان الذي ذ-ا. اذ , المعصية [٦٨] (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ تُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ) أي: من نطل عمره نغير خلقه، ونجعله على عكس ما كان عليه أولًا من القوة والطراوة، فصار بدل القوة الضعف، وبدل الشباب الهرم. [٦٩] (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ) نفى كون القرآن شعرًا، ثم نفى أن يكون النبي شاعرًا، فقال: (وَمَا يَنْبَغِي لَهُ) أي: لا يصح له الشعر، ولا يتأتى منه ولا يسهل عليه لو طلبه، كما جعله اللّٰه أميًّا لا يقرأ ولا يكتب (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ) أي: ما القرآن إلا ذكر من الأذكار، وموعظة من المواعظ (وَقُرْآنْ مُبِينٌ) أي: كتاب من كتب اللّٰه السماوية التي تُقرأ، مشتمل على الأحكام الشرعية. [٧٠] لِيُنْذِرَ) القرآن {مَنْ كَانَ حَيَّا) أي: قلبه صحيح يقبل الحق ويأبى الباطل (وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) أي: وتجب كلمة العذاب على المصرِّين على الكفر، الممتنعين من الإيمان بالله وبرسله. ٧١](أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا) أي: أو لم يعلموا بالتفكر والاعتبار أنا خلقنا لأجلهم مما أبدعناه وعملناه من غير ، ...طاة ، لا شركة، البقرَ والغنمَ والإبلَ صفحة 445 (فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ) أي: ضابطون قاهرون، يتصرفون بها كيف شاءوا، ولو خلقناها وحشية لنفرت عنهم، وَلَمْ يقدروا على ضبطها. [٧٢] (وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ) أي: جعلناها لهم مسخرة، لا تمتنع مما يريدون منها من منافعهم، حتى الذبح، ويقودها الصبي فتنقاد له، ويزجرها فتنزجر (فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ) أي: فمنها مركوبهم الذي يركبونه (وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ) أي: من لحمها ولبنها. [٧٣] (وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ) من أصوافها وأوبارها وأشعارها وكذلك الحمل عليها والحراثة بها (وَمَشَارِبُ) أي: ويشربون منها لبنًا حليبًا، ولبنًا رائبًا. [٧٤] (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً) من الأصنام ونحوها يعبدونها، ولا قدرة لها على شيء، ولم يحصل نهم منها فائدة، ولا عاد عليهم من عبادتها عائدة. (لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ) أي: ولكن الثابت بطلان ( ما رجوه منها وأملوه من نصرها لهم في الشدائد (وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ) أي: والكفار جند للأصنام محضرون، أي: بحضرونهم في الدنيا ينتصرون للأصنام وهي لا تنصرهم. [٧٦] ( فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ) فإنهم لا بُدَّ أن يقولوا: هؤلاء آلهتنا، وإنها شركاء لله في المعبودية، ونحو ذلك (إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) أي: فسوف نجزيهم بذلك. ٧٧](أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) أي: ألم ير الإنسان أنا خلقناه من أضعف الأشياء، ففاجأ بخصومتنا في أمر قد قامت عليه حجج اللّٰه وبراهينه. [٧٨]«وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ) أي: أورد في شأننا قصة غريبة كالمَثَل: وهي إنكاره إحياءنا للعظام، ونسي خلقنا إياه ف{قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) قاس قدرة اللّٰه على قدرة العبد، فأنكر أن اللّٰه يحيى العظام البالية، حيث لم يكن في مقدور البِشرِ. [٧٩] (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ) أي: ابتدأها وخلقها أول مرة من غير شيء (وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) لا يخفى عليه خافية. [٨٠] ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا)) نبَّه سبحانه على وحدانيته، ودلّ على قدرته على إحياء الموتى، بما يشاهدونه من إخراج النار المحرقة من العود الندي الرطب، وذلك أن الشجر المعروف بالمَرْخ، والشجر المعروف بالعَفَار، إذا قطع منهما عودان، وضرب أحدهما على الآخر، انقدحه ١.٨٠٠٠ النار، وهما أخضران [ويحتمل أن المعنى: أن اللّٰه تعالى يسَّر لكم الانتفاع بالحطب، تحرقونه للطبخ والدفء، وقد كان أخضر رطبًا] (فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ) أي: تقدحون منه النار، وتوقدونها من ذلك الشجر [بعد أن كان أخضر]. [٨١] ( أوَلَيْسَ الّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرِ عَلَى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) أي: إن من قدر على خلق السماوات والأرض، وهما في غاية العظم وكبر الأجزاء، يقدر على إعادة خلق البشر الذي هو صغير الشكل ضعيف القوة (بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) أي: بل هو قادر على ذلك، وهو الكثير الخلق، والبالغ العلم، على أكمل وجه وأتمه. [٨٢] (أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) أي: إنما شأنه سبحانه إذا تعلقت إرادته بشيء من الأشياء أن يقول له: (كُنْ) فإذا هو كائن، من غير توقف على شيء آخر أصلًا [٨٣] ( فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) ملكية الأشياء كلها له، وعنده القدرة على التصرف فيها كما يريد، وبيده مفاتح كل شيء (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) لا إلى غيره، وذلك في الدار الآخرة بما. ١١. ث. صفحة 446 •فسير سورة الصافات [١]وَالصَّافَّاتِ صَفًّا)) هي الملائكة تصف في السماء كصفوف الخلق في الصلاة في الدنيا، وقيل: المراد: أنها تصف أجنحتها في الفضاء كالطيور، واقفة فيه حتى يأمرها اللّٰه بما يريد. [٢](فَالزَّاجِرَاتِ) الملائكة، قيل: لأنها تزجر السحاب، تقول: زجرت الإبل، والغنم: إذا أفزعتها بصوتك. [٣] (فَالتَّالِيَاتِ ذكْرًا) الملائكة التي تتلو القرآن. [٤] (إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ) يُقسم اللّٰه بهذه الأقسام على أنه واحد ليس له شريك. [٥](وَرَبُّ الْمَشَارِقِ) مشارق الشمس، فللشمس كل يوم مشرق ومغرب بعدد أيام السنة، تطلع كل يوم من واحد منها، وتغرب من واحد. [٦] (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا) وهي أقرب السماوات إلى الأرض (بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ) أي: جمَّلنا السماء الدنيا لنظر العباد بزينة جميلة هي الكواكب؛ فإنها في أعين الناظرين لها كالجواهر المتلألئة. [٧] (وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ) أي: متمرد خارج عن الطاعة يُرمى بالكواكب. ٩ ،٨٦] (لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَاِ الْأَعْلَى) الملأ الأعلى: أهل السماء الدنيا فما فوقها، لا تقدر الشياطين أن يتسمعوا حديثهم؛ لأنهم يُرمَون بالشهب (وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ دُحُورًا) أي: يُرمَوْن من كل جانب من جوانب السماء بالشهب إذا أرادوا الصعود لاستراق السمع [طردًا لهم عما يقصدون إليه] (وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ) دائم لا ينقطع، وقيل الواصب: المؤلم الشديد الوجع، وهو في الآخرة غير العذاب الذي لهم في الدنيا من الرمي بالشهب. ١٠](إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ) يخطف الواحد منهم خطفة مما يتفاوض فيه الملائكة ويدور بينهم، مما سيكون في العالم قبل أن يعلمه أهل الأرض (فَأَتّبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ) نجم مضيء يحرقه، وربما لا يحرقه، فيلقي إلى إخوانه الكهان ما خطفه. [١١] (فَاسْتَفْتِهِمْ أهُمْ أشَدَّ خَلْقًا أمْ مَنْ خَلَقْنَا)) أي: اسأل الكفار المنكرين للبعث: أهم أشد خلقًا وأقوى أجسامًا وأعظم أعضاء أم من خلقنا من السماوات والأرض والملائكة؟ (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبِ) اللازب: اللزج الذي يلصق باليد، أي: كيف يستبعدون المعادوهم مخلوقون من هذا الخلق الضعيف؟ ولم ينكره من هو مخلوق خلقًا أقوى منهم وأعظم وأكمل وأتم. ١٢] (بَلْ عَجِبْتَ) يا محمد من قدرة اللّٰه سبحانه {وَيَسْخَرُونَ) منك بسبب تعجبك، أو: ويسخرون منك بما تقوله من إثبات المعاد. ١٣] (وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ) أي: وإذا وُعظوا بموعظة من مواعظ اللّٰه لا يتعظون بها ولا ينتفعون بما فيها. ١٤ ]وَإِذَا رَأَوْا آيَةً) أي: معجزة من معجزات رسول اللّه وَلِلفي ( يَسْتَسْخِرُونَ) أي: يبالغون في السخرية، وقيل معنى يستسخرون: يستدعون السخرية من غيرهم. [١٧ ] (أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ) أي: أوَ آباؤنا الذين هلكوا قبلنا مبعوثون؟ ١٨] (قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ) أي: نعم تبعثون وأنتم صاغرون ذليلون. لليم لا ا يوة أيد يه ين المفية ل الصوم من العذاب. [٢٠] (وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ) نجازى فيه بأعمالنا من الكفر والتكذيب للرسل، فَأَجَابَ عَلَيْهِمُ الملائكة بقولهم: [٢١] ( هَذَا يَوْمُ الْفَصْا الَّا كُنتُمْ بِهِ تَكَذَّبُونَ ) الفصل: صفحة 447 الحكم والقضاء؛ لأنه يفصل فيه بين المحسن والمسيء. [٢٣ ،٢٢](احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ) هو من أمر اللّٰه سبحانه للملائكة بأن يحشروا المشركين، وأزواجهم :وهم أشباههم في الشرك، والمشايعون لهم في تكذيب الرسل، وقال الضحاك: أزواجهم قرناؤهم من الشياطين، يحشر كل كافر مع شيطانه (وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) من الأصنام والشياطين (فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ) أي: عرِّفوا هؤلاء المحشورين طريق النار وسوقوهم إليها. [٢٤] (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ) أي: احبسوهم للحساب، ثم سوقوهم إلى النار بعد ذلك. [٢٥](مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ) أي: يقال لهم: ما بالكم لا ينصر بعضكم بعضًا كما كنتم في الدنيا؟ [٢٦] (بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ) أي: لعجزهم عن الحيلة. [٢٨ ] قَالوا إنْكَمْ مْ كَنْتَمْ تَأْتَوْنَنَا عَنِ اليَمِينِ) أي: توهموننا أن الدين والحق هو ما تضلوننا به. [٢٩] (قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) أي: كنتم من الأصل على الكفر. [٣٠] (وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ) من تسلط بقهر وغلبة، حتى ندخلكم في الكفر (بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ) أي: متجاوزين الحد في الكفر والضلال. [٣١] (فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ) أي: وجب علينا وعليكم ولزمنا قول ربنا، يعنون قوله: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ)، فَلَنَذوقَنَّ ما وعدنا به. ٣٢٦](فَأَغْوَيْنَاكُمْ ) أي: أضللناكم عن الهدى، ودعوناكم إلى ما كنا فيه من الغيِّ والكفر (إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ) أي: ضالين. [٣٣] ( فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ) أي: التابعون والمتبوعون اشتركوا في العذاب، ولم يغن بعضهم عن بعض شيئًا، كما كانوا مشتركين في الغواية. [٣٧] (بَلْ جَاءَ بالْحَقِّ) بالقرآن المشتمل على التوحيد والوعد والوعيد (وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) فيما جاءوا به من التوحيد والوعيد، وإثبات الدار الآخرة، ولم يخالفهم، ولا جاء بشيء لم تأت به الرسل قبله. [٣٩] (وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ) من الكفر والمعاصي [٤٠] (إِلَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلُصِينَ) أي: الذين أخلصهم اللّٰه لطاعته وتوحيده، لا يذوقون العذاب. [٤١] (أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ) أي: لهؤلاء المخلصين رزق يرزقهم اللّٰه ٠١.١، -علوم في حسنه وطيبه وعدم انقطاعه في الجنة، وهو أن يعطوا منه بكرة وعشيًا. [٤٢] (فَوَاكِهُ) الفواكه: الثمار كلها؛ لأنها أطيب ما يأكلونه وألذ ما تشتهيه أنفسهم (وَهُمْ مُكْرَمُونَ) أي: ولهم من اللّٰه عَبّك إكرام عظيم برفع درجاتهم عنده، وسماع كلامه ولقائه في الجنة. [٤٤] (عَلَى سُرُرِ) أي: أسرة يتكئون عليها (مُتَقَابِلِينَ) ينظر بعضهم إلى وجوه بعض، كل منهم مسرور بلقاء أخيه، لا ينظر بعضهم في قفا بعض. [٤٥] (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ) أي: من خمر تجري كما تجري العيون على وجه الأرض، والمعين: الماء الجاري. [٤٦] (بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ) لذَّة، أي: لذيذة، قال الحسن: خمر الجنة أشدُّ بياضًا من اللبن، له لذَّة لذيذة. [٤٧] (لَا فِيهَا غَوْلٌ) أي: لا تغتال عقولهم فتذهب بها (وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ) فنفى اللّٰه وعيّك عن خمر الجنة الآفات التي تلحق في الدنيا من خمرها من الصداع والسكر. [٤٨] (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطّرْفِ) أي: نساء قصرن طرفهنَّ على أزواجهنَّ، فلا يردن غ ه . «عِينٌ) كبار الأعين حِسانُها. صفحة 448 [٤٩] (كَأْنَّهُنَّ بَيْضُ مَكْنُونٌ) شبههنَّ ببيض النعام، تُكِنُّها النعامة بالريش من الريح والغبار، فلونه أبيض في صفرة، وهو أحسن ألوان النساء. [٥١] (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ) أي: صاحب لي في الدنيا كافر بالبعث منكر له. [٥٣](أَءذا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَثِنَّا لَمَدِينُونَ) أي: مجزيون بأعمالنا، ومحاسبون بها بعد أن صرنا تراباً وعظاماً؟ [٥٤] (قَالَ) المؤمن: (هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ) أي: اطلعوا معي إلى آهل النار لاريكم ذلك القرين. [٥٥] (فَاطَلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ) في وسط جهنم. [٥٦] (قَالَ تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينَ) أي: قد كدت لكني بالإغواء، وقيل: لتردين: أي لتوقعني في النار. [٥٧] (وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) أي: لولا رحمة ربي وإنعامه عليَّ بالإسلام، وهدايتي إلى الْحَقِّ، وعصمتي عن الضلال، لكنت من المحضرين معك في النار، ثم عاد إلى مخاطبة جلسائه من أهل الجنة، فقال: [٥٨] (أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ) أي: أنحن مخلدون منعمون؟ [٥٩] (إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولَى) التي في الدنيا، وقوله هذا كان على طريقة الابتهاج والسرور بما أنعم اللّٰه عليهم من نعيم الجنة الذي لا ينقطعٍ، وأنهم مخلدون لا يموتون بعد ذلك أبدًا (وَمَا نَحْنُ بِمُعَذّبِينَ) كما يعذب الكفار. [٦١] (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ» فإن هذه هي التجارة الرابحة، لا العمل للدنيا الزائلة. [٦٢] ( أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا) أي: كرامة وضيافة (أَمْ شَجَرَةٌ الزَّقُومِ ) هي شجرة لها ثمر مُرٌّ كريه، يُكرَه أهلُ النار على تناوله فهم يتزقمونه، هو نُزُلُهِمِ وضيافتهم. [٦٣](إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ) حين افتتنوا بها وكذبوا بوجودها فقالوا: كيف تكون في النار شجرة ولا تحترق؟ [٦٤] (إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ) أي في قعرها، وأغصانها ترفع إلى دركاتها. [٦٥] (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ) أي: ثمرها وما حمله كأنه في تناهي قبحه وشناعة منظره رؤوس الشياطين، فشبه المحسوس بالمتخيل، وإن كان غير مرئيٍّ؛ للدلالة على أنه غاية في القبح. [٦٧] ( ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا) بعد الأكل منها ( لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ) يُخْلَط لهم طعامهم من تلك الشجرة بالماء الحارّ؛ ليكونٌ أفظع لعذابهم وأشنع ١١- ١. [٦٨] (ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ) أي: مرجعهم بعد شرب الحميم وأكل الزقوم إلى الجحيم، وذلك أنهم يوردون الحميم لشربه، ثم يردّون إلى جهنم. [٦٩] (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا) أي: وجدوا (آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ) أي: صادفوهم كذلك، فاقتدوا بهم تقليدًا وضلالة، لا لحجة أصلًا. [٧٠] (فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ) يتبعون آباءهم في سرعة كآنهم يُزعَجون إلى اتباعهم إزعاجًا. ٧٣] (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) أي: الذين أنذرتهم الرسل، فإنهم صاروا إلى النار. [٧٤] (إِلَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ) أي: إلا من أخلصهم اللّٰه بتوفيقهم إلى الإيمان والتوحيد. [٧٥] ( فَلَنِعْمَ الْمُحِيبُونَ) أي: نحن، المراد أن نوحًا دعا ربه على قومه لما عصوه، فأجاب اللّٰه دعاءه، وأهلك قومه بالطوفان. [٧٦] (وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) المراد بأهله: أهل بيته ومن معه من أهل دينه، وهم من آمن معه، قيل: وكانوا ثمانين، والك. . العظيم: هو الغرق. صفحة 449 ٧](وَجَعَلْنَا ذُرَّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ) وحدهم دون غيرهم؛ لأن اللّٰه أهلك الكفرة بدعائه، لم يبق منهم باقية، ومن كان معه في السفينة من المؤمنين ماتوا كما قيل، ولم يبق إلا أولاده وذريَّته. [٧٨] (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ) يعني: في الذين يأتون بعده إلى يوم القيامة من الأمم، وهذا المتروك هو قوله: [٧٩] (سَلَامٌ عَلَى نُوح) أي: يثنون عليه ثناء حسنًا ويدعون له ويترحمون عليه، وإذا ذكروه قالوا: ((نوح عاليَاشم)). [٨٣] (وَنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ) أي: من أهل دينه، وممن شايعه ووافقه على الدعاء إلى الله، وإلى توحيده والإيمان به.. [٨٤]{إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمِ) القلب السليم: المخلص الخالص من الشرك والشك، الناصح لله في خلقه. [٨٦] (أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ) أتريدون آلهة من دون اللّٰه لمجرد الإفك، والإفك: أسوأ الكذب. [٨٧] (فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره، وما ترونه يصنع بكم؟ [٨٩ ،٨٨] ( فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ، فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ) قيل: كانوا يتعاطون علم النجوم، فعاملهم بذلك، لئلا بنكروا عليه، وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم لتلزمهم الحجة في أنها غير معبودة، وكان لهم من الغديوم عيد يخرجون إليه، وأراد أن يتخلف عنهم، فاعتل بالسقم. [٩٠] ( فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ) أي: تركوه وذهبوا إلى عيدهم. [٩١] ( فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ) انحرف إليهم (فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ) أي: فقال إبراهيم للأصنام التي راغ إليها، استهزاء وسخرية: ألا تأكلون؟ أي: من الطعام الذي كانوا يصنعونه لها. [٩٢] ( مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ) قد علم أنها جمادات لا تنطق. [٩٣] (فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ) أي: فمال عليهم بيده اليمنى يضربهم بها ليكسرهم. [٩٤] ( فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ) أي: أقبل إليه عبدة هذه الأصنام يسرعونِ؛ لما علموا بما صنعه بها. [٩٥] (قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ) أي: أتعبدون أصنامًا أنتم تنحتونها؟ [٩٦] (وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) أي: وخلق الذي نصنعونه على العموم، ويدخل فيها الأصنام التي ينحتونها، ويكون معنى العمل هنا: التصوير والنحت ونحوهما. [٩٧] (قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ) تشاوروا فيما بينهم أن يبنوا له حائطًا من حجارة، ويملؤوه حطبًا ويضرموه، ثم يلقوه فيه. [٩٨] (فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ) فإن النار صارت عليه بعد إلقائه فيها بردًا وسلامًا، ولم تؤثر فيه أقلّ تأثير. [٩٩] (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي) أي: مهاجر من بلد قومي الذين فعلوا ما فعلوا تعصبًا للأصنام، وكفرًا بالله، وتكذيبًا لرسله، إلى حيث أمرني بالمهاجرة إليه، أو إلى حيث أتمكن من عبادته. [١٠٠] (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) أي: ولدًا صالحًا يعينني على طاعِتك، ويؤنسني في الْغُرْبَةِ. [١٠١] (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ) يكبر ويصير حليمًا، فهذه البشارة تدلّ على أنهً مبشر بابن ذكر، وأنه يبقى حتى ينتهي في السنِّ ويوصف بالحلم. [١٠٢] ( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ) أي: شبَّ وأدرك سعيُه سعي إبراهيم، وقال مقاتل: لما مشى معه، قال الفراء: كان يؤمئذٍ ابن ثلاث عشرة سنة (قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنَّي أَذْبَحُكَ) المأمور بذبحه هو ابنه إسماعيل، فإنه ذكر البشارة بالغلام الحليم، وذكر أنه الذبيح، وقال بعد ذلك: (وَبَشَرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِرَ الدَّ ااحِينَ) [ وفي التوراة المحرفة: صفحة 450 (اذبح بكرك وحيدك إسحاق) فكلمة (إسحاق) من زيادات اليهود في التوراة وتحريفهم لكتاب الله، وإلَّا فإن (إسحاق) لم يكن بكر إبراهيم، ولم يكن وحيده، بل الذي كان كذلك هو إسماعيل، والتوراة نفسها تذكر ذلك] ثم لما بَذَل إبراهيم ابنه للذبح وأطاع أعطاه اللّٰه ولدًا آخر هو إسحاق (فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى) وإنما شاوره ليعلم صبره لأمر الله، وإلا فرؤيا الأنبياء وحي، وامتثالها لازم ( قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) مما أوحي إليك من ذبحي ١٠٣] (فَلَمَّا أَسْلَمَا) أي: استسلما لأمر اللّٰه وأطاعاه وانقادا له وفوَّضا أمرهما إلى الله: أسلم أحدهما نفسه لله، وأسلم الآخر ابنه (وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ) كبَّه على وجهه؛ كيلا يرى منه ما يؤثر الرِّقة لقلبه، والموضع الذي آراد ذبحه فيه هو المنحر بمنى عند الجمار، وقيل: بالشام. [١٠٥-١٠٤] (وَنَادَيْنَاهُ أنْ يَا إبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا) قيل: لما أضجعه للذبح نودي من الجبل: يا إبراهيم قد صدَّقت الرؤيا، وجعله مصدَّقًا بمجرَّد العزم وإن لم يذبحه؛ لأنه قد أتى بما أمكنه (إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) بالخلاص من الشدائد، والسلامة من المحن. ١٠٦] إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ) إن هذا هو الاختبار الظاهر نجاح إبراهيم فيه، حيث اختبره اللّٰه في طاعته بذبح ولده. [١٠٧] (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحِ عَظِيمٍ ) أنزل عليه كبشًا فذبحه إبراهيم فداء عن ابنه. [١٠٩ -١٠٨] (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ، سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ) أي: في الأمم الآخرة التي تأتي بعده، والسلام: الثناء الجميل، أو قول (الَام ) . ١١٢] (وَبَشَرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبَِّا مِنَ الصَّالِحِينَ) أي: بشره بولد آخر يكون نبيًّا جزاء على طاعته لله في ذبح وحيده إسماعيل. [١١٣](وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ) بمرادفة نعم اللّٰه عليهما، وقيل: المعنى: كثَّرنا ولدهما (وَمِنْ ذُرّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ) بين أن كون الذريَّة من هذا العنصر الشريف، والمحتد المبارك، ليس بنافع لهم، بل إنما ينتفعون بأعمالهم، لا بابائهم، فإن اليهود والنصارى وإن كانوا من ولد إسحاق صاروا إلى ما صاروا إليه من الضلال البين. [١١٥] (وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) هو ما كانوا فيه من استعباد فرعون إياهم، وقيل: هو الغرق الذي أهلك فرعون وقومه. [١١٧] (وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَاءَ . ١أْ؟ ° تَبِينَ) المراد بالكتاب: التوراة، والمستبين: البين الظاهر. ١١٨](وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) وهو دين الإسلام، فإنه الطريق الموصلة إلى المطلوب. [١٢٠ ،١١٩] (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الآخِرِينَ، سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ) أي: أبقينا عليهما في الأمم المتأخرة الثناء الجميل، أو قول: (عليهما السلام). [١٢٣] (وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) هو نبيٌّ من أنبياء بني إسرائيل. [١٢٤ ](إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ) أي: هل اتقيتم اللّٰه فعبدتموه وتركتم ما ينهاكم اللّٰه عنه من الشرك والمعاصي. [١٢٥](أَتَدْعُونَ بَعْلًا) هو اسم لصنم كانوا يعبدونه، وقيل: البعل بمعنى الرب، أي: أتدعون صنمًا عملتموه ربًّا؟ (وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ) أي: وتتركون عبادة [اللّٰه تعالى الذي صوَّركم وهو أحسن المصوِّرين]. [١٢٦]اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) [أي هو الذي يربيكم بنعمه بعد أن أوجدكم من العدم أنتم وأجدادكم]، فهو الذي تحقُّ له العبادة صفحة 451 ١٢٧ ( فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ) أي: فإنهم بسبب تكذيبه لمحضرون في العذاب. [١٢٨] (إِلَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ) أي: من كان مؤمنًا به من قومه، [عابدًا لله قد أخلص له العبادة، فأولئك ينجون من العذاب]. [١٣٠ ،١٢٩] (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ، سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ) المراد: إلياس، فأضيفت إليه ياء ونون؛ لأنه أعجمي، نظيره طور سيناء وطور سينين. [١٣٥] (إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ) إلا عجوزًا بقيت مع الباقين في العذاب، وهي زوجة لوط. [١٣٦] (ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخرينَ) أي: أهلكنا بالعقوبة الباقين من قومه الدين لم يؤمنوا به. [١٣٧] وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ، وَبِالَّيْلِ ) خاطب بهذا أهل مكة، أي: تمرُّون على منازلهم التي فيها آثار العذاب في وقت الصباح وفي الليل، في ذهابكم إلى الشام. [١٤٠] (إِذْ أَبْقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) أصل الإباق: هرب العبد من سيده، فلمَّا كان هربه من قومه بغير إذن ربه وُصِف به. [١٤١] (فَسَاهَمَ) أي: ضربت القرعة بين الراكبين ليلقوا بعضهم في البحر خوفًا من غرق السفينة ( فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ) أي: فألقوه في البحر . [١٤٢ ](فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ) لمَّا أُلقِي في الماء أخذه الحوت. ١٤٣] (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) أي: الذاكرين الله، أو المصلين له. [١٤٤] (لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ» أي: لصار بطن الحوت له قبراً إلى يوم القيامة. [١٤٥] (فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ) أمر اللّٰه الحوت فقذفه من فمه، فخرج مريضًا قد تلف جلده. [١٤٦] (وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ) أي: نبتة قرع تظلُّه حتى اشتد لحمه ونبت شعره. [١٤٧] (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ) هم قومه الذين هرب منهم (أَوْ يَزِيدُونَ) أي: بل هم أكثر من مائة ألف، فكان رسولًا قبل أن يذهب إلى البحر وبعد ذهابه. [١٤٨] (فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) أي: وقع منهم الإيمان بعد ما شاهدوا أعلام نبوته، فمتعهم اللّٰه في الدنيا إلى حين انقضاء آجالهم ومنتهى أعمارهم. [١٤٩] (فَاسْتَفْتِهِمْ) أي اسألهم يا محمد ( أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ) أي: ، : . . حعلون لله على تَقْدِيرٍ صدق ما زعموه من الولد أدنى الجنسين وأضعفهما، وهو الإناث، ولهم أعلاهما وأرفعهما، وهم الذكور؟ [١٥٠] (أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ) أضرب عن الكلام الأوَّل إلى ما هو أشدُّ منه، أي: كيف جعلوهم إناثًا وهم لم يروا خِلْقَة الملائكة، وليس كونهم إناثًا مما يدرك بالعقل، حتى ينسبوا إدراكه إلى عقولهم. [١٥٤-١٥٣] (أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) أيٍ: هل اختارِ البنات وفضَّلهنَّ على البنين الذكور. [١٥٦] (أمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبينٌ) أي: حجة واضحة ظاهرة. ١٥٧] (فَأُتُوا بكِتَابكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) فأتوا بالكتاب الذي يثبت لكم الحجة ويشتمل عليها. [١٥٨] (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحِنَّةِ نَسَبًا) الجِنَّة: هم الجنُّ، القائل بذلك كنانة وخزاعة، قالوا: إن اللّٰه خطب إلى سادات الجن، فزوَّجوه من سروات بنات الجن تعالى اللّٰه عما يقولون (وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ) قيل: المراد أن الجنّ يعلمون أن اللّٰه سيحضرهم للحساب، ولو كان بينه وبينهم نسب ما أحذ.. هم لذلك. صفحة 452 [١٦٣-١٦١](فَإنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ، مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ، إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ) أي: فإنكم وألهتكِم التي تعبدون من دون اللّٰه لستم بمَضلين أحدًا إلا من قدَّر اللّٰه له أن يصلى الجحيم، وهم المصرُّون على الكفر. [١٦٤] (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ » هذا من اللّٰه تعالى يحكي ما تقوله الملائكة، أي: وما منا ملك إلا له مقام معلوم في عبادة اللّه. [١٦٥]( وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافَّونَ ) ثبت في الصحيح وغيره أن النبي وَلِيه: (أمر الصحابة أن يصُفّوا كما تصف الملائكة عند ربهم، فقالوا: وكيف تصفُّ الملائكة عند ربهم؟ قال: يقيمون الصفوف المقدَّمة، ويتراصون في الصف»، فصفوف الملائكة في السماء كصفوف المؤمنين في الأرض. [١٦٦]«وَإِنَّا لنَحْنُ الْمُسَبَّحُونَ» المسبحون باللسان وبالصلاة. [١٦٧] (وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ) أي: إن المشركين كانوا قبل المبعث المحمدي إذا عُيِّروا بالجهل قالوا: [١٦٨ ] (لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ) أي: كتابًا من كتب الأوَّلين كالتوراة والإنجيل. [١٦٩] ( لَكُنَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ) أي: لأخلصنا العبادة له، ولم نكفر به، فجاءهم محمد عالية بالذكر . [١٧٠] (فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) عاقبة كفرهم ومغبَّته. [١٧٣ ، ١٧٢] (إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) فهذه هي الكلمة المذكورة سابقًا، وجند اللّٰه حزبه، وهم الرسل وأتباعهم كما قال سبحانه: (وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ). [١٧٤] ( فَتَوَلّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينِ) أي: أعرض عنهم إلى مدَّة معلومة عند الله سبحانه، وهي مدة الكف عن القتال حتى نأمرك بالقتال. [١٧٥] (وَأَبْصِرْهُمْ) إذا نزل بهم العذاب بالقتل والأسر (فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ) حين لا ينفعهم الإبصار. [١٧٦] (أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ) كانوا يقولون من فرط تكذيبهم: متى هذا العذاب؟ ١٧٧](فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ) قيل: المراد به نزول رسول اللّٰه بساحتهم يوم فتح مكة (فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ) أي: بئس صباح الذين أنذروا بالعذاب، والصَّباح عند العرب: الغارة التي تكون عند الصبح. [١٨٠] (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ) المراد: تنزيهه تعالى عن كل ما يصفه به المشركون مما لا يليق بجنابه الشريف. [١٨١] (وَسَلَامٌ عَلَي الْمُرْسَلِينَ) أمنٌ لهم وسلامة من المكاره. [١٨٢] (وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) على إرسال رسله إليهم مبشرين ومنذرين، وقيل: إنه الحمد على هلاك المشركين، ونصر الرسل عليهم، وعلى كل ما أنعم -! 4 "١٠ أجمعين تفسير سورة ص [١] ص) فاتحة السورة، وقد تقدم الكلام على الحروف المقطعة (وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) يقسم اللّٰه تعالى بالقرآن؛ تنبيهًا على شرف قدره وعلو محله، ومعنى: ذي الذكر، أنه المشتمل على الذكر الذي فيه بيان كل شيء. وقيل معناه: ذو الشرف. [٢] (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ) كأنه قال: لا ريب فيه قطعًا، ولم يكن عدم قبول المشركين له مما يوجب الريب فيه، بل هم في تكبُّر وتجبُّر وشقاق، أي: وامتناع عن قبول الحق. [٣] ( فَنَادَوْا) هو نداء الاستغاثة منهم عند نزول العذاب بهم {وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ) أي: ليس ذلك الوقت وقت خلاص. [٤] (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ) رسول من أنفسهم ينذرهم بالعذاب إن استمروا على الكفر (وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ) قالوا هذا القول لما شاهدوا ما جاء به من المعجزات الخارجة عن قدرة البشر صفحة 453 ٦]وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ) الأشراف، فإن النبي لالِلة طلب منهم كلمة يقولونها تدين لهم بها العرب والعجم، قالوا: فما هي؟ قال: لا إله إلا الله، فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم، وهم يقولون: أجعل الآلهة إلهًا واحدًا؟ (أَنِ امْشُوا) أي: امضوا على ما كنتم عليه، ولا تدخلوا في دينه، وقالوا ذلك للأتباع (وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ) أي: اثبتوا على عبادتها (إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ) أي: يريده محمد بنا وآلهتنا ويودُّ تمامه، ليعلو علينا، ونكون له أتباعًا، فيتحكم فينا بما يريد. [٧] ( مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ) هي النصرانية (إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ ) كذب اختلقه محمد وافتراه. [٨]( أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْتِنَا) ونحن الرؤساء والأشراف، أكبر منه سنًّا، وأعظم منه شرفًا (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي) أي: من القرآن، أو الوحي (بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابٍ) فاغتروا بطول المهلة. [٩] (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ) أي: مفاتيح نعم ربك حتى يعطوا نعمة النبوة لمن يشاءون؟ ١٠فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ) أي: الطرق التي توصلهم إلى السماء، حتى يحكموا بما يريدون من عطاء ومنع، ويدبروا أمر العالم بما يشتهون. [١١]( جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ) أي: فلا تحزن لعزتهم وشقاقهم، فإني أسلب عزَّهم وأهزم جمعهم، وقد وقع ذلك يوم بدر. ١٢] وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ) ذو الأبنية المحكمة [ولعل المراد: الأهرامات]. ١٣] (وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ) هم قوم شعيب ( أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ) أي: الموصوفون بالقوة والكثرة، كقولهم: فلان هو الرجل. [١٤ ] (إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ) أي: ما كل أحد من الأحزاب إلا وقع منه تكذيب الرسل (فَحَقَّ عِقَابٍ) أي: فَحَقَّ عليهم عقابي بتكذيبهم، وإن تأخر. [١٥] (وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً) أي: ليس ينهم وبين حلول ما أعد اللّٰه لهم من عذاب النار إلا أن ينفخ في الصور النفخة الثانية (مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ) الفواق من الزمن: مقدار ما بين حلبتي الناقة، أي: إذا جاءت الصيحة لا تتوقف مقدار فواق ناقة، وقيل: المراد أنها لا يفيقون - منها كما قد يفيق المريض والمغشي عليه. [١٦](وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطّنَا ) أي: نصيبنا من خير أو شر، ولا تؤخره إلى يوم القيامة. [١٧](وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ) الأيد: القوة (إِنَّهُ أَوَّابٌ) الأوَّاب: الرَّجاع عن كل ما يكرهه اللّٰه سبحانه إلى ما يحبه، ولا يستطيع ذلك إلا من كان قويًّا في دينه. ١٨]( بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ) قال مقاتل: كان داود إذا ذكر اللّٰه ذكرت الجبال معه، وكان يفقه تسبيح الجبال صباحًا ومساءً. [١٩] (وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً) تسبح اللّٰه معه (كُلُّ لَهُ أَوَّابٌ) أي: لأجل تسبيح داود تسبح الجبال والطيور معه. ٢٠٦] (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ) قوَّيناه وثبتناه بالنصر في المواطن على أعدائه، وإلقاء الرعب منه في قلوبهم (وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ) أي: النبوة والمعرفة بكل ما يحكم به (وَفَصْلَ الْخِطَابِ) أي: الفصل في القضاء، وقيل: هو الإيجاز بجعل المعنى الكثير في اللفظ القليل. صفحة 454 [٢١] ( وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ) بعث اللّٰه إلى داود مَلَكَيْن لينبهاه على التوبة، أتوه من أعلى سوره، ونزلوا إليه في محرابه حيث يصلي. عن ابن عباس أن داود رأى امرأة أوريا تغتسل، فأعجبته فقدَّم زوجها في الحرب حتى قُتِل. فلما انقضت عدتها خطبها داود وتزوجها. فتسوّر عليه الملكان المحراب، وكان شأنهما ما قصه اللّٰه في كتابه، وخر داود ساجدًا، فغفر اللّٰه له وتاب عليه، وبعض العلماء ينكر هذه القصة في حق امرأة أوريا، ويقول: لم يكونا مَلَكَيْن، بل كانا بشرين اختصما في النعاج حقيقة. [٢٢] (إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ) دخلوا عليه بغير إذنه، ولم يدخلوا من الباب الذي يدخل منه الناس (وَلَا تُشْطِطْ) أي: لا تَجُرْ في حكمك (وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ) أرشدنا إلى الحق، واحملنا عليه. ثم قال أحدهما: [٢٣] (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً) النعجة: الأنثى من الضأن، وقد يقال لبقرة الوحش: نعجة (وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ) والعرب تكني عن المرأة بها، وتشبه النساء بالنعاج من البقر (فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا) أي: أعطني نعجتك حتى أضمها إلى نعاجي وتكون كفلي ونصيبي (وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) أي: غلبني. [٢٤](قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ) حكم ببطلان ما سمعه من طلب صاحب النعاج التسع والتسعين أن يضم إليه النعجة الواحدة التي مع صاحبه ولم يكن معه غيرها. قال النحاس: ويقال: إن خطيئة داود هي قوله: (لَقَدْ ظَلَمَكَ) لأنه قال ذلك قبل أن يتثبت، فربما كان صاحب النعجة الواحدة هو الظالم (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ) وهم الشركاء في المال (لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِ) يظلمه غير مراع لحقه {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) فإنهم يتحامون ذلك، ولا يظلمون خليطًا ولا غيره (وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) أي: وقليل هم (وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَنَنَّاهُ) أيقن أننا ابتليناه، علم عند ذلك أنه هو المراد، وأن مقصودهما التعريض به؛ إذ استغل سلطته على صاحبه حتى يتزوج امرأته (فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ) لذنبه (وَخَرَّ رَاكِعًا» أي: ساجدًا، وعبر بالركوع عن السجود (وَأَنَّابَ) أي: رجع إلى اللّٰه بالتوبة من ذنبه. [٢٥] (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَابِ) الزلفى: القربة والكرامة بعد المغفرة لذنبه، وحسن المآب: حسن المرجع، وهو الجنة. [٢٦] (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً)) أي: وقلنا له: استخلفناك عن المنكر (فَاحْكَمْ بَيْنَ على الأرض لتأمر بالمعروف، ٦٠. النَّاسِ بِالْحَقَّ) أي: بالعدل الذي هو حكم اللّٰه بين عباده (وَلَا تَتَّبعِ الَّهَوَى) في الحكم بين العباد (فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) هو طريق الحق، أو طريق الجنة (بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) أي: بسبب تركهم العمل لذلك اليوم، ومنه القضاء بالعدل. [٢٧] (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا) بل خلقهما اللّٰه للدلالة على قدرته، وليُعمَل فيهما بطاعته (ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) فإنهم يظنون أن هذه الأشياء خلقت لا لغرض، ويقولون: إنه لا قيامة ولا حساب. وذلك يستلزم أن يكون خلق هذه المخلوقات باطلاً (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) لكفرهم وظنهم الباطل. [٢٨] (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ) أي: بل أنجعل الذين آمنوا بالله وصدَّقوا رسله وعملوا بفرائضه كالمفسدين في الأرض بالكفر والمعاصي {أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) أي: بل أنجعل أتقياء المؤمنين كأشقياء الكافرين والمنافقين والمنهمكين في معاصي اللّٰه سبحانه من المسلمين، فليس ذلك إن فعلناه عدلًا [أي: ولولا البعث والحاء ،، الجزاء لكانوا سواء]. صفحة 455 [٢٩] ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ) أي: أن هذا القرآن كتاب أنزلناه إليك يا محمد كثير الخير والبركة (لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) أي: أنزلناه للتدبُّر والتفكر في معانيه (وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) أي: ليتعظ أهل العقول الراجحة. [٣٠] (وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ) وهب له سليمان ولدًا، ثم مدح سليمان، فقال: (نِعْمَ الْعَبْدُ) أي: سليمان (إِنَّهُ أَوَّابٌ) والأواب: التواب. ثم ذكر اللّٰه واقعتين من وقائع توبته، فقال [٣١](إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ) على سليمان (بالْعَشِيِّ) العشي: من الظهر أو العصَر إلى آخر النهار ( الصَّافِنَاتُ) جمع صافن، وهي من صفات الخيل، فالصافن هو الذي يقف على إحدى اليدين، ويرفع الأخرى، ويجعل على الأرض طرف الحافر منها، ويقوم على ثلاث، وهي علامة الفراهة (الْجِيَادُ)) جمع الجواد، يقال للفرس: جواد إذا كان شديد العدو [ذا نفس طويل]. [٣٢] ( فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي) إني آثرتِ حبَّ الخيل على ذكر ربي: يعني: صلاة العصر (حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) يعني: حتى غابت الشمس، وقيل المراد: حتى توارت الخيل في المسابقة عن الأعين. [٣٣] (فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ) أخذ يعقرها بالسيف، ويضرب سوقها وأعناقها، غضبًا لله؛ لأنها كانت سبب فوت صلاته. وقيل المراد: المسح على نواصيها بيده. [٣٤] (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ) ثبت في الحديث الصحيح أنه قال: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة، تأتي كل واحدة بفارس يقاتل في سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله، فلم تلد منهم إلا امرأة واحدة، ولدت نصف إنسان (وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا) الجسد هو نصف الإنسان الذي ولدته امرأته (ثُمَّ أَنَابَ) أي: رجع إلى اللّٰه بالتوبة من ذنبه. [٣٥] (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي) ما صدر عني من الذنب الذي ابتليتني لأجله (وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) لا يكون لأحد من بعدي أن يملك مثله (إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) أي: فإنك عظيم المواهب كثيرها. [٣٦] ( فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ) جعلناها منقادة لأمره (تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً) المعنى: أنها ريح لينة، لا تزعزع ولا عصف، مع قوة هبوبها وسرعة جريها (حَيْثُ أَصَابَ) المعنى: حيث أصاب خيرًا وقصده [أي: فإن الريح تحمله إليه] وانظر: (سورة سبأ، الآية: ١٢). [٣٧] (وَالشَّيَاطِينَ) أي: وسخرنا له الشياطين (كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ ) يبنون له ما يئا. . . المباني، ويغوصون في البحر فيستخرجون له الدُّرَّ منه. [٣٨](وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ) وهم مردة الشياطين، سُخّروا له حتى قرنهم في السلاسل. [٣٩] (هَذَا عَطَاؤُنَا) الذي أعطيناكه من الملك العظيم الذي طلبته، من السيطرة على الريح والشياطين وتسخيرهم (فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ) أي: فأعط من شئت، وامنع من شئت ( بِغَيْرِ حِسَابِ) لا حساب عليك في ذلك الإعطاء أو الإمساك، أي: فلا يقال لك: كم أعطيت ولمَ منعت؟ [ ٤٠] (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى) أي: قربة في الآخرة (وَحُسْنَ مَآبْ) وحسن مرجع، وهو الجنة. [٤١] (بِنُصْبِ وَعَذَابٍ) أي: بهلاك أهله وماله، وبأوجاع وأمراض، وإنما نسبها إلى الشيطان؛ لأنه السبب في ذلك البلاء، فقد قيل: إنه أعجب بكثرة ماله. [٤٢] (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ) أي: قلنا له: اضرب بها الأرض (هَذَا مُغْتَسَلّ بَارِدٌ وَشَرَابٌ) أي: فركض فنبعت عين جارية، فاغتسل فيها، فخرج صحيحًا، ثم نبعت عين أخرى فشرب منها ماء عامًا .ا. دًا. صفحة 456 ٤٣]وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ) قيل: أحياهم اللّٰه بعد أن أماتهم، وقيل: جمعهم بعد تفرقهم (وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ) زادهم فكانوا مثلي ما كانوا من قبل ابتلائه. [٤٤] (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا) الضغث: الحزمة الكبيرة من القضبان ( فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ) أي: اضرب بذلك الضغث ولا تحنث في يمينك، وكان أيوب قد حلف في مرضه أن يضرب امرأته مائة جلدة، لذنب جَنَتْه، فجعل اللّٰه له هذا مخرجًا من بمينه. ثم أثنى اللّٰه سبحانه على أيوب، فقال: (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا) أي: على البلاء الذي ابتليناه به، فإنه ابتلي بالداء العظيم في جسده، وذهاب ماله وأهله وولده، فصبر (نِعْمَ الْعَبْدُ) أي: أيوب (إِنَّهُ أَوَّابٌ) أي: رجَّاع إلى اللّٰه بالاستغفار والتوبة. [٤٦] (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) أي: خصصناهم من دون أهل زمانهم بتذكر الآخرة والإيمان بها، وذلك من شآن الأنبياء. [٤٧] (وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ) المختارين من أبناء جنسهم من الأخيار. [٤٨] (وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ) قد تقدم ذكر اليسع، والكلام فيه، في (سورة الأنعام، الآية: ٨٦)، وتقدم ذكر ذي الكفل في (سورة الأنبياء، الآية: ٨٥). [٥٠] (مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ) قيل: تفتح لهم الملائكة الأبواب في الجنة ليدخلوها مكرَّمين. [٥١](يَدْعُونَ فِيهَا) أي: يدعون في الجنان حال كونهم متكئين فيها على الأرائك (بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةِ) أي: بألوان متنوعة متكثرة من الفواكه (وَشَرَابٍ)) كثير. أَتْرَابٌ) أي: [٥٢] (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطِّرْفِ زوجات لهم قاصرات طرفهن على أزواجهن، لا ينظرن إلى غيرهم، والأتراب: المتحدات في السن، أو المتساويات في الحسن. وقال مجاهد: أتراب: متواخيات، لا يتباغضن ولا يتغايرن. [٥٥] ( هَذَا) أي: الأمر هذا كما ذكر (وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ) أي: للذين طغوا وتمردوا عن طاعة الله، وكذبوا رسله، شر منقلب ينقلبون إليه. [٥٦] ( فَبِئْسَ الْمِهَادُ) أي: بئس ما مهدوا لأنفسهم، والمهاد هو الفراش، شبه ما تحتهم من نار جهنم بالمهاد. [٥٧] (هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ) الحميم: الماء الحار الذي قد تناهى حره، والغساق: ما سال من جلود أهل النار من القيح والصديد ، ٠ة ١ . الغساق: ما قَتَل ببرده. [٥٨] (وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ) المعنى: أن لأهل النار حميمًا وغساقًا وأنواعًا أخرى من العذاب من مثل الحميم والغساق. [٥٩] (هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ ) أي: إذا دخلوا النار قالت الخزنة للقادة: هذا فوج، يعنون: الأتباع، داخل معكم إلى النار (لَا مَرْحَبَّا بِهِمْ) هذا من قول القادة والرؤساء، والمعنى: لا كرامة لهم، وهذا إخبار من اللّٰه سبحانه بانقطاع المودة بين الكفار، وأن المودة التي كانت بينهم تصير عداوة (إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ) كما صليناها، ومستحقون لها كما استحققناها. ٦٠](قَالُوا) أي: قال الأتباع للرؤساء (بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ) أي: لا كرامة لكم (أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا) وأوقعتمونا فيه، ودعوتمونا إليه بما كنتم تقولون لنا من أن الحق ما أنتم عليه، وأن الأنبياء غير صادقين فيما جاءوا به ( فَبِئْسَ الْقَرَارُ) أي: بئس المقر جهنم لنا ولكم. ٦١١](قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ) أي: عذابًا بكفره، وعذابًا بدعائه إيانا. [٦٢] (وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ) يعنون: فقراء المؤمنين، كعما. مخا، ،وصهيب وبلال وسالم وسلمان. صفحة 457 [٦٣] أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا) في الدنيا، وكانوا أهل الكرامة، فأخطأنا (أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ» فلم نعلم مكانهم في النار؟ وقال الحسن: كل ذلك قد فعلوه: اتخذوهم سخريًّا، وزاغت عنهم أبصارهم، أي: لأنهم في الجنة.. [٦٤] (إِنَّ ذَلِكَ لَحَقّ تَخَاصُمُ أهْل النَّار) المعنى: أن ذلك الذي حكاه اللّٰه عنهم لحق لا بد أن يتكلموا به، وهو نخاصم أهل النار فيها، وما قاله الرؤساء للأتباع، وما قالته الأتباع هم، فهذا أمر لإبد أنه سيكون يوم القيامة حتمًا. [٦٧] (قُلْ هُوَ نَبَأَ عَظِيمٌ) أي: ما أنذرتكم به من العقاب، وما بينته لكم من التوحيد: هو خبر عظيم ونبأ جليل، فعظّموه ولا تستخفُّوا به. [٦٨] (أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ) توبيخ لهم وتقريع لكونهم أعرضوا عنه، ولم يتفكروا فيه فيعلموا صدقه. [٦٩] مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمِ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ) أي: ما كان لي، قبل أَن يوحى إليَّ، علمٌ بما اختصم فيه الملائكة. [٧١] (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ ) هذه هي خصومة الملائكة المذكورة إجمالًا فيما تقدّم، ذكرها هنا تفصيلًا. والبشر هم آدم وذريته، وقيل: كانت خصومة الملائكة في شأن من يستخلف في الأرض. ٢(فَإِذَا سَوَّيْتُهُ) صورته على صورة البشر، وصارت أجزاؤه مستوية (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) أي: من الروح الذي أملكه ولا يملكه غيري، فأجعله حيًّا بعد أن كان جمادًا لا حياة فيه (فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) هو أمر سجود التحية، لا سجود العبادة. [٧٣] (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ) أي: فخلقِه فسوَّاه، ونفخ فيه من روحه فسجد له الملائكة (كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) سجدوا عن آخرهم ما بقي منهم ملك إلا سجد. [٧٤] (إِلَّا إِبْلِيسَ) كان من الجن لكن كان متصفًا بصفات الملائكة داخلًا في عدادهم (اسْتَكْبَرَ) أي: أنِفَ من السجود، جهلًا منه بأنه طاعة الله {وَ) كان استكباره استكبار كفر، فلذلك (كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) بمخالفته لأمر اللّٰه واستكباره عن طاعته. [٧٥] (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) أي: ما صرفك وصدك عن السجود لآدم، وأنا الذي توليتُ خلقه [بيدي] من غير واسطة (أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ) المعنى: هل استكبرت عن السجود الآن، أم لم تزل من القوم الذ: ٢٠.٠.. ون عن ذلك. ٧٦]( قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ) ادَّعى اللعين لنفسه أنه خير من آدم ( خَلَقْتَني مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) وفي زعمه أن عنصر النار أشرف من عنصر الطين، وفي ذلك ما فيه. وعلى كل حال فقد شرَّف اللّٰه آدم بشرف وكرمه بكرامة لا يوازيها شيء من شرف العناصر، وذلك آن اللّٰه خلقه بيديه، ونفخ فيه من روحه، وآتاه العلم والحكمة. [٧٨] (وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَنِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) أي: مستمرة له دائمة عليه ما دامت الدنيا، ثم في الآخرة يلقى من أنواع عذاب اللّه وعقوبته وسخطه ما هو به حقيق ٧٩] (قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) أي: أمهلني ولا تمتني حتى يبعث آدم وذريته، بعد موتهم. [٨١-٨٠] (قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ. إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) أنظرهِ الله لكن لا إلى البعث، بل إلى الصعق. [٨٢] (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) أقسم بعزة اللّٰه أنه يضل بني آدم بتزيين الشهوات لهم، وإدخال الشُّبَه عليهم. [٨٣] (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) الذين أخلصتهم لطاعتك، وعصمتهم من الشيطان الرجيم، أي: فهؤلاء لا يقدر على إضلالهم وإغ. ابه . صفحة 458 ٨٥-٨٤] (قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ. لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ) أي: فالحق مني مَلءُ جهنم من إبليس وأتباعه، وأنا أقول الحق، يقسم اللّٰه تعالى لإبليس أنه سيدخله النار وأتباعه حتى تمتلئ منهم (مِنْكَ) أي: من جنسك من الشياطين (وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) أي: من ذرية آدم، فأطاعوك إذ دعوتهم إلى الضلال والغواية. [٨٦] (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) ما أطلب منكم من جُعل تعطونيه على الدعاء إلى اللّٰه بالقرآن وغيره من الوحي (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلَّفِينَ) حتى أقول ما لا أعلمٍ، أو أدعوكم إلى غير ما أمرني اللّٰه بالدعوة إليه والتكلُّف: التصنُّع. [٨٧] (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ» أي: ما هذا القرآن، أو ما أدعوكم إليه إلا موعظة للخلق أجمعين. [٨٨] (وَلَتَعْلَمُنَّ) أيها الكفار {نَبَأْهُ بَعْدَ حِين) أي: بعد زمان، قيل: بعد الموت، وقيل: من بقي علم ذلك لما ظهر أمر ل مات يعلمه بعد الموت علا ،ا ر النبى تفسير سورة الزمر [١] ( تَنْزِيلُ الْكِتَابِ) أي: هذا تنزيل الكتاب، وهو القرآن. [٢] (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ» أي: متلبسًا بالحق، والمراد: أن كل ما فيه حق، من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد وأنواع التكاليف. يقول: لم ننزله باطلًا لغير شيء ( فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ) الإخلاص: أن يقصد العبد بعمله وجه اللّٰه سبحانه ولا يقصد شيئًا آخر، والدين: العبادة والطاعة، ورأسها: توحيدِ اللّٰه واعتقاد أنه لا شريك له. [٣] (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) أي: التعبُّد الخالص من شوائب الشرك وغيره هو لِله، وما سواه من الأديان فليس بدين اللّٰه الخالص الذي أمر به (وَالَّذِينَ تَخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) تولَّوا غيرِه تعالى، وهي الأصنام التي عبدوها من دونه (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرَبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى) كانوا إذا قيل لهم: مَن ربكم وخالقكم، ومَن خلق السماوات والأرض، وأنزل من السماء ماء؟ قالوا: الله، فيقال لهم؟ ما معنى عبادتكم للأصنام، قالوا: ليقربونا إلى اللّه، ويشفعوا لنا عنده (إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ) أي: بين أهل التوحيد وبين الذين لم يخلصوا (فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) في الذي اختلفوا فيه من الدين بالتوحيد والشرك، فإن كِل طائفة تدعي أن الحق معها (إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) أي: لا يرشد لدينه، ولا يوفق للاهتداء إلى الحق، من هو كاذب في زعمه أن الآلهة تقربه إلى الله، وكفر باتخاذ ' - جعلها شركاء لله. [٤] (لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَا صْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) أي: يختار من جملة خلقه ما يشاء أن يصطفيه [فلا يحتاج للولد، وأيضًا] لا موجود سواه إلا وهو مخلوق له، ولا يصح أن يكون المخلوق ولدًا للخالق، فلم يبق إلا أن يصطفيه عبدًا. [٥] ( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقَّ) أي: لم يخلقهما باطلًا، ومن كان هذا الخلق العظيم خلقهِ استحال أن يكونٍ له شريك أو صاحبة أو ولد (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ) تكوير الليل على النهار: تغشيته إياه حتى يذهب ضوؤه، وتكوير النهار على الليل: تغشيته إياه حتى تذهب ظلمته (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) أي: جعلهما منقادين لأمره بالطلوع والغروب لمنافع العباد ( كُلّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمَّى} أي: يجري في فلكه إلى أن تنصرم الدنيا، وذلك يوم القيامة (أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ) الغالب الساتر لذنوب خلقه بالمغفرة. [٦] (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) وهي نفس آدم (ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) خَلق حواء من ضلع آدم، ولم يخلق سبحانه أنثى من ضلع رجل غيرها، وقد تقدم تفسير هذه الآية مستوفى في أواخر سورة الأعراف صفحة 459 (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) هي ما في قوله: (مِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ) و (مِنَ ٱلضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ نَيْنِ راجعٍ (سورة الأنعام، الآية: ١٤٣) (يَخْلَقَكَمْ فِي طُونِ أمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقِ) نطفة ثم علقة ثم مضغ ثم عظمًا ثم لحمًا {فِي ظَلَمَاتِ ثَلَاثِ) ظلمة البطن، وظلم الرحم، وظلمة المشيمة [أي: فلم يمنعنا إظلام موضعه أن ح لهُ الْمُلْكُ الحقيقي في الدنيا والآخرة، لا شركة لغيره فيه (فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) أي: فإلى أين يصرفكم الشيطان عن عبادته وتنقلبون عنها إلى عبادة غيره. [٧] (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) لا يحبه ولا يأمر به، وهو مع ذلك سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وما تشاءون إلا أن يشاء الله، فمشيئته شيء، وحبه شيء آخر (وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) وإنما رضي لهم سبحانه الشكر؟ لأنه سبب سعادتهم في الدنيا والآخرة (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أَخْرَى) أي: لا تحمل نَفْسٌ حاملة للآثام ذنب نفس أخرى {ثُمَّ إِلَى رَبَّكُمْ مَرْجِعُكُمْ) يوم القيامة (فَيُنبَئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) من خير وشر {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) أي: بما تضمره القلوب وتستره، فكيف بما تظهره وتبديه؟ [٨] (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ) أيُّ ضر كان، من مرض أو فقر أو خوف (دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ) أي: راجعًا إليه مستغيثًا به في دفع ما نزل به، تاركًا لما كان يدعوه ويستغيث به من ميت أو حي أو صنم أو غير ذلك (ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ) أي: أزال عنه الضر وأعطاه وملّكه، يقال: خوله الشيء، أي: ملكه إياه ( نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ ) أي: نسي الضر الذي كان يدعو اللّٰه إلى كشفه عنه من قبل أن يخوله ما خوله، وقِيلِ: نسي ربه الذي كان يدعوه ويتضرع إليه (وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا) أي: شركاء من الأصنام أو غيرها جعلها مساويةً لله، بزعمه، يعبدها (لِيُضِلّ عَنْ سَبِيلِهِ) أي: ليضل الناس عن طريق اللّٰه التي هي الإسلام والتوحيد (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا) أي: تمتعًا قليلًا، أو زمانًا قليلًا، فمتاع الدنيا قليل (إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) أي: مصيرك إليها عن قريب. [٩] (أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ) المعنى: أذلك الكافر أحسن حالًا ومآلًا، أم المؤمن بالله، الذي هو قائم يصلي لله في ساعات الليل، مستمر على ذلك، غير مقتصر على دعاء اللّه سبحانه عند نزول الضرر به، بل يذكر اللّه ويدعوه وحده في كل حال (سَاجِدًا وَقَائِمًا ف. - لاة الليل، أي: جامعًا بين السجود والقيام (يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ) فيجمع بين الرجاء والخوف، وما اجتمعا في قلب رجل إلا فاز. قيل: وفي الكلام حذف، والتقدير: أهو كمن لا يفعل شيئًا من ذلك؟ (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) المراد: العلماء والجهال. [١٠ ] (قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ) المعنى: قل لهم قولى هذا بعينه (لِلّذِينَ أحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدَّنْيَا حَسَنَةٌ) وهى الجنة، أو حسنة في الدنيا بالصحة والعافية والظفر والغنيمة (وَأَرْضُ اللهِ وَاسِعَةٌ) أي: فليهاجر إلى حيث يمكنه طاعة الله، والعمل بما أمر به، والترك لما نهى عنه (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) أي: يوفيهم اللّٰه أجرهم في مقابلة صبرهم بغير حساب: أي: بما لا يقدر على حصره قادر. [١١] (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ) أي: أمرني اللّٰه أن أعبده عبادة خالصة من الشرك والرياء وغير ذلك. [١٢ ] (وَأَمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ) أي: من هذه الأمة، وكذلك كان الالية إنه أول من خالف دين آبائه ودعا إلى التوحيد. ١٣] (قُلْ إِنِّي أَخَافُ ا.. عَمَ .تُ رَبِّي) أي: بترك إخلاص صفحة 460 العبادة له وتوحيده، وترك الدعوة المعادية للشرك وتضليل أهله (عَذَابَ يَوْمِ عَظِيمٍ) وهو يوم القيامة. [١٤ ] (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدٌ) أي: لا أعبد غيره، لا استقلالًا، ولا على جهة الشركة (مُخْلِصًا لَهُ دِينِي) أي: إنَّ تعبُّدي خالص لله، غير مشوب بشرك ولا رياء ولا غيرهما. [١٥] (فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ) أن تعبدوه (مِنْ دُونِهِ) هذا الأمر للتهديد والتقريع والتوبيخ (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَي: إن الكَاملين في الخسران هم هؤلاء؛ لأن من دخل النار فقد خسر نفسه وأهله (أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) قد بلغ من العظم إلى غاية ليس فوقها غاية. [١٦] (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظَلَلَ مِنَ النَّارِ) الظلل: عبارة عن أطباق النار تلتهب عليهم (وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظَلَلَ) أي: أطباق من النار، وسمي ما تحتهم ظللا؛ لأنها تظلل من نحتها من أهل النار؛ لأن طبقات النار صار في كل طبقة منها طائفة من طوائف الكفار. [١٧]وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا) أعرضوا عن عبادة الأوثان والشيطان، وخصوا عبادتهم بالله وعجل (وَأَنَابُوا إِلَى اللّهِ) رجعوا وأقبلوا على عبادته معرضين عما سواه (لَهُمُ الْبُشْرَى) بالثواب الجزيل، وهو الجنة، وهذه البشرى إما على ألسنة الرسل، أو عند حضور الموت، أو عند البعث. [١٨] (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) بستمعون القول الحق، من كتاب اللّٰه وسنة رسوله، فيتبعون أحسن ما يؤمرون به، فيعملون بما فيه؛ وقيل: هو الرجل سمع الحسن والقبيح، فيتحدث بالحسن، وينكف عن القبيح فلا يتحدث به ( أولَئِكَ الَذِينَ هَدَاهُمُ الله وَأولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ) أي: هم الذين أوصلهم اللّٰه إلى الحق، وهم أصحاب العقول الصحيحة [١٩ ] (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَاب) كلمة العذاب هنا هي قوله تعالى لإبليس: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ) ومعنى الآية: التسلية لرسول اللّٰه واليّةِ لأنه كان حريصًا على إيمان قومه، فأعلمه اللّٰه أن من سبق عليه القضاء، وحقت عليه كلمة الله، لا يقدر رسول اللّٰه أن يجعله مؤمنًا [في الدنيا، أو «يأخذ بيده» كي يخرجه من النار يوم القيامة]، أي: فلا داعي لأنِ تذهب نفسك عليهم حسرات. [٢٠] ( لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ) وذلك لأن الجنة درجا. - ٠ ها فوق بعض، مبنية بناء المنازل في إحكام أساسها وقوة بنائها، وإن كانت منازل الدنيا ليست بء بالنسبة ليها ( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) أي: من تحت تلك الغرف، وفي ذلك كمال لبهجتها وزيادة لرونقها. [٢١] (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) أي: من السحاب مطرًا (فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ) أي: فأدخله وأسكنه فيها، والينبوع: عين الماء، والأمكنة التي ينبع منها الماء (ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ) أي: يخرج بذلك الماء من الأرض زرعًا مختلفًا ألوانه، من أصفر وأخضر وأبيض وأحمر، أو من بُرِّ وشعير وغيرهما، إذا كان المراد بالألوان الأصناف (ثُمَّ يَهِيجٌ) ييبس ويجف (فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا) أي: تراه بعد خضرته ونضارته وحسن رونقه مصفرًا قد ذهبت خضرته ونضارته ( ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا ) أي: متفتتًا متكسرًا (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) أي: فيما تقدم ذكره موعظة ينتفع بها أهل العقول الصحيحة، يعلمون بأن الحياة الدنيا حالها كحال هذا الزرع في سرعة التصرم وقرب التقضي، وذهاب بهجتها، وزوال رونقها ونضارتها، ولم يبق معهم شك في أن اللّٰه قادر على البعث، ١١٠ حثر. صفحة 461 [٢٢] (أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ) وسع اللّٰه صدره لالإسلام فقبله واهتدى بهديه (فَهُوَ) بسبب ذلك الشر - (عَلَى نَوْرٍ مِنْ رَبّهِ) يفيض عليه، أهو كمن قسا قلبه لسو اختياره، فصار في ظلمات الضلالة، وبليَّات الجهالة (فَوَيْلَ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ} وهم كلُّ مَن غلظ قلبه، وجفا عن قبول ذكر الله، الذي حقه أن تنشرح له الصدور. [ ٢٣]اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ) القرآن، وسماه حديثًا لأن النبي وَلِيته كان يحدِّث به قومه، ويخبرهم بما ينزل عليه منه [وهو أحسن الأحاديث لما فيه من البركات] (كِتَابًا مُتَشَابِهًا) أي: يشبه بعضه بعضًا في الحسن والإحكام وصحة المعاني، وقوة المباني، وبلوغه إلى أعلى درجات البلاغة (مَثَانِيَ) أي: التلارة فلا يمل سادتك ولا يسام تارله «تَقْشَمَرُ مِنَةُ جُلُوْدُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) يقال: اقشعرَّ جلده إذا تقبَّض وتجمَّع من الخوف [أو البرد]. قال الزجاج: إذا ذكرت آيات العذاب اقشعرت جلود الخائفين لله (ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ* أي: إلى ذكر رحمته وثوابه وجنته، قال قتادة: هذا نعت أولياء الله، نعتهم بأنها تقشعرُّ جلودهم ثم تطمئن قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم، إنما ذلك في أهل البدع، وهو من الشيطان. [٢٤] (أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) يعني: أهو كمن هو آمنٌ لا يعتريه شيء من ذلك، ولا حتاج إلى الاتقاء بل هو سالم من كل سوءٍ مطمئن في جنّة اللّٰه ونعيمها ورضوان اللّٰه تعالى (وَقِيلَ لِلظالِمِينَ ذَوقَوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ). [٢٥] (كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي: من قبلِ الكفار المعاصرين لمحمد وَلِلي كلذبوا رسلهم ( فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ) أي: من جهة لا يحتسبون إتيان العذاب منها، وذلك عند أمنهم وغفلتهم [٢٦] ( فَأَذَاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ) أي: الذلَّ والهوان (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) بالمسخ والخسف والقتل والأسر وغير ذلك (وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ) لكونه في غاية الشدة مع دوامه (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) أي: لو كانوا ممن يعلم ويتفكر ويعمل بمقتضى علمه. [٢٧] (مِنْ كُلِ مَثَلِ) أي: من كل مثل يحتاجون إليه في أمر دينهم ( لَعَلَّهُمْ يَتَّذَكَّرُونَ) يتعظون فيعتبرون. [٢٨] (قُرْآنًا عَرَبِيًّا) [أي ١٠٠ ان عربي مبين] (غَيْرَ ذِي عِوَج) لا اختلاف فيه بوجه من الوجوه، ولا تضاد، ولا شكّ، ولا لبس فيه، وقيل: غير ذي لحن، واللحن: الخطأ من حيث اللغة. [٢٩] (رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ) أي: ضرب للمشرك الذي يعبد أكثر من إله: رجلًا، أي: عبدًا مملوكًا يملكه عدد من الرجال مختلفون فيما بينهم متشاكسون، أي: متعاسرون (وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ) أي: وضرب للموحِّد مثلا: عبدًا لرجل واحد يملكه ملكًا خالصًا لا شريك له فيه {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا ) المعنى: هل هذا الذي يخدم جماعة شركاء، أخلاقهم مختلفة، ونياتهم متباينة، يستخدمه كل واحد منهم غير راضٍ بخدمته، هل يستوي هو وهذا الذي يخدم واحدًا لا ينازعه غيره، إذا أطاعه رضي عنه، وإذا عصاه عفا عنه. فإن بين هذين من الاختلاف الظاهر الواضح ما لا يقدر عاقل أن يتفوَّه باستوائهما، فهذا مَثَلُ من يعبد اللّٰه وحده ومثل من يعبد الهة متعددة. [٣٠](إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيّتُونَ) نُعِيَتْ إلى النبي لَلِية نفسه، ونُعِيَتْ إليهم أنفسهم. ففي الآية الإعلام للصحابة بأنه يموت، فقد كان بعضهم ٠م:ة!. أنه لا يموت [وفيها حث لكفار صفحة 462 قريش على انتهاز الفرصة، والمسارعة إلى الإيمان، والأخذ عن النبي وَالِياه لأن إقامته فيهم قليلة، وليس خالدًا بينهم]. [٣١] (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) أي: إنك تخاصمُهم يا محمد، وتحتج عليهم بأنك قد بلغتهم وأنذرتهم، وهم يخاصمونك. أو يخاصم المؤمن الكافر، والظالم المظلوم. [٣٢] (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ) أي: لا أحد أظلم ممن كذب على الله، فزعم أن له ولدًا أو شريكًا أو صاحبة (وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ) وهو ما جاء به رسول الله وَالِيِي من دعاء الناس إلى التوحيد، وأمرهم بالقيام بفرائض الشِرع، ونهيهم عن محرَّماته، وإخبارهم بالبعث والنشور (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوَى لِلْكَافِرِينَ) المثوى: مكان الإقامة والسكنى. [٣٣] (وَالَذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ) وهو عبارة عن رسول (وَصَدَّقَ بِهِ) عبارة عمن تابعه ( أُولَتِكَ هُمُ اللّٰه وَلِّه الْمُتَّقُونَ) وقيل: الذي جاء بالصدق رسول اللّٰه وَلِليه والذي صدق به أبو بكر، وقيل: إن ذلك في كل من دعا إلى توحيد اللّه، وأرشد إلى ما شرعه لعباده. [٣٤] (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ) من رفع الدرجات، ودفع المضرات، وتكفير السيئات، ونُزُل الجنات (ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ) أي: الذين أحسنوا في أعمالهم. وقد ثبت في الصحيح عن رسول اللّٰه وَالِيِ قال: ((الإحسان أن نعبد اللّٰه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». [٣٥] ( لِيُكَفَّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا) وإذا غفر لهم ما هو الأسوأ مِن أعمالهِم غفر لهم ما دونه بطريقة الأولى (وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ) يجزيهم بالمحاسن من أعمالهم، ولا يجزيهم بالمساوي. [٣٦] أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ) المراد: النبي ولَلِلِهِ {وَيُخَوَّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) أي: فلا تخف مما يخوفونك به من الهتهم وجنودها، فإن اللّٰه قادر على أن يحميك مما بضرك، وليس عند آلهتهم نفع ولا ضرر (وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) أي: من حَقَّ عليه القضاء بضلاله فما له من هاد يهديه إلى الرشد ويخرجه من الضلالة. [٣٧] (وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلَّ) يخرجه من الهداية، ويوقعه في الضلالة (أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزِ) أي: غالبِ لكل شيء، قاهر له (ذِي انْتِقَامِ ) ينتقم من عصاته بما يصبُّه عليهم من عذابه، وما ينزل به ٠.. وط عقابه. [٣٨] (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ الله* ذكر سبحانه اعترافهم إذا سئلوا عن الخالق بأنه هو اللّٰه سبحانه، مع عبادتهم للأوثان، فكيف استحسنت عقولهم عبادة أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرِّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ) هل تقدر على كشف ما أراده اللّٰه بي من الشدة (أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ)) عني بحيث لا تصل إليَّ، والرحمة: النعمة والرخاء (قُلْ حَسْبِيَ اللهُ ) أي: هو يكفيني في جميع أموري في جلب النفع ودفع الضر (عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) أي: عليه لا على غيره يعتمد المعتمدون. [٣٩] (قُلْ يَا قَوْم اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ) أي: على حالتكم التي أنتم عليها (إِنَّي عَامِلٌ) أي: على حالتي التي أنا عليها (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ). [٤٠] (مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ) أي: يهينه ويذله في الدنيا بعد افتخاره واستكباره، فيظهر عند ذلك أنه المبطل وخصمه المُحِقُّ (وَيَحِلّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ) أي: دائم مستمر في الدار الآخرة، ٠ه. عذاب النار. صفحة 463 [٤١] {إِنَّا أَنَّزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ) أي: لأجلهم، ولبيان ما كلِّفوا به (فَمَن اهْتَدَى) عرف طريق الحق وسلكها (فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ) عنها (فَإِنَّمَا يَضِلَّ عَلَيْهَا) أي: على نفسه، فضرر ذلك عليه لا يتعدَّى إلى غيره (وَمَا أَنَّتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) أي: لستَ بمكلف بهدايتهم ولا بمخاطب بها، بل عليك البلاغ، وقد فعلت. وهذه الآيات منسوخة بآية السيف، فقد أمر اللّٰه رسوله بعد هذا أن يقاتلهم حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويعملوا بأحكام الإسلام. [٤٢] (اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) أي: يقبضها عند حضور أجلها ويخرجها من الأبدان (وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا) أي: ويتوفى الأنفس التي لم تمت، أي: لم يحض أجلها، يتوفاها في منامها (فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ) ولا يردها إلى الجسد الذي كانت فيه (وَيُرْسِلُ الْأَخْرَى) وهي النائمة، بأن يعيد عليها إحساسها، وقد اختلف العقلاء في النفس والروح هل هما شيء واحد أو شيئان (إِنَّ فِي ذَلِكَ) التوفي والإمساك والإرسال للنفوس (لَآيَاتٍ) عجيبة بديعة دال على القدرة الباهرة (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) في ذلك ويتدبرونه، ويستدلون به على توحيد اللّٰه وكمال قدرته، فإن في هذا التوفي والإمساك والإرسال موعظة للمتعظين، وتذكرة للمتذكرين. أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلِيهة ( إذا أوى أحدكم إلى فراشه، فلينفض بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خَلَفَه عليه، ثم ليقل: باسمك ربي وضعت جنبي، وباسمك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)). [٤٣] (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ أي: بل هل اتخذوا من دون اللّٰه آلهة شفعاء تشفع لهم عند اللّٰه (قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ) [أي: كيف تخذونهم شفعاء لكم عند اللّه وهم لا يملكون شفاعة ولا غيرها، حتى وهم لا يعقلون شيئا من شفاعة أو غيرها] بل ولا يعقلون شيئًا من الأشياء؛ لأنهم جمادات لا عقل لها. [٤٤] (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا ) فليس لأحد منها شيء إلا أن يكون الشافع من يرضاه الله، والمشفوع له ممن يأذن اللّه بالشفاعة له. [٤٥] (وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) إذا قيل لهم: لا إله إلا الله، انقبضوا ونفروا، ثم ذكر سبحانه استبشارهم بذكر أصنامهم، فقال: (وَإِذَا ذُكِرَ الَذِينَ مِنْ دُونِهِ) وهم الآلهة ال.....ة كاللات والعزى، (إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) أي: يفرحون بذلك ويبتهجون به. [٤٦] (أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) تجازي المحسن بإحسانه، وتعاقب المسيء بإساءته، فإنه بذلك يظهر من هو المُحِقُّ ومن هو المبطل، ويرتفع عنده خلاف المختلفين وتخاصم المتخاصمين. أخرج مسلم وأبو داود عن عائشة قالت: ((كان رسول اللّٰه وقليم إذا قام من الليل افتتح صلاته: ((اللهم رب جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». ٤٧٦] (وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) أي: جميع ما في الدنيا من الأموال والذخائر (وَمِثْلَهُ مَعَهُ) أي: منضمَّا إليه (لَا فْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: من سوء عذاب اللّٰه تعالى لهم جزاء ظلمهم ذلك اليوم (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) أي: ظهر لهم من عقوبات اللّٰه وسخطه وشدة عذابه ما ل ٢٠٠.. في حسابهم، وقال مجاهد: صفحة 464 عملوا أعمالًا توهموا أنها حسنات فإذا هي سيئات. [٤٨] (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا) أي: مساوي أعمالهم، من الشرك وظلم أولياء اللّٰه (وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) من الإنذار الذي كان ينذرهم به رسول اللّه وَلِ له [٤٩] (فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرُّ دَعَانَا) شأن الإنسان أنه إذا مسه ضر من مرض أو فقر أو غيرهما، دعا اللّٰه وتضرع إليه في رفعه ودفعه (ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا) أي: أعطيناه نعمة من عندنا (قَالَ إِنّمَا أوتِيتُهُ عَلَى عِلَم) أي: على علم مني بوجوه المكاسب، أو على خير عندي، أو على علم من اللّٰه بفضلي (بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ) أي: ليس ذلك الذي أعطيناك لما ذكرت، بل هو محنة لك، واختبار لحالك أتشكر أم تكفر؟ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» أن ذلك استدراج لهم من الله، وامتحان لما عندهم من الشكر أو الكفر، ولذلك يخوضون في نعم اللّٰه بالباطل دون مراقبة للمنعِيم بها. [٥٠] (قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي: قال هذه الكلمة، وهي قولهم: إنما أوتيته على علم، الذين من قبلهم، كقارون وغيره (فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) لم يغن عنهم ما كسبوا من متاع الدنيا شيئًا. [٥١] (فَأْصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا) أي: جزاء سيئات كسبهم (وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ) الموجودين من الكفار (سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا) كما أصاب من قبلهم، من القحط والقتل والأسر والقهر (وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ) أي: بفائنين على الله، بل مرجعهم إليه، يصنع بهم ما شاء من العقوبة. [٥٢] (أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ) أي: يوسع الرزق لمن يشاء أن يوسعه له (وَيَقْدِرُ) أي: يقبضه لمن يشاء أن يقبضه ويضيقه عليه (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ) الدلالات عظيمة وعلاماتٍ جليلة (لِقَوْم يُؤْمِنُونَ). [٥٣] (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنَّفُسِهِمْ) المراد بالإسراف: الإفراط في المعاصي والاستكثار منها (لا تَقْنَطُوا) أي: لا تيأسوا (مِنْ رَحْمَةِ اللهِ) أي: من مغفرته. وهذه الآية أرجى آية في كتاب الله؛ لاشتمالها على أعظم بشارة، فإنه أولًا أضاف العباد إلى نفسه لقصد تشريفهم ومزيد تبشيرهم، ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي والاستكثار من الذنوب، ثم عقّب ذلك بالنهي عن القنوط من الرحمة لهؤلاء المستكثرين من الذنوب، فالنهي عن القنوط للمذنبين غير المسرفين من باب الأولى وبفحوى الخطاب، ثم جاء بما لا يبقى بعده شك، فقال: (إِنَّ انَّ بَذْهُ الذُّنُوبَ) يغفر كل ذنب كائنًا ما كان إن شاء، إلا الشرك الذي لم يتب منه صاحبه لقوله تعالى: (إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) ثم أكد ذلك بقوله (جَمِيعًا) فيا لها من بشارة ترتاح لها قلوب المؤمنين المحسنين (إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) أي: كثير المغفرة والرحمة عظيمهما بليغهما واسعهما، فمن ظنَّ أن تقنيط عباد الله وتيئيسهم من رحمته أولى بهم مما بشرهم اللّٰه به [كما يفعله كثير من الوُعَّاظ ]، فقد ركب أعظم الشطط، وغلط أقبح الغلط. [٥٤] (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبَّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ) لما بشرهم سبحانه بأنه يغفر الذنوب جميعًا، أمرهم بالرجوع إليه، بفعل الطاعات واجتناب المعاصي، والاستسلام لأمره، والخضوع لحكمه (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ) أي: عذاب الدنيا والآخرة. [٥٥] (وَتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبَكُمْ} يعني: القرآن، أحلوا حلاله وحرموا حرامه، والتزموا طاعته واجتنبوا معاصيه. والقرآن كله حسن. وقيل: المراد بأحسنه المحكمات دون المتشابهات، وقيل: العفر ٧١ .١٠٠نتقام بما يحق فيه الانتقام، صفحة 465 فالانتقام جائز، والعفو جائز، والآية تحث على العفو [وكذلك كل أمر فيه فاضل وأفضل منه من عبادة وغيرها] (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) أي: من قبل أن يفاجئكم العذاب وأنتم غافلون عنه لا تشعرون به، وقيل: أراد أنهم يموتون بغتة فيقعون في العذاب. [٥٦] (أَنْ تَقُولَ نَفْسُ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبٍ اللهِ) أي: حذرًا أن تقول النفس الكافرة: يا حسرتي على ما قصرتُ في طاعة الله، وما فرطت في الإيمان بالله، وبالقرآن والعمل به. وقال الفراء: أي: في قرب اللّٰه وجواره (وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ) المستهزئين بدين اللّٰه في الدنيا، لم بكفه أن ضيع طاعة اللّٰه حتى سخر من أهلها. [٥٧](أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) أي: لو أن اللّٰه أرشدني إلى دينه لكنت ممن يتقي الشرك والمعاصي [٥٨] (أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً) أي: رجعة إلى الدنيا (فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) المؤمنين بالله الموحدين له، المحسنين في أعمالهم. [٥٩] (بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ) المراد: الآيات التنزيلية وهي القرآن [أي: وقد كنت متمكنا من التصديق والمتابعة، فلماذا طلب الرجعة إلى الدنيا الآن؟]. [٦٠](وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ» حين ادعوا بأن له شركاء وصاحبة وولدًا (وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) لما أحاطِ بهم من العذاب، وشاهدوه من غضب اللّٰه ونقمته (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوى لِلْمُتَكَبِّرِينَ) أي: إن في جهنم مسكنًا ومقامًا للمتكبرين عن طاعة الله، والكبر: هو بطر الحق وغمط الناس، كما ثبت في الحديث الصحيح. [٦١] (وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا) أي: اتقوا الشرك ومعاصي اللّٰه (بِمَفَازَتِهِمْ) ينجيهم اللّٰه بفوزهم: أي بنجاتهم من النار وفوزهم بالجنة (لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) أي: ينفي السوء والحزن عنهم. [٦٢] اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) من الأشياء الموجودة في الدنيا والآخرة، كائنًا ما كان، من غير فرق بين شيء وشيء (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) فهو القائم بحفظها وتدبيرها من غير مشارك له. [٦٣] (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) وهي مفاتيح السماوات والأرض والرزق ١١٠ حمة [أو هي عبارة عن تصريفهما وتدبير الأمور فيهما، لا يفتات عليه أحد فيهما]. [٦٤] (قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ) أمره اللّٰه سبحانه أن يقول هذا للكفار لما دعوه إلى ما هم عليه من عبادة الأصنام، وقالوا: هو دين آبائك. [٦٥] (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ) أي: من الرسل، أي: قيل لكل واحد منهم (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) والشرك إذا كان موجبًا لإحباط عمل الأنبياء، على الفرض والتقدير، فهو محبط لعمل غيرهم من أممهم بطريق الأولى. [٦٦]بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ» أي: اعبده وحده، ولا تعبد معه أحدًا سواه (وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) أي: المثنين على اللّٰه بنعمه. [٦٧] (وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقِّ قَدْرِهِ) أي: ما عظموه حق تعظيمه (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: يقبض عليها بيده (وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة، سمعت رسول اللّٰه وَالِية يقول: ((يقبض اللّٰه الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا المااء،، أ... ملوك الأرض؟)). صفحة 466 [٦٨] (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) هذه هي النفخة الأولى، والصور: هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل فيموت من الفزع وشدة الصوتِ أهل السماوات والأرض. والصعق: الموت في الحال (إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ ) [قيل: المستثنى هو إسرافيل نفسه، ثم يموت بعد ذلك] (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أَخْرَى) أي: نفخة أخرى (فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) يعني: الخلق كلهم قيام على أرجلهم ينتظرون ما يقال لهم، أو ينظرون ذلك بأعينهم. [٦٩] (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا) فإن اللّٰه نور السماوات والأرض. وقيل المعنى: أن الأرض أضاءت وأنارت بما أقامه اللّٰه من العدل بين أهلها، وما قضى به من الحق بين عباده (وَوُضِعَ الْكِتَابُ) يعني: الكتب والصحف التي فيها أعمال بني آدم، فآخذ بيمينه، وآخذ شماله، وُضِعَتْ للحساب (وَجِيءَ بِالنَّبِينَ) أي: جيء بهم إلى الموقف فسئلوا عما أجابتهم به أممهم (وَالشُّهَدَاءِ) الذين يشهدون على الأمم من أمة محمد وَلاليم. أو الشهداء الذين استشهدوا في سبيل الله، فيشهدون يوم القيامة بالبلاغ على من بلغوه فكذّب بالحق (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ» أي: وقضي بين العباد بالعدل والصدق (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) أي: لا ينقصون من ثوابهم، ولا يزاد على ما يستحقونه من عقابهم، وجزاؤهم على قدر أعمالهم. [٧٠] (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ) من خير وشر (وَهُوَ) أي: اللّٰه ( أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ) في الدنيا، لا يحتاج إلى كاتب ولا حاسب ولا شاهد، وإنما وضع الكتاب وجيء بالنبيين والشِهداء لتكميل الحجة، وقطع المعذرة. [٧١] (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا) أي: سيق الكافرون إلى النار، جماعات متفرقة، بعضها يتلو بعضًا، لكل جماعة قائد هو رأسهم في الكفر وداعيتهم إليه (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ) ليدخلوها، وهي سبعة أبواب (وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا) من الملائكة حفظة النار والقائمين عليها {أَلَمْ يَأْنِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ) أي: من أنفسكم (يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبَكُمْ ) التي أنزلها عليهم (وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا) أي: بخوّفونكم لقاء هذا اليوم الذي صرتم فيه (قَالُوا بَلَى ) أي: قد أنننا الرسل بآيات الله، وأنذرونا بِمَا سنلقاه (وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ) فلما اعترفوا هذا الاعتراف: ٧٢] (قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ) التي قد فتحت لكم لتدخلوها (خَالِدِينَ) مقدرًا ١> فبها من قبل اللّٰه الخلود (فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) أي: بئس المثوى لهم، أي: المسكن الدائم، جهنم. ٧٣] (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا) أي: ساقتهم الملائكة سوق إعزاز وتشريف وتكريم (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) لاستقبالهم (وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) أي: سلامة لكم من كل آفة (طِبْتُمْ) في الدنيا فلم تتدنسوا بالشرك والمعاصي (فَادْخُلُوهَا) أي: ادخلوا الجنة (خَالِدِينَ) لا يلحقكم موت فيها ولا فناء. [٧٤] (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ) بالبعث والثواب بالجنة (وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ) أي: أرض الجنة، كأنها صارت من غَيْرِهم إليهم فملكوها وتصرفوا فيها، [فيرث اهل الجنة عن اهل النار مقاعدهم في الجنة، ويرث اهل النار عن أهل الجنة مقاعدهم في النار] (نَتَبَوَّأ مِنَ الْجَنَّ حَيْثُ نَشَاءُ) أي: نتخذ فيها من المنازل ما نشاء حيث نشاء (فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) أي: فنعم أجر العاملين الجنة. [٧٥] (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ) أي: محيطين لحدقين به (يُسَبِّحُونَ بِحَدْا بَنِّه :) أي: حال كونهم مسبحين صفحة 467 الله تسبيحًا متلبسًا بحمده (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ» أي: بين العباد بإدخال بعضهم الجنة، وبعضهم النار، وقيل المعنى: ضي بين النبيين الدين جِيء بهم من الشهداء وبين اممه الحق (وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ العَالَمِينَ ) القائلون: ه المؤمنون، حمدوا اللّٰه على قضائه بينهم وبين أهل النار بالحق، وقيل: القائلون هم الملائكة، حمدوا اللّٰه تعالى على عدله في الحكم، وقضائه بين عباده بالحق، وعلى إتمام الأمر بإدخال أهل الجنة في منازلهم، وأهل النار في منازلهم. تفسير سورة غافر وتسمى أيضًا سورة المؤمن. [١] حم) هذا من الحروف المقطعة في فواتح السور، وتقدم الكلام فيها في أول سورة البقرة. [٢] ( تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) المعنى: أن القرآن منزل من عند اللّٰه ليس بكذب عليه، والعزيز: الغالب القاهر، والعليم: البالغ العلم بخلقه وما يقولونه ويفعلونه. [٣] (غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ) المعنى: أنه تعالى غافر الذنب لأوليائه وقابل توبتهم وشديد العقاب لأعدائه (ذِي الطَّوْلِ) أي: ذي الإنعام على عباده والتفضل عليهم بما لم يكن حقّا لهم، بل محض إحسانه تعالى (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ)) أي: الرجوع، لا إلى غيره، وذلك في اليوم الآخر. [٤] ( مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: ما يخاصم في دفع آيات اللّٰه وتكذيبها إلا الذين كفروا. والمراد: الجدال بالباطل والقصد إلى دحض الحق، فأما الجدال لاستيضاح الحق ورفع اللبس، ورد الضالين بالجدال إلى الحق، فهو من أعظم ما يتقرب به المتقربون، قال اللّٰه تعالي: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَا بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ) (فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلَّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ) نهى رسوله وَلاله عن أن يغتر بشيء من حظوظهم الدنيوية، كالتجارة في البلاد، وما بحصَلونه من الأرباح، ويجمعونه من الأموال، فإنهم معاقبون عما قليل، وإن أمهلوا فإنهم لا يهملون. [٥] ( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحِ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ ) أي: وكذبت الاحزاب الذين تحزبواَ على الرسل من بعد قوم نوح كعاد وثمود (وَهَمَّتْ كُلّ أمَّةٍ برَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ) أي: همت كل أمة من تلك الأمم المكذبة برسولهم الذي أرسل إليهم ليتمكنوا منه فيحبسوه ويعذبوه ويصيبوا ١٠٨٠٠ أ.ادوا (وَجَادَلَوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ) أي: خاصموا رسولهم بالباطل من القول ليدحضوا به الحق، أي: ليزيلوه وليبطلوا الإيمان (فَأْخَذْتُهُمْ) أي: فأخذت هؤلاء المجادلين بالباطل [قبل أن يأخذوا رسولهم] (فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ ) أي: عقابي الذي عاقبتهم به. [٦] (وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) المعنى: وكما حقت كلمة العذاب على الأمم المكذبة لرسلهم حقت على الذين كفروا بك يا محمد، وجادلوك بالباطل، وتحزبوا عليك (أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ) أي: وتلك الكلمة هي أنهم مستحقون للنار. الّذينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشِ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلّذِينَ آمَنُوا) أي: إن الملائكة الذين هم حملة العرش وهم أعلى طبقات الملائكة، وكذلك الملائكة الذين هم حول العرش، ينزهون اللّٰه متلبسين بحمده على نعمه، ويؤمنون بالله ويستغفرون اللّٰه لعباده المؤمنين به، يقولون: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا) أي: وسعت رحمتك وعلمك كل شيء (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ) أي: الذين حصلت منهم التوبة عن الذنوب واتبعوا سبيل الله، وهو دين الإسلام (وَقِهِمْ عَذَاءَ ، الْجَحِيمِ) أي: احفظهم منه. صفحة 468 [٨] (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ) إياها (وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرَّيَّاتِهِمْ ) أي: وأدخل معهم من صلح من هؤلاء من كان مؤمنًا موحدًا قد عمل الصالحات، تكميلًا لنعمتك عليهم، وتمامًا لسرورهم. [٩] (وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ) أي: احفظهم من العذاب على ما عملوا من الأعمال السيئة، بأن تغفرها لهم ولا تؤاخذهم بشيء منها، وقهم ما يسوؤهم من العذاب (وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ) أي: يوم القيامة «فَقَدْ رَحِمْتَهُ) من عذابك وأدخلته جنتك. [١٠ ](إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) أي: يقول كل إنسان من أهل النار لنفسه: مقتُّك في الدنيا يا نفس، فتقول الملائكة لهم وهم في النار: إن مقت اللّٰه إياكم في الدنيا (إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ) أكبر من مقتكم لأنفسكم إذ عاينتم النار . ١١] (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ) المراد بالإماتتين: أنهم كانوا نطفًا لا حياة لهم، في أصلاب آبائهم، ثم أماتهم بعد أن صاروا أحياء في الدنيا، والمراد بالإحياءتين: أنه أحياهم الحياة الأولى في الدنيا، ثم أحياهم عند البعث (فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا)) التي أسلفناها في الدنيا من تكذيب الرسل، والإشراك بالله، وترك توحيده. فاعترفوا حيث لا ينفعهم الاعتراف، وندموا حيث لا ينفعهم الندم (فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ) أي: هل تُيَسِّر لنا طريقًا كيفما كانت لنتمكن من الخروج من النار والرجوع إلى الدنيا؟ [١٢ ] (ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ ) أي: ذلك الذي أنتم فيه من العذاب بسبب أنكم كنتم إذا دعي اللّٰه في الدنيا وحده دون غيره كفرتم به وتركتم توحيده (وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ) غيره من الأصنام أو غيرها (تُؤْمِنُوا) بالإشراك به وتجيبوا الداعي إليه ( فَالْحُكْمُ لِلَّهِ) وحده دون غيره، وهو الذي حكم عليكم بالخلود في النار وعدم الخروج منها (الْعَلِيِّ) المتعالي عن أن يكون له مماثل في ذاته ولا صفاته (الْكَبِيرِ) الذي كبر عن أن يكون له مثل أو صاحبة أو ولد أو شريك. [١٣] (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ) أي: دلائل توحيده وعلامات قدرته (وَيُنَزَّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا) يعني: المطر، فإنه سبب الأرزاق، جمع سبحانه بين إظهار الآيات، وإنزال الأرزاق؛ لأن بإظهار الآيات قوام الأديان، وبالأرزاق قوام الأبدان (وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ) أي: ما بتذكر ويتعظ بتلك الآيات ال ام : ٧١ من يرجع على طاعة الله، بما يستفيده من النظر في ايات اللّٰه. [١٤](فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أي: مخلصين له العبادة التي أمركم بها (وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) ذلك، فلا تلتفتوا إلى كراهتهم، ودعوهم يموتوا بغيظهم ويهلكوا بحسرتهم. [١٥] (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ) أي: هو الذي يريكم آياته، وهو رفيع الدرجات والمعنى: عالي الصفات (ذُو الْعَرْشِ) أي: صاحب العرش، مالكه وخالقه والمتصرف فيه المستوي عليه، وذلك يقتضي علو شأنه وعظم سلطانه (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ) سمى الوحي روحًا؛ لأن الناس يحيون به من موت الكفر، كما تحيا الأبدان بالأرواح (عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) وهم الأنبياء: يختارهم ممن يصطفي من عباده. ومعنى (مِنْ أَمْرِهِ) [أي: من شرائعه التي يوحي بها إلى أنبيائه ليمتثلوا ويسيروا في حياتهم بموجبها] (لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ) أي: لينذر العذاب يوم يلتقي أهل السماوات والأرض في المحشر، ويلتقي الأولون والآخرون. ١٦] (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ) خارجون من قبورهم في العراء لا يسترهم شيء (لَا يَخْذَ عَاَ اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ) من أعمالهم صفحة 469 التي عملوها في الدنيا، ولا يخفى عليه ما تكن صدورهم وما يعلنون (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) أي: إذا حضر كل من في السماوات والأرض، يقول الرب تبارك وتعالى: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) يعني: يوم القيامة، فلا يجيبه أحد، فيجيب تعالى نفسه فيقول: (لِلّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) وقال الحسن: هو السائل تعالى، وهو المجيب حين لا أحد يجيبه، فيجيب نفسه. [١٧] (اليَوْمَ تُجْزَى كُلّ نَفْسِ بِمَا كَسَبَتْ) من خير وشر (لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ) على أحد منهم بنقص من ثوابه أو بزيادة في عقابه (إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) أي: سريع حسابه، لأنه سبحانه لا يحتاج إلى معين؛ لعلمه بكل شيء، فلا يعزب عنه مثقال ذرة. ١٨] (وَأَنَّذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ) أي: يوم القيامة سميت بذلك لقربها (إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ) كأنها تزول عن مواضعها من الخوف حتى تصير إلى الحنجرة ( كَاظِمِينَ ) مغمومين مكروبين ممتلئين غما ( مَا لِلظالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ) أي: قريب ينفعهم {وَلَا شَفِيعِ يُطَاعُ ) في شفاعته لهم. [١٩] (يَعْلَمُ) اللّٰه (خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ) وهي مسارقة النظر إلى ما لا يحل النظر إليه. وقال قتادة: خائنة الأعين الهمز بالعين فيما لا يحب اللّٰه (وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) أي: ما تسره الضمائر من معاصي الله. [٢٠] (وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقَ) فيجازي كل أحد بما بستحقه من خير وشر (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ) أي: [ الأصنام والمعبودات التي يرفع إليها المشركون أكفهم بالدعاء] من دون اللّٰه (لا يَقْضُونَ بِشَيْءِ) لأنهم لا يعلمون شيئًا، ولا يقدرون على شيء. [٢١] {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ) أرشدهم سبحانه إلى الاعتبار بغيرهم، فإن الذين مضوا من الكفار (كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً) أي: أشد من هؤلاء الحاضرين من الكفار وأقوى (وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ) بما عمروا فيها من الحصون والقصور فَأَخَذْهُمُ اللهُ بِذَنُوبهمْ) أي: بسبب ذنوبهم {وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ وَاقٍ) أي: من دافع يدفع عنهم العذاب. [٢٢] (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ) أي: الحجج الواضحة (فَكَفَرُوا) بما جاؤوهم به ( فَأَخَذَهُمُ اللهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ) يفعل كل ما يريده لا يعجزه شيء ( شَدِيدُ الْعِقَابِ) لمن عِصاه ولم يرجع إليه. (٢٣] (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى ١١) دي الآيات التسع التي قد تقدم ذكرها في غير موضع (وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ) أي: حجة بينة واضحة [٢٤](إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ) أي: هو فيما جاء به ساحر وكذاب، وخصهم بالذكر؛ لأنهم رؤساء المكذبين بموسى. [٢٥] (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالحَقَ مِنْ عِنْدِنَا) وهي معجزاته الظاهرة الواضحة (قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ ) لما بعث اللّٰه موسى أعاد فرعون القتل على بني إسرائيل، فكان يأمر بقتل الذكور وترك النساء، [ لما يريده بهن، وكلا الأمرين بلاء مبين]. [٢٦] (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى) اتركوني أقتله (وَلْيَدْعُ رَبَّهُ) أي: الذي يزعم أنه أرسله إلينا، فليمنعه من القتل إن قدرِ على ذلك، فإنه لا رب له حقيقة، بل أنا ربكم الأعلى (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ) الذي أنتم عليه من عبادة غير الله، ويدخلكم في دينه الذي هو عبادة اللّٰه وحده {أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) أي: يوقعٍ بين الناس الخلاف والفتنة [٢٧] (وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبَّكُمْ مِنْ كُلَّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ اس مان . اله يَل من كل متعظم عن صفحة 470 الإيمان بالله، غير مؤمن بالبعث والنشور. ويدخل فرعون في هذا العموم دخولًا أوليًّا، [بل هو المراد بذلك بالقصد الأول]. [٢٨] (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ) قال الحسن: كان قبطيًّا، وهو ابن عم فرعون (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ) أي: بسبب قوله هذا (وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبَّكُمْ ) أي: والحال أنه قد جاءكم بالمعجزات الواضحات، والدلالات الظاهرات، على نبوته وصحة رسالته. ثم تلطف لهم في الدفع عنه، فقال: (وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبُكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} ولم يكن قوله هذا لشك منه، فإنه كان مؤمنًا كما وصفه الله، ومعنى (يُصِبُكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ)، أنه إذا لم بصبكم كله فلا أقل من أن يصيبكم بعضه، وفي بعض ذلك هلاككم (إِنَّ اللّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) هذا من تمام كلام الرجل المؤمن، أي: لو كان موسى مسرفًا كذابًا ما هداه اللّٰه إلى البينات، ولا أيده بالمعجزات، ولو كان كاذبًا على اللّٰه لخذله اللّٰه وأهلكه، فلا حاجة لكم إلى قتله. [٢٩] (يَا قَوْم لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ) ذكَّرهم ذلك الرجل المؤمن بذلك ليشكروا اللّٰه ولا يتمادوا في كفرهم، والظهور على الناس: الغلبة لهم والاستعلاء عليهم، والأرض: أرض مصر (فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللهِ إِنْ جَاءَنَا) أي: من يمنعنا من عذابه ويحول بيننا وبينه عند مجيئه. فلما سمع فرعون ما قاله هذا الرجل من النصح الصحيح جاء بمراوغة يوهم بها قومه أنه لهم من النصيحة والرعاية بمكان مكين، وأنه لا يسلك بهم إلا مسلكًا يكون فيهٍ جلب النفع لِهم، ودفع الضرر عنهم، ولهذا (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى) أي: ما أشير عليكم إلا بما أرى لنفسي (وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) أي: ما أهديكم بهذا الرأي إلا طريق الصواب الذي إذا اتبعتموه لم تضلوا، أخرج أبو نعيم في فضائل الصحابة والبزار عن علي بن أبي طالب أنه قال: ((أيها الناس أخبروني من أشجع الناس؟ قالوا: أنت. قال: أما إني ما بارزت أحدًا إلا انتصفت منه، ولكن أخبروني بأشجع الناس؟ قالوا: لا نعلم، فمن؟ قال: أبو بكر، رأيت رسول اللّٰه وَلِيه و أَخَذَتْهُ قريش، فهذا يجؤه، وهذا يتلتله، وهم يقولون: أنت الذي جعلت آلهتنا إلهًا واحدًا؟ قال: فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر: يضرب هذا، ويَجَأُ هذا، ويتلتل هذا، وهو يقول: ويلكم، أتقتلون ر-ا أ:. بقول ربي الله؟» ثم رفع [عليٌّ] بردة كانت عليه، فبكى حتى اخضلت لحيته، ثم قال: «أنشدكم، أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر؟ فسكت القوم، فقال: ألا تجيبون؟ فوالله لساعة من أبي بكر خير من مثل مؤمن آل فرعون، ذاك رجل يكتم إيمانه، وهذا رجل أعلن إيمانه). [٣٠] (مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ) أي: مثل يوم عذاب الأمم الماضية الذين تحزبوا على أَنبيائهم. [٣١] (مِثْلَ دَأْبِ قَوْمٍ نُوحِ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ) أي: مثل حالهم في العذاب، أو مثل عادتهم في الإقامة على التكذيب (وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ) أي: لا يعذبهم بغير ذنب. [٣٢] (وَيَا قَوْمٍ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ المعنى يوم ينادي بعضهم بعضًا، يستغيث بعضهم ببعض، أو ينادي أهل النار أهل الجنة، وأهل الجنة أهل النار. [٣٣] (يَوْمَ تُوَلِّونَ مُدْبِرِينَ) أي: منصرفين عن الموقف إلى النار، أو فارِّين منها (مَا لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ) يعصمكم من عذا. . اللّه ويمنعكم منه. صفحة 471 [٣٤](وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ) أي: يوسف بن يعقوب عليهما السلام جاءهم بالمعجزات والآيات الواضحات المبينة لدين اللّٰه وشرائعه، من قبل مجيء موسى إليهم، أي: جاء إلى آبائكم (فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكَّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ) من البينات ولم تؤمنوا به (حَتَّى إِذَا هَلَكَ) يوسف (قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا ) فكفروا به في حياته، وكفروا بمن بعده من الرسل بعد موته (كَذَلِكَ يُضِلِّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابُ) مسرف في معاصي اللّٰه مستكثر منها، مرتاب في دين اللّه، شاك في وحدانيته ووعده ووعيده. [٣٥] (الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَنَاهُمْ ) أي: يجادلون في آيات اللّٰه ليبطلوها، بغير حجة واضحة ولا دليل بيّن (كَبْرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا ) أي: ما أكبر ما يمقت اللّٰه والمؤمنون جدالهم هذا؛ لأنه جدال بالباطل لا يستندون فيه إلى أصل، [لأنهم يرومون به إبطال دعوة الله، والتلبيس على من يريد الإيمان] (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتكَبِّرٍ جَبَّارٍ) أي: كما طبع على قلوب هؤلاء المجادلين فكذلك يختم على قلوب جميع المتكبرين الجبارين. [٣٦] (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا) أي: قصرًا مشيدًا (لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ) أي: الطرق. وقال قتادة: هي الأبواب. [٣٧] (أسْبَابَ السَّمَاوَاتِ) أي: أصعد في الصرح [ فأصل إلى السماء، فإذا وصلت إليها بحثت عن الإله الذي يدعي موسى أنه هناك] ( فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى» أي: أنظر إليه، فقد كان موسى أخبره أن اللّٰه في السماء (وَنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا) في ادعائه بأن له إلهًا، أو فيما يدعيه من الرسالة [أظهر الخبيث أنه غير مستيقن بوجود الله، وأنه بزعمه في سبيل البحث عن صحة ذلك، وأنه يظن ألا وجود لله، وسيرى ما هي الحقيقة، كل ذلك ليستخف بعقول قومه، ويوهمهم بما يريد] (وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ) من الشرك والتكذيب، فتمادى في الغي واستمر على الطغيان (وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ) أي: سبيل الرشاد، أي: زين له الشيطان سوء عمله فصده عن سبيل الرشاد (وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ) كيده هو تدبيره الذي دبره ليصرف الناس عن الإيمان بموسى عَاليَّاف، والتباب: الخسار والهلاك. [٣٨] (وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْم اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ) أي: اقتدوا بي في الدين [فإن فعلتم عرفتم الطريق الذي يوصل إلى الخير حقيقة، وينجو من سلك٨ .٢٨. طريق الجنة. [٣٩] (يَا قَوْم إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ) يتمتع بها قليلًا ثم تنقطع وتزول (وَإنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ) لكونها دائمة لا تنقطع، ومستمرة لا تزول. [٤٠] (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا) أي: من عمل في دار الدنيا معصية من المعاصي -كائنة ما كانت- فلا يعذب إلا بقدرها (وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ) أي: من عمل عملًا صالحًا مع كونه مؤمنًا بالله وبما جاءت به رسله (فَأَولَئِكَ) الذين جمعوا بين العمل الصالح والإيمان (يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) أي: رزقًا حسنًا وافرًا بغير تقدير أو محاسبة. وقال مقاتل: يقول: لا تبعة عليهم فيما يعطون في الجنة من الخير. [٤١] (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ ) كرر ذلك الرجل المؤمن دعاءهم إلى الله، وصرَّح بإيمانه، ولم يسلك المسالك المتقدمة من إيهامه لهم أنه منهم. أي: أخبروني عنكم كيف أدعوكم إلى النجاة من النار ودخول الجنة بالإيمان بالله وإجابة رسله (وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ) بما تريدونه مني من الشاء ث. فسر الدعوتين، فقال: صفحة 472 [٤٣] (لا جَرَمَ) أي: ليس الأمر كما تزعمون، بل قد حقَّ وثبت ما أذكره لكم (أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ) أي: حقَّ ووجبَ بطلان دعوة [كل من يدعى من دون الله، فإن كل من يُرفَع إليه الدعاء، من الأصنام والموتى، لا يقدر أن يستجيب لداعيه بأن يصنع له شيئًا مما يطلبه، أو ينفع داعيه بشيء من وجوه النفع]. وقيل: المعنى: ليس له دعوة توجب له الألوهية في الدنيا ولا في الآخرة (وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللهِ) أي: مرجعنا ومصيرنا إليه بالموت أولًا، وبالبعث آخرًا (وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ) أي: المستكثرين من معاصي اللّٰه هم أهل النار الذين يصيرون إليها. [٤٤] (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ) إذا نزل بكم العذاب، وتعلمون أني قد بالغت في نصحكم وتذكيركم (وَأَفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ* أي: أتوكل عليه، وأسلم أمري إليه. قيل: إنه قال هذا لما أرادوا الإيقاع به. قال مقاتل: هرب هذا المؤمن إلى الجبل فلم يقدروا عليه. [٤٥] (فَوَقَاهُ اللهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا) أي: وقاه اللّٰه ما أرادوا به من المكر السيئ، وما أرادوه به من الشر (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ) أي: أحاط بهم ونزل عليهم سوء العذاب، وقد عُذِّبوا في الدنيا جميعًا بالغرق، وسيعذبون في الآخرة بالنار. [٤٦] (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا) ذهب الجمهور أن هذا العرض هو في البرزخ، أي: بعد موتهم وقبل مجيء القيامة، أخرج البخاري ومسلم غيرهما عن ابن عمر قال: قال رسول اللّٰه وَا يه: ((إن أحدكم إذا مات عُرِض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة)) (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) أي: يقال للملائكة: أدخلوا آل فرعون في جهنم إلى المكان الذي العذاب فيه أشد من غيره. [٤٧] (وَإِذْ يَتَحَاجُونَ فِي النَّارِ) يتخاصم أهل النار فيها (فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) عن الانقياد للأنبياء والاتباع لهم، ومِكروا لصدِّ الناس عن الإيمان بهم، وهم رؤساء الكفر (إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا) أي: تابعين لكم، وكنتم قادتنا ورؤساءنا، وقد صدقنا ما كنتم تقولونه لنا، فباتباعنا كم دخلنا النار (فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ) أي: هل تدفعون عنا نصيبًا منها أو تحملونه معنا. [٤٨]«قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلَّ فِيهَا) والمعنى: إنا نحن وأنتم جميعًا في جهنم، فكيف :- ٠كم (إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ) أي: قضى بينهم بأن فريقًا في الجنة، وفريقًا في السعير. [٤٩] (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ) من الأمم الكافرة، مستكبرهم وضعيفهم (لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ) وهم الملائكة القائمون عليها بتعذيب أهل النار (ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمَا مِنَ الْعَذَاب) طلبوا من الملائكة أن يشفعوا لهم لدى اللّه تعالى لتخفيْفِ يسير . [٥٠](قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى) أي: أتونا بها فكذبناهم، ولم نؤمن بهم ولا بما جاءوا به من الحجج. فلما اعترفوا (قَالُوا) أي: قال لهم الملائكة الذين هم خزنة جهنم: (فَادْعُوا) أي: إذا كان الأمر كذلك فادعوا أنتم، أي: فإنا لا ندعو لمن كفر بالله وكذب رسله بعد مجيئهم، بالحجج الواضحة. ثم أخبروهم بأن دعاءهم لا يفيد شيئًا، فقالوا: (وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ) أي: في ضياع وبطلان، فلن يستجاب ٥١] إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا) أي: نجعلهم الغاليين لأعدائهم القاهرين لهم (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) بما عوَّدهم اللّٰه من الانتقام منهم بالقتل والسل ٧١٠٠.. . والقهر (وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) صفحة 473 وهو يوم القيامة. والأشهاد: الملائكة، تشهد للأنبياء بالإبلاغ والأنبياء يشهدون على أممهم. ومعنى نصرهم: أن اللّٰه يجازيهم بأعمالهم فيدخلهم الجنة ويكرمهم بكراماته، ويجازي الكفار بأعمالهم فيلعنهم ويدخلهم النار. [٥٢] (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ) لأنها معذرة باطلة، وتَعِلَّة داحضة، وشبهة زائفة (وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ) أي: البعد عن الرحمة (وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) أي: النار. [٥٣](وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى) أي: آتيناه التوراة والنبوة، قال مقاتل: الهدى من الضلالة، يعني: التوراة (وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيِلَ الْكِتَابَ) التوراة بقيت بعد موسى فيهم، وتوارثوها خلفًا عن سلف. [٥٤] (هُدّى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ) أي: هاديًا ومذكِّرًا لأهل العقول السليمة. [٥٥] (فَاصْبِرْ) على أذى المشركين كما صبر من قبلك من الرسل (إِنَّ وَعْدَ اللهِ) الذي وعد به رسله (حَقٌّ) لا خلف فيه ولا شك في وقوعه (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) لزيادة الثواب، فقد غفر اللّٰه ما تقدم من ذنبه وما تأخر (وَسَبَّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ) أي: دُمْ على تنزيه اللّٰه متلبسين بحمده. وقيل المراد: صلَ في الوقتين صلاة العصر وصلاة الفجر. [٥٦] (إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ) أي: بغير حجة ظاهرة واضحة جاءتهم منَ جهة اللّٰه سبحانه (إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ) تكبر عن الحق بحملهم على تكذيبك (مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ)) أي: تكبر على محمد وَالِيه وطمع أن يغلبوه، وما هم ببالغي ذلك، أو يطلبون أمرًا كبيرًا يصلون به إليك من القتل ونحوه، ولا يبلغون ذلك (فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)) أي: فالتجئ إليه من شرهم وكيدهم وبغيهم عليك، إنه السميع لأقوالهم البصير بأفعالهم، لا تخفى عليه من ذلك خافية. [٥٧]( لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقٍ النَّاسِ) أي: أعظم في النفوس، وأجلَّ في الصدور؛ لعظم أجرامهما، واستقرارهما من غير عمد، وجريان الأفلاك بالكواكب، أي: فكيف ينكرون البعث وإحياء ما هو دونهما من كل وجه، كما في قوله: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) بعظيم قدرة الله. [٥٨] (وَمَا يَسْتَوِي الأَيْءَ الْبَصِيرُ) أي: الذي يجادل بالباطل، والذي يجادل بالحق (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ) أي: ولا يستوي المحسن بالإيمان والعمل الصالح والمسيء بالكفر والمعاصي (قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ) . [٥٩] *إِنّ السَّاعَةَ لَآتِيَة لَا رَيْبَ فِيهَا) أى: لا شك في مجيئه وحصولها (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ) بذلك ولا يصدقونه؛ لقصور أفهامهم وضعف عقولهم عن إدراك الحجة. [٦٠] (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَحِبْ لَكُمْ ) المراد بالدعاء: السؤال بجلب النفع ودفع الضر. والدعاء في نفسه عبادة، بل هو العبادة، كما ورد بذلك الحديث الصحيح. [وهذه الآية ذاتها هي الحجة في ذلك، فإن اللّٰه تبارك وتعالى قال: (ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ) ثم قال: (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي)، أي: عن دعائي. وعلى هذا فمن طلب من الموتى قضاء الحوائج وجلب النفع ودفع الضر، كان قد عبدهم بدعائه ذلك، وظن أنهم يعلمون الغيب، وصرف إليهم ما لا يجوز صرفه إلا لله تعالى] ثم إن دعاء غير اللّٰه لا يفيد الداعي شيئًا، والقادر على إجابة الدعاء هو الله، فالله سبحانه قد أمر عباده بدعائه ١٢٠٠ هم بالإجابة، ووعدُه الحق صفحة 474 (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ) أي: عن دعائي (سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) هذا وعيد شديد لمن استكبر عن دعاء الله، فيا عباد اللّٰه وجّهوا رغباتكم وعوّلوا في كل طلباتكم على من أمركم بتوجيهها إليه، وكفل لهم الإجابة به، فهو الكريم يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ويغضب على من لم يطلب من فضله العظيم وملكه الواسع ما يحتاجه من أمور الدنيا والدين.. ٦١] اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ) من الحركات في طلب الكسب؛ لكونه جعله مظلمًا باردًا يناسب الراحة بالسكون والنوم (وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا) أي: مضيئًا لتبصروا فيه حوائجكم، وتتصرفوا في طلب معايشكم (إِنَّ اللَهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ) يتفضل عليهم بنعمه التي لا تحصى (وَلَكِّنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ) النعم ولا يعترفون بها، إما لجحودهم لها، أو لإغفالهم للنظر وإهمالهم لما يجب من شكر المنعم. [٦٢] ( فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) أي: فكيف تنقلبون عن عبادته وتنصرفون عن توحيده. [٦٣] (كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ) أي: مثل هذا الإفك يؤفك الجاحدون لايات اللّٰه المنكرون لتوحيده، أي: يصرفون عن اتباع الصراط القويم. ٦٤]*اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا) أي: موضع قرار، تستقرون عليها، وتستقر عليها مبانيكم وأمتعتكم وهي ثابتة بكم [على الرغم من كونها متحركة في فلكها بسرعة خارقة] وفيها تحيون وفيها تموتون (وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) أي: سقفًا قائمًا ثابتًا (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ) أي: خلقكم في أحسن صورة: خلقكم أحسن الحيوان كله (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطََّّبَاتِ) أي: المستلذات (ذَلِكُمُ) المنعوت بهذه النعوت الجليلة الله رَبُّكُمْ فَتْبَارَكَ اللَهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) أي: كثر خيره وبركاته. [٦٥] (هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أي: الباقي الذي لا يفنى، المنفرد بالألوهية (فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أي: أخلصوا له الدعاء والعبادة (الْحَمْدُ لِلْهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) عن ابن عباس قال: من قال: لا إله إلا اللّٰه فليقل على آثرها: الحمد لله رب العالمين، وذلك قوله: (فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). [٦٦] (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) وهي الأصنام [والموتى الذين يدعوهم المشركون] الأدلة العقلية (لَمَّا جَاءَنِيَ البَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي) وهي والنقلية، فإنها توجب التو- ١ أَمِرْتُ أَنْ أَسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) أي: استسلم له بالانقياد لأمره والخضوع له. [٦٧](هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابِ) أي: خلق أباكم الأول، وهو آدم، وخلقه من تراب يستلزم خلقً ذريته منه (ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ) قد تقدم تفسير هذا في أول سورتي الحج والمؤمنون {ثَمَّ يُخْرِجُكَمْ طِفْلًا ) أي: أطفالًا، على معنى يخرج كل واحد منكم طفلا ( ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ) وهي الحالة التي تجتمع فيها القوة والعقل. وقد سيق بيان الأشد مستوفى في (سورة الأنعام، الآية: ١٥٢) (ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ) الشيخ من جاوز أربعين سنة (وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ) أي: من قبل الشيخوخة (وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمَّى) أي: وقت الموت أو يوم القيامة (وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) أي: لكي تعقلوا توحيد ربكم، وتعلموا عِظَمَ قدرته البالغة في خلقكم على هذه الأطوار المختلفة. [٦٨] (هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) أي: يقدر على الإحياء والإماتة (فَإِذَا قَضَى أَمْرًا) من الأمور التي يريدها (فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) من غير توقف. ٦٩١] (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ) أي: كيف يصرف المشر c.1 .5. الإيمان بها مع قيام الأدلة صفحة 475 الدالة على صحتها، وأنها في أنفسها موجبة للتوحيد. [٧٠](الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ) بالقرآن أو جنس الكتب المنزلة من عند اللّٰه (وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا) ما يوحى إلى الرسل من غير كتاب ( فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) عاقبة أمرهم ووبال كفرهم. [٧٢-٧١](إِذِ الأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ) في أعناقهم (يُسْحَبُونَ. فِي الْحَمِيمِ) أي: في أعنقاهم الأغلال والسلاسل يسحبون بها في الحميم، والحميم: هو الماء المتناهي في الحرارة (ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ) توقد بهم النار، فصاروا وقودها. ٧٤-٧٣] (ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ) تقول لهم الملائكة تقريعًا لهم وتوبيخًا: (أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ. مِنْ دُونِ اللهِ) أي: أين الشركاء الذين كنتم تعبدونهم من دون الله، ما لهم لا نقذونكم مما أنتم فيه؟ (قَالُوا ضَلّوا عَنَّا) أي: ضاعوا وفقدناهم فلا نراهم (بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا) أي: لم نكن نعبد شيئًا، قالوا هذا لما تبين لهم ما كانوا فيه من الضلالة والجهالة، وأنهم كانوا يعبدون ما لا يبصر ولا بسمع، ولا يضر ولا ينفع، وذاك الذي صدر عنهم اعتراف منهم بأن عبادتهم إياها كانت باطلة (كَذَلِكَ يُضِلّ اللهُ الْكَافِرِينَ) أي: مثل ذلك الضلال يضل اللّٰه الكافرين حيث عبدوا هذه الأصنام التي أوصلتهم إلى النار. [٧٥] (ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ) أي: ذلك العذاب سببه ما كنتم تظهرون في الدنيا من الفرح بمعاصي اللّٰه والسرور بمخالفة رسله وكتبه (وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ) أي: تبطرون وتأشرون. والمرحِ: البطر والخيلاء. ٧٦] (ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا) [أي: يقال لهم هذا بعدما يدخلونها، تبكيتًا لهم وتوبيخًا، وتيئيسًا لهم من إمكانية تفادي العذاب أو الخلاص منه] (فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) عن قبولِ الحق جهنم في ](فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقَّ) أي: وعده بالانتقام منهم كائن لا محالة، إما في الدنيا، أو في الآخرة (فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الّذِي نَعِدُهُمْ) من العذاب في الدنيا بالقتل والأسر والقهر أوْ نَتَوَفِيَنْكَ* قبل أن ترى إنزال العذاب بِهِمْ [فلا تشك في أنه آت لا محالة، وأن النصر في العاقبة دعوة الإسلام] ( فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) يوم القيامة فنعذبهم. [٧٨](وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ) أي: أنبأناك بأخبارهم، وما لقوه من أقوامهم (وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) أي: ١٥ أ. . ١٠١ إليك علم ما كان بينه وبين قومه [والذين ذكرهم اللّٰه في القران من الرسل قريب من خمسة وعشرين رسولا، أما الذين لم يذكروا فيه فأكثر من ذلك، وفي بعض الأحاديث أن الرسل كلهم أكثر من ثلاثمائة رسول] (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) لا من قبل نفسه. والمراد بالآية: المعجزة الدالة على نبوته (فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللهِ) أي: إذا جاء الوقت المعين لأمر اللّٰه بقيام الساعة (قُضِيَ بِالْحَقِّ) فيما بينهم فينجي اللّٰه بقضائه الحق عباده المحقين (وَخَسِرَ هُنَالِكَ) أي: في الوقت (الْمُبْطِلُونَ) الذين يتبعون الباطل ويعملون به [أي: فعليك بالصبر يا محمد، تأسيًا بالأنبياء قبلك، وإذا جاء أمر اللّٰه بالفصل بينك وبين قومك قضي بينكم بالحق، فنُصِرتَ وخسر المبطلون الذين يصدون عن دعوتك]. [٧٩]*اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ) أي: خلقها لأجلكم، وهي الأزواج الثمانية المذكورة في (سورة الأنعام، الآية: ١٤٣)، (لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) والمعنى: لتركبوا بعضها وتأكلوا بعضها. [٨٠] (وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ) أخرى غير الركوب والأكل، من الوبر والصوف والشء ١٠٠١١٥. والسمن والجبن وغير ذلك صفحة 476 (وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ) تحمل أثقالكم من بلد إلى بلد فتقضون حاجاتكم في البلاد البعيدة بيسر وسهولة (وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) أي: على الإبل في البر، وعلى السفن في البحر. ٨١] (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ) أي: دلالاته الدالة على كمال قدرته ووحدانيته (فَأَيَّ آيَاتِ اللهِ تُنْكِرُونَ) فإنها كلها من الظهور وعدم الخفاء بحيث لا ينكرها ذو بصيرة نيرة إن كان منصفًا. [٨٢] (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) من الأمم التي عَصت الله، وكذبت رسلها، فإن الاثار الموجودة في ديارهم تدل على ما نزلِ بهم من العقوبة وما صاروا إليه من سوء العاقبة (كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً) أي: أكثر منهم عددًا، وأقوى منهم أجسادًا، وأوسع منهم أموالًا (وَ) أظهر منهم (آَثَارًا فِي الْأَرْضِ) بالعمائر والمصانع والحرث (فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) أي: لم يغن عنهم كل ما عملوه في دنياهم من الشرك والكيد والمكر، ولا نفعهم قوتهم ومبانيهم في ردِّ أمر اللّٰه عنهم ومؤاخذتهم على ما تجنيه أيديهم من الظلم ومخالفة أمر الله. [٨٣] (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ) أي: بالحجج الواضحات والمعجزات الظاهرات (فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) أي: أظهروا الفرح بما عندهم مما يدعون أنه من العلم، [وهو في حقيقته] من الشبه الداحضة والدعاوي الزائغة. وقيل المراد: ما عندهم من علم أحوال الدنيا لا أحوال الدين كما في قوله: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِنُونَ أي: أحاط بهم جزاء استهزائهم. ٨٤٦] (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا) أي: عاينوا عذابنا النازل بهم (قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ) وهي الأصنام التي كانوا يعبدونها. [٨٥] ( فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا)) أي: عند معاينة عذابنا؛ لأن ذلك الإيمان ليس بالإيمان النافع لصاحبه، فإنه إنما ينفع الإيمان الاختياري لا الإيمان الاضطراري [فإنه عند معاينة الحق لا يبقى للتكليف مجال، فالكل يؤمن حينئذ وهكذا في الآخرة لا ينفع الإيمان لمن آمن عند قيام الساعة ولم بكن آمن في الدنيا] (سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ) والمعنى: أن اللّٰه سبحانه سن هذه السنة في الأمم كلها: أنه لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا العذاب (وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ) أي: وقت رؤيتهم بأس اللّٰه ومعاينتهم لعذا... . ااكافر خاسر في كل وقت، ولكنه يتبين لهم خسرانهم إذا راوا العذاب تفسير سورة فصلت وتسمى أيضًا سورة حم السجدة. [٢] * تَنْزِيل مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) أي: هذا القرآن لنزيل منه تبارك وتعالى رحم [٣] ( كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ) المراد: بينت أحكام حلاله من حرامه، وطاعته من معصيته، وجعلت معانيه مبينة محكمة فهم بيسر وسهولة (قَرْآنَا عَرَبِيَّا) أي: فصلت آياته حال كونه قرآنًا عربيّا، أي: بلغة العرب، ليكون لهم ذكرًا، ويكون عليها حجة، وليكون لهم نعمة (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) أي: يعلمون أن القرآن منزل من عند اللٰه [أما الذين لا يوقنون فلا يكون لهم نعمة بل هو عليهم عمى]. [٤](بَشِيرًا) لأولياء اللّٰه (وَنَذِيرًا) لأعدائه (فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ ) أي: فأعرض أكثر الكفار عما اشتمل عليه من النذارة (فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ) سماعًا ينتفعون به؛ لإعراضهم عنه. [٥]( وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكَنَّه ) أي: في أغطية، فهي لا تفقه ما صفحة 477 تقول، ولا يصل إليها قولك (وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ) أي: صمم (وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ) أي: ساتر يستر عنا رؤيتك، أو بستر صوتك حتى لا نعلم ما تقول. هذه تمثيلات منهم لنبوّ قلوبهم عن إدراك الحق، ومجّ أسماعهم له، وامتناع المواصلة بينهم وبين رسول اللّٰه وَلِلةِ(( فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ) أي: اعمل على دينك، إننا عاملون على ديننا. وقيل المراد: اعمل لآخرتك فإنا عاملون لدنيانا. [٦] (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ) أي: إنما أنا كواحد منكم لولا الوحي، ولم أكن من جنس مغاير لكم حتى تكون قلوبكم في أكنة، ولم أدعكم إلى ما يخالف العقل، وإنما أدعوكم إلى التوحيد. وقد أوحي إليَّ دونكم، فصرت بالوحي نبيًّا ووجب عليكم اتباعي ( فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ) بالطاعة ولا تميلوا عن سبيله (وَاسْتَغْفِرُوهُ) لما فرط منكم من الذنوب (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ) . [٧](الّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) أي: هم يمنعونها ولا يخرجونها إلى الفقراء، ولا ينفقون في الطاعة (وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) جاحدون لها. [٨](إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) أي: غير مقطوع عنهم. وقيل معنى الآية: لا يُمَنُّ عليهم به؛ لأنه إنما يمن بالتفضل، فأما الأجر فحقٌّ أداؤه. [٩](قُلْ أَثِنَّكُمْ لتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) قيل: اليومان هما يوم الأحد ويوم الاثنين. وقيل: المراد مقدار يومين؛ لأن اليوم الحقيقي إنما يتحقق بعد وجود الأرض والسماء (وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا) أي: أضدادًا مساوين له في القدر عندكم (ذَلِكَ)) المتصف بما ذكر هو ( رَبُّ الْعَالَمِينَ) ومن جملة العالمين ما تجعلونها أندادًا لله، فكيف تجعلون بعض مخلوقاته شركاء له في عبادته؟ [١٠](وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ) أي: جبالًا ثوابت (مِنْ فَوْقِهَا) مرتفعة عليها؛ لأنها من أجزاء الأرض (وَبَارَكَ فِيهَا) أي: جعل الأرض مباركة كثيرة الخير، بما خلق فيها من المنافع للعباد (وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا) أي: أرزاق أهلها وما صلح لمعايشهم من الأشجار والمنافع، وجعل في كل بلد ما لم يجعله في الأخرى ليعيش بعضه من بعض بالتجارة والأسفار من بلد إلى بلد في أربعة آيام [منها اليومان الأولان] (سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ) كأنه قيل: هذا الحصر جواب للذين يسألون قائلين في كم خلقت الأرض وما فيها؟ [١١] (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء ) أب: عَمَدَ وقَصَدَ نحوها قصدًا سويًّا، من قولهم: استوى إلى مكان كذا إذا توجه إليه توجهًا لا يلتفت معه إلى عمل آخر (وَهِيَ دُخَانُ) الدخان: ما ارتفع من لهب النار (فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِنْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا) قال المفسرون: قيل لهما: أما أنت يا سماء فأطلعي شمسك وقمرك ونجومك، وأما أنت يا أرض فشقي أنهارك وأخرجي ثمارك ونباتك (قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) أي: أتينا أمرك منقادين، خلق اللّٰه تعالى فيهما الكلام فتكلمتا كما أراد سبحانه، وقيل: هو تمثيل لظهور الطاعة منهما وتأثير القدرة الربانية فيهما. [١٢] (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) أي: خلقهن وأحكمهن وفرغ منهن (فِي يَوْمَيْنِ) فالجملة ستة أيامٍ. قال مجاهدٍ: ويوم من الستة الأيام كألف سنة مما تعدون (وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا) [أي: جعل فيها النظام الذي تجري عليه الأمور فيها]، قال قتادة: أي خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وأفلاكها وما فيها من الملائكة والبحار والبرد والثلوج، (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا)، [أي: كوَّرها] فالأرض متقدمة خلقًا متأخرة دحوًا [والله أعلم] (وَزَيَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ) أي: بكواكب مضيئة متلألثة عليها كتلألو المصابيح (وَحِفْظًا ) أي: خلقنا المصابيح زينة وحفظًا، والمراد: حفظها مر. ..*١١. اطن الذين يسترقون السمع صفحة 478 {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) [أي: هذا النظام البديع هو من ترتيب اللّٰه القادر على صنع كل شيء، الذي يعلم كلٍ شيء]. [١٣] (فَإِنْ أَعْرَضُوا) أي: عن التدبُّر والتفكَّر في هذه المخلوقات، أو عن طاعة هذه الآيات التنزيلية والإيمان بها (فَقُلْ) لهم يا محمد: (أَنْذَرْتُكُمْ) خوَّفتكم ( صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ) المراد بالصاعقة: التي تقتل في الحال. [١٤] (إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ) أي: جاءتهم الرسل المتقدمون والمتأخرون، أما المتأخرون فقد راوهم بانفسهم، وآما المتقدمون فقد بلغ كلامهم، فكان الرسل قد جاءوهم وخاطبوهم بقولهم: (ألَا تَعْبُدُوا إلَّا الله قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَاِئِكَةً لأرسلهم إلينا ولم يرسل إلينا بشرًا من جنسنا { فَإِنَّا بِمَا أَرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) أي: كافرون بما تزعمونه من أن اللّٰه أرسلكم إلينا. [١٥] ( فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) أي: تكبروا عن الإيمان بالله وتصديق رسله واستعلوا على من في الأرض بغير استحقاق (وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) وكانوا ذوي أجسام طوال وقوة شديدة، فاغترُوا بأجسامهم حين تهدَّدهم هود بالعذاب، ومرادهم بهذا القول: أنهم قادرون على دفع ما ينزل بهم من العذاب ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} فهو قادر على أن ينزل بهم من أنواع عقابه ما شاء بقوله: كن، فيكون (وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) أي: بمعجزات الرسل. ١٦] ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا) الصرصر: الشديدة الصوت، وقيل: هي الريح الشديدة البرد، التي تحرق الزروع والأشجار كما تحرقها النار (فِي أَيَّامِ نَحِسَاتٍ) أي: مشؤومات ذوات نحوس، وكانت سبع ليال وثمانية أيام حسومًا، كما ذكر اللّٰه تعالى في سورة الحاقة (لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) الخزي: هو الذل والهوان بسبب ذلك الاستكبار (وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى) أي: أشد إهانة وإذلالًا (وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ) لا يدفعه عنهم دافع. [١٧] (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ) بيَّنَّا لهم سبيل النجاة، ودللناهم على طريق الحق، بإرسال الرسل إليهم، ونصب الدلالات لهم من مخلوقات اللّٰه (فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) أي: اختاروا الكفر على الإيمان، واختاروا المعصية على الطاعة ( فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ) [الصاعقة: النار التي تقتل من. أ- ١.-ه فورًا] وعذاب الهون هو العذاب المهين (بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) أي: بسبب كسبهم ولم يظلمهم اللّٰه تعالى. [١٨ ] (وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) وهم صالح ومن معه من المؤمنين. [١٩] (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللهِ إِلَى النَّارِ) أي: يساقون جميعًا إليها بعنف [وأعداء اللّٰه تعالى: كل من كذب رسله واستكبر عن عبادته] (فَهُمْ يُوزَعُونَ) أي: يحبس أوَّلهم على آخرهم ليتلاحقوا ويجتمعوا. [٢٠] (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) في الدنيا من المعاصي، تنطق جوارحهم بما كتمت الألسن من عملهم بالشرك، والجلود:هي جلودهم المعروفة، وقيل: هي كناية عن الفروج. [٢١] (وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْء أي: أنطق كل شيء مما ينطق من مخلوقاته، فإنه كما أنطق الألسن في الدنيا، فكذلك أنطقنا في الاخرة، فشهدنا عليكم بما عملتم من القبائح (وَهُ خَاَمَكُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) صفحة 479 المعنى: أن من قدر على خلقكم وإنشائكم ابتداء قدر على إعادتكم ورجعكم إليه. [٢٢] (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ ) قيل: هذا من كلام اللّٰه سبحانه، أو من كلام الجلود: أي: ما كنتم تستخفون عند الأعمال القبيحة حذرًا من شهادة الجوارح عليكم. ولما كان الإنسان لا يقدر على أن يستخفي من جوارحه عند مباشرة المعصية كان معنى الاستخفاء هنا: ترك المعصية خوفًا من هذه الشهادة (وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ) من المعاصي فاجتر أتم على فعلها. [٢٣] ( وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبَّكُمْ أَرْدَاكُمْ ) المعنى: أن ظنكم بأن اللّٰه لا يعلم كثيرًا مما تعملون جرَّ أكم على المعصية، فتسار عتم فيها، وذلك أهلككم وطرحكم في النار. [٢٤] (فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوَى لَهُمْ) أي: محل استقرارهم وإقامتهم لا خروج لهم منها (وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ) المعنى: أنهم إن يسألوا أن يُرْجَع بهم إلى ما يحبون لم يرجع؛ لأنهم لا يستحقون ذلك، وإن يطلبوا الرضى لم يقع الرضى عنهم، بل لا بد لهم من النار. [٢٥] (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ) أَتَحْنَا لهم قرناء من الشياطين بمنزلة الأخلاء لهم حتى أضلوهم (فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) من أمور الدنيا وشهواتها، وحملوهم على الوقوع في معاصي اللّٰه بانهماكهم فيها، وزينوا لهم ما خلفهم من أمور الآخرة، فقالوا: لا بعث ولا حساب، ولا جنة ولا نار (وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ» ثبت عليهم العذاب (فِي أُمَمِ) من الأمم الكافرة التي (قَدْ خَلَتْ) ومضت (مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) على الكفر {إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ) لأنفسهم [ بتكذيبهِم وسوء أفعالهم، ولم يربحوا شيئًا ]. [٢٦] (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ) أي: قال بعضهم لبعض: لا تنصتوا له، وقيل: لا تطيعوه (وَالْغَوْا فِيهِ) أي: عارضوه باللغو والباطل، أو ارفعوا أصواتكم ليتشوش القارئ له، أو الغوا فيه بالمكاء والتصدية والتصفيق والتخليط (لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) لكي تغلبوهم فيسكتوا. [٢٧] (فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا) هذا وعيد جميع الكفار (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ) أي: ولنجزينهم في الآخرة جزاء أقبح أعمالهم التي عملوها في الدنيا وهو الشرك. وقيل ال. : يجازيهم بمساوئ أعمالهم لا بمحاسنها كما يقع منهم من صلة الأرحام وإكرام الضيف؛ لأن ذلك باطل لا أجر لهم فيه مع كفرهم. ٢٨] (لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ) دار الإقامة المستمرة التي لا انقطاع لها (جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) أي: يجزون ذلك بسبب جحدهم القران، يجحدونِ أنه من عند الله. [٢٩]{وَقَالَ الّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أرِنَا الّذَيْنِ أضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) طلبوا من اللّٰه سبحانه أن يريهم من أضلهم من فريقي الجن والإنس من الشياطين الذين كانوا يسوَلون لهم الكفر ويزينون لهم المعاصي، ومن الرؤساء الذين كانوا يزينون لهم الكفر (نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا)) أي: لكي ندوسهما بأقدامنا لنتشفي منهما (لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ) فيها مكانًا، أو ليكونا من الأذلَين المهانين. [٣٠] (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ) أي: وحده لا شريك له (ثُمَّ اسْتَقَامُوا) على التوحيد، ولم يلتفتوا إلى إله غير الله، واستقاموا على أمر اللّٰه وشرائعه، فعملوا بطاعته، واجتنبوا معصيته، حتى ماتوا ( تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ) من عند اللّٰه سبحانه بالبشرى التي ير ١٠ هذا صفحة 480 قال مجاهد: ذلك عند الموت. وقال قتادة: إذا قاموا من قبورهم للبعث (أَلَّا تَخَافُوا) مما تقدمون عليه من أمور الآخرة (وَلَا تَحْزَنُوا) على ما فاتكم من أمور الدنيا، فإنكم واصلون إليها مستقرون بها، خالدون في نعيمها. [٣١] ( نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) أي: نحن المتولون لحفظكم ومعونتكم في أمور الدنيا وأمور الآخرة، ومن كان اللّٰه وليه فاز بكل مطلب، ونجا من كل مخافة. وقيل: تقول الملائكة: نحن الحفظة لأعمالكم في الدنيا، وأولياؤكم في الآخرة ويتلقونهم بالكرامة (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ) من صنوف اللذات والنعم (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) أي: ما تطلبون مما تشتهيه أنفسكم [٣٢] (نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمِ ) النُّزل: ما يعد للضيوف عند نزولهم من الرزق والضيافة. [٣٣] (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ) إلى توحيدِ اللّٰه وطاعته، فذلك أحسن ما يقوله إنسان لإنسان وَعَمِل صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) لربي، فكل من جمع بين دعاء العباد إلى ما شرعه الله، وعمل عملًا صالحًا، وهو تأدية ما فرض اللّٰه عليه، مع اجتناب ما حرَّمه عليه، وكان من المسلمين دينًا لا من غيرهم، فلا شيء أحسن منه قولًا، ولا أوضح منه طريقة، ولا أكثر من عمله ثوابًا. [٣٤] (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ) أي: لا تستوي الحسنة التي يرضى اللّٰه بها ويثيب عليها، ولا السيئة التي يكرهها اللّٰه ويعاقب عليها. وقيلٍ: الحسنة هنا المداراة، والسيئة: الغلظة (ادْفَعْ بِالَتِي هِيَ أَحْسَنُ) أي: ادفع السيئة إذا جاءتك من المسيء بأحسن ما يمكن دفعها به من الكلام الطيب، ومنه: مقابلة الإساءة بالإحسان، والذنب بالعفو، والغضب بالاحتمال للمكروهات (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) المعنى: أنك إذا فعلت ذلك الدفع صار العدو كالصديق. قال مقاتل: نزلت في أبي سفيان بن حرب كان معاديًا للنبي وعَلِّي، فصار له وليّا بالمصاهرة التي وقعت بينه وبينه، ثم أسلم، فصار وليًّا في الإسلام حميمًا بالمصاهرة. [وهذا الأدب في الآية موجَّه أصالة إلى الدعاة إلى اللّه. وهو لعامة الناس كذلك]. [٣٥] (وَمَا يُلَقَّاهَا) أي: لا يؤتى القدرة على هذه الخصلة، وهي دفع السيئة بالحسنة (إِلَّا الّذِينَ صَبَرُوا) علي كظم الغيظ، واحتمال المكروه وَمَا يُلَقَاهَا إِلَّا ذُو حَظَ عَظِيمٍ ) في الثواب والخ ذا. اهبة من الله. [٣٦] (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ) النزغ: شبيه النخس، شبه به الوسوسة؛ لأنها تبعث على الشر، والمعنى: وإن صرفك الشيطان عن الدفع بالتي هي أحسن [وزين لك أن تقابل السيئة بمثلها في السوء أو أشد منها] فاستعذ بالله من شِره. ٣٧٦] ( وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ)) أي: هي من العلامات الدالة على قدرة اللّٰه وعظمته وحكمته ولا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ) لأنهما مخلوقان من مخلوقاته، فلا يصح أن يكونا شريكين له في ربوبيته (وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ) أي: خلق هذه الأربعة المذكورة (إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) قيل: كان ناس يسجدون للشمس والقمر، كالصابئين في عبادتهم الكواكب، ويزعمون أنهم يقصدون بالسجود لهما السجود لله، فِنهوا عن ذلك. [٣٨] (فَإِنِ اسْتِكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) أي: إن استكبر هؤلاء عن الامتثال، فالملائكة لا يستكبرون عن عبادته تعالى، بل يديمون التسبيح الله سبحانه بالليل والنهار ٧ .٥٠ يملون ولا يفترون. صفحة 481 [٣٩] (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً) إذا يبست الأرض ولم تمطر قيل: قد خشعت ( فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ) تحركت بالنبات، أي: اهتز النبات عليها (وَرَبَتْ) انتفخت وعلت قبل أن تنبت [وقيل: ربوها أنها زادت بما عليها من النبات. ومعنى الكلمتِين تصوير الأرض المنبتة بصورة الحي المتحرك] (إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا مُحْيِي الْمَوْتَى) بالبعث والنشور (إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ) لا يعجزه شيء كائنًا ما كان. [٤٠](إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا)) يميلون عن الحق، فيحرِّفون كلام اللّٰه يضعونه في غير مواضعه ( لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ) بل نحن نعلمهم فنجازيهم بما يعملون ( أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» المراد: أن الملحدين في الآيات يلقون في النار، وأن المؤمنين بها يأتون آمنين يوم القيامة فاحكموا أيُّ الحالين أفضل (اعْمَلُوا مَا شِتُّمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) فهو مجازيكم على كل ما تعملون. قال الزجاج: لفظ -اعملوا- لفظ الأمر، ومعناه الوعيد. [٤١] (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ ) أي: إن الذين كفروا بالقرآن لما جاءهم يجازون بكفرهم (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ) أي: القرآن الذي كانوا يلحدون فيه عزيز عن أن يعارض، أو يطعن فيه الطاعنون، منيع عن كل عيب. [٤٢] (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) محفوظ من أن ينقص منه أو يزاد فيه، ولا يأتيه التكذيب من الكتب التي قبله، ولا يجيء من بعده كتاب فيبطله ( تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمِ حَمِيدٍ) أي: فكيف يأتيه الباطل والذي أنزله له كمال الحكمة، وأعلى الصفات. [٤٣] (مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ) أي: ما يقول لك هؤلاء الكفار من وصفك بالسحر والكذب والجنون إلا مثل ما قيل للرسل من قبلك، فإن قومهم كانوا يقولون لهم مثل ما يقول لك هؤلاء. [٤٤] (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا) أي: لو جعلنا هذا القرآن بغير لغة العرب ( لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ) أي: هلَّا بينت بلغتنا، فإننا عرب لا نفهم لغة العجم ( أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ) هو من جملة قولهم أي: لقالوا: أكلام أعجمي ورسول عربي؟ وقيل المراد: هلا فُصِّلَت آياته فجعل بعضها أعجميًّا لإفهام العجم، وبعضها عربِيًّا لإفهام العرب، ولو فعلنا ذلك لقالوا: هذا كلام مختلط (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدى وَشِفَاءٌ) أي: يهتدون به إلى الحق ويشتفون به من كل شك وشبهة (وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَا: . مَةْ ) أي: صمم عن سماعه وفهم معانيه، ولهذا تواصوا باللغو فيه (وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّى) يبهر عيونِهم فلا يستطيعون رؤية الحق فقد عموا عن القرآن وصموا عنه ( أَولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) كحال من يناديه غيره من مسافة بعيدة، يسمع صوت من يناديه منها ولا يفقه ما يقال له. [٤٥] (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ) أي: فهذه عادة قديمة في أمم الرسل، فإنهم يختلفون في الكتب المنزلة إليهم (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ) في تأخير العذابِ عن المكذبين من أمتك ( لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) بتعجيل العذاب لمن كذَّب منهم. [٤٦] (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّام لِلْعَبِيدِ) فلا يعذب أحدًا إلا بذنبه. [٤٧] (إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ الْسَّاعَةِ) أي: أن علمها إليه لا إلى غيره (وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا) أكمامها: أو عيتها [التي تخلق الثمار فيها، فكل ثمرة تخلق في كمِّ يحميها إلى أن تزهر فتتفتح أو تنضج] (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أَنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلَمِهِ) أي: ما يحدث شيء من خروج ثمرة [من كمِّها] ولا حمل حامل، ولا وضع حامل لحملها إلا بعلم الله، فإليه يردُّ علم الساعة كما إليه يرد علم هذه الأمور (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ) أي: ينادي اللّٰه سبحانه الهث.. ٢..•، وذلك يوم القيامة صفحة 482 (أَيْنَ شُرَكَائِي) الذين كنتم تزعمون من الأصنام وغيرها، فادعوهم الآن فليشفعوا لكم أو يدفعوا عنكم العذاب (قَالُوا آذَنَّاكَ مَامِنَّا مِنْ شَهِيدٍ) أعلمناك ما منا أحد يشهد بأن لك شريكًا. [٤٨] (وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ) أي: زَالَ وبطل في الآخرة ما كانوا يعبدون في الدينا من الأصنام ونحوها (وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ) أي: أيقنوا وعلموا أنه لا محيص لهم ولا مهرب. [٤٩] (لَا يَسْأمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ) أي: أن الإنسان لا يملُّ من دعاء الخير لنفسه وجلبه إلَيها، والخير هنا: المال والصحة والسلطان والرفعة {وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ) أي: وإن مسه البلاء والشدة والفقر والمرض كان بالغ اليأس من روح الله، قَنوطًا من رحمته، حتى يظن عدم زوال ما به من المكروه. [٥٠] (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ) أي: ولئن أتيناه خيرًا وعافية وغنى من بعد شدة ومرض وفقر (لَيَقُولَنَّ هَذَالِي ) أي: هذا الخير الذي وصل إليَّ شيء أستحقه على اللّٰه لرضاه بعملي، فظن أن تلك النعمة التي صار فيها وصلت إليه باستحقاقه لها، ولم يعلم أن اللّٰه يبتلي عباده بالخير والشر ليتبين له الشاكر من الجاحد، والصابر من الجزع (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً) كما يخبرنا به الأنبياء. والشك في البعث لا يكون إلا من الكافرين، أو المتزلزلين في الدين، المتظهرين بالإسلام المبطنين للكفر (وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي) على تقدير صدق ما يخبرنا به الأنبياء من قيام الساعة وحصول البعث والنشور (إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى) الكرامة، فظنَّ أنه استحق خير الدنيا بما فيه من الخير، واستحق خير الآخرة بذلك (فَلَنُبَئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا ) أي: لنخبرنهم بها يوم القيامة. [٥١] (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ) أي: هذا طبعه من حيث هو إنسان باعتبار غالب أفراده (أَعْرَضَ) عن الشكر (وَنَأَى بِجَانِبِهِ) أي: ترفع عن الانقياد للحق وتكبر وتجبر (وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ) أي: البلاء والجهد والفقر والمرض (فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) أي: كثير، فإذا مسه الشر تضرع إلى اللّٰه واستغاث به، أن يكشف عنه ما نزل به واستكثر من ذلك، فذكره في الشدة ونسيه في الرخاء، واستغاث به عند نزول النقمة وتركه عند حصول النعمة، وهذا صنيع الكافرين ومن كان غير ثابت القدم من المسلمير [٥٢] (قُلْ أَرَأَيْتُمْ) أى: أخبروني {إنْ كَانَ مِنْ عِندِ اللهِ أي: القرآن (ثُمَّ كَفَرْتُمْ ٨٠) أ): كذبتم به ولم تقبلوه ولا عملتم بما فيه (مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) أي: لا أحد أضل منكم لشدة عداوتكم. [٥٣] (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا) أي: سنريهم دلالات صدق القرآن، وعلامات كونه من عند الله (فِي الْآفَاقِ) يعني: أقطار السماوات والأرض من الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والرياح والأمطار والرعد والبرق والصواعق والجبال والبحار وغير ذلك (وَفِي أَنْفُسِهِمْ) من لطيف الصنعة وبديع الحكمة [في صنعته تعالى لأبدان بني آدم وتركيبهم النفسي]، وقيل: في الآفاق: القرى التي يسَّر اللّٰه فتحها لرسوله وللأئمة بعده. وفي أنفسهم: فتح مكة نفسها (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) أي: يتبين لهم بجلاء أن القرآن ومن أنزله ومن جاء به حق ( أَوَلَمْ يَكْفٍ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) شاهد على أعمال الكفار، وشاهدٌ على أن القرآن منزل من عنده. [٥٤] (أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْبَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ) بالبعث والحساب والثواب والعقاب ( أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ) أحاط علمه بجميع المعلومات، وأحاطت قدرته بجميع المقدورات، فما لهم يتمارَوْن في البعث والنشور ممة، علموا أن اللّٰه خلقهم أول مرة. صفحة 483 تفسير سورة الشورى [٢-١] حم. عسق) قد تقدم الكلام في أمثال هذه الحروف المقطعة التي في أوائل السور في أول سورة البقرة. [٣] (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) أي: مثل ذلك الإيحاء الذي أوحي إلى سائر الأنبياء من كتب اللّٰه المنزلة عليهم المشتملة على الدعوة إلى التوحيد والبعث، يوحى إليك يا محمد في هذه السورة. [٤] (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ العَظِيمُ) ذكر سبحانه لنفسه هذا لدلالته على كمال قدرته ونفوذ تصرفه في جميع مخلوقاته. [٥] (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ) يتفطرن: يتشققن من عظمة اللّٰه وجلاله من فوقهن [ويحتمل أن المراد لكثرة ما عليهن من الملائكة. وفي الحديث: «أطّت السماء، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك راكع أو ساجد» أخرجه أحمد والترمذي] وقيل المراد: كدن يتفطرن من قول المشركين: اتخذ اللّه ولدًا (وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ) أي: ينزهونه عما لا يليق به ولا يجوز عليه متلبسين بحمده (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ) من عباد اللّٰه المؤمنين، وطمعًا في إيمان الكفار وتوبة الفاسقين (أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) أي: كثير المغفرة والرحمة. [٦] (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ) أي: أصنامًا بعبدونها { اللهُ حَفِيظَ عَلَيْهِمْ) أي: يحفظ أعمالهم ليجازيهم بها (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ) أي: لم يوكلك بهم حتى تؤاخذ بذنوبهم، ولا وكل إليك هدايتهم، وإنما عليك البلاغ. [٧] (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قَرْآنَا عَرَبِيَّا) بلسان قومك كما أرسلنا كل رسول بلسان قومه (لِتُنْذِرَ أَمَّ الْقُرَى) وهي مكة، والمراد: أنه ينذر أهلها (وَمَنْ حَوْلَهَا) من الناس، أي: لتنذرهم العذاب (وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ) يوم القيامة؛ لأنه مجمع الخلائق، ويجمع الأرواحِ بالأجساد (لا رَيْبَ فِيهِ) أي: لا شك فيه (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) أي: يجتمعون في المحشر، ثم يتفرقون إلى مصائرهم. [٨] (وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أَمَّةً وَاحِدَةً) أهل دين واحد: إما على هدى، وإما على ضلالة، ولكنهم افترقوا على أديان مختلفة بالمشيئة الأزلية (وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ) في الدين الحق: وهو الإسلام (وَالظّالِمُونَ مَالَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) أي: المشركون مالهم من ولي يدفع عنهم العذاب، ولا نصير ينصرهم في ذلك المقام. [٩] (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) أي: بل هل اتخذ الكافرون من دون اللّٰه أولياء من الأصنام يعبدونها لتنصرهم (فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ) أي: هو الحقيق بأن يتخذوه وليا، فإنه الخالق الرازق الضار النافع الناصر لمن أراد (وَهُوَ) أي: ومن شأنه أنه (يُحْسِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلَّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أي: يقدر على كل مقدور، فهو الحقيق بتخصيصه بالألوهية وإفراده بالعبادة وبإفراده باتخاذه وليًّا. [١٠] (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ » كل ما اختلف فيه العباد من أمر الدين، فإن حكمه ومرجعه إلى الله، وسوف يحكم فيه يوم القيامة بحكمه، ويفصل خصومة المختصمين فيه، وعند ذلك يظهر المحق من المبطل، ويتميز فريق أهل الجنة وفريق أهل النار (ذَلِكُم) الحاكم بهذا الحكم اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ أي: قل يا محمد هذا، [أي: اعتمدت عليه في جميع أموري، لا على غيره، وفوضته في كل شئوني (وَإِلَيْهِ أَنِيبُ) أرجع إليه تائبًا لا إلى غيره. [١١] فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [خالقهما ومبدعهم من العدم] (جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفَسِكُمْ أَزْوَاجًا ) أي: خلق لكم من جنسكم نساء، نسلا ب١ : ١ (وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ) صفحة 484 أي: وخلق لكم من الأنعام أصنافًا من الذكور والإناث، وهي الثمانية التي ذكرها في سورة الأنعام (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ) أي: يبثكم ويكثركم به: أي يكثركم بجعلكم أزواجًا من الذكور والإناث؛ لأن ذلك سبب النسل (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) [أي: لا يبلغ شيء من مخلوقاته تعالى أن يكون مثله في حكمته وقدرته وعلمه. أثنى على نفسه تعالى بذلك لدلالته على مدى الحكمة في بث الأحياء في الأرض باستخدام طريقة الزوجية والتزاوج] (وَهُوَ السَّمِيعُ) لكل الأصوات (الْبَصِيرُ) [بالأمور فيصنعها على وجه الحكمة، ويبصر المخلوقات صغيرها وكبيرها ظاهرها وخفيها]. [١٢] (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: خزائنهما أو مفاتيح التصرف فيهما (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ) أي: يوسعه لمن يشاء من خلقه، ويضيقه على من يشاء. [١٣] (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ) لأمة محمد لَال يه أي: بيَّن وأوضح لكم من الدين (مَا وَضَّى بِهِ نُوحًا) من التوحيد وأصول الشرِائع التي لم يختلف فيها الرسل وتوافقت عليها الكتب (وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) من القرآن وشرائع الإسلام والبراءة من الشرك (وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ) مما تطابقت عليه شرائع أولي العزم من الرسل هؤلاء (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ) أي: توحيد اللّٰه والإيمان به وطاعة رسله وقبول شرائعه، قال مجاهد: لم يبعث اللّٰه نبيَّا قط إلا وصاه بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإقرار لله بالطاعة، فذلك دينه الذي شرع لهم (وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) أي: لا تختلفوا في التوحيد والإيمان بالله وطاعة رسله وقبول شرائعه، فلا ينبغي الخلاف في مثلها [وليس من هذا الشعائر الفرعية وأنوع العبادات وتفاصيلها فإنها تختلف من شريعة إلى أخرى، لقوله تعالى: (لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا] (كَبْرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) أي: عظم وشق عليهم ما تدعوهم إليه من التوحيد ورفض الأوثان، واشتد عليهم شهادة أن لا إله إلا اللّٰه وحده، وضاق بها إبليس وجنوده، فأبى اللّٰه إلا أن ينصرها ويعليها، ويظهرها ويظفرها ( اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ ) يختار التوحيده والدخول في دِينِهِ من يشاء من عباده (وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) أي: يوفق لدينه، ويستخلص لعبادته، من يرجع إلى طاعته ويقبل إلى عبادته. [١٤] (وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ) أي: ما تفرق أهل الكتاب إلا عن علم بأن الفرقة ضلالة، لكن كان منهم التفرق للبغي بينهم بطلب الر.ا. ة . ثمدة الحمية، يعني: أمم الأنبياء المتقدمين، وأنهم اختلفوا لما طال بهم المدى، فآمن قوم وكفر قوم، ولم يكفر الكافرون إلا تكبراً وحسدًا. وهذا تحذير لهذه الأمة من أن تفترق فيما بينها بغيًا وحسدًا (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ) وهي تأخير العقوبة (إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى) وهو يوم القيامة (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) أي: لوقع القضاء بينهم بإِنزال العقوبة بهم معجلة بالكافرين ونجاة المؤمنين (وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ)) من اليهود والنصارى (مِنْ بَعْلِهِمْ ) من بعد الأمم قبلهم (لَفِي شَكٍّ مِنْهُ) أي: من القرآن، أو من محمد { مُرِيب) موقع في الريب، ولذلك لم يؤمنوا، وقيل: المراد أن كفار المشركين من العرب أورثوا القرآن من بعد ما أورث أهل الكتاب كتابهم، وهم في شك من القرآن مريب. [١٥] (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ) أي: فلأجل ما ذكر من التفرق والشك، أو فلأجل أنه شرع من الدين ما شرع، فادع إلى اللّه وإلى توحيده، وإستقم على ما دعوت إليه، واستمر على تبليغ الرسالة (كَمَا أَمِرْتَ) بذلك من جهة اللّٰه {وَلَا تَتْبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ) الباطلة، وتعصباتهم الزائغة، ولا تنظر إلى خلاف من خالفك في ذكر اللّٰه (ءَاْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتَابِ) صفحة 485 أي: بجميع الكتب التي أنزلها اللّٰه على رسله، لا كالذين آمنوا يبعض منها وكفروا يبعض (وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ) في أحكام اللّه إذا ترافعتم إليَّ، ولا أحيف عليكم (الِلَهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ) أي: إلهنا وإلهكم، وخالقنا وخالقكم (لَنَا أَعْمَالُنَا) أي: ثوابها وعقابها خاص بنا (وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ) أي: ثوابها وعقابها خاص بكم (لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ) أي: لا خصومة بيننا وبينكم؛ لأن الحق قد ظهر ووضح اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا) في المحشر {وَإِليْهِ المَصِيرُ) أي: المرجع يوم القيامة، فيجازي كلا بعمله. [١٦] (وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ) قال مجاهد: هؤلاء قوم توهموا أن الجاهلية تعود فجادلوا الذين استجابوا للإسلام لعلهم يردونهم إلى الجاهلية، وقال قتادة: هم اليهود والنصارى، ومحاجتهم قولهم: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم (حُجَّتُهُ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي: لا ثبات لها، كالشيء الذي يزلّ عن موضعه (وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ) عظيم من اللّٰه لمجادلتهم بالباطل (وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) في الآخرة. ١٧اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) فيشمل جميع الكتب المنزلة على الرسل (وَالْمِيزَانَ) العدل، وسمي العدل ميزانا؛ لأن الميزان آلة الإنصاف، والتسوية بين الخلق فيما يبيعون ويشترون. وقيل: الميزان ما في الكتب المنزلة [من بيان ما هو خير وما هو شر] وقيل المراد: علّم اللّٰه الناس الوزن بالموازينٍ لئلا تضيع الحقوق فيما بينهم. ١٨] (يَسْتَعْجِلُ بِهَا الّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا استعجال استهزاء منهم بها وتكذيب بمجيئها (وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا) أي: خائفون وجلون من مجيئها؛ لأنهم يعلمون أنهم محاسبون ومجزيون (وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ) أي: أنها آتية لا ريب فيها (أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ) أي: يخاصمون فيها مخاصمة شك وريبة (لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) عن الحق، ولو تفكروالعلموا أن الذي خلقهم ابتداء قادر على الإعادة. ١٩اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ) أي: كثير اللطف بهم، بالغ الرأفة لهم، ومن جملة ذلك: الرزق الذي يعيشون به في الدنيا (يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ) منهم كيف يشاء، فيوسع على هذا ويضيق على هذا. [٢٠] (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ) من كان يريد بأعماله وكسبه ثواب الآخرة، يضاعف اللّٰه له ذلك: الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف. وقيل: معناه يزيد في توفيقه وإعانته وتسهيل سبل الخير له (وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا) ما قدْ .... مشيئتنا، (وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبُ) لأنه لم يعمل للآخرة، فلا نصيب له فيها. [٢١] (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الله من الشرك والمعاصي [فأوقعوا الأتباع في الحيرة من شأن الأديان] (وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ) وهي تأخير الفصل في القيامة ( لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) أي: شان اختلاف المختلفين إلى يوم بين المؤمنين والمشركين، أو المشركين وشركائهم، فعاجَل أئمة الشرك بالعقوبة في الدنيا. [٢٢](تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا) أي: خائفين وجلين مما عملوا السيئات، وذلك الخوف والوجل يوم القيامة (وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ) أي: وجزاء ما كسبوا واقع بهم نازل عليهم لا محالة، أشفقوا أو لم يشفقوا (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ) الروضة: الموضع النزه الكثير الخضرة، قيل: وروضة الجنة: أطيب مساكنها كما أنها في الدنيا أحسن أمكنته (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ) من صنوف النعم وأنواع المستلذات (ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) أي: الذي لا يوصف ولا تهتدي العقر ١١ .١ معرفة حقيقته. صفحة 486 [٢٣] (ذَلِكَ الَّذِي يُبَشَّرُ اللهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) أي: فهؤلاء الجامعون بين الإيمان، والعمل بما أمر اللّه به، وترك ما نهى عنه، هم المبشرون بتلك البشارة (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) أي: ولكن أسألكم المودة في القرابة التي بيني وبينكم، فارقبوني فيها، ولا تعجلوا عليَّ، ودعوني والناس، قال ابن عباس: كان لرسول اللّٰه وَلِيْ قرابة من جميع قريش، فلما كذبوه وأبوا أن يتابعوه يقول: يا قوم إذا أبيتم أن تتابعوني فاحفظوا قرابتي فيكم، ولا يكون غيركم من العرب أولى بحفظي ونصرتي منكم فهو وَلِيِ يم يسأل على التبليغ أجرًا على الإطلاق (وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ) أي: من بكتسب حسنة نزد له هذه الحسنة حُسنًا بمضاعفة ثوابها. [٢٤] (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا) أي: بدعوى النبوة (فَإِنْ يَشَأِ اللهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ) المعنى: لو حدثتك نفسك أن تفتري على اللّٰه كذباً لطبع على قلبك إن شاء، فلم تقدر عليه (وَيَمْحُ اللهُ الْبَاطِلَ) أي: لو كان ما أتى به النِبي وَلِيِ با طلا لمحاه، كما جرت به عادته في المفترين (وَيُحِقُّ الْحَقَّ» أي: الإسلام فيثبته (بِكَلِمَاتِهِ) أي: بما أنزله من القرآن. [٢٦] (وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) أي: يستجيب اللّٰه للذين آمنوا ويعطيهم ما طلبوه منه (وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) أي: يزيدهم على ما طلبوه منه، أو على ما يستحقونه من الثواب. [٢٧] (وَلَوْ بَسَطَ اللَهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ) أي: لو وسع اللّٰه لهم رزقهم (لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ) لعصوا فيها وبطروا النعمة، وتكبروا، وطلبوا ما ليسَ لهم طلبه (وَلَكِنْ يُنَزَّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ) أي: ينزل من الرزق لعباده بتقدير لحسوب، على حسب مشيئته، وما تقتضيه حكمته البالغة (إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ) بأحوالهم {بَصِيرٌ) بما يصلحهم من توسيع الرزق وتضييقه. [٢٨] (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا ) أي: من بعد ما أيسوا من ذلك، فيعرفون بهذا الإنزال للمطر بعد القنوط مقدار رحمته لهم، ويشكرون له ما يجب الشكر عليه (وَهُوَ الْوَلِيُّ) للصالحين من عباده بالإحسان إليهم، وجلب المنافع لهم، ودفع الشرور عنهم (الْحَمِيدُ) المستحق للحمد منهم على إنعامه. [٢٩] (وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ) قيل: أراد ما بثَّ في الأرض دون السماء [قلت: الظاهر أن اللّٰه وعجّل يخبرنا في هذه الآيات بأنه خلق في الس . ١ .-.١. دواب، لعلها في بعض الكواكب الصالحة للحياة الحيوانية] (وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ) أي: حشرهم يوم القيامة {إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ) أي: هو يجمع تلك الدواب حيث كانت عندما يشاء، وهو على ذلك ذو قدرة تامة. [٣٠] (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) أي: ما أصابكم من المصائب، كائنة ما كانت، فإنكم تصابون بها عقوبة لكم، بسبب ما كسبت أيديكم من المعاصي (وَبَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) من المعاصي التي يفعلها العباد، فلا يعاتب عليها. [٣١] (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ) أي: بفائتين عليه هربًا في الأرض، بل ما قضاه عليهم من المصائب، واقع عليهم نازل بهم (وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ) يواليكم فيمنع عنكم ما قضاه اللّٰه (وَلَا نَصِيرٍ) ينصركم من عذاب اللّه. [٣٢] (وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ) وهي السفن الجارية: أي السائرة (فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ) أي: الجبال. وقال مجاهد: الأعلام: القصور. صفحة 487 [٣٣] (إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ) التي تجري بها السفن (فَيَظْلَلْنَ) أي: السفن (رَوَاكِدَ) أي: سواكن ثوابت (عَلَى ظَهْرِهِ) أي: ظهر البحر (إِنَّ فِي ذَلِكَ) الذي ذكر من أمر السفن (لَآيَاتٍ) دلالات عظيمة (لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) كثير الصبر على البلوى، كثير الشكر على النعماء. [٣٤] (أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا ) أي: [وإن يشأ] يهلكهنَّ بالغرق، بما كسبوا من الذنوب (وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ ) من أهلها بالتجاوز عن ذنوبهم، فينجيهم من الغرق. [٣٥] (وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ) من فرار ولا مهرِب. [٣٦] ( فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي: ما أعطيتم من الغنى والسعة في الرزق فإنما هو متاع قليل في أيام قليلة ينقضي ويذهب (وَمَا عِنْدَ اللهِ) من ثواب الطاعات والجزاء عليها بالجنات (خَيْرٌ) من متاع الحياة الدنيا (وَأَبْقَى) لأنه دائم لا ينقطع، ومتاع الدنيا ينقطع بسرعة (لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) أي: يفوِّضون إليه أمورهم، ويعتمدون عليه في كل شؤونهم. [٣٧]( وَالّذِينَ يَجْتَنْيُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ) هي الكبائر من الذنوب وقد قدمنا تحقيقها في (سورة النساء، الآيّة: ٣١) (وَالْفَوَاحِشَ) هي من الكبائر ولكنها كأنها فوقها، وذلك كالقتل والزنى ونحو ذلك (وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) أي: يتجاوزون عن الذنب الذي أغضبهم، ويكظمون الغيظ، ويحلمون عمَّن ظلمهم، [وفي الصحيح (ما انتقم النبي وَالِةِ منفسه قط، إلا أن تُتتهَك حرمات الله)]. [٣٨] (وَالّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ) أي: أجابوه إلى ما دعاهم إليه وأطاعوا الرسل (وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ) لمواقيتها بشروطها وهيئاتها [وإنما خصها بالذكر؛ لأنها أعلى أنواع العبادات، وهي الصلة بين العبد وبين ربه] (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) أي: يتشاورون فيما بينهم ولا يعجلون، ولا ينفردون بالرأي في كل أمر يعرض لهم، فلا يستأثر بعضهم على بعض برأي [وهذا في الشؤون العامة، كتولية الخلافة، وشؤون تدبير الدولة، وإدارة مصالحها، وتولية الولاة، وأحكام القضاء، وكذلك الاستشارة في الشؤون الخاصة] (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) أي: ينفقونه في سبيل الخير ويتصدقون بهِ على المحاويج، وفي سبيل الله. [٣٩] (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ) أي: أصابهم بغي بغير الحق؛ لأن التذلل لمن بغي ليس من صفات من جعل اللّٰه له العزة حيدث، ة1١.. (وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) فالانتصار [ والانتقام ممن بغى عليك هو فضيلة من الفضائل الدينية] وليس العجز من صفات المؤمنين، والمهانة والذلة ليست لهم بل لأعدائهم أهل الكفر بالله والجهل به. [٤٠] (وَجَزَاءُ سَيَّةٍ سَيَّئَةٌ مِثْلُهَا) أي: متى انتقمت من ظالمك فلا تزد على قدر ما آذاك ظالمك، قال مجاهد والسُّدِّي: هو جواب القبيح إذا قال: أخزاك الله، يقول: أخزاك الله، من غير أن يزيد (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ) أي: من عفا عمن ظلمه وأصلح بالعفو ما بينه وبين ظالمه [متى قدر عليه وتمكن من الانتقام. أما العجز والذلة فليسا من الفضائل، بل هي من المخازي، أي: فإن اللّٰه سبحانه إنما يأجره على العفو إن قدر على أخذ حقه والانتقام ممن ظلمه وترك ذلك لله] {(إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) المبتدئين بالظلم ولا يحب من يتعدى في الاقتصاص ويجاوز الحدَّ فيه؛ لأن المجاوزة ظلم. [٤١] (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ) أي: انتقم من ظالمه (فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) بمؤاخذة أو عقوبة، [فإن حق القصاص في الجنايات المتعمدة ثابت للمجني عليه شرعًا، وكذلك الضمان في الجنا.او-، غ. المتعمدة والإتلافات. صفحة 488 وفي الشتمِ والسبِّ يجوز القصاص دون اعتداء]. [٤٢] (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظِلِمُونَ النَّاسَ) أي: يتعدون عليهم ابتداء (وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) أي: يتعدون على النفوس والأموال بغير الحق، يتكبرون ويتجبرون بظلم الناس واقتطاع حقوقهم. [٤٣](وَلَمَنْ صَبَرَ) على الأذى (وَغَفَرَ) لمن ظلمه [بعد أن انتصر لنفسه وتمكن من أخذ حقه] (إِنَّ ذَلِكَ ) الصبر والمغفرة {لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) [أي: الثَبات فيها والرسوخ وعدم الانطلاق وراء شهوة الانتقام]. [٤٤] «وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ) أي: فما له من أحد يلي هدايته وينصره (وَتَرَى الظَالِمِينَ) أي: المشركين المكذبين بالبعث ( لَمَّا رَأوا الْعَذَابَ) أي: حين ظروا النار (يَقَوْلَونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلِ ) أي: هل إلى الرجعة إلى الدنيا من طريق؟ [٤٥] (وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِ) أي: ساكنين متواضعين لما لحقهم من الذل والهوان (يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ) أي: ذليل يسارقون النظر من شدة الخوف (وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: إن الكاملين في الخسران: هم هؤلاء، أما خسرانهم لأنفسهم فلكونهم صاروا في النار معذبين بها قد أُسْلِموا للعذاب دون أدنى أمل في النجاة، وأما خسرانهم لأهليهم فلأنهم إن كانوا معهم في النار فلا ينتفعون بهم، وإن كانوا في الجنة فقد حيل بينهم وبينهم. [٤٦] (وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ) أي: لم يكن لهم أعوان يدفعون عنهم العذاب في ذلك الموطن من دون اللّٰه (وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ ) أي: في طريق يسلكها إلى النجاة. [٤٧] (اسْتَجِيبُوا لِرَبَّكُمْ ) أي: استجيبوا لدعوته لكم إلى الإيمان به وبكتبه ورسله (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ) أي: من قبل أن يأتي من اللٰه يوم عذاب لا يرده أحد، أو لا بردُّه اللّٰه بعد أن حكم به. والمراد به: يوم القيامة، أو يوم الموت (مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ) تلجأون إليه {وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ ) أي: لا تجدون يومئذ منكِرًا لما ينزل بكم من العذاب. [٤٨] (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ) أي: حافظًا تحفظ أعمالهم حتى تحاسبهم عليها، ولا موكلًا بهم رقيبًا عليهم (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ) لما أمرت بإبلاغه، وليس عليك غير ذلك (بِمَا آَدَّءَ :. أَيْدِيهِمْ) من الذنوب (فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ) لما أنعم به عليه من نعمه، ينسى كل النعم السابقة بسبب الضر الواقع عليه. [٤٩] (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاتَّا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ) يهب لمن يشاء إناثًا لا ذكور معهنَّ، ويهب لمن يشاء ذكورًا لا إناث معهم. [٥٠] (أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا)) أي: يقرن بين الإناث والذكور فيهما جميعًا لبعض خلقه، فالتزويج هنا هو الجمع لمن شاء اللّٰه بين البنين والبنات (وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا) لا يولد له ذكر ولا أنثى (إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) أي: بليغ العلم عظيم القدرة [فهذا من تمام قدرته تعالى، أن يهب من شاء ما شاء هو سبحانه من أصناف الذريَّة]. [٥١] (وَمَا كَانَ لِيَشَرٍ أَنْ يُكَلَّمَهُ اللَهُ إِلَّا وَحْيَا) يوحى إليه فيلهمه ويقذف في قلبه، كما أوحى إلى أم موسى، وإلى إبراهيم في ذبح ولده [والوحيُ هو الإخبار بسرعة على وجه الخفية] (أوْ مِنْ وَرَاءِ حجاب كما كلم موسى ع ليَّاض، يريد أن كلامه يُسمَع من حيث لا يرى (أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ) أي: يرسل ملكًا، فيوحي ذلك الملك إلى الرسول من البشر بأمر اللّٰه وتيسيره ما ١٨٠ء أن، يوحي إليه. صفحة 489 ٥٢] (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا)) أي: أو حينا إليك القرآن، وهو من أمر الله، وهو روح. أي: لأنه يهتدى به، ففيه حياة من موت الكفر (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ) أي: أي شيء هو، لأنه واليه كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب (وَلَا الْإِيمَانُ) كان وَالي قبل الوحي لا يعرف معنى الإيمان، ولا تفاصيل الشرائع، ولا يهتدي إلى معالمها، وخص الإيمان؛ لأنه رأسها وأساسها (وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ ) أي: جعلنا الروح الذي أوحيناه إليك ضياء ودليلًا على التوحيد والإيمان وطرائق الحياة نهدي به من نشاء هدايته [ونخرج به من نشاء من ظلمات الجهالة والضلال إلى الهداية والعلم]. فسير سورة الرخرف ٢-١٦]( حم. وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ) يقسم اللّٰه تعالى بالقرآن نفسه على أن القرآن هداية. [٣] (إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيَّا) أي: أنزل بلسان العرب؛ لأن كل نبي أنزل كتابه بلسان قومه (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) أي: جعلناه قرآنًا عربيًّا لكي تفهموه يا معشر العرب وتتعقلوا معانيه وتحيطوا بما فيه [فإنه في أعلى درجات البلاغة والبيان والفصاحة، مبين عن المراد، ميسَّر للفهم]. [٤] ( وَإِنَّهُ فِي أُمَّ الْكِتَابِ) في اللوح المحفوظ (لَيْنَا) أي: عندنا (لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) رفيع القدر محكم النظم لا يوجد فيه اختلاف ولا تناقض [٥]( أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ) أي: أتظنون أن نترك دعوتكم إلى الحق وتذكيركم به [قال قتادة في تفسيرها: والله لو أن هذا القرآن رُفِعَ حين ردَّته أوائل هذه الأمة لهلكوا، لكن رحمهم فكرَّره عليهم، ودعاهم إليه عشرين سنة، أو ما شاء اللّٰه من ذلك، اه. يعني: حتى آمن بالقرآن من آمن وارتفعت كلمة الإسلام، أي: فلم يترك دعوتهم إلى الخير وإلى القرآن وإن كانوا مسرفين معرضين عنه، ليهتدي من قدر اللّٰه له الهداية وتقوم الحجة على من قدر عليه الشقاوة]. [٦] (وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ) أي: ما أكثر ما أرسلنا من الأنبياء في الأمم السابقة. [٨] ( فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا) أي: أهلكنا قومًا أشد قوة وأقوى بطشًا من هؤلاء القوم (وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ) أي: سلف في القرآن ذكرهم غير مرة. [أي: فقد علمتم أخبارهم فاحذروا مثل مصائرهم]. [٩] (وَلَئِنْ سَأَلْتُهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) أي: لئن سألت هؤلاء الكفار من قومك: من خلق هذه الأجرام العلوية والسفلية؟ أقروا بأن اللّٰه خالقهن ولم ينكروا ذلك [وهم لم يكونوا ينكرون انفراد اللّٰه بخلق العالم كالدهريين، ولكن كانوا يعبدون الصالحين والأصنام لتكون لهم وسائط بينهم وبين اللّٰه خالق الكل، وكانت دعوة النبي وَلا لِهِ لإبطال هذه الوسائط وتحقيق الوحدة]. [١٠](الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا) المهاد الفراش والبساط (وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا) أي: طرقًا تسلكونها إلى حيث تريدون (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) بسلوكها إلى مقاصدكم ومنافعكم. [١١] (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ ) أي: بقدر الحاجة وحسبما تقتضيه المصلحة دون زيادة؛ لئلا يهلك زرائعكم ومنازلكم بالغرق، ولا دونها حتى تحتاجوا إلى الزيادة ( فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا) أي: أحيبنا بذلك الماء بلدة مقفرة من النبات {كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ) تبعثون من قبوركم أحياء. ١٢] (وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا) الأصناف كلها، وقيل: أزواج الحيوان م. ذك. . أنثى والأزواج من النبات صفحة 490 الذكر والأنثى من كل صنف كذلك. [١٣] (لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ) أي: لتستعلوا على ظهور ما تركبون من الفلك والأنعام (ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبَّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ) أي: لكي تتذكروا هذه النعمة التي أنعم بها عليكم من تسخير ذلك المركب في البحر والبر (وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا) أي: ذلل لنا هذا المركب (وَمَا كُنَّالَهُ مُقْرِنِينَ) ما كنا مطيقين لتسخيره لولا أن سخره اللّٰه لنا. [١٤ ] (وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ) راجعون إليه. عن ابن مر ان رسول اللّٰه وجّيّة كان إذا سافرٍ ركب راحلته، ثمِ كبر للاثًا، ثم قال: (سُبْحَانَ الَّذِي سَخْرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ. وَإِنَّا إِلَى رَبَّنَا لَمُنْقَلِبُونَ). [١٥](وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا) المراد بالجزء هنا: الملائكة، فإنهم جعلوهم بنات لله سبحانه فإن الولد جزء أبيه (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورُ مُبِينٌ) فإنه يجحد نعم اللّٰه عليه جحودًا بيِّنًا؛ إذ لما كانت النعم من اللّٰه شديدة الوضوح، كان جحودها من أبين الكذب، كما فعل هؤلاء الجهلة إذ نسبوا إليه الولد وخصوه بأضعف الأولاد. ١٦] (وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ) فجعل لنفسه المفضول من الصنفين ولكم الفاضل منهما، فكيف يستقيم هذا مع أنه هو الخالق لكل مخلوق، والقول قوله، والأمر أمره؟ [١٧] (وَإِذَا بُشَّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا ) لأن الولد يكون مماثلًا لوالده. المعنى: أنه إذا بُشِّر أحدهم بأنها ولدت له بنت اغتم لذلك، وظهر عليه أثره، وهو معنى قوله: (ظلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا) أي: صار وجهه أسود حزنًا وألمًا بسبب حدوث الأنثى له حيث لم يكن الحادث له ذَكَرًا مكانها (وَهُوَ كَظِيمٌ ) أي: شديد الحزن كثير الكرب مملوء منه. [١٨] ( أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ) أي: لما جعلوا له البنات فقد جعلوا له سبحانه مَن شأنه أن يربى في الزينة، وهو عاجز عن أن يقوم بأمور نفسه، وإذا خوصم لا يقدر على إقامة حجته، ودفع ما يجادله به خصمه؛ لنقصان عقله وضعف رأيه. وهكذا البنات غالبًا. [١٩](وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَانًا) أي: إن قولهم السابق: إن الملائكة بنات الله، يتضمن فسادًا آخر، وهو أن الملائكة إناث (أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ) أي: هل حضروا خلق اللّٰه إياهم حتى يعلموا بأنهم إناث. [أو المعنى: هل رأوا خلقة الملائكة حتى يشهدوا أنهم إناث؟] ( سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ) في د.. ١. أ- مالهم لنجازيهم على ذلك (وَيُسْأَلُونَ) عنها يوم القيامة. [٢٠] (وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ) معناه: أن الكفار قالوا: لو شاء الرحمن، في زعمكم أيها المؤمنون، أن لا نعبد هذه الملائكة ما عبدناهم. وهذا كلام حق يراد به باطل؛ لأنهم يريدون بذلك أن اللّٰه راض عن عبادتهم للأصنام (مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْم) وزعموا أنه إذا شاء فقد رضي (إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) أَي: ما هم إلا يكذبون فيما قالوا، ويتمحَّلون تمحُّلًا باطلًا، فإن اللّٰه خلق المؤمن والكافر، وهو يحب المؤمن ويبغض الكافر، [والله يأمر بالحق والإيمان والخير، ولا يرضى لعباده الكفر]. [٢١] (أمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ) أي: بل أأعطيناهم كتابًا من قبل القرآن مكتوبًا إليهم فيه: اعبدوا غير الله؟ (فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ) يأخذون بما فيه، ويحتجون به، ويجعلونه لهم دليلا. [٢٢] (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أَمَّةٍ) [أي: على عادة تعودوها وطريقة ساروا عليها في عبادتهم لهذه الأصنام] ( وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) فاعترفوا بأنه لا مستند لهم ولا حجة بأيديهم ولا شبهة، ولكنه . ١. -. ا آباءهم في الضلالة. صفحة 491 [٢٣] (وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) أي: متبعون، وخص المترفين؛ تنبيهًا على أن التنعم هو سبب إهمال النظر وترك التفكر فيما حوته الرسالة. [٢٤] (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ) أي: قال لهم رسولهم: أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم. [٢٥] (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ) بما أوقعه اللّٰه بهم، كما أوقعه بقوم نوح وعاد وثمود (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) من تلك الأمم، فإن آثارهم موجودة، عرضة للناظر المعتبر. [٢٦] (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ) الذين قلدوا آباءهم وعبدوا الأصنام (إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ) [أي: بريء من هذه الأصنام، لا أعبدها، ولا أدعوها، ولا أتخذها آلهة، بل أكفر بها وأعاديها]. [٢٧] (إِلَّا الّذِي فَطَرَنِي ) أي: خلقني [فإنني أعترف بربوبيته وأصرف إليه عبادتي وأدعوه دون غيره] (فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ) سيرشدني لدينه، ويثبتني على الحق. [٢٨] (وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ) وجعل كلمة التوحيد والبراءة من الشرك باقية في ذريته، فلا يزال فيهم من يوحد اللّه سبحانه، قال مجاهد وقتادة: الكلمة: لا إله إلا الله، لا يزال مِن عقبه مَن يعبد اللّٰه إلى يوم القيامة (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) أي: جعلها فية لاجل ان يرجع إليها من يشرك منهم بدعوة من يوحد. ٢٩](اْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ) فاغترّوا بالمها وأكبُّوا على الشهوات (حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ) يعني: القرآن (وَرَسُولٌ مُبِينٌ) يعني: محمداً بَلِ يهِ [٣١] (وَقَالُوا لَوْلَا نُزَّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) أي: عظيم في الجاه والمال، سيد في قومه، والمراد بالقريتين: مكة والطائف، وبالرجلين: الوليد بن المغيرة من مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف، كذا قال قتادة وغيره، والمعنى: أنه لو كان قرآنًا لنزل على رجل عظيمٍ من عظماء القريتين. [٣٢] {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ) يعني: النبوة (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فكيف لا يقنعون قسمته في أمر النبوة، وتفويضها إلى من يشاء من خلقه (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ قَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) كما في الرزق والرياسة والقوة والحرية والعقل والعلم (لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا) أي: يستخدم بعضهم بعضا فيكون بعضهم سببًا لمعاش بعض (وَرَحْمَةُ رَبِّكَ) وهي ما أعدم ٨ه ١- اده الصالحين في الدار الآخرة ( خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) مِن الأموال وسائر متاع الدنيا. [٣٣] (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) أي: لولا أن يجتمعوا على الكفر ميلًا إلى الدنيا وزخرفها [فلا يبقى في الأرض مؤمن] (لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ) لأعطيناهم في الدنيا ما وصفناه؛ لِهوان الدنيا عند الله، لكي نستدرج الكافرين من حيث لا يعلمون (وَمَعَارِجَ) أي: سلالم ومصاعد من فضة (عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ) أي: على المعارج يرتقون ويصعدون إلى الغرف والمباني العالية [٣٤] (وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا) أي: ولجعلنا لبيوتهم أبوابًا من فضة وسررًا من فضة ( عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ). [٣٥] (وَزُخْرُفًا) أي: ولجعلنا لهم مع ذلك زخرفًا في السقوف والأبواب والسرر وغيرها. والزخرف قيل: هو الذهب، وقيل: الزينة والنقوش، يقال: زخرفت الدار، أي: زيّتته (وَإِنْ كُلَّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدَّنْيَا أي: ليس كل ذلك إلا شيئًا يتمتع به في الدنيا (وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ) أي: لمن اتقى الشرك والمعاصي، وأمن بالله وحده، وعمل بطاعته، فإنها الباقية التي لا تفنى، ونعيمها ١١١١؛. الذي لا يزول. صفحة 492 [٣٦] (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ) أي: ومن تظلم عينه [فلا يعرف حق ربه]، والأعشى: هو الذي لا يبصر بالليل، ويبصر بالنهار ( نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا)) أي: نهيئه له. وقيل المعنى غير ذلك. أخرج ابن أبي حاتم أن قريشًا قالت: قيّضوا لكل رجل من أصحاب محمد رجلًا يأخذه، فقيضوا لأبي بكر طلحة بن عبيد الله، فأتاه وهو في القوم، فقال أبو بكر: إلام تدعوني؟ قال: أدعوك إلى عبادة اللات والعزى. قال أبو بكر: وما اللات؟ قال: أولاد الله، قال: وما العزى؟ قال: بنات اللّٰه: قال أبو بكر: فمن أمهم؟ فسكت طلحة فلم يجبه. فقال لأصحابه: أجيبوا الرجل. فسكت القوم: فقال طلحة: قم يا أبا كر، أشهد أن لا إله إلا اللّٰه وأن محمدًا رسول اللّه. فأنزل اللّٰه الآية: (فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) فيكون الشيطان ملازمًا له لا يفارقه، بل يتبعه في جميع أمورِه، ويطيعه في كل ما يوسوس به إليه. [٣٧] (وَإِنَّهُمْ لَيَصُدَّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ) أي: وإن الشياطين الذين يقيضهم اللّٰه لكل أحد ممن يعشو عن ذكر الرحمن يحولون بينهم وبين سبل الحق، ويمنعونهم منه، ويوسوسون لهم أنهم على الهدى (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) يحسب الكفار بسبب تلك الوسوسة أنهم في أنفسهم مهتدون. [٣٨] (حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ) يتمنى الكافر يوم القيامة أن بينه وبين الشيطان المقارن له من البعد ما بين المشرق والمغرب (فَبِئْسَ الْقَرِينُ) أي: بئس الصاحب الملازم للإنسان أنت. يقول ذلك لشيطانه. [٣٩] (وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ) هذا يقال لهم يوم القيامة (إِذْ ظَلَمْتُمْ) أي: لأجل ظلمكم أنفسكم في الدنيا {أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ) أي: لن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب [أي: بخلاف الحال في الدنيا فإن المصيبة فيها إذا عمَّت هانت، وهذا لشدة عذاب الآخرة، لا تهونه المسكنات]. [٤٠] (أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ) أي: ليس لك ذلك، فلا يضيق صدرك إن كفروا (وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) أي: إنك لا تهدي من كان كذلك وهؤلاء الكفار بمنزلة الصمِّ الذين لا يسمعون ما جئت به، وبمنزلة العمي الذين لا يبصرونه؛ لإفراطهم في الضلالة وتمكنهم من الجهالة. [٤١ ] * فَإمَّا نَذْهَبَنّ بِكَ* بالموت قبل أن ينزل العذاب بم ( فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ) إما في الدنيا أو في الآخرة. [٤٢] (أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ) من العذاب قبل موتك (فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ) متى شئنا عذبناهم. وقد اراه اللّٰه ذلك يوم بدر. [٤٤] (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) أي: وإن القرآن لشرف لك ولقومك من قريش، إذ نزل عليك وأنت منهم، بلغتك ولغتهم. وقيل: تذكرة تتذكَّرون بها أمر الدين وتعملون به (وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) عما جعله اللّٰه لكم من الشرف، يسألون عما يلزمهم من القيام بما فيه والعمل به. [٤٥] (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) المراد سؤال الأنبياء ليلة الإسراء عند ملاقاته لهم. وقيل: واسأل أمم من قد أرسلنا: هل أذن اللّٰه بعبادة الأوثان في ملة من الملل؟ وهل سوغ ذلك لأحد منهم. [٤٦]وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا)) وهي التسع التي تقدم بيانها في (سورة الإسراء، الآية: ١٠١) (إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَتِهِ) الملأ: الأشراف (فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) أرسلني إليكم [٤٨] (وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيّةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ) أي: كل واحدة من آيات موسى أكبر مما قبلها عظيمة في نفسها. وقيل: المعنى أنه إذا ضُمَّتِ الثانية إلى الأولى ازداد الوضوح (وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) أي: بسبب تكذيبهم بتلك الآ. ا. ، صفحة 493 [٤٩] (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ) قيل: كانوا يسمون العلماء سحرة، ويوقرون السحرة ويعظمونهم (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ) أي: بما أخبرتنا من عهده إليك أنا إذا آمنًّا كشف عنا العذاب (إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ) فيما يستقبل من الزمان، ومؤمنون بما جئت به. [٥٠] ( فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ) التقدير: فدعا موسى ربه فكشف عنهم العذاب، فلما كشف عنهم العذاب نقضوا عهدهم. [٥١] (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ) خاف ميل القوم إلى موسى، فجمعهم ونادى بصوته فيما بينهم، أو أمر مناديًا ينادي بقوله: (يَا قَوْم أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ) لا ينازعني فيه أحد، ولا يخالفني مخالف (وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ نَحْتِي) أي: تحت قصري، والمراد: نهر النيل وفروعه (أَفَلَا تُبْصِرُونَ) ذلك وتستدلون به على قوة ملكي، وعظيم قدري، وضعف موسى عن مقاومتي. [٥٢] (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ) أي: بل أنا خير من موسى الذي هو ضعيف حقير ممتهن في نفسه لا عزَّ له ( وَلَا يَكَادُ يُبِينُ) الكلام لما في لسانه من العقد. وقد تقدم بيانه في (سورة طه). [٥٣] (فَلَوْلَا أَلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ) أي: فهلا حُلِّيَ بأساور الذهب إن كان عظيمًا (أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ) متتابعين متقارنين إن كان صادقًا، يعينونه على أمره، ويشهدون له بالنبوة، فأوهم اللعين قومه أن الرسل لا بدَّ أن يكونوا على هيئة الجبابرة، ومحفوفين بالملائكة. [٥٤] (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ) أي: حملهم [بكلامه هذا] على خفة الجهل والسفه بقوله وكيده وغروره، فأطاعوه فيما أمرهم به، وقبلوا قوله، خفَّة منهم ورعونة. وكذَّبوا موسى (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) أي: خارجين عن طاعة الله. [٥٥] (فَلَمَّا آسَفُونَا) أي: أغضبونا (انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ) في البحر. [٥٦] ( فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا) أي: قدوة لمن عمل بعملهم من الكفار في استحقاق العذاب (وَمَثَلا لِلْآخِرِينَ) أي: عبرة وموعظة لمن يأتي بعدهم، أو قصة عجيبة تجري مجرى الأمثال. [٥٧] (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا) لما نزل قوله تعالى: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) فقال ابن الزبعري: خَصَمْتُكَ وربِّ الكعبة، أليست النصارى يعبدون المسيح، واليهود عزيزًا، وبنو مليح الملائكة؟ فن حوابذلك من قوله، فأنزل اللّٰه (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ) ونزلت هذه الآية المذكورة هنا {إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِلُّونَ) أي: يضجون ويصيحون فرحًا بذلك المثل المضروب. [٥٨] (وَقَالُوا أَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ) أي: هل آلهتنا خير أم المسيح؟ خاصموه وقالوا: إن كان كل مَن عُبِدَ غير اللّٰه في النار، فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى وعزير والملائكة (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا) أي: ما ضربوا لك هذا المثل في عيسى إلا ليجادلوك [أي: ولم يريدوا الحق، فإن عيسى ليَّالم جاء بالتوحيد وأوصى به قومه قائلًا: الربُّ إلهنا إله واحد] (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) شديدو الخصومةِ، كثيرو اللدد، عظيمو الجدل. [٥٩] (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنَّعَمْنَا عَلَيْهِ) أكر مناه بإنعامنا عليه (وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) أي: آية وعبرة لهم يعرفون به قدرة اللّٰه سبحانه، فإنه كان من غير أب، وكان يحيي الموتى، ويبرئ الاكمه والابرص وكل مريض بإذن اللّٰه. [٦٠] (وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ) أي: لو نشاء أهلكناكم وجعلنا بدلا منكم ملائكة في الأرض يعمرم :. ا. خلفونكم فيها. صفحة 494 [٦١] (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) المراد: المسيح، أي: وإن نزوله مما يعلم به قيام الساعة؛ لكونه من أشراطها؛ لأن اللّٰه سبحانه ينزِّله من السماء قبيل قيام الساعة، كما أن خروج الدجال من علامات الساعة (فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا) أي: فلا تشكُّوا في وقوعها ولا تكذِّبُنَّ بها، فإنها كائنة لا محالة (وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) أي: اتبعوني فيما آمركم به من التوحيد، وبطلان الشك، وهذا الذي آمركم به وأدعوكم إليه طريق قيم موصل إلى الحق. [٦٢] (وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ) أي: لا تغتروا بوساوسه وشبهه التي يوقعها في قلوبكم، فيمنعكم ذلك من اتباعي (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوُّ مُبِينٌ) أي: مظهر لعداوته لكم غير متحاش عن ذلك ولا متكتم به. [٦٣] (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ) بالمعجزات الواضحة، والشرائع وهي الإنجيل (قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ) أي: النبوة، وقيل: الحكمة هنا ما يرغِّب في الجميل ويكف عن القبيح (وَلَأُبّيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ) من أحكام التوراة (فَاتَّقُوا اللَّهَ) أي: اتقوا معاصيه (وَأَطِيعُونِ) فيما آمركم به من التوحيد والشرائع. [٦٤] (إِنَّ اللهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ) هذا بيان لما أمرهم بأن يطيعوه فيه (هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمُ) أي: عبادة اللّٰه وحده والعمل بشرائعه [ طريق يوصل إلى مرضاة اللّٰه لا عوج فيه]. ٦٥](فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ) اختلفوا من بين من بعث إليهم من اليهود والنصارى، والأحزاب هي الفرق المتحزبة (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا) من هؤلاء المختلفين، وهم الذين أشركوا بالله ولم يعملوا بشرائعه (مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ألِيمِ) أي: أليم عذابه، وهو يوم القيامة. [٦٦] (هَلْ يَنْظُرُونَ» أي: هل يرتقب هؤلاء الأحزاب وينتظرون (إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً) أي: فجأة (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) أي: لا يفطنون بذلك. [٦٧] (الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) أي: الأخلاء في الدنيا المتحابون فيها يوم تأتيهم الساعة يعادي بعضهم بعضًا، ووجدوا تلك الأمور التي كانوا فيها أخلاء أسبابًا للعذاب، صوا أعاء لَا الْمُتّقِينَ) فإنهم أخلاء في الدنيا والآخرة. [٦٨] (يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتَمْ تَحْزَنُونَ) أي: يقال لهؤلاء المتقين المتحابين في اللّٰه هذه المقالة، يذهب عند ذلك خوفهم ويرتفع حزنهم. [٦٩] (الذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَأُ. امُ لِمِينَ) أي: ليس قول: ((يا عبادي...)). لجميع العباد بل للمؤمنينِ المسلمين. (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ) المراد بالأزواج: نساؤهم المؤمنات، وقيل: قرناؤهم من المؤمنين، وقيل: زوجاتهم من الحور العين (تُحْبَرُونَ) تكرمون، وتنعمون، وقيل: تلذذون بالسماع. [٧١] (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ) لهم في الجنة أطعمة يطاف عليهم بها في صحاف الذهب (وَ) لهم فيها أشربة يطاف عليهم بها في (أَكْوَابٍ) أي: من ذهب (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذِّ الْأَعْيُنُ) من فنون الأطعمة والأشربة ونحوهما مما تطلبه النفس وتهواه كائنًا ما كان، وتلذ الأعين من كل المستلذات التي تستلذ بها وتطلب مشاهدتها (وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) لا تموتون ولا تخرجون منها. [٧٢] (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أَورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) صارت إليكم كما يصير الميراث إلى الوارث، بما كنتم نعملونه في الدنيا من الأعمال الصالحة. [ ٧٥] (لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ) أي: لا يخفف عنهم ذلك العذاب فترة ليستريحوا منه (وَهُ ف.همُ ا مُونَ) أي: آيسون من النجاة. صفحة 495 ونَادَوْا يَا مَالِكُ) أي: نادى المجرمون هذ I) النداء، ومالك هو خازن النار من الملائكة (لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) بالموت توسلوا بمالك إلى اللّٰه سبحانه ليسأله لهم أن يقضي عليهم بالموت ليستريحوا من العذاب (قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ) أي: مقيمون في العذاب. ](لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ) أرسلنا إليكم الرسل، وأنزلنا عليهم الكتب، فدعوكم فلم تقبلوا ولم تصدقوا (وَلَكِنَّ أَكْثَرِكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) لا يقبلونه. [٧٩] (أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ) المعنى: أأحكموا كيدًا للنبي وَلِيه ف لا يظنوا ذلك فإنا سندبر أمرًا نهلكهم به. [٨٠] ( أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ ) أي: ما يتحادثون به سرًّا في أماكنهم الخالية إلا منهم، وما (بَلَى) نسمع ذلك ونعلم به يتناجون به فيما بينهم (وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) أي: الحفظة عندهم يكتبون جميع ما يصدر عنهم من قول أو فعل. [٨١] (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدْ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) المعنى قل يا محمد: إن ثبت أن لله ولدًا فأنا أول من يعبد هذا الولد الذي تزعمون ثبوته، ولكنه يستحيل أن يكون له ولد. [٨٢] (سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا بَصِفُونَ) أي: تنزيهًا له وتقديسًا عما يقولونَ من الكذب بأن له ولدًا، ويفترون عليه سبحانه ما لا يليق بجنابه. [٨٣] (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا) يخوضوا في أباطيلهم، ويلهوا في دنياهم (حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ) وهو يوم القيامة. [٨٤] (وَهُوَ الذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهُ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهُ) أي: هو اللّٰه الذي هو معبود في السماء، ومعبود في الأرض، أو: مستحق للعبادة في السماء والعبادة في الأرض. قال قتادة: يُعبَد في السماء والأرض (وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) أي: البليغ الحكمة الكثيرِ العلم. [٨٥] (وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) البركة: كثرة الخيرات، والمراد بما بينهما: الفضاء والهواء وما فيه من الحيوانات (وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) أي: علم الوقتِ الذي يكون قيامها فيه (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) فيجازي كلَّ أحد بما يستحقه من خير وشر. [٨٦] (وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ) أي: ولا تملك الأصنام وكل من يدعى من دون اللّٰه الشفاعة عند اللّٰه كما يزعمون أنهم يشفعون. ١. . ( إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ) أي: التوحيد (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أي: وهم على علم وبصيرة بما شهدوا به، لكن من شهد بالحق وشهد بالوحدانية فإن الشافعين يشفعون له إن أذن اللّٰه تبارك وتعالى. [٨٧] (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ) أقرُّوا واعترفوا بأن خالقهم اللّٰه ولا يقدرون على الإنكار (فَأْنَّى يُؤْفَكُونَ) أي: فكيف ينقلبون عن عبادة اللّٰه إلى عبادة غيره وينصرفون عنها مع هذا الاعتراف. [٨٨] وَقِيلِهِ) أي: عند اللّٰه علم الساعة، وعلم قيله، أي: قول النبي: (يَا رَب إِنَّ هَؤُلَاءِ) الذين أرسلتني إليهم (قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ) [أي: فإن الله يستمع لشكوى الرسول اله إلى اللّٰه من إعراض قومه عن دعوته لهم، وعنادهم وإصرارهم على الكفر، ولا يخفى ذلك على اللّٰه تعالى]. [٨٩] (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ)) أي: أعرض عما يقولون وما يرمونك به من السحر والكهانة واصبر على دعوتهم إلى آن يأتي أمر اللّٰه (وَقُلْ سَلَامٌ) أي: أمري تسليم منكم ومتاركة لكم (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) فيه تهديد ووعيد عظيم من اللّٰه وعَّل. صفحة 496 •فسير سورة الدخان [٣] (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) [أي: أنزلنا القرآن لكي ننذر به البشر عن الشرك والمعاصي]، والليلة هي ليلة القدر. [٤] ( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم ) يُفرَق: أي يفصَّل ويبيَّن. والأمر الحكيم: المحكم، وذلك ان اللّٰه سبحانه يكتب في ليلة القدر ما يكون في السنة من حياة وموت، وبسط وقبض، وخير وشر، وغير ذلك. كذا قال مجاهد وقتادة والحسن. [٦-٥] (أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا) [أي: أنزل اللّٰه القرآن متضمنً وحي اللّٰه وشرعه] (إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) المعنى: إنا فعلنا ذلك الإنذار لأجل أنَّا كنا مرسلين الرحمة إلى البشر، وهي رسالة الرسل. [٩] (بَلْ هُمْ فِي شَكَ من التوحيد والبعث (يَلْعَبُونَ) في إقرارهم بأن اللّٰه خالقهم وخالق سائر المخلوقات، وأن ذلك منهم على طريقة اللعب والهزء. . [١٠] ( فَارْتَقِبْ) المعنى: فانتظر لهم يا محمد (يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينِ) وهذا الدخان المذكور في الآية قيل: إنه من أشراط الساعة. وقيل: هو ما أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود: أن قريشًا لما استعصت على رسول اللّٰه وَالِيِي وأبطأوا عن الإسلام، قال: (اللهم أعنَّي عليهم بسبع كسبع يوسف)) [أي: سبع سنين مجدبة] فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي وبينها كهيئة الدخان من الجوع، فأنزل اللّه: السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ) الآية،، فأتي النبي وَلِيهِ فقيل يا رسول الله : استسق اللّٰه لمضر، فاستسقى لهم؛ فسقوا. [١ ١] ( يَغْشَى النَّاسَ) أي: يشملهم الدخان ويحيط بهم {هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي: يقولون: هذا عذاب أليم، أو يقول اللّٰه لهم ذلك. [١٢ ] ( رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ) أي: يقولون ذلك. وقد روي أنهم أتوا النبي وعالّي وقالوا: إن كشف اللّٰه عنا هذا العذاب أسلمنا، والمراد بالعذاب: الجوع الذي كان بسببه ما يرونه من الدخان. ١٣] (أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى) أي: كيف يتذكرون ويتعظون بما نزل بهم (وَ) الحال أن {قَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ نبين يبين لهم كِل شيء يحتاجون إليه من آمر الدين. [١٤ ]ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ) أي: أعرضوا عن ذلك الرسول (وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ) أي: قالوا: إنما يعلمه القرآن بشر، وقالوا: إنه مجنون، فكيف يتذكر هؤلاء فإن التذكر بعيد عنهم. ١٥(إنَّا كَاشِفُوا الْعَذَاب قَلِيلًا) إنا سنرفعه عنهم زمانا (إِنَّكُمْ عَائِدُونَ) أي: على ما كنتم عليه من الشرك. وقد كان: رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر والعناد. ١٦](يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى) قيل: هي يوم بدر، لما عادوا إلى التكذيب والكفر بعد رفع العذاب عنهم، انتقم اللّٰه منهم بوقعة بدر، وقيل المراد: عذاب النار. [١٧] (وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ) أي: ابتليناهم، أرسل اللّٰه إليهم رسله، وأمروهم بما شرعه لهم فكذبوهم، أو وسع عليهم الأرزاق فطغوا وبغوا (وَجَاءَهُمْ رَسُول كَرِيمٌ) أي: كريم على الله، كريم في قومه، وهو موسى نَ ليَّامْرَ ١]*ان ادَوا إلىَّ عِبَادَ اللّهِ* اى: ارسلوا معى عباد ا هم بنو إسرائيل وأَطلقوهم من العذاب {إِنِّي لَكُمْ رَسُو أَمِينٌ) أمين عِلى الرسالة غير متهم. ١٩] (وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللهِ) أي: لا تتجبروا وتتكبروا عليه بترفعكم عن طاعته ومتابعة رسله (إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) أي: بحجة واضحة لا سبيل إلى إنكارها، وهي معجزات العصا واليد وسائر الآيات التسع. صفحة 497 [٢٠] (وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبَّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ) استعاذ باللّه سبحانه لما توعدوه بالقتل بالحجارة. [٢١] (وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِى فَاعْتَزْلَوْنِ) أي: إن لم تصدقوني وتقِرّوا بنبوّتي فاتركوني، ولا تتعرّضوا لي باذى إلى أن يحكِم اللّٰه بيننا. [ ٢٣] (فَأسْرِ بِعِبَادِي لَيْلا) أجاب اللّٰه سبحانه دعاءه، فأمره أن يسري ببني إسرائيل كيلاً {إِنَّكُمْ مُتَّبُعُونَ) أي: يتبعكم فرعون وجنوده. [٢٤] (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا) أي: ساكنًا لا يتحرك (إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ) أخبر سبحانه موسى بذلك ليسكن قلبه ويطمئن جأشه. [٢٧] (وَنَعْمَةٍ) وهي المال والخير الواسع (كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ) أي: ناعمين. والفاكه هو المستمتع بأنواع اللذة، كما يتمتع الرجِل بأنواع الفاكهة. [٢٨] (كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ) أي: سلبناهم إياها وأهلكناهم وأورثناها بني إسرائيل. [٢٩] (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ) لم يكونوا يعملون على الأرض عملًا صالحًا تبكي عليهم بسببه، ولم بصعد لهم إلى السماء عمل طيب تبكي عليهم به، فما بكى عليهم أهل السماء والأرض من الملائكة والناس [ويحتمل أن المراد أن الكافر الأشر البطر لا يرى شيئًا في الدنيا قدر نفسه، فهي أعظم شيء في عينه، فأخبر اللّٰه تعالى أنهم ذهبوا فلم يكن شيء، وبقيت الدنيا على حالها] (وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ» بل عوجلوا بالعقوبة لفرط كفرهم وشدة عنادهم: [٣٠] (وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ) أي: خلصناهم بإهلاك عدوهم مما كانوا فيه من الاستعباد وقتل الأبناء واستحياء النساء وتكليفهم للأعمال الشاقة. [٣١](مِنْ فِرْعَوْنَ) أي: من عذاب فرعون (إِنَّهُ كَانَ عَالِيًّا) أي: عاليًا في التكبر والتجبر {مِنَ الْمُسْرِفِينَ) في الكفر بالله وارتكاب معاصيه. [٣٢]( وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمِ عَلَى الْعَالَمِينَ) أي: اختارهم اللّٰه على الناس على علم مَنه باستحقاقهم لذلك لكثرة الأنبياء فيهم [ولصبرهم مع موسى وجهادهم في سبيل الله. فلما غيَّروا غيَّر اللّٰه عليهم]. [٣٣] (وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ) أي: معجزات موسى (مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ) أي: اختبار ظاهر وامتحان واضح لننظر كيف يعملون، ومن الآيات: إنجاؤهم من الغرق وفلق البحر لهم وتظليل الغمام عليهم وإنزال المن والسلوى لهم، ثم إعطاؤهم التوراة. [٣٥-٣٤](إِنَّ هَؤُلَاءِ) أي: كفار قريش ( لَيَقُولُونَ. إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الأُوَلَى) أي: ولا حياة بعدها ولا بعث ( وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ) أي: بمبعوثين. [٣٦] (فَأتُوا بِآبَائِنَا)) أي: ارجعوهم بعد موتهم إلى الدنيا (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) فيما تقولونه وتخبروننا به من البعث. [٣٧] أَهُمْ خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّع) أي: أهم خير في القوَّة والمنعة أم قوم تبَّع الحميري الذي دار في الدنيا بجيوشه وغلب أهلها وقهرهم {وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) عاد وثمود ونحوهم {أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) فإهلاكه لمن هو دونهم بسبب كونه مجرمًا مع ضعفه وقصور قدرته بالأولى. [٤٠] (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ) أي: إنه الوقت المجعول لتمييز المحسن من المسيء، والمحقِّ من المبطل، محدد لهم في علم اللّٰه تعالى. [٤١] (يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلَى عَنْ مَوْلى شَيْئًا)) لا ينفع في ذلك اليوم قريب قريبًا، ولا يدفع عنه شيئًا (وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ) أي: ولا هم يمنعون من عذاب الله. [٤٢] (إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَهُ) أي: لكن من رحمه اللّٰه [فإنه ينتصر وينجو] (إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ» أي: الغالب الذي لا ينصر أحد من أراد عذا.ه، ١١. حيم لعباده المؤمنين. صفحة 498 [٤٤-٤٣] (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُومِ) هي الشجرة التي خلقها اللّه في جهنم، وسماها الشجرة الملعونة، فإذا جاع أهل النار التجأوا إليها فأكلوا منها (طَعَامُ الأَثِيمِ) الأثيِم: الكثير الإثم. [٤٥] (كَالْمُهْلِ) وهوَ دَرْدِيُّ الزيت وعكر القطران، وقيل: هو النحاس المذاب. ٤٦] (كَغَلْي الْحَمِيمِ) هو الماء الشديد الحرارة. ٤٧] (خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ) أي: يقال للملائكة الذين هم خزنة النار: خذوه، أي: الأثيم، فاعتِلوه، أي: فجرُّوه [أو احملوه] (إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ) أي: إلى وسط النار. ٤٨] (ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ) وهو الماء الشديد الحَرَارَةِ. [٤٩] (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) أي: وقولوا له تهكمًا وتقريعًا وتوبيخًا: ذق العذاب أيها المتعزز المتكرم في زعمك، وفيما كنت تقوله. أخرج الأموي في مغازيه عن عكرمة، قال: لقي رسول اللّٰه وَالِي أبا جهل، فقال: ((إن اللّٰه أمرني أن أقول لك: (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى. ثَمَّ أَوْلَى لَكَ فَأْوْلَى))). قال فنزع يده من يده، وقال: ما تستطيع لي أنت ولا صاحبك من شيء، لقد علمت أني أمنعٍ أهل البطحاء، وأنا العزيز الكريم. فقتله اللّٰه يوم بدر، وأذله وعيَّره بكلمته، وأنزل (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ) [٥٠] (إِنَّ هَذَا) العذاب (مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ» أي: تشكُّون فيه حين كنتم في الدنيا. [٥٣] (يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ) السندس: ما رقَّ من الديباج، والإستبرق ما غلظ منه (مُتَقَابِلِينَ) في مجالسهم ينظر بعضهم إلى بعض بكل المحبة والسرور. [٥٤] (وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ) أي: أكرمناهم بأن قرنَّاهم بنساء حورٍ عين أحللناهن لهم، لكل منهم ما شاء منهنَّ. والحور: جمع حوراء وهي البيضاء، وقيل: هو من حَوَر العين، وهو شدة بياض العين في شدَّة سوادها. والعينُ: الواسعات الأعين، الواحدة عيناء. [٥٥] ( يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ) آمنين من التخم والأسقام والآلام، وآمنين من الموت والوصب والشيطان، ومن انقطاع ما هم فيه من النعيم. [٥٦] ( لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى) أى: لا يموتون فيها أبدًا، لكن الموتة التي ذاقوها في الدنيا [قد ذاقوها وانتهى أمرها. أي: فهؤلاء المؤمنون هم الذين لا يذوقون الموت إلا الموتة الأولى بخلاف الكفار الذين قالوا: إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين، فإنهم يلقون من العذاب ما هو أشد من الموت] (وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) أيٍ: صرفه عنهم وحماهم منه. [٥٨] (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) أي: إنما أنزلنا القرآن بلغتك التي هي لغتهم، وجعلناهُ ميسرًا للفهم؛ كي يفهمه قومك، فيتذكروا ويعتبروا ويعملوا بما فيه. [٥٩] (فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ) أي: فانتظر ما وعدناك من النصر عليهم وإهلاكهم على يدك إن استمروا على الكفر بدعوة الله، والمشاقة لله ورسوله، فإنهم منتظرون ما ينزل بك من موت أو غيره. •فسير سورة الجاتية [٤] (وَفِي خَلْقِكُمْ)) أي: في خلق اللّٰه لكم على أطوار لختلفة، من تراب ثم من نطفة، إلى أن يصير إنسانًا [وفي تشكيل أعضائكم، وما جعل فيكم من القوى العجيبة البدنية والنفسية] (وَمَا يَبُثّ مِنْ دَابَّةٍ) أي: وفي خلق ما يبث من دابة [في نواحي الأرض، حارِّها ومعتدلها وباردها، وفي الأراضي الرطبة والجافة. وفي كل موضع من الأرض، صفحة 499 جعل فيه ما يناسبه من الحيوان] (آيَاتٌ لِقَوْم يُوقِنُونَ) [دلائل شديدة الظهور، تدل على قدرة الصانع العظيم وحكمته يعتبر بها أهل اليقين الذين يقبلون الحق]. [٥] (وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) أي: في تعاقبهما، أو تفاوتهما في الطول والقصر، والحرارة والبرودة، والضياء والظلمة، آيات وعِبَر كذلك (وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ) الرزق: المطر؛ لأنه سبب لكل ما يرزق اللّٰه العباد به. وإحياء الأرض: إخراج نباتها (بَعْدَ مَوْتِهَا) خلوّها عن النبات (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ) تهبُّ تارة من جهة، وتارة من أخرى، وتارة تكون حارة، وتارة تكون باردة، وتارة نافعة، وتارة ضارة (آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [أي: إن هذه الآيات العظيمة الدالة على وحدانية اللّٰه وقدرته إنما هي لأهل العقول الراجحة، ولا ينتفع بها أهل الجهل والعناد]. [٦] (فَبِأيِّّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ) أي: بعد حديث اللّٰه وبعد آياته [أي: فالله تعالى أصدق الصادقين فإن لم يصدقوه فمن يصدقون؟ وإن لم يصدقوا آيات كتابه فكتاب مَن يصدَقون؟]. ٧] (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمِ) أي: لكل كذاب، كثير الإثم، مرتكب لما يوجبه. [٨] (يَسْمَعُ آيَاتِ اللهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ) أي: يبقى مصرًّا على كفره ويقيم على ما كان عليه، لا يتعظ بما يسمع من كلام اللّٰه (مُسْتَكْبِرًا) أي: يتمادى على كفره متعظمًا في نفسه عن الانقياد للحقِ [الذي هو كلام ربه وخالقه عزَّ اسمه وتعالى سلطانه] (كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا) أي: مشبهًا حاله حال من لم يسمع في عدم الالتفات إليها (فَبَشَرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيم) أي: أخبره بأن له عند اللّٰه عذابًا شديد الإيلام جزاء إصراره واستكباره وعدم استماعه إلى الآيات. [٩] (وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا) أي: إذا وصل إليه علم شيء من آيات اللّٰه (اتَّخَذَهَا) أي: الآيات (هُزُوًا) اتخذها موضوعًا للسخرية والتندر مما أشارت إليه من المعاني (أَولَئِكَ) الأفاكون الذين تلك صفاتهم (لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) هو المشتملِ على الإذلال والفضيحة. [ ١٠] (مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ ) أي: من وراء ما هم فيه من التعزَّز بالدنيا، والتكبُّر عن الحق، جهنم، فإنها خلفهم، وستدركهم. وقيل: من ورائهم: يعني من قدامهم؛ لأنهم متوجهون إليها (وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا) أي: لا يدفع عنهم ما كسبوا من أمواا، . . أ. لادهم شيئًا من عذاب الله، ولا ينفعهم بوجه من وجوه النفع (وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ) [أي: لا تنفعهم أيضًا الأصنام والآلهة التي اتخذوها يعبدونها من دون اللّٰه يرجون منها النفع. ودفع الضرر] (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) في جهنم التي هي من ورائهم. [١١] (هَذَا هُدَّى) يعني: أن هذه الآيات التي تقدم ذكرها في هذه السورة، هي هدى للمهتدين بالقرآن العظيم، الذين يقبلون ما فيه (وَالّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ) القرآنية (لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزِ أَلِيمٌ) الرجز: أشد العذاب. ١٢] اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ) أي: جعله على صفة تتمكنون بها من الركوب عليه في السفن التي علّمك منعها (لِتَجْرِىَ الْقُلْكُ فِيهِ بِأَمْره) أى: بإذنه، وإقداره لكم (وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) بالتجارة تارة، والغوص للدرِّ، والمعالجة للصيد، وغير ذلك (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) النعم التي تحصل لكم بسبب هذا التسخير للبحر. [١٣] (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ) أي: سخر لعباده جم • ما خاتمه في السماوات: من الشمس، صفحة 500 والقمر، والنجوم النيِّرات، والمطر، والسحاب، والرياح، وما في الأرض، وكل ذلك رحمة منه لعباده نعمة وتفضلاً (إِنَّ فِي ذَلِكَ) التسخير (لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) فيصلون بالفكر إلى الاستدلال على التوحيد، أما الذين لا يتفكرون فإنهم لا يهتدون بِها. [١٤ ] (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ) المعنى: قل للمؤمنين أن يتجاوزوا عن الذين لا يرجون وقائع اللّٰه بأعدائه، أي: لا يتوقعونها، ولا يخشون على أنفسهم مثل عذاب اللّٰه للأمم الخالية، وذلك أنهم لا يؤمنون به، ولا يأملون نصر اللّٰه لأوليائه (لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) المعنى: ليجزي اللّٰه الكفار بما عملوا من السيئات، كأنه قال: لا تكافئوهم أنتم لنكافئهم نحن. ١٦]( وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ) التوراة {وَالحُكَمَ) الفهم والفقه اللذين يكون بهما الحكم بين الناس، وفصل خصوماتهم (وَالنّبُوَّةَ) أي: من بعثه اللّٰه من الأنبياء فيهم (وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ)) أي: المستلذات التي أحلها اللّٰه لهم، ومن ذلك المنُّ والسلوى (وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) حيث آتيناهم ما لم نؤت من عداهم، من فلق البحر، والتوراة، والإيمان. [١٧] (وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ) أي: شرائع واضحات في الحلال والحرام، أو معجزات ظاهرات، وقيل: العلم بمبعث النبي وَاليه وشواهد نبوته (فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ) أي: فما وقع الاختلاف بينهم في ذلك الأمر إلا بعد مجيء العلم إليهم ببيانه وإيضاح معناه، فجعلوا ما يوجب زوال الخلاف موجبًا لثبوته (بَغْيَّا بَيْنَهُمْ) أي: من بعضهم على بعض بطلب الرئاسة (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) من أمر الدين، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ويبين أهل الحق من أهل الباطل. [١٨ ] (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ) أي: جعلناك يا محمد على منهاج واضح في أمر الدين يوصلك إلى الحق (فَاتَّبِعْهَا) فاعمل بأحكامها في أمتك (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) أي: لا يعلمون توحيد اللّٰه وشرائعه لعباده، وهم كل من لم يتبع شريعة الإسلام. [١٩] (إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا) أي: لا يدفعون عنك شيئًا مما أراده اللّٰه بك إن اتبعت أهواءهم (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَ: ) ينصر بعضهم بعضًا (وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ) أي: ناصرهم، والمراد بالمتقين: الذين اتقوا الشرك والمعاصي. [٢٠] (هَذَا) [أي: هذا الإعلان على لسانك للناس باتباع شرائع اللّٰه وأن اللّٰه ولي متبعيها، والشريعة نفسها] (بَصَائِرُ لِلنَّاسِ) أي: براهين ودلائل لهم فيما يحتاجون إليه من أحكام الدين (وَهُدَّى) يؤدي إلى الجنة لمن عمل به (وَرَحْمَةُ) من اللّٰه في الآخرة (لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) أي: من شأنهم الإيقان وعدم الشك والتزلزل بالشَّبَه [٢١] (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتِرَحُوا السَّيِّتَاتِ) فعلوها عمدًا واكتسبوا إثمها (أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) أي: نسوِّي بينهم مع اجتراحهم السيئات، وبين أهل الحسنات (سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ) في دار الدنيا وفي الآخرة؟ كلا، لا يستوون، فإن حال أهل السعادة في الآخرة غير حال أهل الشقاوة [أي: فإن حال الفريقين قد يستوي في الدنيا، وقد يكون أهل السيئات في الدنيا أوفر حظَّا منها، فلو استووا في الآخرة أيضًا لما كان ذلك عدلًا، فلا تظنوا ذلك واقعًا] ( سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) أي: ساء حكمهم هذا الذي حك ١٠٠. ه بناء على ظنهم المذكور. صفحة 501 [٢٣] ( أَفَرَ أَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ) الكافر اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئًا إلا تبعه، دون مراعاة لمحبة اللّٰه ورضاه، أو لكراهته وغضبه، أو المراد: يعبد ما يهواه أو (وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمِ) أي: إنه على علم ستحين بالحق، ويعلم الهدى من الضلال، ولكن يترك الحق اتباعًا لشهوة نفسه (وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ) أي: طبع على سمعه حتى لا يسمع الوعظ، وطبع على قلبه حتى لا يفقه الهدى (وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً) أي: غطاء حتى لا يبصر الرشد (فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ) أي: من بعد إضلال اللّٰه له (أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) أي: أفلا تتعظون وتعتبرون فتتركوا اتباع الهوى والانحراف عن الهدى. [٢٤] (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَانتُنَا الدُّنْيَا} أي: [قال الملاحدة الدهريون]: ما الحياة إلا الحياة التي نحن فيها (نَمُوتُ وَنَحْيَا) أي: يصيبنا الموت والحياة فيها، وليس وراء ذلك حياة، وقيل: نموت نحن ويحيا فيها أولادنا، ثم يموتون ويحيا أولادهم، وهكذا (وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) أي: إلا مرور الأيام والليالي (وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمِ) أي: ما قالوا هذه المقالة إلا شاكَين غير عالمين بالحقيقة {إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُونَ) غاية ما عندهم الظن، ولا يستندون إلا إليه. [٢٦] (قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ) أي: في الدنيا ( ثُمَّ يُمِيتُكُمْ) عند انقضاء آجالكم (ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) بالبعث والنشور والحشر إلى موقف الحساب (لَا رَيَّبَ فِيهِ) أي: في جمعكم (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [هذه الآية رد على الدهريين، وهم قوم من العرب كانوا يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار ودورة الزمان. وينسبون الحياة والموت إلى الدهر. وإذا أصابهم مكروه سبُّوا الدهر. ووجد من غيرهم من الطوائف من يوافقه. على ذلك: منهم جمهور الفلاسفة الدهريين، والملاحدة في كل زمان، حيث ينسبون الحياة وتنوع أشكالها إلى التطور الطبيعي الذي استمر ملايين السنين، وفي اعتقادهم أن ليس وراء ذلك قوَّة مدبّرة مبدعة خلّاقة، وأن الأمر لا يعدو أن يكون صدفة. ومنهم من ينتسب إلى الإسلام، لكنه في كتاباته - العلمية - يجاري هؤلاء، ويخجل أن يذكر نسبة الخلق إلى خالق مبدع، وربما قال: الطبيعة هي التي أبدعت وصنعت. ولو سئل عن الطبيعة: ألها فكر واختيار؟ لما كان لديه جواب. وهم كما قال اللّٰه تعالى: (وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمِ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُونَ) وإلا فأين -الأسلوب العلمي - في نسبة حدوث هذه المخلوقات العجيبة، بما فيها م . الأحزة العلمية الدقيقة، التي تتكامل لتؤدي وظائف معينة على أكمل ما يكون، كيف تنسب إلى الصدفة أو الطبيعة غير العاقلة؟ سبحان الله! كيف يعمي الهوى الأبصار والبصائر . [ ٢٨] وَتَرَى كُلّ أمَّةٍ) الأمة: أصحاب الملة الواحدة (جَاثِيَةً) مُسْتَوْفِزَة عَلَى رُكَبها، والجثوُّ: جلسة معينة هي جلسة الذي يرفع أليتيه ولا يصيب الأرض منه إلا ركبتاه وأطراف أصابع رجليه. والناس لشدة الأمر يجثون بين يدي اللّٰه كذلك ينتظرون الحساب. وقال الحسن: جاثي أى: باركة على الركب (كُلُّ أُمَّةِ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا ) الكتاب المنزل عليها، وقيل: إلى صحيفة أعمالها. خُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي: نأمر [٢٩] (إِنّا كُنَّا نَسْتَنْسِ الملائكة بنسخ أعِمالكم، أي: بكتبها وتثبيتها. [٣١] (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ ) أي: فيقال لهم ذلك توبيخًا (فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ) أي: تكبرتم عن قبولها وعن الإيمان بها، وكنتم من أهل الإجرام، وهي الاثام بفعل المعاصي. [٣٢] ( وَإِذَا قِيلَ إِنّ مَعْاَ. الّه حَقَ) أي: لهؤلاء الكفار، صفحة 502 إذا أخبرهم الرسول وَليّةِ عن اللّٰه بوعده بالبعث والحساب، أو بجميع ما وعد به من الأمور المستقبلة، وأن ذلك واقع لا محالة (وَالسَّاعَةُ) أي: القيامة (لَا رَيْبَ فِيهَا) أي: في وقوعها (قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ) أي: أيَّ شيء هي؟ (إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّا أي: نحدس حدسًا ونتوهم توهمًا لا علمًا (وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ) أي: لم يكن لنا يقين، ولم يكن معنا إلا مجرَّد الظنِّ أن الساعة آتية. [٣٣] (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا) أي: ظهر لهم سيئات أعمالهم على الصورة التي هي عليها (وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِنُونَ) أي: أحاط بهم ونزل عليهم جزاء أعمالهم بدخولِ النار. [٣٤] (وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا) أي: نترككم في النار كما تركتم العمل لهذا اليوم وتجاهلتم ما جاء عنه في كتب اللّه. [٣٥] (ذَلِكُمْ بِأَنَكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللهِ هُزُوًا ) أي: ذلكم • أنكم اتخذتم القرآن هزوًا لعذاب إنما يقع بكم بسب لعبًا ( وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا أى: خدعتكم بزخارفه وأباطيلها، فظننتم أنه لا دار غيرها، ولا بعث ولا نشور، وعشتم حياتكم على أساس ذلك (فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا) أي: من النار (وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) أي: لا يُسْتَرْضَوْنَ، ولا يطلب منهم الرجوع إلى طاعة الله؛ لأنه يوم لا تقبل فيه توبة، ولا تنفع فيه معذرة. [٣٧] (وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: الجلال والعظمة والسلطان (وَهُوَ الْعَزِيزُ) في سلطانه فلا يغالبه مغالب ( الْحَكِيمُ) في كل أفعاله وأقواله وجميع أقضيته. تفسير سورة الأحقاف [٢-١] (حم. تَنْزِيلَ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) قد تقدم الكلام على مثل هذه الفاتحة في أول سورة غافر. [٣] (مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا) من المخلوقات بأسرها (إِلَّا بِالْحَقِّ) الذي تقتضيه المشيئة الإلاهية، وليس عبثًا ولا باطلًا (وَأَجَلٍ مُسَمَّى) هو يوم القيامة، فإنها تنتهي فيه السماوات والأرض وما بينهما، وتبدل الأرض غير الأرض والسماوات (وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا) أي: عما خوَّفو إبه في القرآن من البعث والحساب والجع لأر فين، تتقوق من أوت الين من الأصنام وأصحاب القبور والطواغيت ( أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ) أي: أيَّ شيء خلقوا منها (أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ) أي: هل يملكون جزءًا منها (إِنْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا القرآن، فإنه قد صرح ببطلان الشرك، وبأن الله واحد لاَ شريك له، وأن الساعة حق لا ريب فيها، فهل للمشركين من كتاب سماويِّ يخالف هذا الكتاب (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمِ ) أي: بقية من علم، أو شيء تاثرونه عن نبي كان قبل محمد وعيّ، وقال ابن عباس: الأثارة: الخط، أي: الشيء المكتوب المأثور. [٥] (وَمَنْ أَضَلٍّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ) أي: لا أحد أضل منه ولا أجهل، فإنه دعا من لا يسمع، فكيف يطمع في الإجابة، فضلًا عن جلب نفع أو دفعٍ ضرٍ، ولو دعاهُ (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلَونَ) المعنى: والأصنام التي يدعونها عن دعائهم إياها غافلون لا يسمعون ولا يعقلون؛ لكونِهم جمادات. [٦] (وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً) أي: إذا حُشِر الناس العابدون للأصنام كانت الأصنام لهم أعداء، تتبرأ منهم وتلعنهم. وقد قيل: إن اللّٰه يخلق الحياة في الأصنام فتكذّبهم، وأما الملائكة والمسيح وعُزَيْر والشيطان فإنهم يتبرءون ممن عبدهم يوم القيامة (وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ) أي: صفحة 503 كان المعبودون بعبادة المشركين إياهم كافرين: أي جاحدين مكذبين. [٨](أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) اخترع القرآن من عند نفسه كذبًا على اللّٰه (قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ) على سبيل الفرض والتقدير كما تدعون (فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئًا)) أي: فلا تقدرون على أن تردُّوا عني عقاب الله، فكيف أفتري على اللّٰه لأجلكم وأنتم لا تقدرون على دفع عقابه عني؟ (هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ) أي: اللّٰه أعلم بما تخوضون فيه، من التكذيب للقرآن، والقول بأنه سحر ( كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) فإنه يشهد لي بأن القرآن من عنده وأني قد بلغتكم، ويشهد عليكم بالتكذيب والجحود (وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) لمن تاب وآمن، وصدق بالقرآن، وعمل بما فيه. [٩] قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ) أي: ما أنا بأول رسول، قد بعث اللّٰه قبلي كثيرًا من الرسل (وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ) فيما يستقبل من الزمان، هل أبقى في مكة أو أخرج منها؟ وهل أموت أم أقتل؟ وهل تعجل لكم العقوبة أم تمهلون؟ (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) أي: أتبع القرآن ولا أبتدع من عندي شيئًا (وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ» أنذركم عقاب اللّٰه وأخوفكم عذابه على وجه الإيضاح. في صحيح البخاري وغيره، من حديث أم العلاء قالت: ((لما مات عثمان بن مظعون، قلت: رحمك اللّٰه أبا السائب، شهادتي عليك لقد أكرمك اللّٰه. فقال رسول اللّٰه وَيَتِيّية: وما يدريك أن اللّٰه أكرمه؟ أما هو فقد جاءه اليقين من ربه، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري -وأنا رسول اللّه- ما يُفعَل بي ولا بكم. قالت أم العلاء: فوالله لا أزكي بعده أحدًا». ١٠قل أَرَأيْتُمْ) أخبروني (إِنْ كَانَ) القرآن في الحقية. (مِنْ عِنْدِ اللهِ) والحال أنكم قد كفرتم به (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) العالمين بما أنزل اللّٰه في التوراة (عَلَى مِثْلِهِ) أي: القرآن من المعاني الموجودة في التوراة المطابقة له من إثبات التوحيد والنبوَّات وغير ذلك (فَآمَنَ) الشاهد بالقرآن لما تبين له أنه من كلام اللّٰه ومن جنس ما ينزله على رسله، وهذا الشاهد من بني إسرائيل هو عبد اللّٰه بن سلام، كان إسلامه بعد الهجرة (وَاسْتَكْبَرْتُمْ) عن الإيمان. [١١]( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا) أي: قالوا عنهم (لَوْ كَانَ خَيْرًا) ما جاء به محمد مِنَ القرآن والنبوة (مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ) أخرج ابن المنذر قال: كانت لعمر بن الخطاب مملوكة أسلمت قبلم. .ة١١ . لها: زِنَيرة، وكان عمر يضربها على الإسلامِ، وكان كفار قريش يقولون: لو كان خيرًا ما سبقتنا إليه زنّيرَة، فأنزل اللّٰه في شأنها (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ) أي: بالقرآن ( فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِنْكٌ قَدِيمٌ) كذب قديم كَما قالوا: أساطير الأولين. [١٢] (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى) قد تقدم القرآنَ كتابُ موسى، وهو التوراة، وتوافَقًا في أصول الشرائع، وهذا يدل على أنه حق، وأنه من عند اللّٰه (إِمَامًا وَرَحْمَةً) أي: يقتدى به في الدين، وهو رحمة من اللّٰه لمن آمن به (وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ) يعني: القرآن، فإنه مصدق لكتاب موسى الذي هو إمام ورحمة، ولغيره من كتب اللّٰه (لِسَانًا عَرَبِيًّا) أي: حال كونه بلغة عربية يفهمونها (لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا) [عذاب الله، فلا يكون لهم عذر] (وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ ) [أن مآلهم النصر والجنة جزاء إحسانهم]. [١٣] (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) أي: جمعوا بين التوحيد والاستقامة على الشريعة (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) لا يخافون من وقوع مكروه بهم، ولا يحزنون من فوات مح.., ،، وذلك مستمر دائم. صفحة 504 [١٥] (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا) أي: وصيناه أن بحسن إليهما إحسانًا (حَمَلَتْهُ أُمَّهُ كُرَّهَا وَوَضَعَتْهُ كُرْهَا) أي: حملته في بطنها بمشقة، وعندما ولدته ولدته بمشقة كذلك (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) أي: مدتهما هذه المدة، من عند ابتداء حمله إلى أن يفصل من الرضاع، أيٍ: يفطمِ عنه [أي: ثم يتعب الأبوان في تربيته إلى أن يستقلَّ ] (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ) أي: بلغ استحكام قوته وعقله (وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً) وهذا يفيد أن بلوغ الأربعين هو شيء بعد بلوغ الأشد (قَالَ رَبِّ أَوْزِغْنِي ) أي: ألهمني {(أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ) أي: ألهمني أن أشكر ما أنعمت به عليَّ من الهدايةِ، وعلى والديَّ من التحنن عليَّ منهما، حين رَبَّيَانِي صغيرًا (وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ) أي: وألهمني أن أعمل عملًا صالحًا ترضاه مني (وَأصْلِحْ لِى فِي ذَرِّيَّتِي) أي: اجعل ذريتى صالحين راسخين في الصلاح متمكنين منه. روي أنها نزلت في أبي بكر رَوتيَهُ وأرضاه {إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ) من ذنوبي (وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) أي: مستسلمين لك المنقادين لطاعتك المخلصين لتوحيدك. ١٦] { أُولَتِكَ) الذين هذه طريقتهم، هم (الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا) من أعمال الخير في الدنيا (وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ) فلا نعاقبهم عليها والتجاوز: الغفران (فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ) في عدادهم منتظمون في سلكهم (وَعْدَ الصَّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) به على ألسن الرسل في الدنيا. [١٧] (وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفِّ لَكُمَا ) أف: كلمة تصدِر عن قائلها عند تضجره من شيء يَرِدُ عليه (أَنَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ) أي: أنتما تخبراني أنني سأبعث من قبري بعد الموت لموعد الله، وهذا أمر مستبعد مستنكر: أبعث بعد الموت؟! (وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي) فماتوا ولم يبعث منهم أحد (وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللهَ) يتسغيثان اللّٰه له، ويطلبان منه أن يوفِّق ولدهما إلى الإيمان (وَيْلَكَ) أي: يقولان الولدهما: ويلك (آمِنْ) بالبعث (إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقُّ) لا خلف فيه (فَيَقُولُ) عند ذلك مكذبًا لما قالاه ( مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) أي: ما هذا الذي تقولانه من البعث إلا أحاديث الأولين وأباطيلهم التي سطروها في الكتب، يعني بقوله هذا: أن البعث في الحقيقة أمر باطل لا يقبله العقلِ. ١٨] (أُولَئِكَ) القائلون هذه المقالات هم (الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ) أي: وجب عليهم العذاب. ولعل المراد بالقول هنا: قوله سبحانه لإبليس: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْدَ - ٠) ( فِي أَمَمِ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْحِنِّ وَالْإِنْسِ) [أي: وجب عليهم العذاب فهم منضمون في ذلك إلى الأمم الكافرة المتقدمة]. ١٩](وَلِكُلَّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) أي: لكل فريق من الفريقين المؤمنين والكافرين من الجن والإنس مراتب عند اللّٰه يوم القيامة (وَلِيُوَفَّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ) أي: جزاء أعمالهم. [٢٠] (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ) يوم ينكشف الغطاء فينظرون إلى النار ويقربون منها، وقيل المعنى: تعرض النار عليهم (أَذْهَبْتُمْ طَيَّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَام اتبعوا الشهوات واللذات في معاصي اللّٰه سبحانه، ولم يبالوا بالذنب؛ تكذيبًا منهم لما جاءت به الرسل من الوعد بالحساب والعقاب والثواب (فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ) أي: العذاب الذي فيه ذل لكم وخزي عليكم (بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) أي: بسبب تكبرهم عن عبادة اللّٰه والإيمان به وتوحيده (وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ) أي: تخرجون عن طاعة الله، وتعملون بمعاصيه. [٢١] (وَاذْكُرْ) يا محمد لقومك ليتَّعظوا ويخافوا. أو المراد: تذكر في نفسك قصة هود ٠~.. ، لتقتدي به، ويهون عليك صفحة 505 ما تلقى من تكذيب قومك لك (أَخَا عَادٍ) وهو هود، كان أخاهم في النسب، لا في الدين (إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ) وهي ديار عاد، وهي: رمال بلاد الشِّحر باليمن في حضرموت (وَقَدْ خَلَتِ التُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) المعنى: أعلَمَهُم أن الرسل الذين بعثوا قبله، والذين بعثوا بعده، كلهم أنذروا نحو إنذاره (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمِ عَظِيم). [٢٢](قَالُوا أَجِئْتُنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ٱلِهَتِنَا) أيّ: لتصرفنا عن عبادتها ( فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا) من العذاب العظيم (إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) في وعدك لنا به. [٢٣] (قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ)) أي: إنما العلم بوقت لجيئه عند اللّٰه لا عندي؛ لأنه هو الذي قدره لا أنا، ولم يخبرني متى سيأتي به (وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ) إليكم من ربكم من الإنذار والإعذار، فأما العلم بوقت مجيء العذاب فما أوحاه إليَّ. [٢٤] ( فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا) أي: فلما رأوا السحاب عارضًا يعترض في الأفق (مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ) أي: متوجهًا نحو أوديتهم. قال المفسرون: كانت عاد قد حبس عنهم المطر، ثم ساق اللّٰه إليهم سحابة سوداء، فلما رأوه مستقبل أوديتهم استبشروا و (قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا) أي: غيم فيه مطر. فلما قالوا ذلك أجيبوا: (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ)) يعِني: مِن العذاب، حيث قالوا: ((فَاتْنِنَا بِمَا تَعِدُّنَا)) (رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) نشأت من ذلك السحاب الذي رأوه. أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة. قالت: كان النبي مَالِية إذا رأى غيمًا أو ريحًا، عُرِفَ ذلك في وجهه، قلت: يا رسول الله: الناس إذا رأوا الغيم فرحوا، أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية؟ قال: يا عائشة، ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عُذِّب قومٌ بالريح، وقد رأى قوم العذاب، فقالوا: هذا عارض ممطرنا. [٢٥] (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ) تهلك كل شيء مرَّت به من ( بِأَمْرٍ رَبِّهَا) بقضائه وقدره فوس عاد وأموالهم (فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ) أي: فجاءتهم الريح فدمرتهم، فأصبحوا لا يُرى من أموالهم وأجسامهم شيء، لكن ترى مساكنهم المتهدمة. [٢٦] (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ) مكَّنَّاهم في المال وطول العمر وقوة الأبدان، بمقدار لم نجعل لكم مثله، فقد كانوا أشد منكم يا أهل مكة، وأقوى تمكينًا في الأرض وأبنية وتسلطًا (وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْتِدَةً) أي: إنهم أعرضوا عن قبول الحجة والتذكر مع ما أعطام . اله من الحواسِّ التي بها تدرك الأدلة (فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْتِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ) أي: فما نفعهم ما أعطاهم اللّٰه من ذلك حيث لم يتوصلوا به إلى التوحيد وتصديق الوعد والوعيد (إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللهِ) أي: لأنهم كانوا يجحدون (وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِنُونَ) أي: أحاط بهم العذاب الذي كانوا يستعجلونه بطريق الاستهزاء حيث قالوا: ((فَاتْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا)). [٢٧](وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى) قرى ثمود وقرى قوم لوط ونحوهما مما كان مجاورًا لبلاد الحجاز، وكانت أخبارهم متواترة عندهم (وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) أي: بيَّا الحجج ونوَّعناها لكي يرجِعوا عنِ كفرهم فلم يرجعوا. [٢٨] ( فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْبَانًا آلِهَةً) أي: فهلا نصرتهم آلهتهم التي تقرَّبوا إليها بزعمهم لتشفع لهم، ومنعتهم من الهلاك الواقع بهم (بَلْ ضَلّوا عَنْهُمْ ) أي: غابوا عن نصرهم، ولم يحضروا عند الحاجة إليهم (وَذَلِكَ) الضلال والضياع سببه (إِفْكُهُمْ) الذي هو اتخاذهم إياها آلهة، وزعمهم الكاذب أنها تقربهم إلى الله، وتشفع (وَمَا كَانُوا يَفْتَرُومَ) أم.. يكذبون بقولهم: إنها آلهة. صفحة 506 [٢٩] (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًّا مِنَ الْجِنِّ) أي: وجهنا إليك يا محمد عِدَّة من الجن وبعثناهم إليك لما أردنا بقومهم من الهداية (فَلَمَّا حَضَرُوهُ) أي: حضروا القرآن عند تلاوته (قَالُوا أَنْصِتُوا) أمر بعضهم بعضًا بذلكِ لأجل أن يسمعوا (فَلَمَّا قُضِيَ) أي: فرغ النبي لا لي ( لَوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ) أي: انصرفوا قاصدين إلى من وراءهم من قومهم منذرين لهم عن مخالفة القرآن، محذرين لهم، وهذه الآية تبين أنه وَالِيّي كان مِرسلًا إلى الجن والإنس. [٣٠] (قَالُوا يَا قَوْمنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابَا أَنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى) أي: فوصلوا إلى قومهم، فأخبروهم بخبر الكتاب العظيم الذي أنزل إلى أهل الأرض. [٣١] (يَا قَوْمَنَا أَجِيُوا دَاعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ) يعنون: محمدًا الفه او القرآن (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُونِكُمْ) أي: بعضها (وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابِ أَلِيم) وهو عذاب النار، ويدخل مؤمنهم الجنة. [٣٢] (وَمَّنْ لَا يُحِبْ دَاعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزِ فِي الْأَرْضِ) أي: لا يفوت اللّٰه ولا يسبقه، ولا يقدر على الهرب منه، لأنه وإن هرب كلَّ مَهرَب فهو في قبضة الله، لا سبيل له إلى الخروج عن قدرته {وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ) أي: أنصار بمنعونه من عذاب اللّٰه ( أولَئِكَ» أي: من لا يجيب داعي اللّٰه (فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) أي: ظاهر واضح. أخرج أحمد ومسلم عن علقمة، قال: («قلت لابن مسعود: هل صحب رسول اللّٰه منكم أحد ليلة الجن؟ قال: ما صحبه منا أحد، ولكنا فقدناه ذات ليلة، فقلنا: اغتيل، استطير، ما فعل؟ قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فلما كان في وجه الصبح إذا نحن به يجيء من قبل حراء، فأخبرناه، فقال: إنه أتاني داعي الجن، فأتيتهم، فقرأت عليهم القرآن، فانطلق فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم)). [٣٣] (وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ) أي: لم يعجز عن ذلك ولا ضعف عنه (بَلَى) أي: بل هو قادر على ذلك كله. [٣٤] (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ) أي: يقال ذلك اليوم للذين كفروا عند عرضهم على اللّٰه (أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ) أي: وقد أخبرناكم به سابقًا فأنكرتم (قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا ) اعترفوا حين لا ينفعهم الاعتراف (قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) أي: بسبب كفركم بهذا في الدنيا وإنكاركم له. [٣٥] ( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أَوْلُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) أولو العزم هم أرباب الثبات والحزم، فإنك منهم. وأولو العزم من الرسل خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وَالِيّي [ خاصة دون سائر الأنبياء] وهم أصحاب اله 41- • ليس منهم يونس [وآدم] (وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ) أي: لا تستعجل العذاب يا محمد للكفار (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ) من العذاب (لَمْ يَلْبَتُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) لما يشاهدونه من الهول العظيم والبلاء المقيم (بَلَاغٌ) أي: هذا الذي وعظتهم به بلاغ يقطع حجة الكافرين (فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ) المعنى: أنه لا يهلك بعذاب اللّٰه إلا القوم الخارجون عن الطاعة والواقعون في معاصي الله. تفسير سورة محمد وتسمي: سورة القتال. [١] (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ) هم كفار ويش، كفروا بالله وصدوا انفسهمٍ وعيرهم عن " إسلام بنهيهم عن الدخول فيه {أضَلَ أعْمَالَهُمْ) أى أبطلها وجعلها ضائعة، وجعل الدائرة عليهم في كفرهم. [٢] (وَآمَنُوا بِمَا نُزَّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ) قيل: نزلت في الأنصار، وقيل: في مؤمني أهل الكتاب. وخص سبحانه الإيمان بما أنزل على محمل وَال يه بالذكر، مع اندراجه تحت الإيمان والعمل الصالح؛ لشرفه وعلو مكانته (وَهُوَ الْحَقِّ مِنْ رَبِّهِمْ) صفحة 507 آمنوا أنه حق وآمنوا بأنه كلام اللّٰه (كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ) التي عملوها فيما مضى، فإنه غفرها لهم بالإيمان والعمل الصالح (وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ) أي: شأنهم وحالهم. [٣]( ذَلِكَ بِ) سبب ( أَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ) المعنى: أن ذلك الإضلال لأعمال الكافرين بسبب اتباعهم الباطل، من الشرك بالله، والعمل بمعاصيه، وذلك التكفير لسيئات المؤمنين وإصلاح بالهم بسبب اتباعهم للحق الذي أمر اللّٰه باتباعه من التوحيد والإيمان وعمل الطاعات ( كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ } أي: أحوال الفريقين الجارية مجرى الأمثال في الغرابة. [٤](فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ) أمر بجهاد الكفار، وهم من لم يكن له عهد من المشركين وأهل الكتاب. أي: فاضربوهم بالسيوف على رقابهم ضربًا؛ لأن القتل أكثر ما يكون بحزّ العنق، وإطارة العضو الذي هو رأس البدن وعلوّه وأحسن أعضائه [فالآية حثِ على التصميم وعدم الهوادة مع العدو الكافر الحربي] (حَتَّى إِذَا أَتْخَنْتُمُوهُمْ ) أكثر تم القتل فيهم [وأفنيتم قوتهم الضاربة، حتى عادوا بلا قوة كالرجل المثخن بالجراح] (فَشُدُّوا الْوَثَاقَ) لئلا ينفلتوا، أي: فأسِرُوهم وأحيطوهم بالقيود (فَمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) أي: فإما أن تمنوا عليهم بعد الأسر منَّا، أو تفدواً فداء، والمنُّ: الإطلاق بغير عوض، والفداء: المال يفدي به الأسير نفسه من الأسر، ولم يذكر القتل هنا اكتفاء بما تقدَّم (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) هي ألا يكون حرب مع الكفار، وقيل المعنى: حتى يضع الأعداء المحاربون أوزارهم، وهو سلاحهم بالهزيمة أو الموادعة. والآية محكمة. والإمام [مُلزَم قبل الإثخان بالقتل فقط، وبعد الإثخان هو مخيَّر بين المن والفداء] ويجوز القتل للمصلحة، ولكن لا يكون فداء ولا أسر إلا بعد الإثخان، لقوله تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لَا نْتَصَرَ مِنْهُمْ) أي: ذلك هو الحكم في الكفار، والله قادر على الانتصار منهم بالانتقام منهم وإهلاكهم وتعذيبهم بما شاء من أنواع العذاب [دون قتال يكون منكم أيها المؤمنون] (وَلَكِنْ) أمركم بحربهم (لِيبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ) فيعلم المجاهدين في سبيله، والصابرين على ابتلائه، ويجزل ثوابهم، ويعذب الكفار بأيديهم. [٥] ( سَيَهْدِيهِمْ) أي: إلى طريق الجنة (وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ) أي: حالهم وشأنهم وأم ه [٦] (وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ) أي: بيَّنها لهم حتى عرفوها من غير استدلال، وذلك أنهم إذا دخلوا الجنة تفرَّقوا إلى منازلهم. وقيلٍ: معنى عرَّفها لهم: طيَّبها بأطيب الرائحة. [٧] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ) أي: إن تنصروا دين اللّٰه (يَنْصُرْكُمْ) على الكفار ويفتح لكم (وَيُثَبَّتْ أَقْدَامَكُمْ) أي: عند القتال في مواطن الحرب، وقيل: على الصراط. [٨](وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ» خيبة لهم، وقيل: قبحًا لهم، أو: شقوة لهم (وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) [أي: لم تصل أعمالهم إلى الخير الذي أريد بها في الآخرة، ولم توصلهم في الدنيا إلى غرضهم منها]. [١٠] (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) في أرض عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ليعتبروا (فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي: ما آل إليه أمر الكافرين قبلهم، فإن آثار العذاب في ديارهم باقية (دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ) [أي: هدَّم م (وَلِلْكَافِرِينَ عليهم ديارهم] أو أهلكهم واستأصلهم أَمْثَالُهَا) أي: لهؤلاء الكافرين مثل عاقبة من قبلهم من الأمم الكافرة. ولجميع الأم. الكافرة كذلك. صفحة 508 [١٢](وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ) أي: يتمتعون بمتاع الدنيا، وينتفعون به كأنهم أنعام، ليس لهم همة إلا بطونهم وفروجهم، ساهون عن العاقبة، لاهون بما هم فيه (وَالنَّارُ مَثْوَّى لَهُمْ) أي: مقام يقيمون به، ومنزل ينزلونه ويستقرُّون فيه. [١٣] (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ ) أي: [كثير من أهل المدن، والأمم ذات الإمكانيات والنفوذ] كانوا أشد قوة من أهل مكة الذين أخرجوك منها، فأهلكناهم (فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ) فبالأولى من هو أضعف منهم وهم قريش. [١٤ ] (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ) المعنى: أن من كان على يقين من ربه لا يستوي ولا يكون كمن زين له سوء عملهِ، وهو عبادة الأوثان والإشراك بالله، والعمل بمعاصي اللّٰه (وَاتَّبَعُوا أهْوَاءَهُمْ) في عبادتها، وانهمكوا في أنواع الضلالات، بلا شبهةٍ توجب الشك، فضلا عن حجة نيرة. [١٥] (مَثَلَ الْجَنَّةِ التِّي وُعِدَ الْمُتّقَونَ) مثل الجنة: وصفه جيب الشأن {فِيهَا أنهَارٌ مِنْ مَاءِ غَيْر آسِن) الآسن: المتغير، ومثله الآجن (وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنِ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ) أي لم يحمض كما تتغير ألبان الدنيا (وَأنْهَارٌ مِنْ خَمْرِ لذةٍ لِلشَّارِبِينَ) أي: لذيذة لهم طيبة الشرب لا يتكرهها الشاربون (وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى) أي: مصفى، فلا يخالطه شيء من الشمع والقذى والعكر والكدر (وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الشَّمَرَاتِ) أي: من كل صنف من أصنافها (وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ) لذنوبهم (كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ) التقدير: أمن هو في نعيم الجنة على هذه الصفة خالدًا فيها كمن هو خالد في النار؟ فليس أهل الجنة التي فيها الثمار والأنهار، كأهل النار التي فيها العذاب الأليم (وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا ) الحميم: الماء الحار الشديد الغليان ( فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ) لفرط حرارته. ١٦] (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ) أي: من هؤلاء الكفار الذين يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام من يستمع إليك وهم المنافقون (حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ) كان المنافقون بحضرون مواقف وعظ من رسول اللّٰه وَلِيّي ومواطن خطبهِ التي يلقيها على المسلمين حتى إذا خرجوا من عنده (قَالُوا لِلَّذِينَ أُونُوا الْعِلْمَ) وهم علماء الصحابة { مَاذَا قَالَ آنِفَّا) أي: ماذا قال النبي الساعة؟ على طريقة الاستهزاء، والمعنى: أنا لم تلتفت إلى قوله (أُولَئِكَ) المنافقون هم (الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ) فلم يؤمنوا، ولا توجه -. ١٥. بهم إلى شيء من الخير (وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) في الكفر والعناد. [١٧ ]وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا) إلى طريق الخير، فآمنوا بالله وعملوا بما أمرهم به (زَادَهُمْ) اللّٰه (هُدَّى) بالتوفيق، وعلمًا وبصيرة في الدين (وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) أي: ألهمهم إياها وأعانهم عليها، بالتوفيق للعمل الذي يرضاه. [١٨] ( فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ) أي: القيامة (أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً) أي: فجأة (فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) أي: أماراتها وعلاماتها. وكانوا قد قرأوا في كتبهم أن النبي وَالِيه آخر الأنبياء، فبعْثته من أشراط الساعة. في الصحيحين وغيرهما من حديث انس، قال: قال رسول اللّٰه ولاه: «بُعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بالوسطى والسبابة)) (فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ) أي: من أين لهم التذكر إذا جاءتهم الساعة؟ [حينئذ يكون قد فات الوقت للتذكير]. [١٩] ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) أي: فاعلم أنه لا إله غيره ولا رب سواه (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) استغفره مما قد يصدر منك (وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) بالدعاء لهم بالمغفرة عما فرط من ذنوبهم (وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُ: ه.. أعمالكم (وَمَثْوَاكُمْ ) صفحة 509 في الدار الآخرة، وقيل: متقلبكم: في أعمالكم نهارًا، ومثواكم: في ليلكم نيامًا. [٢١-٢٠] (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ) سأل المؤمنون ربهم وعيَّل أن ينزل على رسوله وَلِيهِ سورة يامرهم فيها بقتال الكفار، حرصًا منهم على الجهاد ونيل ما أعد اللّٰه للمجاهدين من جزيل الثواب (فَإِذَا أَنْزلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ) أي: غير منسوخة (وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ) أي: فرض الجهاد، قال قتادة: كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي لحكمة، وهي أشد القرآن على المنافقين (رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) أي: شك، وهم المنافقون (يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) أي: ينظرون إليك نظر من مخَص بصرُه عند الموت، لجبنهم عن القتال، وميلهم إلى الكفار (فَأَوْلَى لَهُمْ. طَاعَةٌ وَقَوْلَ مَعْرُوف) المعنى: طاعة منهم للرسول وقول معروف أحسن وأمثل لهم من غيرهما (فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ) أي: جد القتال (فَلَوْ صَدَقُوا اللَهَ) [في مقاتلة الكفار بكل جُهدهم] (لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) من المعصية والمخالفة. [٢٢] (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطَّعُوا أَرْحَامَكُمْ ) أي: فهل عسيتم إن توليتم أمر الأمة أن تفسدوا في الأرض بالظلم بقتل بعضكم بعضًا، وبسفك الدماء، وتقطعوا أرحامكم؟ وقيل المعنى: إن توليتم عن الطاعة وأعر ضتم عن القتال وفارقتم أحكامه. [٢٣] أولئِكَ* الظالمون وسافكو الدماء بغير حق هم (الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ ) أي: أبعدهم من رحمتهِ وطردهم عنها (فَأَصَمَّهُمْ) عن استماع الحق (وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ) عن مشاهدة ما يستدلون به على رعاية حق اللّٰه في عباده، وعدم الخوض في دمائهم وأموالهم بغير حق. [٢٤] (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) فيعملون بما اشتمل عليه من المواعظ الزاجرة والحجج الظاهرة والبراهين القاطعة {أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) أي: بل أعلى قلوبهم أقفال، فهم لا يفهمون ولا يعقلون ولا تنفتح قلوبهم للحق. [٢٥](إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ) أي: رجعوا كفارًا كما كانوا (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى) بما جاءهم به رسول الله بَا لِهِ من المعجزات الظاهرة والدلائل الواضحة وآمنوا بها ( الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ) أي: زين لهم خطاياهم، وسهل لهم الوقوع فيها (وَأَمْلَى لَهُمْ) مدَّ لهم في الأمل، ووعدهم طول العمر. (٢٦] ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ فَالُوا لِاَّهْ. ، مَ هُوا مَا نَزَّلَ اللّه ) أي: بسبب أن هؤلاء المنافقين الذين ارتدوا على أدبارهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله، وهم المشركون أو اليهود: ( سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ) وهذا البعض هو عداوة رسول اللٰه ول يه و مخالفة ما جاء به (وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ } وهو ما تآمروا به سرًّا مع أعداء اللّٰه. ٢٧٦]( فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ) أي: فكيف علمه بأسرارهم إذا توفتهم الملائكة، وقيل المعنى: فكيف يصنعون حينئذ (يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ) المعنى: أنه إذا تأخر عنهم العذاب فسيكون حالهم هذا، وقيل: ذلك عند القتال، نصرة من الملائكة لرسول اللّٰه وَلِّيهِم. [٢٨] ذَلِكَ) التوفي المذكور على الصفة المذكورة {بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ) أي: بسبب اتباعهم ما يسخط اللّٰه من الكفر والمعاصي [وتآمرهم مع أعداء اللّٰه على مشاقة النبي وَالية وأصحابه] (وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ) أي: كرهوا ما يرضاه اللّٰه من الإيمان والتوحيد والطاعة (فَأَحْبَطَ) اللّٰه ( أَعْمَالَهُمْ) بهذا السبب، ومنها ما قد عملوا من الخير قبل الردة. [٢٩] (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) يعنيٍ: المنافقين (أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغَانَهُ ٦ .. .هَم بأن يظهر ما يُكِنُّونه من صفحة 510 العداوات والأحقاد، حتى يكون ذلك معلومًا للنبي وَلِليه والمؤمنين، ويصيرون مفضو حين بذلك]. [٣٠] (وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ) أي: لأعلمناكهم وعرفناكهم بأعيانهم معرفة تقوم مقام الرؤية (فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ) أي: بعلامتهم الخاصة بهم التي يتميزون بها (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) لحن القول: فحواه ومقصده ومغزاه، وهو هنا: ما يعرضون به من تهجين أمرك وأمر المسلمين، قيل: كان بعد هذا لا يتكلم منافق عند النبي ا ه ا لا عرفه وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمَلَكُمْ ) لا نخفى عليه منها خافية، فيجازيكم بها. [٣١] (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) وذلك بأن نأمركم بالجهاد، حتى نعلم من امتثل الأمر بالجهاد، وصبر على دينه ومشاق ما كلف به ( وَنَبْلُوَ أخْبَارَكُمْ) نظهرها ونكشفها امتحانًا لكم ليظهر للناس من أطاعٍ ما أمره اللّٰه بِه، ومن عصى ولم يمتثل. [٣٢] (وَشَاقّوا الرَّسُولَ) عادوه وخالفوه (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى) أي: علموا أنه نبي من عند اللّٰه بما شاهدوا من المعجزات الواضحة والحجج القاطعة (لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا) بتركهم الإيمان وإصرارهم على الكفر، وما ضروا إلا أنفسهم (وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ)) أي: يبطلها، لكفرهم، وقيل: المراد بالأعمال: المكائد التي نصبوها لإبطال دين الله، والغوائل التي كانوا يبغونها برسول اللّه وَلِ يه [٣٣] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) ليما أمرتم به من الشرائع المذكورة في كتاب اللّٰه وسنا رسوله (وَلَا تُبْطِلَوا أعْمَالَكُمْ)) أي: لا تبطلوا حسناتكر بالمعاصي: الكبائر وبالرياء والسمعة والمنّ. [٣٥] (فَلَا تَهِنُوا) أي: لا تضعفوا عن القتال، والوهن: الضعف (وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ) أي: ولا تدعو الكفار إلى الصلح ابتداء منكم، فإن ذلك لا يكون إلا عند الضعف. وأمرهم بحربهم حتى يسلموا، ولم ينه عن قبول السلم إذا جنح إليه المشركون (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) أي: الغالبون بالسيف والحجة، أي: إنَّ آخر الأمر النصر لكم، وإن غلبوكم في بعض الأوقات (وَاللهُ مَعَكُمْ) بالنصر والمعونة عليهم (وَلَنْ يَتْرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) أيٍ: لن ينقصكم شيئًا من ثواب أعمالكم. [٣٦] (إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) أي: باطل وغرور، لا ثبات له ولا اعتداد به (وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ) في الآخرة، والأجر: الثواب على الطاعة (وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ) أي: لا .أ. ، بإخراجها جميعها في الزكاة وسائر وجوه الطاعات، بل أمركم بإخراج القليل منها. [٣٧] (إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا) أي: أموالكم كلها (فَيُحْفِكُمْ ) قال المفسرون: معناه: يجهدكم ويلحِف عليكم (تَبْخَلَوا) وتمتنعوا من الامتثال (وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ) الأضغان: الأحقاد، والمعنى: أنها تظهر عند ذلك. [٣٨] ( مَا أنتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُتْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ في الجهاد وفي طريق الخير {فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلَ) باليسير من المال، فكيف لا تبخلون بالكثير وهو جميع الأموال (وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ) أي: يمنعها الأجر والثواب ببخله [وإذا بخلتم بالإنفاق تغلب العدو عليكم فذهب عزكم وأموالكم وربما أنفسكم] (وَاللهُ الْغَنِيُّ) المطلق المتنزه عن الحاجة إلى أموالكم (وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ) إلى الله، وإلى ما عنده من الخير والرحمة (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ) المعنى: وإن تعرضوا عن الإيمان والتقوى بستبدل قومًا آخرين يكونون مكانكم هم أطوع لله منكم (ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) في التولي عن الإيمان والتقوى، وفي البخل بالإنفاق في ١ ٠ اله . صفحة 511 تفسير سورة الفتح [هذه السورة نزلت عَقِبَ انصراف النبي وَيِّ إِلى المدينة المنورة بعد أن عقد مع قريش صلح الحديبية. وكان ذلك سنة ست من الهجرة. وكان قد سار إلى مكة للعمرة، فصدَّته قريش. وانتشر الخبر بأن قريشًا قتلت عثمان بن عفان، فبايع النبي وَلِي أصحابه على القتال، وتسمى بيعة الشجرة، بايعهم على أن لا يفروا. وكان هذا الصلح هو الفتح، قال الزهري: لم يكن فتحٌ أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين، فسمعوا كلامهم، فتمكن الإسلام في قلوبهم، وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير، وكثر بهم سواد الإسلام]. [٢] (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ) لكي يجتمع لك مع المغفرة: تمام النعمة في الفتح، وهداية الصراط المستقيم، والنصر العزيز؛ نجمع لك بين عز الدارين، وأغراض العاجل والآجل (مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ) قبل الفتح (وَمَا تَأَخَّرَ) بعده، وقيل: ما تقدم من ذنبك قبل الرسالة، وما تأخر بعدها (وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ) بإظهار دينك على الدين كله، وقيل: بفتح مكة والطائف [فيما بعد، فإن فتح الحديبية تيسر به فتح ما بعده، وكان تمام النعمة بفتح مكة] (وَيَهْدِيَكَ) يثبتك على الهدى إلى أن يقبضك إليه. [٣] (وَيَنْصُرِكَ اللهُ نَصْرًا عَزِيزًا)) أي: غالبًا منيعًا لا يتبعه ذل. [٤] (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ) أي: السكون والطمأنينة بما يسَّره لهم من الفتح؛ لئلا تنزعج نفوسهم لما يرد عليهم (لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ) أي: ليزيدهم اللّٰه بسبب تلك السكينة إيمانًا منضمًّا إلى إيمانهم الحاصل لهم من قبل (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [ فينصر رسوله بما شاء ولو من غير قتال]. [٥] (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ نَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) عن جابر قال: قال النبي وَالِيم: (( لَا يدخل النارَ أحدٌ بايع تحت الشجرة)). [٦] (وَيُعَذَّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ) بما يصل إليهم من الهموم والغموم بسبب ما يشاهدونه من ظهور كلمة الإسلام، وقهر المخالفين له، وبما يصابون به من القهر والقتل والأسر، وفي الآخرة بعذاب جهنم (الظانَينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ وهو ظنهم أن النبي لَالِفِ يُغْلَبُ، وأن كلمة الكَفر تعلو على كلمة الإسلام (عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ) أي: ما يظنونه ويتربصونِه بالمؤمنين دائر عليهم حائق بهم {وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ = *١). [٧] (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) من الملائكة والإنس والجن والشياطين [وكل شيء فيه قوة، وغير ذلك مما يقهر به أعداءه] والريح والصواعق وغير ذلك. [٨] (إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا) أي: تشهد على أمتك بتبليغ الرسالة إليهم (وَمُبَشّرًا) بالجنة للمطيعين (وَنَذِيرًا) لأهل المعصية. [٩] «لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقَّرُوهُ) أي: تعظموا النبي وَلِيه و تفخموه، وقال قتادة: لتنصروه وتمنعوه من كل من يريد به أذى (وَتُسَبَّحُوهُ) أي: تسبحوا اللّٰه وعَل (بُكْرَةً وَأَصِيلًا ) أي: غدوًّا وعشية. [١٠] إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ) يعني: بيعة الرضوان بالحديبية [بايعوه على الموت، وقيل: بايعوه على أن لا يفروا، ومآل القولين واحد] (إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ) وذلك لأنهم باعوا أنفسهم من اللّٰه بالجنة (يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) المعنى: أن عقد الميثاق مع رسول الله لَالِي كعقده مع اللّٰه سبحانه من غير تفاوت (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ) أي: فمن نقض ما عقد من البيعة فإنما ينقض على نفسه؛ لأن ضرر ذلك راجع إليه لا يجاوزه إلى غيره «مَمَ: أَمْ فَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ) صفحة 512 أي: ثبت على الوفاء بما عاهد اللّٰه عليه في البيعة لرسوله (فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا) وهو الجنة. ١١] (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ) هم الذين خلَّفهم اللّٰه عن صحبة رسوله حين خرج عام الحديبية، وهم بعضٍ الأعراب الذين كانوا حول المدينة (شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا) أي: منعنا عن الخروج معك ما لنا من الأموال والنساء والذراري، وليس لنا من يقوم بهم ويخلفنا عليهم (فَاسْتَغْفِرْ لَنَا) ليغفر اللّٰه لنا ما وقع منا من التخلف عنك بهذا السبب ( يَقُولُونَ بِأَلْسِنَهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ) صنيع المنافقين (قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا) أي: فمن يمنعكم مما أراده اللّٰه بكم من خير وشر (إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا) أي: إنزال ما يضركم من ضياع الأموال وهلاك الأهل ( أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا) أي: نصرًا وغنيمة ١٢] (بَلْ ظَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا) أي: بل ظننتم أن العدو يستأصل المؤمنين بالمرة فلا يرجع منهم أحد إلى أهله، فلأجل ذلك تخلفتم، لا لما ذكرتم من المعاذير الباطلة (وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ ) أي: وزين الشيطان ذلك الظن في قلوبكم قبلتموه (وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ) ظنوا أن اللّٰه سبحانه لا ينصر رسوله (وَكُنْتُمْ قَوْمَا بُورًا) أي: هالكين عند الله. [١٣] (وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا) أي: ومن لم يؤمن بهما كما صنع هؤلاء المخلّفون فجزاؤهم ما أعده اللّٰه لهم مِن عذاب السعير [١٥] (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا) سيقولون عند انطلاقكم أيها المسلمون إلى مغانم خيبر لتأخذوها ولتحوزوها: (ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ) ونشهد معكم غزوة خيبر، وأصل القصة: أنه لما انصرف النبي وَالي ومن معه من المسلمين من الحديبية وعدهم اللّٰه فتح خيبر، وخصَّ بغنائمها من شهد الحديبية، فلما انطلقوا إليها قال هؤلاء المخلفون: ذرونا نتبعكم (يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللهِ) والمراد بهذا الكلام الذي أرادوا أن يبدِّلوه هو مواعيد اللّٰه لأهل الحديبية خاصة بغنيمة خيبر. يعني أمر اللّٰه لرسوله ألا يسير معه إلى خيبر أحد من غير أهل الحديبية (قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ) أي: إن اللّٰه تعالى قد أخبرنا من قبل رجوعنا من الحديبية أن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية خاصة ليس لغيرهم فيها نصيب (فَسَيَقُولُونَ ) يعني: المنافة . ١٠٥ سماع هذا القول (بَلْ تَحْسُدُونَنَا) أي: بل ما يمنعكم من الإذن لنا في الخروج معكم إلا الحسد، لئلا نشارككم في الغنيمة (بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا) أي: لا يعلمون إلا علمًا قليلا، وهو علمهم بأمر الدنيا [أما قصد القتال لله، وإصلاح النية له، وصدق الإيمان به، فذلك شيء لا يفقهونه]. ١٦١] قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ) هم المذكورون سابقًا (سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمِ أولِي بَأْسِ شَدِيدٍ) هم: هوازن وغطفان يوم حنين. [وكان قتالهم بعد فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة] وقال الزهري: هم بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة، وكان قتالهم بعد ذلك أيام أبي بكر الصديق (تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) أي: يكون أحد الأمرين: إما المقاتلة، أو الإسلام لا ثالث لهما، وهذا حكم الكفار، الذين لا تؤخذ منهم الجزية، فقد شرع أخذ الجزية من غير العرب (فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْرًا حَسَنا) وهو الغنيمة في الدنيا والجنة في الآخرة (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا) أي: تعرضوا (كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ) وذلك عام الحديبية (يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمَا) بالقتل والأسر والقهر في الدنيا، وبعذاب النار في الآخرة، لتضاعُفِ جرمكم. صفحة 513 [١٧] (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) أي: ليس على هؤلاء المعذورين بهذه الأعذار حرج في التخلف عن الغزو لعدم استطاعتهم (وَمَنْ يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ) فيما أمره به ونهاه عنه (يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا) أي: ومن يعرض عن الطاعة يعذبه اللّٰه عذابًا شديد الألم. [١٨] (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَابِعُونَكَ تَحْتَ الَّجَرَة : ر الَا وقت تلك البية، وهي بيعة الرضوان، وكانت بالحديبية، وكانت البيعة على أن يقاتلوا قريشًا ولا يفروا، وروي أنه بايعهم على الموت، والقصة مبسوطة في كتب الحديث والسير (فَعَلِمَ مَا فِي قَلَوْبِهِمْ) من الصدق والوفاء (فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ) السكينة: الطمأنينة وسكون النفس كما تقدم (وَأَتَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) هو فتح خيبر عند انصرافهم من الحديبية. وقيل: فتح مكة. ١٩] (وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا) أي: وأثابكم مغانم كثيرة، وهي غنائم خيبر (وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) أي: غالبًا مُصدرًا أفعاله وأقواله على أسلوب الحكمة. [٢٠] (وَعَدَكُمُ اللهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا) بما سيفتحه عليهم من الغنائم إلى يوم القيامة يأخذونها في أوقاتها التي قدَّرِ وقوعها فيها (فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ) أي: غنائم خيبر (وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ) أي: وكف أيدي قريش عنكم يوم الحديبية بالصلح، وقيل: كف أيدي أهل خيبر وأنصارهم عن قتالكم وقذف في قلوبهم الرعب، وكف أيدي عيينة بن حصن الفزاري، وعوف بن مالك النصري ومن كان معهما، إذ جاءوا لينصروا أهل خيبر عند حصار النبي وَلِيِ لهم (وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) يعلمون بها صدق رسول اللّٰه وَلِيِي في جميع ما يعدهم به (وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) أي: يزيدكم تلك الآية هدى، أو يثبتكم على الهداية إلى طريق الحق. [٢١] (وَأَخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا) قال ابن عباس ومجاهد: هي الفتوح التي فتحها اللّٰه على المسلمين من بعد. وقيل: بل هي مكة نفسها (قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا) أحاط اللّٰه بها لكم حتى تفتحوها وتأخذوها، فهم وإن لم يقدروا عليها في الحال فهي محبوسة لهم لا تفوتهم، وعلم أنها ستكون لهم (وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا)) لا يعجزهِ شيء. [٢٢] (وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ) يعني: كفار قريش بالحديبية (ثُمَّ لا بحامنَ وَلِيَّا) يواليهم على قتالكم (وَلَا نَصِيرًا) ينصرهم عليكم. [٢٣] (سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ) من نصر أوليائه على أعدائه (وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا) بل هي مستمرة ثابتة. ٢٤] (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ) أي: كف أيدي المشركينَ عن المسلمين، وأيدي المسلمين عن المشركين، لما جاءوا يصدون رسول الله وَاِيِ و من معه عن البيت عام الحديبية، وهي المراد بطن مكة، فإن ثمانين رجلًا من أهل مكة هبطوا على النبي وَالِخِ من قبل جبل التنعيم، متسلحين، يريدون غِرَّة النبي ويالفي فأخذهم المسلمون ثم تركوهم (وَكَانَ اللهُ بِمَا نَعْمَلَونَ بَصِيرًا) لا يخفى عليه من ذلك شيء. [٢٥] ( هُمُ الَّذِينَ كَفْرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) يعني: كفار مكة منعوا المسلمين أن يطوفوا به ويحلوا من عمرتهم (وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ) أي: وصدوا الهدي عن أن يبلغ محله، ومحله مكان نحره، وهو المكان الذي يحل نحره فيه وهو الحرم، وكان الهدي سبعين بدنة، فرخص اللّٰه سبحانه لهم بجعل ذلك ا! .. ذ.. الذي وصلوا إليه وهو صفحة 514 الحديبية محلا للنحر، وكانوا خارج الحرم كما قال تعالى (فَإِنْ أَحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي) (وَلَوْلَا رِجَال مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ) يعني: المستضَعفين من المؤمنين مكة (لَمْ تَعْلَمُوهُمْ) لم تعرفوهم، وقيل: لم تعلموا أنهم مؤمنون (أَنْ تَطَئُوهُمْ) بالقتل والإيقاع بهم، وذلك أنهم لو كسبوا مكة وأخذوها عنوة بالسيف لم يتميز المؤمنون الذين هم فيها من الكفار، وعند ذلك لا يأمنون أن يقتلوا المؤمنين، فتلزمهم الكفارة، وتلحقهم سبة، وهو معنى قوله: ( فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ) أي: من جهتهم ( مَعَرَّةٌ)) أي: شقة من كفارة وعيب، وذلك أن المشركين سيقولون: إن المسلمين قد قتلوا أهل دينهم (بِغَيْرِ عِلْمِ ) [ والتقدير لولا ذلك لأذن لكم في قتالهم لينزل بهم بأسه] (لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ) أي: ولكن كف أيديكم ليدخل اللّٰه في رحمته بذلك من يشاء من عباده، وهم المؤمنون والمؤمنات الذين كانوا في مكة، فيتمم لهم أجورهم ويفك أسرهم (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) أي: لو تميز الذين آمنوا من الذين كفروا، وانفصل بعضهم من بعض، لعذبنا الذين كفروا بالقتل. [٢٦] «إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) قال أهل مكة: قد قتلوا أبناءنا وإخواننا ويدخلون علينا في منازلنا، فتتحدث العرب أنهم قد دخلوا علينا على رغم أنوفنا؟ واللات العزى لا يدخلونها علينا، فهذه الحمية هي حمية الجاهلية التي دخلت قلوبهم (فَأْنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) أنزل الطمأنينة والوقار على رسوله وعلى المؤمنين حيث لم يدخلهم ما دخل أهل الكفر من الحمية. وثبتهم على الرضى والتسليم (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى) وهي: ((لا إله إلا اللّٰه محمد رسول الله)» [والمراد: ألزمهم تعظيم الحرم، وترك القتال فيه، ولم يستفزِهم صنيع الكفرة لينتهكوا حرمة الحرم] (وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا) أَي: وكان المؤمنون أحق بهذه الكلمة من الكفار، وكانوا المستأهلين لها دونهم. [٢٧] (لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقَّ) قال المفسرون: إن اللّٰه سبحانه أرى نبيه وَلِي في المدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية كأنه هو وأصحابه حلقوا وقصروا، فأخبر بذلك أصحابه، ففرحوا وحسبوا أنهم سيدخلون مكة عامهم ذلك، فلما رجعوا من الحديبية ولم يدخلوا مكة، قال المنافقون: والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا دخلنا المسجد الحرام، فأنزل اللّٰه هذه الآيةِ: 12-1 خُاْةَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) أي: فيما بعد هذا العام (إِنْ شَاءَ اللهُ ) تعليق للعدة بالمشيئة، لتعليم العباد لما يجب أن يقولوه. قال ثعلب: إن اللّٰه استثنى فيما يعلم ليستثني الخلق فيما لا يعلمون (آمِنِينَ مُحَلَقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) أي: آمنين من العدو، ومحلقًا بعضكم ومقصرًا بعضكم (لَا تَخَافُونَ) أي: لا يداخلكم من المشركين خوف في الصلح (فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ) أي: قبل أدائكم للعمرة (فَتْحًا قَرِيبًا) فتح خيبر [وأخذكم ما فيها من الغنائم والأموال وأخر عنكم فتح مكة]. [٢٨] (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى) [فأتاكم الرسول به، ودلكم على ما فيه مرضاة ربكم] (وَدِينِ الْحَقِّ) وهو الإسلام (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) أي: يعليه على كل الأديان، وقيل: ليظهر رسوله. وقد كان ذلك بحمد الله، فإن دين الإسلام قد ظهر على جميع الأديان وغلب عليها (وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا) على هذا الإظهار الذي وعد المسلمين به، وعلى صحة نبوة نبيه وَالِيه. [٢٩] مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالّذِينَ مَعَهُ) قيل: هم أصحاب الحديبية (أَشِاَّ اءُعَاَ ، الْكُفَّارِ) أي: صفحة 515 غلاظ عليهم كما يغلظ الأسد على فريسته (رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } أي: متوادون متعاطفون، فيظهرون لمن خالف دينهم الشدة والصلابة، ولمن وافقه الرحمة والرآفة [على خلاف ما يفعله المنافقون إذا ولوا الأمر، من لينهم لأهل الكفر، وشدتهم على المسلمين، ألا ساء ما يعملون] (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا) أي: تشاهدهم حال كونهم راكعين ساجدين (يَيْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا ) أي: يطلبون ثواب اللّٰه لهم ورضاه عنهم (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) قيل: هو البهاء والوقار في الوجه، وظهور الأنوار عليه (ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ) أي: وصفهم الذي وصفوا به في التوراة (وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعِ أَخْرَجَ شَطْأَهُ) الشطء فرخ النبت والشجر، ينبت من عرقهً أو من جذعه (فَآزَرَهُ) أي: قواه وأعانه وشده، أي: إن الزرع قوَّى الشطء؛ لأنه تغذى منه واحتمى به (فَاسْتَغْلَظَ ) أي: صار ذلك الشطء غليظًا بعد أن كان دقيقًا (فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ) أي: فاستقام على أعواده (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ) أي: مجب هذا الزرع وأغصانه الجديدة زرَّاعه لقوته وحسن منظره. وهذا مثل ضربه اللّٰه سبحانه لأصحاب النبي وَالِيَّيه و أنهم يكونون في الابتداء قليلًا، ثم يزدادون ويكثرون ويقْوَون، كالزرع، فإن فراخه تكون في الابتداء ضعيفة، ثم تقوى حالًا بعد حال حتى يغلظ ساقه [فكذلك المسلم إذا دخل في الإسلام يكون إيمانه ضعيفًا، فيتقوَّى بصحبته وملازمته لأهل العلم والإيمان حتى يستوي ويكون مثلهم] (لِبَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) أي: كثرهم وقواهم ليكونوا غيظًا للكافرين (وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) أن يغفر ذنوبهم ويجزل أجرهم بإدخالهم الجنة التي هي أكبر نعمة وأعظم منّه. ٤٤ ٤ أخرج البخاري، وغيره عن عبد اللّٰه بن الزبير، قال: ((قدم ركب من بني تميم على النبي وَالِيه فقال أبو بكر: أمِّر القعقاع ابن معبد. وقال عمر: بل أمِّر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما اردت إلا خلافي، فقال عمر: ما اردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فأنزل اللّٰه هذه السورة». [١] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَي اللهِ وَرَسُولِهِ) المعنى: لا تقطعوا أمرًا دون اللّٰه ورسوله، ولا نعجلوا به بحضرته (وَاتَّقُوا اللهَ) فى كل أموركم (إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ) لكل مسموع ( عَلِيمٌ) بكل مِعلوم. [٢] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النِّبِيِّ) لأن ذلك يدل على قلة الاحتشام وترك الاحترام، وخفضُ الصوت وعدم رفعه من التعظيم والتوقير (وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ) إذا كلمتموه، كما تعتادونه في الجهر بالقول إذا كلم بعضكم بعضًا. أمرهم اللّٰه أن يغضوا أصواتهم ويخاطبوه بالسكينة والوقار. وقيل: المراد: لا تقولوا: يا محمد ويا أحمد، ولكن: يا نبي الله، ويا رسول الله، توقيرًا له ( أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ ) أي: نهاكم اللّٰه عن الجهر لئلا يذهب ثواب أعمالكم (وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ) [٣](أَولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى) أخلص قلوبهم للتقوى، كما يمتحن الذهب بالنار فيخرج جيده من رديئه ويسقط خبثه، فكذلك هؤلاء الذين يلزمون أنفسهم احترام رسول الله والايه ويغضون أصواتهم عنده طاعة لأمر اللّٰه تعالى. [٤] (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ) هم جفاة بني تميم، نادوا النبي لاليه ليفاخروه (أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) لغلبة الجهل عليهم، وكث. ة الحفاء في طباعهم. صفحة 516 [٥] (وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) أصلح لهم في دينهم ودنياهم؛ لما في ذلك من رعاية حسن الأدب مع رسول اللّٰه وَلِّيه ورعاية جانبه الشريف، والعمل بما يستحقه من التعظيم والتبجيل. [٦](إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ) [ الفاسق: الفاجر لأنه لا يبالي الكذب] (بِبَأ) [أي: خبر فيه إضرار بأحد] (فَتَيَّنُوا) أي: فتثبتوا، ومن التثبت الأناة وعدم العجلة، والتبصُّر في الأمر الواقع والخبر الوارد حتى تتضح حقيقته وتظهر (أَنْ تُصِيبُوا قَوْمَا بِجَهَالَةٍ) أي: لئلا نمسوهم بضرر لا يستحقونه (فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ) بهم من إصابتهم بالخطأ ( نَادِمِينَ) على ذلك مغتمين له مهتمين به. [٧](وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ) فلا تقولوا قولًا باطلًا، ولا تتسرعوا عند وصول الخبر إليكم من غير تبين (لَوْ طِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتّمْ) لو يطيعكم في كثير مما نخبرونه به من الأخبار، وتشيرون به عليه من الاراء التي ليست بصواب، لوقعتم في العنت، وهو التعب والجهد والإثم والهلاك، ولكنه لا يطيعكم في غالب ما تريدون قبل وضوح وجهه له، ولا يسارع إلى العمل بما يبلغه قبل النظر فيه (وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ) أي: جعله أحب الأشياء إليكم، فلا يقع منكم إلا ما يوافقه ويقتضيه من الأمور الصالحة وترك التسرع في الأخبار، وعدم التثبت فيها (وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ) أي: حسَّنَه بتوفيقه (وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ) أي: جعل كل ذلك مكروهًا عندكم ( أولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) الرشد: الاستقامة على طريق الحق. [٨] (فَضْلًا مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً) أي: إنه حبَّب إليكم ما حبَّب، وكرَّه ما كرَّه، لأجل فضله وإنعامه. [٩] (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) معنى الآية: أنه إذا تقاتل فريقان من المسلمين فعلى المسلمين أن يسعوا بالصلح بينهم ويدعوهم إلى حكم اللّه. فإن حصل بعد ذلك التعدي من إحدى الطائفتين على الأخرى، ولم تقبل الصلح، ولا دخلت فيه، بل طلبت ما ليس لها، كان على المسلمين أن يقاتلوا هذه الطائفة الباغية حتى ترجع إلى أمر اللّٰه وحكمه، فإن رجعت عن بغيها، وأجابت الدعوة إلى كتاب اللّٰه وحكمه، فعلى المسلمين أن يعدلوا بين الطائفتين في الحكم ويتحروا الصواب المطابق لحكم الله، ويأخذوا على يد الطائفة الظالمة حتى تخرج من الظلم، وتؤدي ما بجب عليها للأخرى (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) أَي: واعدلوا في الحكم بينهما إن اللّٰه يحب العادلين. [١٠] (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةُ أ " إنهم راجعون إلى أصل واحد وهو الإيمان، فهم إخوة إذ كانوا متفقين في دينهم (فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) يعني: كل مسلمين تخاصما وتقاتلا. وكذا لو خرج جماعة على الإمام فإنهم يكونون طائفة باغية إن كان خِروجهم بغير حق ولكنهم إخوة مع المؤمنين.. [١ ١] (يَا أَيِّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ) أي: ربما يكون المسخور بهم عند اللّٰه خيرًا من الساخرين بهم (وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ) أي: ولا يسخر نساء من نساء (عَسَى أَنْ يَكُنَّ) أي: المسخور منهن (خَيْرًا مِنْهُنَّ) يعني: خيرًا من الساخرات (وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ) لا يطعن بعضكم على بعض (وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ) أي: لا يلقب بعضهم بعضًا [لقب سوء يغيظ بذلك صاحبه، نهى عن ذلك لما يؤدي إليه من العداوة] كأن يقول لأخية المسلم: يا فاسق، يا منافق، أو يقول لمن أسلم: يا يهودي، يا نصراني. أو: يا كلب، يا حمار، يا خنزير، ويستثنى من ذلك أن يشتهر بلقب لا يسوؤه فيجوز إطلاقه عليه كالأعمش والأعرج من رواة الحديث {بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ) أي: ساء الاسم أن يسمى الرجل كافرًا أو : ان"ا ٠- - إسلامه وتوبته. صفحة 517 [١٢ ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنْيُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ) هو أن يظن بأهل الخير سوءًا، فأما أهل السوء والفسوق فلنا أن نظن بهم مثل الذي ظهر منهم (إِنَّ بَعْضَ الظِّنِّ إِثْمُ) هذا البعض هو ظن السوء بأهل الخير (وَلَا تَجَسَّسُوا) التجسس: البحث عما ينكتم عنك من عيوب المسلمين وعوراتهم (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) أي: لا يتناول بعضكم بعضًا بظهر الغيب بما بسوؤه، والغيبة: أن تذكر الرجل في غَيْبَتِهِ بما يكرهه [ولو كان ما يغتاب به ويصف به أخاه المسلم من الوصف موجودًا فيه. أما إن كان ذلك الوصف مفترى وكان من تغتابه خاليًا من ذلك فذلك هو البهتان] (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنًا) مثَّل اللّٰه سبحانه الغيبة بأكل الميتة [لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه كما أن الحي لا يعلم بغيبة من اغتابه، أي: فلا يستطيع الدفاع عن نفسه، كالميت إذا قطع لحمه وأكل. أما الحاضر فقد ستطيع أن يدفع عن نفسه قالة السوء] وهذا من التنفير، فإن لحم الإنسان مما تنفر عن أكله الطباع الإنسانية، وتستكرهه الجبلّة البشرية، فضلًا عن كونه محرمًا شرعًا (فَكَرِهْتُمُوهُ) المعنى: فكما كرهتم هذا فاجتنبوا ذكره بالسوء غائبًا. [١٣] (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأْنْثَى) هما آدم وحواء، يجمعهم أب واحد وأم واحدة، وأنه لا موضع للتفاخر بينهم بالأنساب، فالكل سواء (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ) الشعب: الأمة الكبيرة تجمع قبائل، مثل مضر وربيعة، والقبائل: دونها، كبني بكر من ربيعة، وبني تميم من مضر. وقيل: الشعوب بطون العجم، والقبائل بطون العرب (لِتَعَارَفُوا) أي: ليعرف بعضكم بعضًا بأنه من قبيلة كذا. لا للتفاخر بأنسابهم (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَنْقَاكُمْ) أي: إن التفاضل بينكم إنما هو بالتقوى، فدعوا التفاخر بالأنساب. [١٤] (قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا) أي: لم تصدقوا تصديقًا صحيحًا عن اعتقاد قلب وخلوص نية وطمأنينة (وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) أي: نطقنا بالشهادتين (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) بل مجرد قول باللسانِ من دونَ اعتقاد صحيح ولا نية خالصة (لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ) لا بنقصكم من أجور أعمالكم شيئًا. [١٥] (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) يعني إيمانًا صحيحًا خالصًا، عن مواطأة القلب واللسان {ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا) أي: لم يدخل قلوبهم ريب ولا خالطهم شك (وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنَّفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ) أي: في طاعته وابتغاء مرضاته {أَولَتِكَ) الجامعون بين الأمر . ١١. أكورة (هُمُ الصَّادِقُونَ) في الاتصاف بصفة الإيمان والدخول في عداد أهله. ١٦] (قُلْ أَتُّعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ ) أي: أتخبرونه ليعلم بذلك حيث قلتم: آمنا (وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) فكيف يجهل حِقيقة ما تدعونه من الإيمان؟ [١٧ ] (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا) أي: يعدُّون إسلامهم منّة عليك، حيث قالوا: جئناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان (قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ) أي: لا تعدوه منة علي (بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ) أي: [وفقكم لقبول الدين وشرح صدوركم له] (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) فيما تدعونه، فلله المنة عليكم. تفسير سورة ق أخرج مسلم وأبو داود عن أم هشام ابنة حارثة، قالت: ما أخذتُ (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) إلا من فيَّ رسول الله وَلِلِمِ كان يقرأ بها في كل جمعة عا المنبر إذا خطب الناس. صفحة 518 [١]() تقدم في أول سورة البقرة الكلام في هذه الحروف المقطعة في أوائل السور (وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) الكريم، وقيل: الرفيع القدر. [٢] (بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ) أي: عجب الكفار لأن جاءهم منذر هو واحد منهم وهو محمد وَلِلِيه ولم يكتفوا بمجرد الشك والرد، بل جعلوا ذلك من الأمور العجيبة (فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ) وهو تعجُّبهم من كون الرسول بشرًا مثلهم، وتعجبهم من البعث. [٣] (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا) أي: أيبعثنا اللّٰه كما تقول، ويعيدنا إليه بعد أن تتفرق أجزاؤنا في الأرض وتكون ترابًا (ذَلِكَ) أي: البعث (رَجْعُ بَعِيدٌ) أي: يبعد عن العقول، فهو أمر لا يصدقه العقل لأنه غير ممكن، بزعمهم. [٤] (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ) أي: ما تأكل من أجسادهم، فلا يضل عنا شيء من ذلك (وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظَ) أي: حافظ لعدتهم وأسمائهم ولكل شيء من الأشياء، وهو اللوح المحفوظ. [٥] (فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيج) أي: مختلط مضطرب، يقولون مرة: ساحر، ومرة: شاعر، ومرة: كاهن. [٦] ( أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا) أي: على هذه الصفة العجيبة، فهي مرفوعة بغير عماد تعتمد عليه (وَزَيَّنَّاهَا) بما جعلنا فيها من اللون الحسن والكواكب التي تنير فيها كالمصابيح (وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجِ) أي: ليس فيها فتوق وشقوق وصدوع. [٧]وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا) أي: بسطناها (وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ) أي: جبالًا ثوابت (وَأَنَبَنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيج) أي: من كل صنف حسن من النبات يبهج الناظرين [بحسن ألوانه المختلفة، وأشكاله العجيبة، وروائحه العطرة، وثماره ذات الطعومِ الطيبة]. [٨] (تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) فإن القادر على مثل هذه الأمور يقدر على البعث. [٩] (فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ) بساتين كثيرة (وَحَبَّ الْحَصِيدِ) أي: ما يحصد ويقتات من الحبوب كالبر والشعير، وكل حب يدخر للقوت. ١٠](وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ) الباسقات: الطوال ( لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ) الطلع هو أول ما يخرج من ثمر النخل، والنضيد: المتراكب الذي نضد بعضه على بعض. [١١ ] (وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَ مَا . جدبة لا ثمار فيها ولا زرع (كَذَلِكَ الْخُرُوجُ) أي: إن الخروج من القبور عند البعث، كمثل هذا الإحياء الذي أحيا اللّٰه به الأرض الميتة. فكما أن هذا مقدور لله، فذلك أيضًا مقدور به. ١٣ - ١٢٦](وَأَصْحَابُ الرَّسِّ هم قوم شعيب، وقيل: هم أصحاب الأخدود (وَإِخْوَانُ لُوطٍ) [أي: القوم الذين بعث فيهم، وهم أهل سدوم وعمورة، من أرض فلسطين]. ١٤]وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ) تقدم الكلام على الأيكة في (سورة الشعراء، الآية: ١٧٦) ونبهم شعيب (وَقَوْمُ تُبَّعٍ ) هو تبع الحميري وكان باليمن (كُلّ كَذّبَ الرُّسُلَ) أي: كلَّ واحد من هؤلاء كذب رسوله الذي أرسله اللّٰه إليه (فَحَقّ وَعِيدِ) أي: وجب عليهم وعيدي، وحقت عليهم كلمة العذاب. [١٥] (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ) أي: أفعجزنا حين خلقناهم أولًا ولم يكونوا شيئًا فكيف نعجز عن بعثهم (بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ) أي: في شك وحيرة واختلاط من خلق مستأنف، وهو بعث الأموات. ١٦] ( وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) ما يختلج في سره وقلبه وضميره (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَه. . حَبْلِ الْوَرِيدِ) الوريد هو عرق صفحة 519 الدم الداخل إلى القلب: أي: نحن أقرب إليه من حبل وريده فكيف يخفِى علينا شيء مما في قلبه. [١٧] (إِذْ يَتَلَقَى الْمُتَلَقَيَانِ عَنِ الْيَمِينِ) وهما الملكان الموكلان به، يتلقيان ما يلفظ به وما يعمل به، أي: يأخذان ذلك ويثبتانه (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشَّمَالِ قَعِيدٌ) المراد: عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، والقعيد: من يقعد معك. [١٩](وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ) شدته وغمرته التي تغشى الإنسان وتغلب على عقله (بالْحَقِّ) عند الموت تضح له الحق، ويظهر له صدق ما جاءت به الرسل من الأخبار بالبعث والوعد والوعيد (ذَلِكَ) الموت (مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) تميل عنه وتفر منه. [٢٠] (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ) النفخة الآخرة للبعث (ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ) الذي أوعد اللّٰه به الكفار بالعذاب في الآخرة. [٢١] (وَجَاءَتْ كُلّ نَفْس مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ) معها من يسوقها ومن يشهد لها أو عليها. قال مجاهد: السائق والشهيد ملكان، قيل: السائق كاتب السيئات، والشهيد كاتب الحسنات. [٢٢] (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا) يقال له: لقد كنت في غفلة من هذا المصير (فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ) الذي كان في الدنيا: يعني رفعنا الحجاب الذي كان بينك وبين أمور الآخرة (فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ)) أي: نافذ تبصر به ما كان يخفى عليك في الدنيا. [٢٣] (وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ) قال مجاهد: إن الملك يقول للرب سبحانه: هذا الذي وكلتني به من بني آدم قد أحضرته وأحضرِت ديوان عمله. [٢٤] (ألْقِيَا فِي جَهَنَّمَ ) هذا خطاب من اللّٰه عيَل للسائق والشهيد. [٢٥](مَنَّاع لِلْخَيْرِ) لا يبذل خيرًا ( مُعْتَدٍ) ظالم لغيره يعتدي بغير حقّ (مُرِيبِ) شاك في الحق. ٢٦] ( فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ)) تأكيد للأمر الأول. [٢٧] (قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ) القرين هنا: الشيطان الذي قيض لهذا الكافر، أنكر أن يكون أطغاه، ثم قال: (وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) أي: عن الحق فدعوته فاستجاب لي، ولو كان من عبادك المخلصين لم أقدر عليه. [٢٨] (قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ) يعني: الكافرين وقرناءهم، نهاهم سبحانه عن الاختصام في موقف الحساب (وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ) بإرسال الرسل وإنزال الكتب. ٢٩] (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَءَّه أم .. لا خلف لوعدي، بل هو كائن لا محالة، وقد قضيت عليكم بالعذاب فلا تبديل له، وقيل: معنى الآية أنه ما يكذب عندي بزيادة في القول ولا ينقص منه لعلمي بالغيب (وَمَا أَنَا بِظَلَّامِ لِلْعَبِيدِ) أي: لا أعذبهم ظلمًا بغير جرم اجترموه، ولا ذنب أذنبوه. [٣٠] ( يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتٍ) أي: يقول اللّٰه تعالى ذلك، وتنطق جهنم: (وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) أي: إنها تطلب الزيادة على من قد صار فيها. [٣١] (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ) أي: قُرَّبَت للمتقين تقريبًا غير بعيد، يشاهدونها في الموقف، وينظرون ما فيها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر [٣٢] ( هَذَا مَا تُوعَدُونَ) هذا الذي ترونه من فنون نعيم الجنة هو ما توعدون (لِكُلِّ أَوَّابِ حَفِيْظٍ) الأواب الرجاع إلى اللّٰه تعالى بالتوبة عن المعصية، وقيل: هو المسبِّح، وقيل: الذي يذكر ذنوبه في الخلوة فيستغفر اللّٰه منها، والحفيظ هو الحافظ لذنوبه حتى يتوب منها، لا يهمل ذلك. [٣٣] (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ) في الخلوة حيث لا يراه أحد. قال الحسن: اذا أ. خ ، الستر وأغلق الباب صفحة 520 (وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ) راجع إلى الله، مخلص في طاعة الله. ٣٤]( ادْخُلُوهَا) أي: ادخلوا الجنة (بِسَلَامِ) أي: بسلامة من العذاب، أو بسلامة من زوال النعم. وقيل: بسلام: يسلم عليهم اللّٰه وملائكته (ذَلِكَ اليوم (يَوْمُ الْخُلُودِ) لأنه دائم أبدًا. [٣٥] (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا ) أي: في الجنة ما تشتهي أنفسهم وتلذ أعينهم من فنون النعم وأنواع الخير بحسب رغبتهم (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) من النعم التي لم تخطر لهم على بال، ولا مرت لهم في خيال. [٣٦] (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ) أي: قبل قريش ومن وافقهم (مِنْ قَرْنٍ) أي: أمة (هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا) أي: قوة كعاد وثمود وغيرهما (فَتَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ) أي: ساروا وتقلبوا فيها وطافوا بقاعها (هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ) أي: هل لهم من مهرب يهربون إليه يتخلصون به من العذاب. [٣٧] (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى) أي: فيما ذكر من قصتهم تذكرة وموعظة (لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ) أي: عقل. وقيل: لمن كان له حياة ونفس مميزة (أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ) أي: استمع إلى ما يتلى عليه من الوحي (وَهُوَ شَهِيدٌ)) أي: حاضر الفهم أو حاضر القلب. [٣٨] (وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ) اللغوب: التعب والإعياء. قيل: إن اليهود قالوا: خلق اللّٰه السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام أولها الأحد وآخرها الجمعة، واستراح يوم السبت، فأكذبهم اللّٰه تعالي. [٣٩] (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) أي: نزه اللّٰه عما لا يليق بجنابه، قائلاً: سبحان اللّٰه وبحمده، وقت الفجر ووقت العصر، وقيل المراد: صلاة الفجر وصلاة العصر. [٤٠] (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ) أي: سبحه بعض الليل، وقيل: هي صلاة الليل (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) أي: وسبحه في أعقاب الصلوات. [٤١] {وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي) وهي صيحة القيامة، أعني: النفخة الثانية في الصور من إسرافيل، وقيل: إسرافيل ينفخ، وجبريل ينادي أهل المحشر، ويقول: هلموا للحساب { مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ) بحيث يصل النداء إلى كل أهل المحشر . [٤٢] (يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقَّ) يعني: أن صيحة البعث كائنة حقًّا ( ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوج) من القبور. [٤٤] (يَوْمَ تَشَقَقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ) تتصدع عنهم، فيخرجون ويساقون إلى المحشر (سِرَاعًا) أي: مسرعين إلى المنادي الذي ناداهم (ذَلِكَ حَشْرٌ) أي: بعث . ... (عَلَيْنَا يَسِيرٌ ) هين. [٤٥] (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) أي: بمسلَّط يجبرهم ويقهرهم على الإيمان. فسير سورة الذاريات [١] (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا) يقسم سبحانه بالرياح التي تذرو التراب وما كان مثله حتى يتطاير. [٢] (فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا) هي السحاب، تحمل الماء، كما تحمل ذوات الأربع الوقر، الحمل الثقيل [ولا يعلم إلا اللّٰه ثقل ما تحمل السحب من كميات المياه]. [٣] ( فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا) [هي السحب تسير بأثقالها من المياه على ضخامته سيرًا هينًا إلى حيث يريد اللّٰه لها أن تمطر ]. [٣] (فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا) هي السحب التي يقسم اللّٰه بها أرزاق العباد، وقيل: إن المراد بالذاريات والحاملات والجاريات والمقسمات: الرياح، فإنها توصف بجميع ذلك؛ لأنها تذرو التراب، وتحمل السحاب، وتجري في الهواء، وتقسم الأمطار. [٦] (وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعُ ) أ.. ا راب والعقاب لكائن لا محالة. صفحة 521 وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ) أي: ذات الخلق المستوي الحسن، والجمال البديع، وكل شيء أحكمته وأحسنت عمله فقد حبكته واحتبكته. وقيل: الحبك الخطوط والطرائق التي تكون في السطح المستوي، كوجه البحر الساكن إذا مرَّ عليه النسيم. [٨] (لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ) [مضطرب غير متلائم]. [٩] (يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أَفِكَ) [يصرف عن الإيمان بهذا القرآن من حق عليه الانصراف عن الحق]. [١٠] (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ) [أي: لُعِنَ المرتابون في وعد اللّٰه ووعيده]. [١١] الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ) [أي: في الكفر والشك لاهون عماهم عليه قادمون]. [١٢ ] *يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ) تكذيبًا منهم واستهزاء. [١٣] (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ) أي: يحرقون ويعذبون، يقال: فتنت الذهب، إذا أحرقته لتختبره. ١٤٦] ( ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ) أيٍ: يقال لهم: ذوقوا عذابكم (هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) أي: ما كنتم تطلبونْ نعجيله استهزاء. [١٦] (آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ) من الخير والكرامة {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ) أي: لأنهم كانوا في الدنيا لحسنين في أعمالهم الصالحة يراقبون اللّٰه فيها. [١٧](كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ) بل يصلُّون أكثره وينامون أقله. وقال ابن عباس: قلما تأتي عليهم ليلة ينامون فيها حتى يصبحوا إلا يصلون فيها. [١٨] (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) قال الحسن: مدُّوا الصلاة إلى الأسحار، ثم أخذوا في الأسحار بالاستغفار. [١٩] (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ) السائل: هو الفقير الذي لا يجد شيئًا، يتعرض لك فيطلب منك العون، والمحروم: الذي لا يقدر على الكسب ويتعفف عن السؤال حتى يحسبه الناس غنيًّا، فلا يتصدقون عليه. وقيل: الذي أصابته الجائحة. [٢١] (وَفِي أَنْفُسِكُمْ ) أي: وفي أنفسكم آيات تدل على توحيد الله، وصدق ما جاءت به الرسل، خلقهم على هذه الصفة العجيبة الشأن من لحم ودم وعظم وأعضاء وحواس ومجار ومنافس (أَفَلَا تُبْصِرُونَ) بعين البصيرة، فتستدلون بذلك على الخالق الرازق المتفرد بالألوهية. [٢٢] (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) من الجنة والنار، والثواب والعقاب، مك".. . ف، السماء. [٢٣] (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقُّ) أي: ما أخبركم به في هذه الآيات (مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) كمثل نطقكم، وهذا كما تقول: إنه لحق كما أنك تتكلم. [٢٥] (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا) أي: نسلم عليك سلامًا (قَالَ سَلَامٌ) أي: قال إبراهيم: سلام (قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) أي: أنتم قوم منكرون، أي: لم أعرفكم من قبل، فمن أنتم؟ [٢٦] (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ) أي: عدل إلى أهله، وقيل: ذهب إليهم خفية من ضيوفه (فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ) أي: فجاء ضيفه بعجل قد شواه لهم كما في سورة هود (بِعِجْلِ حَنِيذٍ). [٢٨] ( فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) أي: أحسَّ في نفسه خوفًا منهم لما لم يأكلوا مما قربه إليهم (قَالُوا لَا تَخَفْ) وأعلموه أنهم ملائكة (وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ) يولد له كثير العلم عند أن يبلغ مبالغ الرجال، وهوّ إسحاق. [٢٩] ( فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتَهُ فِي صَرَّةٍ) والصَّرَّة: الصيحة والضجة (فَصَكَّتْ وَجْهَهَا) أي: ضربت بيدها على وجهها كما جرت بذلك عادة النساء عند التعجب (وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ) أي: كيف ألد وأنا عجوز عقيه ؟ !..... مدت ذلك لكبر سنها، صفحة 522 ولكونها عقيمًا لا تلد، حتى عندما كانت في شبابها لم تلد لإبراهيم. [٣٠] (قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ) أي: كما قلنا لك وأخبرناك قال ربك، فلا تشكي في ذلك، ولا تعجبي منه. [٣٢] (قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْم مُجْرِمِينَ) يريدون قوم لوط. [٣٣] ( لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ) أي: لنرجمهم حجارة من طين متحجر. ٣٤](مُسَوَّمَةً) معلمة بعلامات تعرف بها، قيل: كانت مخططة بسواد وحمرة (عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ) المتمادين في الضلالة، المجاوزين الحد في الفجور. [٣٥](فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أي: لما أردنا إهلاك قوم لوط أخرجنا من بينهم المؤمنين به. [٣٦](فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) أي: غير أهل بيت واحد، هم أهلٍ بيت لوط. [٣٧] (وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) هذه الآية هي آثار العذاب في تلك القرى، فإنها ظاهرة بينة. [٣٨] (وَفِي مُوسَى) أي: وجعلنا في موسى آية {إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) السلطان المبين: الحجة الظاهرة الواضحة، وهي العصا وما معها من الآيات. [٣٩] ( فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ) أي: أعرض عن آياتنا بجنبه، وقال مجاهد: الركن جمعه وجنوده الذين كان يتقوى بهم (وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) أي: قال فرعون في حق موسى: هو إما ساحر أو مجنون، للمغالطة والإيهام؛ فإنه يعلم أن ما رآه من الخوارق لا يتيسر على يد ساحر، ولا يفعله من به جنون. [٤٠] (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمَّ) أي: طرحناهم في البحر وَهُوَ مُلِيم أي: ات بما يلام عليه، أي: مستح للّوم حين ادعى الربوبية، وكفر بالله، وطغى في عصيانه. [٤١] (وَفِي عَادٍ) أي: وتركنا في قصة عاد آية (إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ) وهي التي لا خير فيها ولا بركة، لا تلقح شجرًا ولا تحمل مطرًا، إنما هي ريح الإهلاك والعذاب [٤٢] (مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَنَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ) أي: لا تترك شيئًا مرت عليه من أنفسهم وأنعامهم وأموالهم إلا جعلته كالشيء الهالك الباقي. [٤٣] (وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ ) أي: وتركنا في قصة ثمود آية، وقت أن قلنا لهم: عيشوا متنعمين بالدنيا إلى حين وقت الهلاك. [٤٤] (فَعَنَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ) أي: تكبروا عن امتثال أمر اللّٰه (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ) وهي كل ~أ١. . مهلك (وَهُمْ يَنْظُرُونَ) أي: يرونها عيانًا، وقيل: المعنى: ينتظرون ما وُعِدوه من العذاب. [٤٥] (فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ) أي: لم يقدروا على القيام من تلك الصرعة، فضلًا عن الهرب، بل أصبحوا في دارهم جاثمين (وَمَا كَانُوا مُتْتَصِرِينَ) أي: ممتنعِين من عذاب اللّٰه بغيرهم. [٤٧] (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ) أي: بقوة وقدرة (وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) المعنى: قد وسَّعناها توسيعًا كبيرًا. [٤٨] (وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا) بسطناها كالفراش [لتكون للآدميين سكنًا وميدان حياة] (فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ) أي: نحن، يقال: مهدت الفراش، إذا بسطته ووطأته. [٤٩] (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ) من ذكر وأنثى ( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) أي: خلقنا ذلك هكذا لتتذكروا فتعرفوا أنه خالق كل شيء وتستدلوا بذلك على توحيده. [٥٠] ( فَفِرُّوا إِلَى اللهِ) بالتوبة من ذنوبكم (إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) أي: منذر بيِّن الإنذار. [٥٣] (أتَوَاصَوْا بِهِ) هذا للتعجيب من حالهم: أي: كأنما أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب، وتواطأوا عليه (بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) أي: لم يتواصوا بذلك، بل جمعهم الطغيان، وهو مجاوزة الحدف، الكفر. صفحة 523 [٥٥] (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) أي: عظ بالقرآن من آمن من قومك فإن الذكرى تنفعهم، وبالموعظة بالتي هي أحسن. [٥٦] (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) عن مجاهد أنه قال: المعنى إلا لآمرهم وأنهاهم. وقيل: إلا ليخضعوا لي ويتذللوا، ومعن العبادة في اللغة الذل والخضوع والانقياد. [٥٧] (مَا أَرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أَرِيدُ أَنْ يُطَعِمُونِ ) أي: إنه تعالى خلقهم لا يريد منهم منفعة لنفسه كما تريده السادة من عبِيدهم، بلِ هو الغني المطلق الرازق المعطي. [٥٨] (إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ) فهو الذي يرزق مخلوقاته ويقوم بما يصلحهم، فلم يخلقهم لنفع ينفعونه به، ولذلك فعليهم أن يؤدُّوا ما خلقوا له من العبادة (ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) الشدِيد القوة. [٥٩] (فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ) أي: نصيبًا من العذاب مثل نصيب الكفار من الأمم السابقة. والذنوب في اللغة: الدلو العظيمة فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ) أي: لا يطلبوا مني أن أعجل لهم العذاب، فإن حظهم من العذاب آت لا ريب فيه. [٦٠] (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ) فيل: هو يوم القيامة، وقيل: يوم بدر. 2228 تفسير سورة الطور [١] (وَالطُّورِ) الطور بالسريانية: الجبل، والمراد به: طور سيناء [الذي كلم اللّٰه عنده موسى] أقسم اللّٰه سبحانه بهذا الجبل تشريفًا له وتكريمًا. [٢] (وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ) المسطور: المكتوب والمراد بالكتاب: القران، وقيل: هو اللوح المحفوظ، وقيل: الواح موسىٍ [٣] {فِي رَق مَنْشَوْرَ* أي: مكتوب فى رق، والرَّق: جلد رقيق. قال المبرد: الرق ما رق من الجلد ليكتب فيه، والمنشور: المبسوط. [وكانت الرقوق أكثر ما يكتب فيه قبل معرفة القراطيس الورقية]. [٤] (وَالبَيْتِ الْمَعْمُورِ) في السماء السابعة تعمره الملائكة، ويعبد اللّٰه فيه. [٥] (وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ) يعني: السماء، سماها سقفًا لكونها كالسقف للأرض. [٦] (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) أي: الموقد، من السجر، وهو إيقاد النار في التنور. وقد روي أن البحار تسجر يوم القيامة فتكون نارًا. [٩] (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا) يموج بعضها في بعض، وهو يوم القيامة. ١٠]وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا) أي: تزول عن أماكنها، وتسير عن مواضعها، كسير السحاب، وتكون هباء منبثّا. [١١] ( فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) ويل كلمة تقال للهالك، أي: إذا وقع ما ذكر من مور السماء وسير الجبال فويل لهم. [١٢]{الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ) أي: في تردد في الباطل واندفاع فيه يلهون، لا يذكرون حسابًا ولا يخافون عقابًا، ويخوضون في أمر محمد وعيلة بالتكذيب والاستهزاء. [١٣(يَوْمَ يُدَعُّونَ إلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعَّا) أي: يدفعون دفعًا عنيفًا. [١٥] ( فَسِحْرٌ هَذَا) الذي ترون وتشاهدون، كما كتتم تقولون لرسل اللّٰه المرسلة ولكتبه المنزلة {أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ) أي: أم أنتم عميٍ عن هذا كما كِتتم عميًا عن الحق في الدنيا؟ [١٦] (اصْلَّوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا) قاسوا شدتها، ثم اصبروا على العذاب أو لا تصبروا وافعلوا ما شئتم، فالأمران: (سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ) في عدم النفع ( إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ) فإن الجزاء بالعمل، وإذا كان واقعًا حتمًا كان الصبر وعدمه سواء. [١٨] (فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ) أي: هم في الجنة صفحة 524 ذوو فاكهة من فواكه الجنة، وقيل: ذوو نعمة وتلذذ بما صاروا فيه مما أعطاهم اللّٰه وعَّل، مما لا عين رأت، ولا أذن معت، ولا خطر على قلب بشر. [١٩ ] (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا)) أي: يقال لهم ذلك تهنئة لهم. والهنيء: ما لا تنغيص فيه ولا نكد ولا كدر. [٢٠] (مُتَّكِثِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ) المصفوفة: المتصل بعضها ببعض حتى تصير صفًّا (وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ) أي: قرنا كل واحد منهم بنساء من نساء الجنة حور عين. والحوراء: المرأة إذا كانت شديدة بياض العين شديدة سوادها، والعِين: كل امرأة عيناء، أي: واسعة العينين. [٢١] {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرَّبَتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرَّيَّتَهُمْ ) أي: إن اللّٰه سبحانه يرفع ذرية المؤمن إليه، وإن كانوا دونه في العمل، وهذا لا يتم إلا أن يكونوا مؤمنين (وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ أي: وما نقصنا الآباء بإلحاق ذريتهم بهم من ثواب أعمالهم شيئًا وكُلَ امْرِئ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) مرتهن يوم القيامة بعمله، فإن قام به كما أمره اللّٰه به فَكّه وإلا أهلكه. [٢٢] (وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمِ مِمَّا يَشْتَهُونَ) أي: زدناهم علي ما كان لهم من النعيم فاكهة متنوعة، ولحمًا من أنواع اللحمان، مما تشتهيه أنفسهم ويستطيبونه. [٢٣] (يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأسًّا) أي: يتعاطون ويتناولون كؤوسًا من خمر الجنة (لَا لَغْوُ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ) لا يجري بينهم اللغو ولا ما فيه إثم، كما يجري بين الذين يشربون الخمر في الدنيا [٢٤] (وَيَطَوفَ عَلَيْهِمْ غِلِمَانَ لَهُمْ) أي: يطوف عليهم بالكأس والفواكه والطعام وغير ذلك فتيان يخدمونهم (كَأَنَّهُمْ) في الحسن والبهاء (لُؤْلُؤٌ مَكْنُونُ) أي: مستور صون في الصدف لم تمسه الآيدي. [٢٦] (قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ) خائفين وجلين من عذاب الله، أو كنا خائفين من عصيان اللّٰه. [٢٧] (فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنَا) بالمغفرة والرحمة، أو بالتوفيق لطاعته (وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ) هو عذاب النار، وسموم جهنم ما يوجد من حرها، وقيل: سميت الريح الحارة ممومًا؛ لانها تدخل المسام [٢٨] (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلَ نَدْعُوهُ* أي: نوحد اللّٰه ونعبده، أو نسأله أنَ يمنَّ علينا بالمغفرة والرحمة (إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) الكثير الإحسان، الكثير الرحمة لعباده. [٢٩] (فَذَكِّرْ فَمَا أَنَّتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنِ وَلَا مَجْنُونِ) أي: اثبت على ما أنت عليه من الوعظ والتذكير، فما أنت بنعمة ربك التي هي النبوة بكاهن ولا مجنون، والكاهن: هو الذي يوهم أنه يعلم الغيب من دون وحي. أي: ليس ما تقوله كهانة، فإنك إنما تنطق بالوحي الذي أمرك اللّٰه بإبلاغه. [٣٠] (أمْ يَقَولَونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ) ننتظر به حوادث الأيام فيموت كما مات غيره، أو يهلك كما هلك من قبله [فينقضي أمره وما جاء به من هذا الدين]. [٣١](قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ) أي: انتظروا موتي أو هلاكي، فإني معكم من المنتظرين لعاقبة الأمر، وأنا واثق من نصر اللّٰه تعالى. [٣٢] (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أي: بل أتأمرهم عقولهم بهذا الكلام المتناقض، وهي دعوى أن القرآن سحر أو كهانة أو شعر. كانت عظماء قريش توصف بالأحلام والعقول فأزرى اللّٰه بحلومهم حِين لم تثمر لهم معرفة الحق من الباطل {أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) جاوزوا الحد في العناد، فقالوا ما قالوا. [٣٣] (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ) أي: اختلق القرآن من جهة نفسه وافتعله (بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ) أي: سبب صدور هذه الأقوال المتناقضة عنهم كونهم كفارًا لا يؤمنون بالله، ولا يصدقون ما جاء به رسوله. صفحة 525 [٣٤] (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ) مثل القرآن في نظمه وحسن بيانه وبديع أسلوبه (إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) فيما زعموا من قولهم: إن محمدًا اليه تقوَّله وجاء به من جهة فسه، مع أنه كلام عربي، وهم رؤوس العرب وفصحاؤهم والممارسونِ لجميع الأوضاع العربية من نظم ونثر. [٣٥] (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ) أي: بل أخلقوا على هذه الكيفية البديعة والصنعة العجيبة من غير خالق لهم (أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) أي: بل أيقولون هم الخالقون لأنفسهم؟ [ فإن أقروا بأنهم لم يخلقوا في هذا الكون من غير خالق، وأقروا بأنهم ليسوا هم الذين خلقوا أنفسهم، لزمهم أن يقروا أن لهم خالقًا خلقهم وذلك هو اللّٰه تعالى]. [٣٦] (بَلْ لَا يُوقِنُونَ) أي: ليسوا على يقين من الأمر، بل يخبطون في ظلمات الشك في وعد اللّٰه ووعيده. [٣٧] (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ) أبأيديهم مفاتيح ربك بالرسالة فيضعوها حيث شاؤوا. وقيل: خزائن المطر والرزق {أمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ) أي: المسلطون [على مخلوقات اللّٰه في الأرض والسماء يدبرون أمرها كما يشاؤون]. [٣٨] (أَمْ لَهُمْ سُلّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ) أي: بل أيقولون: إن لهم سلمًا منصوبا إلى السماء يصعدون به، ويستمعون فيه كلام الملائكة، وما يوحى إليهم، ويصلون به إلى علم الغيب كما يصل إليه محمد لفه بلطريق الوحي ( فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ } إن ادعى ذلك (بِسُلْطَانِ مُبِينِ) أي: بحجة واضحة ظاهرة. [٣٩] (أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ» أي: بل أتجعلون لله البنات، ولكم البنون، ومن كان هذا رأيه فهو بمحل سافل في الفهم والعقلِ، فلا يستبعدِ منه إنكار البعث وجحد التوحيد. [٤٠] أمْ تَسْأْلَهُمْ أَجْرًا). يدفعونه إليك على تبليغ الرسالة {فَهُمْ مِنْ مَغْرَم مُثْقَلَونَ) أي: من التزام غرامة نطلبها منهم، فهم مجهوَّدون بحملهم ذلك المغرم الثقيل فلا يستطيعون الإسلام: [٤١] (أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ) أي: بل أيدعون أن عندهم علم الغيب، وهو ما في اللوح المحفوظ، فهم يكتبون للناس ما أرادوا من علم الغيب. [٤٢] (أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا) أي: مكرًا برسول الله ال يّة فيهلكونه بذلك المكر (فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ) أي: الممكور بهم المجزيون بكيدهم. [٤٤] (وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ) المعنى: أنهم إن يروا قطعًا من النار من السماء ساقطًا عليهم لعذابهم لم ينتهداع. كفرهم، بل يقولون: هو سحاب متراكم بعضه على بعض. [٤٥] ( فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ) يوم موتهم أو يوم القيامة، والصعقة: الهلاك السريع. [٤٦] (يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) أي: لا ينفعهم في ذلك اليوم كيدهم الذي كادوا به رسول اللّٰه وَلِي في الدنيا (وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ) أي: ولا يمنع عنهم العذاب النازل بهم مانع، بل هو واقعٍ بهم لا محالةِ. [٤٧] (وَإِنَّ لِلّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ) أي: قبله، وهو قتلهم يوم بدر. وقيل: هو مصائب الدنيا من الأوجاع والأسقام والبلايا، وذهاب الأموال والأولاد. وقيل: عذاب القبر. [٤٨] (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)) أي: بمرأى ومنظر منا، وفي حفظنا وحمايتنا، فلا تبال بهم (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ) من مجلسك. فيقول ((سبحانك اللهم وبحمدك)) عند قيامه من كل مجلس يجلسه. [٤٩] (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ) أمره اللّٰه سبحانه أن يسبحه في بعض الليل. وقال مقاتل: أي: صلَ المغرب والعشاء. وقيل: ركعتى الفجر (وَإِدْبَارَ النُّجُومِ) أي: وقت إدباره من آخر الليل، قيل: هو صلاة الفجر. صفحة 526 تفسير سورة النجم [١] (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) يُقسم اللّٰه تعالى بالنجوم عندما تميل للغروب. [أَي: كأنه ينبه إلى أن هويها ينبغي أن يدل على بطلان عبادتها]. [٢] ( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ) أي: ما ضل محمد وَال لِهِ عن الحق والهدى ولا عدل عنه عندما جاءكم بهذا القرآن {وَمَا غَوَى) أي: ما صار غاويًا، ولا تكلم بالباطل. [٣] (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) أي: ما ينطق بالقرآن عن هواه. [٤] (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) أي: ما ينطق به إلا بوحي من اللّه يوحيه إليه. [٥] (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) أي: علَّمه إياه جبريل الذي هو شديد قواه. ٦] (ذُو مِرَّةٍ) المرة: القوة والشدة في الخلق. وقيل: ذو حصافة عقل ومتانة رأي (فَاسْتَوَى) يعني: جبريل قام في صورته التي خلقه اللّٰه عليها [فسدّ الافق عندما جاء بالوحي إلى النبي وَلِيِّيْ أول ما جاءه بالوحي]. [٨] ثَمَّ دَنَا فَتَدَلَى) أي: استوى جبريل بالأفق أولا ثم قرب من الأرض، فتدلى فنزل على النبي وَالِيه بالوحي. [٩] (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ) أي: قدرَ قابَيْ قوس، والقاب: ما بين مقبض القوس وطرفها، أي: فكان مقدار ما بين جبريل ومحمد وَاليليم من المسافة قدر قوس واحدة، وقيل: القاب: المقدار، أي: فكان عنه قدر قوسين ( أَوْ أَدْنَى) أو أقل من قوسين. [١٠]( فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) أي: فأوحى جبريل إلى عبد الله ورسوله محمد بَالي ا ما أوحاه من القرآن في تلك النزِلة]. [١٢ - ١١] ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى. أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى) أي: إن فؤاد محمد صادق، فتكون عينه أصدق، هذا هو المعتاد عند البشر، وقد رأى جبريلَ بعيني رأسه، فكيف تجادلونه فيما يراه. ١٣] (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى) أي: رأى محمد لالِلِهِ جبريل نازلًا مرة أخرى، [على صورته التي خلقه اللّٰه عليها، وذلك ليلة الإسراء، أما في غير هاتين المرتين فكان يراه في صورة إنسان ليكون عليه أيسر]. ١٤] (عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى) وهذه السدرة هي في السماء السادسة كما في الصحيح، قيل: إليها ينتهي علم الخلائق ولا يعلم أحد منهم ما وراءها. ١٥(عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى) وسميت جنة المأوى، قيل: لأن أرواح المؤمنين تأوي إليها. [١٦](إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى) قيل: يغشاها جراد من ذهب، وقيل: طوائف من الملاء" "بل: غشيها أمر الله. . [١٧] ( مَا زَاغَ الْبَصَرُ) أي: ما مال بصر النبي لَلِلِهِ ع ما رآه (وَمَا طَغَى) أي: ما جاوز ما رأى [فهي رؤية عين وليست من خدع البصر ]. [١٨] لَقَدْ رَأْى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) أى: لقد رأى تلك الليلة من آيات ربه العظام ما لا يحيط به الوصف. [١٩] {أَفَرَ أَيْتُمُ اللّاتَ) اللات: اسم صنم أنثى، مأخوذ من اسم اللّٰه {وَالعُزّى) قال مجاهد: هي شجرة كانت لغطفان يعبدونها، فبعث إليها النبي وَلِيّي خالد بن الوليد فقطعها. [٢٠] (وَمَنَاةَ) صنم أنثي كانت للأوس والخزرج، بين مكة والمدينة، وقال عنها ( الثَّالِئَةَ الأُخْرَي) للتحقير والذم. [٢٢-٢١] (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى. تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى) أي: أخبروني عن هذه الآلهة اللاتي جعلتموهن بنات لله كيف نجعلون الله ما تكرهون، ولكم الذكور؟ إنها قسمة جائرة. [٢٣] (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنَّتُمْ وَآبَاؤُكُمْ ) لأنها لا تبصر ولا تسمع، ولا تعقل ولا تفهم، ولا تضر ولا تنفع، فليست إلا مجرد أسماء سميتموها آلهة أنتم وآباؤكم، وليس لها من حقيقة الألوهية شيء، قلد الآخر فيها الأول، وتبع في ذلك الأبناء الآباء (مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ) صفحة 527 مِن حجة ولا برهان تحتجون به على أنها آلهة (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظِّنَّ والظن لا يغني من الحق شيئًا (وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ) أي: تميل إليه وتشتهيه من غير التفات إلى ما هو الحق الذي يجب الاتباع له. [٢٤] (أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى) ينكر اللّٰه تعالى عليهم أن يكون لهم ما يتمنون من كون الأصنام تنفعهم وتشفع لهم. [٢٥] ( فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالْأُولَى) فليس للأصنام معه أمر في الدنيا ولا الآخرة. [٢٦] (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا) أي: إذا كانت الملائكة، مع كثرة عبادتها وكرامتها على اللّٰه لا تشفع إلا لمن أذن اللّٰه تعالى أن يشفع له، فكيف بهذه الجمادات الفاقدة للعقل والفهم (إِلَّا مِنْ بَعْدِ أُنْ يَأْذَنَ اللّهُ) لهم بالشفاعة (لِمَنْ يَشَاءً) أن يشفعوا له (وَيَرْضَى) بالشفاعة له لكونه من أهل التوحيد، وليس للمشركين في ذلك حظ. [٢٧] (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى) زعموا أنها بنات الله، فجعلوهم إناثًا وسموهم بنات. [٢٩] (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلِّى عَنْ ذِكْرِنَا) أي: أعرض عمن أعرض عن القرآن، أو ذكر الله، فاترك مجادلتهم فقد بلغت إليهم ما أمرت به وليس عليك إلا البلاغ. [٣٠] ( ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) أي: إنَّ قصر الإرادة على الحياة الدنيا هو مبلغهم من العلم، ولا يلتفتون إلى أمر الدين. [٣١] (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا) أي: وعاقبة أمر الخلق الذين فيهم المحسن والمسيء أن يجزي اللّٰه كلَّا عمله، ويحتمل أن المعنى: فأعرض عمن تولى فإن اللّٰه سيجزي الذين أساءوا والذين أحسنوا، فقد بلغت. [٣٢] ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ) أي: إن الذين أحسنوا هم الذين يجتنبون كبائر الإثم، والكبائر كل ذنب توعد اللّٰه عليه بالنار (وَالْفَوَاحِشَ) كالزنى والشرك. قيل: كبائر الإثِم كل ذنب ختم بالنار، والفواحش كل ذنب فيه الحد (إِلَّا اللَّمَمَ) وهو صغائر الذنوب. قيلٍ: هو ما كان دون الزنى من القبلة والغمزة والنظرة (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) أي: إن ذلك اللمم، وإن خرج عن حكم المؤاخذة، فليس يخلو عن كونه ذنبًا [يغفره اللّٰه ويمحوه بواسع رحمته ومغفرته لمن اتقى الكبائر] (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) أي: خلقكم منها في ضمن خلق أبيكم آدم، فإنه خلقه من طين [فكان بطباعكم عالمًا] (وَإِذْ أَنَّتُمْ أَجِنَّة ) أي: وهو أعلم ! أ-. ١١كم وقت كونكم أجنة. والجنين هو الولد ما دام في البطن (فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ) [أي: علم في تلك الأحوال أنكم لا بد أن تلموا بصغائر الذنوب] (فَلَا تُزَكُوا أَنْفُسَكُمْ) أي: لا تبرئوها عن الآثام ولا تثنوا عليها [بأنكم تنزهتم حتى عن الصغائر]. [ ٣٣]( أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلِّى) عن الخير وأعرض عن اتباع الحق. [٣٤](وَأَكْدَى) يقال: أكدى الرجل إذا قل خيره. [٣٥] (أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى) المعنى: أعند هذا المكدي علم ما غابٍ عنه من أمر العذاب، فهو يعلم ذلك. [٣٧] (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) أي: وما في الصحف التي أعطاها اللّٰه إبراهيم الذي تمم وأكمل ما أمر به، وقيل: بالغ في الوفاء بما عاهد اللّٰه عليه. [٣٨] ( أَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) أي: لا تحمل نفس ذنب نفس أخِرى. [٣٩] (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ) المعنى: ليس له إلا أجر سعيه وجزِاء عمله [ولا يستحق أجرًا عن عمل لم يعمله]. [٤٠] (وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى) أي: سيعرض عليه ويكشف له يوم القيامة. [٤١] «ثُمَّ يُجْزَاهُ ) أي: .. إنسان سعيه (الْجَزَاءَ الْأَوْفَى) صفحة 528 أي: كاملًا غير منقوص، على أتم ما يكون. [٤٢] (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى) أي: المرجع والمصي إليه سبحانه لا إلى غيره، فيجازيهم بأعمالهم. [٤٣] (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى) أضحك أهل الجنة في الجنة، وأبكى أهل النار في النار، أو أضحك من شاء في الدنيا بأن سره، وأبكى من شاء بأن غمه. [٤٥](وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى) من كل [إنسان أو حيوان]. [٤٦] (مِنْ نُطْفَةٍ) النطفة: الماء القليل (إِذَا تُمْنَى) إذ نصب في الرحِمِ، وتدفق فيه. ٤٧٦] (وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى) أي: إعادة الأرواح إلى الأجسام عند البعث. [٤٨] (وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى) أي: أعطى البعض بقدر ما يغنيه عن الناس وزاد آخرينِ مالا فوق الغنى. [٤٩] (وَأَنْهُ هُوَ رَبَّ الشَعْرَى) هي كوكب خلف الجوزاء كانتِ خِزاعة تعبدها. [ ٥٠] (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى) وهي أول أمة أهلكت عد نوح. قيل: عاد الأولى قوم هود، وعاد الأخرى إرم. [٥١] (وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى) أي: وأهلك ثمود كما أهلك عادًا فما أبقى أحدًا من ثِمود [فما لهم من نسل باق]. [٥٣](وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى) المؤتفكة مدائن قوم لوط، وسميت المؤتفكة؛ لأنها انقلبت بهم وصار عاليها سافلها، أهواها جبريلٍ بعد أن رِفعها. [٥٤](فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى) أي: ألبسها ما ألبسها من الحجارة التي وقعت عليها، ومن العذاب ما غشى على اختلاف أنواعه. [٥٥] (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى) أي: فبأي نعم ربك أيها الإنسان المكذب تتشكك وتمتري. ٥٦] ( هَذَا نَذِيرٌ مِنَ التُّذُرِ الأُولَى) أي: هذا محمد رسول إليكم كالرسل المتقدمين، أنذركم كما أنذروا قومهم. [٥٧](أَرفَتِ الآزْفَةُ) أي: قربت الساعة ودنت، لقرب قيامها. [٥٨] (لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ)) أي: ليس لها نفس قادرة على كشفها إذا غشيت الخلق بأهوالها غير اللّه. [٥٩] (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ) أي: كيف نعجبون منه تكذيباً؟ [٦٠] (وَتَضْحَكُونَ) منه استهزاء، مع كونه غير محل للتكذيب ولا موضع للاستهزاء (وَلَا تَبْكُونَ) خوفًا وانز جارًا لما فيه من الوعيد الشديد. [٦١] (وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ) أي: شامخون برؤوسكم تكبرا. وقيلٍ: سامدونٍ، أي: لاهون عنه بأنواع اللهو. [٦٢] (فَاسْجُدُوا لِلّهِ وَاعْبُدُوا) أم بالسجود لله والعبادة له، أي: فإنه المستحق لذلك منكم. وقد ورد أن النبي وَلِلِي سجد عند تلاوة هذه الاية، وسجد معه المسلمون والكفار. A2228 فسير سورة القمر ١(اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) قربتٌ، أي: قد صارت باعتبار نسبة ما بقي بعد النبوة المحمدية إلى ما مضى من الدنيا قريبة، أو المراد: تحقق وقوعها (وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) أي: وقد انشق القمر معجزة لرسول اللّٰه والي. أخرج البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول اللّٰه وَاليّ فرقتين، فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول اللّٰه وَلِّة: ((اشهدوا). [٢] (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً) قال المفسرون: لما انشق القمر قال المشركون: سحرنا محمد، فقال الله: (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً) يعني انشقاق القمر (يُعْرِضُوا) عن التصديق والإيمان بها (وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمُّ) أيَ: قوي شديد يعلو كل سحر، من قولهم: استمر الشيء إذا قوى واستحكم، وقيل: مستمر أي: دائم مطرد. [٣] (وَكُلّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ)) المعنى: لكل أمر حقيقة: ما كان منه في الدنيا فسيظهر، وما كان منه في الآخرة فسيعرف. [٤] ( وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْ). مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ) أي: ولقد جاء صفحة 529 كفار مكة من أخبار الأمم المكذبة المقصوصة عليهم في القرآن ما فيه كفاية لكفهم عن السوء. [٥] (حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ) المعنى: أن القرآن حكمة قد بلغت الغاية، ليس فيها نقص ولا خلل (فَمَا تُغْنِ التُّنُرُ) [أي: لن تغني النذر شيئًا عن المعاندين، فإن عنادهم يصرفهم عن قبول الحق]. [٦] ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ) أي: أعرض عنهم يا محمد حيث لم يؤثر فيهم الإنذار (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ) أي: واذكر يا محمد هذا اليوم. والداعي: هو إسرافيل، والشيء النكر: الأمر الفظيع الذي ينكرونه استعظامًا له لعدم تقدم العهد لهم بمثله. [٧] (خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ) أي: يخرجون من القبور [كَلِيلَة أبصارهم من الذل والهوان] كأنهم لكثرتهم واختلاطهم جراد منبث مختلط بعضه ببعض. [٨](مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ) مسرعين إلى الداعي، وهو إسرافيل. [٩] (وَقَالُوا مَجْنُونٌ) نسبوا نوحًا إلى الجنون (وَازْدُجِرَ) أي: وزجر عن دعوى النبوة وعن تبليغ ما أرسل به، بالسب والأذى. [١٠](فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) أي: انتقم لي منهم. طلب النصرة عليهم لما علم تمردهم وعتوهم وإصرارهم على ضلالتهم. [١١] ( فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ) أي: منصبِّ انصبابًا شديدًا. [١٢] (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا)) أي: جعلنا الأرض كلها عيونًا متفجرة (فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ» أي: التقى ماء السماء مع ماء الأرض على أمر قد قضي عليهم. وقال قتادة: قدر لهم إذ كفروا أن يغرقوا. [١٣] (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحِ وَدُسُرٍ ) أي: وحملنا نوحًا على سفينة ذات ألواح، وهيّ الأخشاب العريضة، ودسر، وهي المسامير التي تشد بها الألواح. [١٤] (تَجْرِي بِأعْيُنِنَا) أي: بمنظر ومرأى منا وحفظ لها (جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ) أي: ثوابًا لنوح عليات، فإنه كان لهم نعمة كفروها. [١٥ ] (وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً) أي: السفينة أبقاها اللّٰه [على جبل الجودي] عبرة للمعتبرين، وقيل المعنى: ولقد تركنا هذه الفعلة التي فعلناها بهم عبرة وموعظة (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) هل من متعظ ومعتبر يتعظ بهذه الآية ويعتبر بها. [١٦] (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي. وَنُذُر ) أي: كان على كيفية هائلة عجيبة لا يحيط بها الوصف. [١٧] (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ) أي: سهلناه للحفظ، وأعنا عليه من أراد حفظه، وقيل: هيأناه للتذكر والاتعاظ ( فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) أي: متعظ بمواعظه ومعتبر بعبره، وفي الآية الحث على درس القرآنِ، والاستكثار من تلاوته، والمسارعة في تعلمه. ١٩](إنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا) شديدة البرد، وقيل: الصرصر شديدة الصوت (فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرِّ) أي: دائم الشؤم استمر عليهم بنحوسه. [٢٠]( تَنْزِعُ النَّاسَ) قال مجاهد: كانت تقلعهم من الأرض فترمي بهم على رؤوسهم، فتدق أعناقهم وتبين رؤوسهم من أجسادهم، وقيل: تنزع الناس من البيوت (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلِ مُنْقَعِرٍ) شبههم في طول قاماتهم حين صرعتهم الريح وطرحتهم على وجوههم بالنخل التي يست لها رؤوس، الساقطة على الأرض. [٢٣] ( كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ) هو صالح، ومن كذب واحدًا من الأنبياء فقد كذب سائرهم؛ لاتفاقهم في الدعوة إلى كليات الشرائع. [٢٤] (فَقَالُوا أَبَشَرًا منَّا ءَاحدًا نَتَّبِعُهُ ) أي: كيف نتبع صفحة 530 شرًا كائنا من جنسنا، منفردًا وحده، لا متابع له على ما يدعو إليه {إِنَا إِذا لِفِى ضَلَالِ) أي: إنا إذا اتبعناه لفي خط وذهاب عن الحق (وَسُعُرٍ) أي: عذاب وعناء وشدة، وقيل: المراد به هنا الجنون. [٢٥] (أَألْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا) أي: كيف خص من بيننا بالوحي والنبوة، وفينا من هو أحق بذلك منه (بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ) والأشر: المرح والنشاط، أو البطر والتكبر. [٢٧] إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ) أي: إنا مخرجوها من الصخرة على حسب ما اقترحوه (فِتْنَةً لَهُمْ) أي: ابتلاء وامتحانًا ( فَارْتَقِبْهُمْ ) أي: انتظر ما يصنعون (وَاصْطَبَرْ) على ما يصيبك من الأذى منهم. [٢٨] (وَنَبَنْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ) أي: بين ثمود وبين الناقة، لها يوم ولهم يومٍ، كما في قوله: (لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلَوم) وكَل شِرْبِ مُحْتَضَرٌ) الشرب: الحظ من الماء، قال مجاهد: إن ثمود يحضرون الماء يوم نوبتهم فيشربون ويحضرون يوم نوبتها فيحتلبون. [ ٢٩](فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ) أي: نادت ثمود صاحبهم، وهو قدار بن سالف عاقر الناقة، يحضونه على عقرها {فَتَعَاطَى فَعَقَرَ ) أي: تناول سيفًا أو نحوه فعقرها. [٣١] (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً) يريد صيحة جبريل (فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ) صاروا كالعشب اليابس في الحظيرة إذا داسته الغنم بعد سقوطه. [٣٤] (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا) أي: ريحًا ترميهم بالحصباء، وهي الحصى (إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَيْنَاهُمْ بِسَحَرِ ) يعني: لوطًا ومن تبعه، والسَّحَر: آخر الليل. [٣٦] (وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا)) أي: أنذر لوط قومه طشة اللّه بهم، وهي عذابه الشديد وعقوبته البالغة {فَتَمَارَوْا بِالنَّذَرِ) أي: شكوا في الإنذار ولم يصدقوه. [٣٧] وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ) أي: أرادوا منه تمكينهم ممن أتاه من الملائكة ليفجروا بهم كما هو دأبهم (فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ ) أي: صيرنا أعينهم ممسوحة لا يرى لها شق، كما نطمس الريح الأعلام بما تسفي عليها من التراب. وقيل: أذهب اللّٰه نور أبصارهم مع بقاء الأعين على صورتها. [٣٨] (وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ) أتاهم صباحًا عذاب مستقر بهم نازل عليهم لا يفارقهم ولا ينفك عنهم. [٤١] (وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ) النذر: موسى وهارون. ويجوز أن تكون هي الآيات التي أنذرهم بها موسى. ٤٢] (كَنَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا)) و ) . ١. ا: الآيات التسع التي تقدم ذكرها (فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ) أي: أخذناهم بالعذاب أخذ غالب في انتقامه، قادر على إهلاكهم، لا يعجزه شيء. [٤٣] (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ) أي: فلستم أفضل منهم حتى تكونوا بمامن مما اصابهم من العذاب عند تكذيبهم لرسلهم (أمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزَّبُر) المعنى: إنكار أن تكون لهم براءة من عذاب اللّٰه في شيء من كتب الأنبياء. [٤٤] {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُتْتصِرٌ) أي: جماعة لا نطاق لكثرة عددنا وقوتنا، أو أمرنا مجتمع لا نغلب، بل ننتصر من أعدائنا. [٤٥] (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ أي: جمع كفار مكة، أو كفار العرب على العموم (وَيُوَلَّونَ الدُّبُر) وقد هزمهم اللّه يوم بدر وولوا الأدبار، وقتل رؤساء الشرك وأساطين الكفر، فلله الحمد. ٤٦] (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ) أي: موعد عذابهم الأخروي، وليس هذا العذاب الكائن في الدنيا بالقتل والاسر والقهر هو تمام ما وعدوا به من العذاب، وإنما هو مقدمة من مقدماته، وطليعة من طلائعه (وَالسَّاعَةُ أدْهَى) أي: وعذاب الساعة أعظم في الضر وأفظع (وَأَمَرُّ) أي: أشد مرارة من عذاب الانا صفحة 531 [٤٧] (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ) تقدم تفسيره في هذه السورة. [٤٨] (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ) يقال لهم: ( ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ) أي: قاسوا حرِها وشدة عذابها. [٤٩] (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) المعنى: أن كل شيء من الأَشياءِ خلقه اللّٰه سبحانه ملتبسًا بقدر قدره. [٥٠] (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْح بِالْبَصَرِ) أي: إلا مرة واحدة، أو كلمة واحدة، كلمح بالبصر في سرعته، ولمح لبصر إغماض البصر ثم فتحه ١ لَقَ أْلَنَا أَشْيَاعَكُمْ) أي: أشباهكم ونظراءكم ب معشر قريش في الكفر من الأمم السابقة، وقيل: أتباعكم وأعوانكم. [٥٢] (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ) أي: جميع ما فعلته الأمم من خير أو شر مكتوب في اللوح المحفوظ، وقيل: في كتب الحفظة. [٥٣] (وَكُلّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ) أي: كل شيء من أعمال الخلق وأقوالَهم وافعالهم مسطور في اللوح المحفوظ صغيره وكبيره، وجليله وحقيره. [٥٤] (إِنّ المُتّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرِ) أي: في بساتين مختلفة وجنان متنوعة وآنهار متدفقة [من الماء وسائر الأشربة الممتعة]. [٥٥] (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ) أي: في مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم، في الجنة (عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) أي: قادر على ما يشاء، لا مجزه شيء، فهم مقربون عنده في الكرامة وشرف المنزلة. 22228225 فسير سورة الرحمن [٢-١] الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ) لما كانت هذه السورة نعداد نعم اللّٰه التي أنعم بها على عباده، قدّم النعمة التي هي أجلها قدرًا، وأكثرها نفعًا، وأتمها فائدة، وأعظمها عائدة، وهي نعمة تعليم القرآن، فإنها مدار سعادة الدارين. [٣]ثم امتن بنعمة الخلق، فقال: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ) . [٤ ]ثم امتن ثالثًا بتعليمه البيان الذي يكون به التفاهم، ويدور عليه التخاطب، فقال: (عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) والمراد بالبيان: أسماء كل شيء، وقيل: المراد به اللغات. [٥] (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ) أي: يجريان بحساب ومنازل لا يعدوانها، ويدلان بذلك على عدد الأيام والشهور والسنين. [٦] (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ) النجم : ما لا ساق له من النبات، والشجر ما له ساق، والمراد بسجودهما: انقيادهما لله تعالى. [٧](وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا) جعل السماء مرفوعة فوق الأرض وَوَضَعَ الْمِيزَانَ) أي: وضع في الأرض العدل الذي أمر به. ٨](أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ) أي: لا تجاوزوا العدل. وقال الحسن: المراد به آلة الوزن، أمر بها ليتوصل بها على الإنصاف والانتصاف، وقيل: الميزان القرآن. [٩] (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ) أي: قوموا وزنكم بالعدل (وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) أي: لا تنقصوه: أمر سبحانه أولًا بالتسوية، ثم نهى عن الطغيان الذي هو المجاوزة للحد بالزيادة، ثم نهى عن الخسران الذي هو النقص والبخس. [١٠] (وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ) أي: مهَّدها ليسكنها الناس. ١١] (وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ) الكِمُّ بالكسر هو وعاء الطلع من النخلة إذا أطلعت، يكون فيه الطلع قبل أن يتفتَّق عنه. [١٢]وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ) الحب: هو جميع ما يقتات من الحبوب، والعصف: هو بقل الزرع، وهو أول ما ينبت منه، وقال الحسن: العصف: التبن، والريحان الورق، وقيل: إنه الريحان المعروف الذي يشم. [١٣] (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبَّكُمَا تُكَذَبَانِ) الخطاب للجن والإنس، والآّلاء: النعم. عدَّد اللّٰه في هذه السورة نِعَمَه، وذكَّر خلقه آلاءه. ثم أتبع كل خصلة وضعها بهذه الآية، وجعلها فاصلة صفحة 532 بين كل نعمتين؛ لينبههم على النعم، ويقرِّرهم بها، كما تقول لمن تتابع له إحسانك وهو يكفره: ألم تكن فقيرًا فأغنيتك؟ أفتنكر هذا؟ ألم تكن خاملا فعززتك؟ أفتنكر هذا؟ ألم تكن راجلًا فحملتك؟ أفتنكر هذا؟ والتكرير حسن في مثل هذا.. [١٤] (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ) الصَّلصَال: الطين إذا يبس، يسمع له صلصلة، والفخار: الخزف الذي طبخ بالنار. ١٥] (وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ) المارج: الشعلة الصاعدة ذات اللهب الشديد. [١٧](رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) هما مشرقا الشمس في الشتاء والصيف ومغرباها. [١٩](مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ) أي: يتجاوران لا فصل ينهما في مرأى العين، ومع ذلك فلم يختلطا. [٢٠] (بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ) أي: حاجز يحجز بينهما (لا يَبْغِيَانِ) أي: لا يبغي أحدهما على الآخر، بأن يدخل ويختلط به. وقال ابن جريج: هما البحر المالح والأنهار العذبة. [٢٢] (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللَّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) اللؤلؤ: الدر الذي بخرج من الصدف، والمرجان: الخرز الأحمر المعروف. [٢٤] (وَلَهُ الْجَوَارِ) السفن الجارية (الْمُنْشَآتُ) المرفوعات التي رفع بعض خشبها على بعض ورُكِّب، حتى ارتفعت وطالت حتى صارت (فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ) الأعلام: الجبال [فهي تنتقل في البحر بالحمولات الهائلة من الأرزاق وغيرها، من بلد إلى بلد، لتجلب إلى كل بلد ما يحتاجه، وتنقل عنه ما يتوفر فيه ويزيد عن حاجة اهله ]. [٢٦] كُلّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) أي: كل من على الأرض من الناس والحيوانات سيفنى ويهلك وتنتهي حياته يومًا من الأيام. ٢٧٦] (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِحْرَامِ) الوجه: عبارة عن ذاته سبحانه ووجوده، والجلال: العظمة والكبرياء، والإكرام: أنه يكرم عن كل شيء لا يليق به [ويتصف بأكرم الصفات]. [٢٩] (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: يسألونه جميعًا لأنهم محتاجون إليه (كُلَّ يَوْمَ هُوَ فِي شَأْنٍ) من شأنه أن يحيي ويميت، ويرزق، ويفقرّ ويغني، ويُعِز ويُذِل، ويُمرض ويشفي، ويعطي ويمنع، ويغفر ويعاقب، إلى غير ذلك مما لا يحصى. [٣١] (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ) هذا وعيد شديد من اللّٰه سبحانه للجن والإنس، أي: سنقصد لحسابكم، قيل: سُمُّوا الثقلين؛ لأنهم ثقل على الأ. ن أحياء وأمواتًا. [٣٣] (إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب السماوات والأرض ونواحيهما هربًا من قضاء اللّٰه وقدره (فَانْفُذُوا) منها وخلصوا أنفسكم (لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ) أي: لا تقدرون على النفوذ إلا بقوة وقهر، ولا قوة لكم على ذلك ولا قدرة. وقيل المعنى: لا تقدرون على ذلك إلا بسلطان من الله. وقال الضحاك: معنى الآية: إن استطعتم أن تهربوا من الموت فاهربوا. [٣٥] (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ) الشواظ: اللهب الذي لا دخان معه (وَنُحَاسٌ) النحاس: المعدن المعروف، يذاب بالنار ويصب على رؤوسهم. وقيل: النحاس هو الدخان الذي لا لهب له، وبه قال الخليل: (فَلَا تَنْتَصِرَانِ) أي: لا تقدران على الامتناع من عذاب اللّه. [٣٧] (فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ) أي: انصدعت بنزول الملائكة يوم القيامة (فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ) أي: كوردة حمراء وتصير مثل الدهن لذوبانها، وقيل: الدهان الجلد الأحمر. [٤١] (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُ.ةَ . بِمَاهُمْ ) سيماهم سواد الوجه صفحة 533 وزرقة الأعين، وقيل: سيماهم ما يعلوهم من الحزن والكآبة (فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ) الناصية: مقدم شعر الرأس، فتجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي، وتلقيهم الملائكة في النار. [٤٣] (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ) أي: بقال لهم عند ذلك: هذه جهنم التي تشاهدونها وتنظرون إليها مع أنكم كنتم تكذبون بها، وتقولون: إنها لا تكون. [٤٤] (يَطُوفُونَ بَيْنَهَا) أي: بين جهنم فتحرقهم (وَبَيْنَ حَمِيمِ آنٍ) فيصب على وجوههم، والحميم: الماء الحار، والآنيَّ : الذي قد انتهى حره وبلغ غايته. [٤٦] (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) مقامه سبحانه هو الموقف الذي يقف فيه العباد بين يديه للحساب. وقيل: مقام ربه هو إشراف اللّٰه تعالى على أحواله واطلاعه على أفعاله وأقواله. أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي موسى الأشعري عن رسول اللّٰه وَلِيه: ((جنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)). [٤٨] (ذَوَاتَا أَفْنَانٍ) الأفنان: الأغصان، وهو الغصن المستقيم طولًا، في كل غصن فنٌّ من الفاكهة. [٥٠] (فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ) أي: في كل واحدة من الجنتين عين جارية. [٥٢] (فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ) الزوجان: الصنفان. [٥٤] ( مُتَكِيِّينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتِبْرُقٍ) أي: يتنعمون متكثين على الفرش، والبطائن :هي التي تحت الظهائر، والإستبرق: ما غلظ من الديباج، وإذا كانت البطائن من إستبرق، فكيف تكون الظهائر؟ (وَجَنَى الْجَنَّيْنِ دَانٍ) والجني ما يجتنى من الثمار، قيل: إن الشجرة من شجر الجنة تدور حتى يجنيها من يريد جناها. [٥٦] (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ) أي: في الجنتين المذكورتين نساء يقصرن أبصارهن على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم (لَمْ يَطْمِئْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانًّ) الطمث: الافتضاض، وهو النكاح بالتدمية، وهو ما يكون أول مرة توطأ فيها المرأة، أي: لم يجامعهن قبلهم أحد. قال مقاتل: لأنهن خلقن في الجنة. [٥٨] (كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ) شبههن سبحانه في صفاء اللون مع حمرته بالياقوت والمرجان، والياقوت: هو الجوهر لمعروف، والمرجان: حجر يؤخذ ١١٠ ٠ - روهو الأحمر المعروف. [٦٠] (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) أي: ما جزاء من أحسن العمل في الدنيا إلا الإحسان إليه في الآخرة [فهاتان الجنتان لأهل الفضل السابقين لغيرهم في الإيمان وصالح الأعمال، وهم في أعلى درجات أهل الجنة]. [٦٢] (وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ) أي: ومن دون تينك الجنتين الموصوفتين بالصفات المتقدمة، أي: تحتهما، جنتان أخريان، لمن دون أصحاب الجنتين السابقتين من أهل الجنة [٦٤] (مُدْهَامَّتَانِ) من شدة خضرتهما تراهما في رأي العين من بُعدٍ قد اسودَّتا. [٦٦] ( فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ) النضخ: فوران الماء من العين، والمعنى: أن في الجنتين المذكورتين عينين فوارتين. [٦٨] (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) خصصتا بالذكر ؛ لمزيد حسنهما وكثرة نفعهما بالنسبة إلى سائر الفواكه. [٧٠] (فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانْ) الخيرات ذوات الفضل من النساء، خيرات الأخلاق، حسان الوجوه. [٧٢] (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ) أي: محبوسات قُصِرْنَ على أزواجهن فلا يردن غير ه . مة١. وصف نساء الجنتين السابقتين صفحة 534 بأنهن قاصرات الطرف، فهن أعلى منزلة من هؤلاء المذكورات في هذه الآية. قيل: الخيمة من خيام الجنة درَّة مجوفة. [٧٦] (مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ ) الرَّفارف: البسط. وقيل: ضرب من الثياب الخضر (وَعَبْقَرِيِّ حِسَانٍ) العبقري: الزرابي، والطنافس الموشَّاة، والعبقري عند العرب كل جليل فاضل فاخر من الرجال والنساء أو الأشياء. وعبقر موضع تزعم العرب أنه من أرض الجن. ثم نسبوا إليه كل شيء تعجبوا من حذقة وجودة صنعته وقوته. تفسير سورة الواقعة [١ {إذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ) الواقعة اسم للقيامة، كالآزفة وغيرها. [٢] (لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةً) أي: إذا وقعت عند البعث لم يكن هناك تكذيب بها أصلا . [٣] (خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ) خفضت أقوامًا كانوا في الدنيا مرفوعين، وهم الكفرة من أهل الجاه، والفسقة من أهل المناصب والغنى، ورفعت أقوامًا كانوا في الدنيا مغمورين، من أهل الإيمان. [٤] (إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا ) ترتج حتى ينهدم كل ما عليها، وينكسر كل شيء من الجبال وغيرها. [٥] (وَبُسَّتِ الْحِبَالُ بَسَّا) البسُّ: الفتُ، يقال: بسَّ الشيء إذا فتَّه حتى يصير فتاتًا. ٨] فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ) أي: أصحاب اليمين. وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، أي شيء هم في حالهم وصفتهم؟ ٩] (وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ) الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. [١٠]وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) السابقون إلى الإيمان والجهاد والتوبة وأعمال البر هم السابقون إلى رحمة الله. [١١] (أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) أي: إن السابقين هم المقربون عند اللّٰه فهم في جزيل ثوابه وعظيم كرامته. [١٣] (ثُلَّةُ مِنَ الْأَوَّلِينَ) الثلة: الجماعة التي لا يحصر عددها. والمراد بالأولين: الأمم السابقة من لدن آدم إلى نينا وَالِيه. [١٤] (وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ) أي: من هذه الأمة، وسموا قليلًا بالنسبة إلى من كان قبلهم وهم كثيرون؛ لكثرة الأنبياء فيهم وكثرة من أجابهم. وقيل المراد: كثرة من أوائل أمة محمد وَا يه وقليل من أواخرها. قال النبي وَاليمة لأصحابه: ((إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة)). [١٥] (عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ) الموضونة: المنسوجة بأسلاك الذهب، وقيل: مشبكة بالدر والياقوت والزبرجد. [١٦](مُتَّكِثِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ) مستقرِّين على سرر متكئين عليها متقابلين لا ينظر بعضهم قفا بعض. [١٧] (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ) المعنى: يدور حولهم للخدمة غلمان لهم، لا يهرمون ولا يتغيرون. قيل: وهم ولدان المسلمين، وقيل: هم أطفال المشركين [ولا يبعد أن يكونوا مخلوقين في الجنة للقيام بهذه الخدمة]. ١٨](بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ) الأكواب: هي الأقداح المستديرة الأفواه التي لا آذان لها ولا عرى، والأباريق :هي ذات العرى والخراطيم (وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) أي: من خمر خارجة من [ عيونٍ لا تنضب]. [١٩] (لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا) أي: لا تتصدَّع رءوسهم من شربها (وَلَا يُنْزِفُونَ) أي: لا يسكرون فتذهب عقولهم. [٢٢] (وَحُورٌ عِينٌ) أي: نساؤهم حور عين. والحَوَر في العين شدة سواد سوادها، وشدة بياض بياضها. والعِينُ واسعات الأعين. [٢٣] ( كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُهُ الْمَكْنُونِ) اللؤلؤ المكنون صفحة 535 هو الذي لم تمسه الأيدي ولا وقع عليه الغبار. [٢٥] (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا) شتمًا ولا مأثمًا؛ لأنها ليس فيها أحد يتكلم بما فيه إثم. [٢٦] (إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا) أي: إلا أن يقولوا: سلامًا سلامًا، يحيِّي بعضهم بعضًا بالسلام. [٢٧] (وَأَصْحَابُ الْبِمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ) [وهم أصحاب الجنة الثانية، أقل درجة في النعيم من السابقين]. [٢٨] (فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ) السِّدر نوع من الشجر معروف، والمخضود الذي خضد شوكه: أي: فهو سدرٌ لا شوك له. [٢٩] (وَطَلْحِ مَنْضُودٍ)) قيل: هو شجر الموز. وقيل: ليس هو شجر الّموز، ولكنه الطلح المعروف، وهو أعظم أشجار العرب. إلا أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على ما في الدنيا. [٣٠] (وَظِلَ مَمْدُودٍ) أي: دائم باق لا يزول، ولا تنسخه الشمس [٣١] (وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ) أي: منصبٌّ يجري بالليل والنهار أينما شاءوا، فهو مسكوب يسكبه اللّٰه في مجاريه، هو شرابهم، وشراب السابقين الكأس من الخمر المعين. ٣٣٦] (لَا مَقْطُوعَةٍ) لا تنقطع تلك الفواكه في وقت من الأوقات كما تنقطع فواكه الدنيا في بعض الأوقات (وَلَا مَمْنُوعَةٍ) أي: لا تمتنع على من أرادها في أي وقت على أي صفة، أما فاكهة السابقين فإنهم يتخيرونها تخيرًا. [٣٤] (وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ) مرفوعة على الأسِرَّة، وقيل: إن الفرش هنا كناية عن نساء أهل الجنة. [٣٥] (إِنّا أنْشَأنَاهُنَّ إنْشَاءً) أي: خلقناهن خلقا جديدًا من غير توالد، وقيل المراد: نساء بني آدم، والمعنى: أن اللّٰه سبحانه أعادهن بعد الكبر والموت إلى حال الشباب. [٣٦] ( فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا) [أعادهن إلى حال البكارة]. [٣٧] (عُرُبًا أَتْرَابًا ) العُرُب: جمع العروب، وهي المتحببة إلى زوجها. قال المبرد: هي العاشقة لزوجها، الحسنة الكلام. والأتراب : هن اللواتي على ميلاد واحد وسن واحد. [٣٨] لأصْحَاب اليَمِين) أنشاهن اللّٰه لأجلهم. [٤٠-٣٩(ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ) أي: هم كثرة من الأولين، وهم من لدن آدم إلى نبينا وَالِيِ، وكثرة من الآخرين، وهم أمة محمد وَلِيَية، وقيل: من الأولين: يعني من سابقي هذه الأمة، وثلة من الآخرين ممن تابعهم على الإيمان من آخر هذه الأمة - [٤٢-٤١] (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّّمَالِ. فِي سَمُوم وَحَمِيم) السَّموم أشد الهواء حرارة، والحميم الماء الحار الشديد الحرارة. [٤٣] (وَظِلّ مِنْ يَحْمُومِ) المعنى: أنهم يفزعون إلى الظل، فيجدونه ظلا من دخان جهنم الشديد الحرارة. [٤٤] (لَا بَارِدٍ) أي: ليس كغيره من الظلال في الدنيا التي تكون باردة (وَلَا كَرِيمِ) أي: ليس فيه حسن منظر، وكل ما لا خير فيه فليس بكرَّيم [٤٥] (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ) أي: منعمين بما لا يحل لهم. [٤٦] (وَكَانُوا يُصِرٌّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ) على الذنب العظيم، يعني به: الشرك، أي: كانوا لا يتوبوَن عنه. [٤٨] (أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ) والمعنى: أن بعث آبائهم الأولين أبعد في الاستحالة عندهم لتقدم موتهم. [٤٩] (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ) أي: قل لهم يا محمد: إن الأولين من الأمم والآخرين منهم الذين أنتم من جملتهم. ٥٠] (لَمَجْمُوعُونَ) بعد البعث (إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومِ) وهو يوم القيامة. معلوم موعده عند اللّٰه تعالى. صفحة 536 [٥٢] (لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُومِ) أي: لا بد ستأكلون في الآخرة من شجر كريه المنظر كَريه الطعم، وقد نقدم تفسيره في (سورة الصافات، الاية: ٦٢). [٥٣] (فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ) أي: فسوف تملأون من شجر الزقوم بطونكم لما يلحقكم من شدة الجوع. [٥٤] (فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ) المعنى: أنكم سوف تشربون على الزقوم عقب أكله من الماء الحار. [٥٥] (فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ) الهيم: الإبل العطاش التي لا تروى، لداء يصيبها. أي: لا يكون شربكم من الحميم شربًا معتادًا بل يكون مثل شرب الهيم التي تعطش ولا تروى بشرب الماء. [٥٦] (هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ) النُّزُل: ما يعد للضيف، ويكون أول ما يأكله، والمعنى: أن ما ذكر من شجر الزقوم وشراب الحميم هو الذي يعد لهم ويأكلونه يوم القيامة. [٥٧] ( نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ) خلقناكم ولم تكونوا شيئًا، وأنتم تعلمون ذلك، فهلا تصدِّقون بالبعث كما تقرون بالخلق. [٥٨] ( أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ) أي: ما تقذفون وتصبون في أرحام نسائكم من النطف. [٥٩] ( أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ) أي: تقدِّرونه وتصورونه بشرًا سويًّا، أم نحن المقدرون المصورون له؟ [٦٠] (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ) أي: قسمناه عليكم ووقَّتناه لكل فرد من أفرادكم، فمنكم من يموت كبيرًا ومنكم من يموت صغيرًا، ولكن أهل الأرض فيه سواء (وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) بمغلوبين، بل نحن قادرون. [٦١] ( عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ ) أي: نأتي بدلكم بخلق مثلكم (وَنُنْشِئْكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ) من الصور والهيئات. قال الحسن: أي نجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بأقوام قبلكم. [٦٢] (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى) وهي ابتداء الخلق من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ولم تكونوا قبل ذلك شيئًا (فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ) أي: فهلا تتذكرون قدرة اللّٰه سبحانه علي النشأة الأخيرة وتقيسونها على النشأة الأولى. [٦٣] (أفَرَ أَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ) أي: أخبروني عما تحرثون من أرضكم فتطرحون فيها البذر. [٦٤] (أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ) أي: تنبتونه وتجعلونه زرعًا فيكون فيه السنبل والحب (أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) أي: المنبتون له الجاعلون له زرعًا، لا أنتم. فإذا أقررتم بهذا فكذ .:.> ون البعث؟ [٦٥] (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا ) أي: متحطمًا متكسرًا، لا ينتفع به ولا يحصل منه حب ولا شيء مما يطلب من الحرث (فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ) أي: صرتم تعجبون [طويلًا ] فيما نزل بكم في زرعكم قائلين: [٦٦] (إِنَّا لَمُغْرَمُونَ) المغرم الذي ذهب ماله بغير عوض. [٦٧] (بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) أي: حُرِمنا رزقنا بهلاك زرعنا. [٦٩] (أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ) أي: السحاب (أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ) له بقدرتنا دون غيرنا، فكيف لا تقرون بالتوحيد وتصدقون بالبعث؟ [٧٠] (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ) أي: فهلا تشكرون نعمة اللّٰه الذي خلق لكم ماء عذبًا تشربون منه وتنتفعون به ولم يجعله شديد الملوحة. ٧١] (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ) تستخرجونها بالقدح من الشجر الرطب [٧٢] ( أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا) وهي الشجرتان اللتان كانوا يقدحون من أعوادهما النار، وهما المرخ والعفار، وقيل المراد: كل الشجر، فإنه يتَّقد متى جفَّ «أَمْتَحْءُ الْمُنْشِئُونَ) لها بقدر تنادونكم. صفحة 537 [٧٣](نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً) أي: تذكركم حر نار جهنم الكبرى ليتعظ بها المؤمن (وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ) كالمسافرين وأهل البوادي النازلين في الأراضي المقفرة. (فَلَا أقسِمُ بِمَوَاقِع النّجُومِ) أماكن سقوطها، وهي مغاربها. ](إنَّهُ لَقُرْآن كَرِيمٌ) أي: كرمه اللّه وأعزَّه ورفع قدره على جميع الكتب، وكرمه عن أن يكون سحرًا أو كهانة أو كذبًا، وهو كريم لما فيه من كرم الأخلاق ومعالي الأمور، يكرم حافظه، ويُعظِّم قارئه. [٧٨] ( فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ) أي: مستور مصون، وقيل: محفوظ عن الباطل، وهو اللوح المحفوظ. [٧٩] (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) أي: لا يمس الكتاب المكنون إلا المطهرون، وهم الملائكة أما الشياطين فلا ستطيعون أن ينالوه. ومن فحوى هذه الآية يعلم أنه لا يمس القرآن كافر ولا جنب ولا محدث [وينزه عن المواضع النجسة]. [٨١] (أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ) وهو القرآن، (أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ) ممالئون للكفار على الكفر، وأصل المدهن الذي ظاهره خلاف باطنه. كأنه يشبه الدهن في سهولته. [٨٢] (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) أي: تجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون بنعمة الله، فتضعون التكذيب موضع الشكر. [٨٣] (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتٍ) الروح. (الْحُلْقُومَ). [٨٤] (وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ) ترون الميت قد صار إلى أن تخرج نفسه، وأنتم في تلك الحال لا يمكنكم الدفع عنه، ولا تستطيعون شيئًا ينفعه أو يخفف عنه ما هو فيه. [٨٥] (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ) أي: في تلك الحال، بالعلم والقدرة والرؤية، وقيل أراد: ورسلنا الذين يتولون قبضه أقرب إليه منكم (وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ) أي: لا تبصرون ملائكة الموت الذين يحضرون الميت ويتولون قبضه [٨٦] (فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ) أي: فهلا إن كنتم غير مربوبين ومملوكين. [٨٧] (تَرْجِعُونَهَا) أي: النفس التي قد بلغت الحلقوم، إلى مقرها الذي كانت فيه (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) ولن ترجعوها، فبطل زعمكمٍ أنكم غير مربوبين ولا مملوكين. [٨٨] ( فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ) أي: السابقين، وهم الصنف الأول من الثلاثة الأصناف المتقدم تفصيل أحوالهم. [٨٩] (فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ) الروح: الراحة من الدنيا والاستراحة من أحوالها. ١١٠ "حان: الرزق في الجنة، وقال الحسن: هو الريحان المعروف الذي يشم. [٩١] (فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ) المعنى: سلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، وذلك لأنك ستكونِ معهم فيستقبلونكِ بالسلامٍ. [٩٢] (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ) أي: المكذبين بالبع اللي عن الهي، وهم أصحاب الشمال. [٩٣] وفنزل مِنْ حَمِيم» أي: فإن جزاءهم هو الماء الذي قد تناهت حرارته، وذلك بعد آن ياكل من الزقوم، كما تقدم بيانه [٩٤] (وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ) يقال: أصلاه النار وصلاه: إذا جعله فيها فسير سورة الحديد [١] ( سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: نزَّهه ومجَّده بلسان المقال، كتسبيح الملائكة والإنس والجن، أو بلسان الحال كتسبيح غيرهم، فإن كل موجود يدل على الصانع، وقيل: المراد أن كل شيء ناطق بتسبيح خالقه حقيقة ولكن لا تفقهون تسبيحهم. صفحة 538 [٣] (هُوَ الْأَوَّلُ) قبل كل شيء (وَالْآخِرُ) بعد كل شيء، أي: الباقي بعد فناء خلقه (وَالظَاهِرُ) العالي الغالب على كل شيء (وَالْبَاطِنُ) أي: العالم بما بطن، وقيل: هو المحتجب عن الأبصار. [٤] (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ) من مطر وغيره {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا) من نبات وغيره {وَمَا يَنْزِلَ مِنَ السَّمَاءِ) من مطر وغيره (وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا) أي: يصعد إليها من الملائكة وأعمال العباد (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) أي: بقدرته وسلطانه وعلمه، أينما داروا في الارض من بر وبحرِ [٦] (يُولِجُ اللّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) قد تقدم تفسير هذا في (سورة آل عمران، الآية: ٢٧) (وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) أي: بضمائر الصدور ومكنوناتها، لا بخفى عليه من ذلك خافية. آمِنُوا بالله وَرَسُوله) أي: صدّقوا بالتوحيد وبص () الرسالة (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) أي: ما جعلكم خلفاء في التصرف فيه من غير أن تملكوه حقيقة، فإن المال مال اللّٰه والعباد خلفاء اللّٰه في أمواله، فعليهم أن يصرفوها فيما يرضيه. وقيل: جعلكم خلفاء من كان قبلكم ممن ترثونه، وسينتقل إلى غيركم ممن يرثكم، فلا تبخلوا به (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَتَّفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) أي: الذين جمعوا بين الإيمان بالله ورسوله، وبين الإنفاق في سبيل الله، لهم أجر كبير، وهو الجنة [٨] (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ) أي: أيُّ عذر لكم، وأيُّ مانع من الإيمان، وقد أزيحت عنكم العلل؟ (وَالرَّسُولُ يِدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبَّكُمْ) يدعوكم إليه وينبهكم عليه (وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ) أي: والحال أن اللّٰه قد أخذ ميثاقكم حيث أخرجكم من ظهر أبيكم آدم، أو بما نصب لكم من الأدلة الدالة على التوحيد ووجوب الإيمان [أو بقولكم: آمنَّا وسمعن وأطعنا ] (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) بما أخذ عليكم من الميثاق. [٩] (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) أي: واضحات ظاهرات، وهي الايات القرآنية، وقيل: المعجزات، والقرآن أعظمها {لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النَّوْرِ) أي: ليخرجكم اللّٰه بتلك الآيات، أو بالدعوة (وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) أي: لكثير الرأفة والرحمة لليغهما، حيث أنزل كتبه وبعث رسله لهداية عباده، فلا رأفة ولا رحمة أبلغ من هذه. [١٠] (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ» المعنى: أي عذر لكم وأي شيء يمنعكم من ١١٠ء . « وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) والحال أن كل ما في السماوات والأرض راجع إلى اللّٰه سبحانه بانقراض العالم، كرجوع الميراث إلى الوارث، ولا يبقى لهم منه شيء (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنَّفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ) ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل. والفتح: فتح مكة؛ لأن حاجة الناس كانت إذ ذاك أكثر، وهم أقل وأضعف، ولا يجدون ما يجودون به من الأموال إلا قليلا، والجود بالنفس أقصى غاية الجود. أخرج أحمد عن أنس قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمن: تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها؟ فبلغ النبي وَلِيه قال: ((دعوا لي أصحابي، فو الذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد، أو مثل الجبال، ذهبًا، ما بلغتم أعمالهم» (وَكُلَّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى) وهي الجنة، مع تفاوت درجاتهم فيها (وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) لا يخفى عليه من ذلك شيء. [١١ ] (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا) أي: من ذا الذي ينفق ماله في سبيل الله، فإنه كمن يقرضه (حَسَنًا) أي: محتسبًا من قلبه بلا منٍّ ولا أذى، طيبة به نفسه (فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرُ كَرِيمٌ ) وهو الجنة، والمن اعمة هنا هي كون الحسنة بعشر صفحة 539 أمثالها إلى سبعمائة ضعف، على اختلاف الأحوال والأشخاص والأوقات. [١٢] ( يَسْعَى نُورُهُمْ) النور: هو الضياء الذي يرونه (بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) وذلك على الصراط يوم القيامة (وَبِأَيْمَانِهِمْ) بسبب كتبهم التي أعطوها (بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا) أي: يقال لهم هذا تبشيرًا وتكريمًا (ذَلِكَ) [المبشر به، وهو الجنات والخلود] (هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). ١٣(انْظُرُونَا) أي: انتظرونا، يقولون ذلك لما رأوا المؤمنين يسرع بهم إلى الجنة [في النور] (نَقْتَبِسْ مِنْ ستضيء منه (قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ) أي: نُورِكُمْ ) ارجعوا إلى الدنيا (فَالْتَمِسُوا نُورًا) بما التمسناه من الإيمان والأعمال الصالحة (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ) أي: باطن ذلك السور، وهو الجانب الذي يلي أهل الجنة، فيه الرحمة وهي نِعَم الجنة (وَظَاهِرُهُ) وهو الجانب الذي يلي أهل النار (مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ) أي: من جهته عذاب جهنم. [١٤ ] (يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ) أي: إن المنافقين ينادون المؤمنين قائلين لهم: ألم نكن موافقين لكم، نصلي بصلاتكم في مساجدكم، ونعمل بأعمال الإسلام مثلكم (قَالُوا بَلَى) أي: بلى قد كنتم معنا في الظاهر (وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنَّفُسَكُمْ )) بالنفاق وإبطان الكفر، وأهلكتموها بالنفاق، وقيل: بالشهوات واللذات ( تَرَبَّصْتُم) بمحمل للِيِ و بمن معه من المؤمنين حوادث الدهر، وقيل: تربصتم بالتوبة (وَارْتَبْتُمْ) أي: شككتم في أمر الدين، ولم تصدقوا ما نزل من القرآن، ولا آمنتم بالمعجزات الظاهرة (وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ) الباطلة التي من جملتِها ما كنتم فيه من التربص، وقيل: هي طول الأمل (حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللهِ) وهو الموت. وقال قتادة: هو إلقاؤهم في النار (وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ) أي: خدعكم الشيطان [فلم تقدِّروا اللّٰه حق قدره، ولم تعلموا قدرته عليكم، فظنتتم أنه لا يعلم كثيرًا مما كنتم تعملون]. [١٥]( فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِذْيَةُ) تفدون بها أنفسكم من النار أيها المنافقون (وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) بالله ظاهرًا وباطنًا (مَأْوَاكُمُ النَّارُ) أي: منزلكم الذي تأوون إليه النار (هِيَ مَوْلَاكُمْ) أي: هي أولى بكم (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) الذي تصيرون إليه وهو النار. [١٦] (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ) أي: ألم يَحِنِ الوقتُ لخشوع قلوبهم؟ قال الحسن: يستبطئهم وهم أحب خلقه إليه (لِذِكْرِ اللهِ) .ا] .. : أنه ينبغي أن يورثهم الذكر خشوعًا ورقة، ولا يكونوا كمن لا يلين قلبه للذكر ولا يخشع له (وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) القرآن (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ) اليهود والنصارى الذين أوتوا التوراة والإنجيل من قبل نزول القرآن (فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ)) أي: طال عليهم الزمان بعد أنبيائهم (فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) بذلك السبب، حتى صاروا لا ينفعلون لكلام اللّٰه الذي يتلونه. فنهى الله سبحانه أمة محمل اليه أن يكونوا مثلهم . ١٧٦](اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)) فهو قادر على أن يبعث الأجسام بعد موتها، ويلين القلوب بعد قسوتها. [١٨] (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدَّقَاتِ) أي: المتصدقين والمتصدقات (وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا) القرض الحسن عبارة عن التصدق والإنفاق في سبيل الله، مع خلوص نية وصحة قصد واحتساب أجر (يُضَاعَفُ لَهُمْ) ثوابهم (وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ) وهو الجنة، والمضاعفة هنا أن الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أكثر من ذلك. ١٩] (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ) جميعًا (أُولَتِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ قال مجاهد: ١٢ م.. آمن بالله ورسله فهو صديق. صفحة 540 وقيل: هم الذين لم يشكُوا في الرسل حين أخبروهم بل صدقوهم صديقًا كاملًا (وَالشَّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ) هم الذين استشهدوا في سبيل الله. والمعنى: أن الشهداء يفوزون بعلو الدرجة عند اللّٰه (لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ) المعنى: [كل من الفريقين الصديقين والشهداء] لهم الآجر والنور الموعودان لهم. [٢٠] ((اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدَّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوُ) اللعب هو خلاف الجد، واللهو كل شيء يتلهى به ثم يذهب. وقيل: اللعب هو الاقتناء، واللهو: النساء. والزينة: التزين بمتاع الدنيا (وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ ) أي: يفتخر به بعضكم على بعض، وقيل: يتفاخرون بالخلقة والقوة [وما حازه كل منكم من متع الدنيا] وقيل: بالأنساب والأحساب، كما كانت عليه العرب (وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ) أي: يريد كل منهم أن يحصل على أموال وأولاد؛ ليرى لنفسه فضلًا على من كان أقل منه فيهما (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ) أي: كمثل مطر أعجب الزراعَ النباتُ الحاصل به. والمراد بالكفار هنا: الزراع؛ لأنهم يكفرون البذر، أي: يغطونه بالتراب (ثُمَّ يَهِيجُ) أي: يجف بعد خضرته ويبس (ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ) أي: فتاتًا هشيمًا متكسرًا متحطمًا بعد يبسه. وهكذا حقارة الدنيا وسرعة زوالها بعد نضارتها [بالنسبة للأفراد والأمم والبشر جميعًا[ (وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ) لأعداء اللّٰه (وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ) لأوليائه وأهل طاعته؛ فإما هذا وإما هذا (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) لمن اغتر بها ولم يعمل لآخرته، أما من استعان على الآخرة بطلبها، فهي له متاع وبلاغ إلى ما هو خير منه. [٢١] ( سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبَّكُمْ) أي: سارعوا مسارعة السابقين بالأعَمال الصالحة التي توجب المغفرة لكم من ربكم. ومن المسابقة: التكبيرة الأولى مع الإمام، ومنها: الصف الأول في الصلاة [والإحسان في سائر الأعمال]وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) وإذا كان هذا قدر عرضها فما ظنك بطولها (أَعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ) ولا ستحقها إلا من عمل بما فرض اللّٰه عليه، واجتنب نهيه. [٢٢] (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ) من قحط مطر، وضعف نبات، ونقص ثمار (وَلَا فَي أَنَّفُسِكُمْ} بالأوصاب والأسقام وضيق المعاش [وموت الأولاد والأقارب والأصحاب](إِلَّا فِي كِتَابِ) وهو اللوح المحفوظ (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا) أي: من قبل أن نخلق الأرض (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله : ") أي: إن إثباتها في الكتاب، على كثرتها، على اللّٰه يسير غير عسير. [٢٣] (لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ ) أي: [ أخبرناكم بأن كل ذلك مقدَّر في أوقاته] لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا (وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) أي: بما أعطاكم منها، فإن ذلك يزول عن قريب، وكل زائل عن قريب لا يستحق أن يفرح بحصوله، ولا يحزن على فواته، مع أن كل ذلك بقضاء اللّٰه وقدره، فلن يعدو إنسان ما كتب له، وما كان حصوله كائنًا لا محالة فليس بمستحق للفرح بحصوله، ولا للحزن على فواته {وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلِّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) هو ذمُّ للفرح الذي يختال صاحبه ويبطر، وقيل: المراد أن من فرح بالحظوظ الدنيوية، وعظمت في نفسه، فقد اختال وافتخر بها. [٢٤] الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) أي: البخل بأداء حق اللّٰه وبالصدقة [ويحسِّنون للناس أن يبخلوا بما يملكون، بقولهم وبفعلهم؛ إذ يفخرون بأموالهم فيحب غيرهم أن يكون مثلهم، ولذلك يبخل عن أبواب الح مَنْ يَتَوَلّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) أي: ومن يعرض عن الإنفاق فإن اللّٰه غني عنه، محمود عنا خلقه، لا يضره ذلك. صفحة 541 [٢٥] (وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ) أي: الكتب السماوية وَالْمِيزَانَ) الميزان: العدل، [ومن آلات العدل: الميزان المعروف] (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) أي: ليتبعوا ما أمروا به من العدل، وتقوم حياتهم عليه، فيتعاملوا فيما بينهم بالنصفة (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ) أي: خلقناه، والمعنى: أنه خلقه في الأرض، وعلَّم الناس صنعته (فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ)) لأنه تتخذ منه آلات الحرب، للدفع وللضرب؛ لقوة تحمّله وشدة صلابته [وقوة تماسُكِه] (وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) ينتفعون به في كثير مما يحتاجون إليه مثل السكين والفأس والإبرة وآلات الزراعة [وآليات الأشغال، وماكينات الصناعة] وفي التجارة والعمارة وغير ذلك (وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ) باستعمال الحديد، أي: في الأسلحة في الجهاد، فمن نصر دين اللّٰه ورسله علمه ناصرًا، ومن عصى علمه بخلاف ذلك. [٢٦] (وَجَعَلْنَا فِي ذُرَّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ) أي: جعلنا فيهم النبوة، فكل الأنبياء من ذريتهما، والكتب المنزلة لم ينزلها اللّٰه على أحد غيرهم. [٢٧] (وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) وهو من ذرية إبراهيم من جهة أمة [وإنما نسب إليها؛ لأنه لا أب له، وإلا فالناس ينسبون إلى آبائهم] (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً ) هم الحواريون وأتباعهم، جعل اللّٰه في قلوبهم رحمة للناس، بخلاف اليهود فإنهم ليسوا كذلك [فإنهم يتدينون بإيذاء من سواهم من البشر] (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ) لكونها مبتدعة من جهة أنفسهم لم يشرعها اللّٰه لهم، ولم يأمرهم بها، بل ساروا عليها غلوًّا في العبادة، وحملوا على أنفسهم المشقات في الامتناع من المطعم والمشرب والمنكح، وتعلقوا بالكهوف والصوامع، وكان أصلها أن ملوكهم غيَّروا وبدَّلوا وبقي منهم نفر قليل فترهبوا وتبتلوا (إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ) أي: ولكن ابتدعوها ابتغاء رضوان اللّٰه (فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) بل استعملها كثير منهم في الفساد، ولم يبق على دين عيسى الذي جاء به إلا قليل منهم (فَاتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ) الذي ستحقونه بالإيمان (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) [أي: كثير من هؤلاء لمترهبين فاسقون، بأكل أموال الناس بالباطل، وبالسلوك المنحرف]. [٢٨] (اتَّقُوا اللهَ) بترك ما نهاكم عنه (وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ) محمد لَاِلفه (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) أي: نصيبين من رحمته، بسبب إيمانكم برسوله بعد إيمانكم بمن قبله من الرسل، وهذا -والله أعلم- لمؤمني أهل الكتاب وَيَجْعَلَ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) مني: على الصراط تهتدون بد مَتَذْنَرْ لَكُمْ) ما سلف من ذنوبكم (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي: بليغ المغفرة والرحمة. [٢٩] (لِثَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ ) المعنى: ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على أن ينالوا شيئًا من فضل اللّٰه الذي تفضل به على من آمن بمحمد وَالاليه ولا يقدرون على أن يدفعوا ويمنعوا ذلك الفضل الذي تفضَّل اللّٰه به على من شاء (وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ) ومنه النبوة والعلم والتقوى (يُوْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) كما آتى من ذلك محمداً لَلِلِهِ وأصحابه وأمته من ذلك نصيبًا أوفر، بدين الإسلام. تفسير سورة المجادلة [١] (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) أي: تُراجِعك الكلام في شأنه (وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ) عن عائشة قالت: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى عليَّ بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله والِي وهي تقول: يا رسول الله: أكل شبابي، ونَثَرْدد، اه . ماني، حتى صفحة 542 إذا كبر سني، وانقطع ولدي، ظاهر مني. اللهم إني أشكو إليك. قالت: فما برحت حتى نزل جبريل بهؤلاء الآيات: (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الْتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) وهو أوس بن الصامت أحد الأنصار (وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَ كُمَا) أي: والله بسمع ما تتراجعان به من الكلام. [٢] (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ ) معنى الظهار: أن يقول الرجل لا مرأته: أنت علي كظهر أمي. ولا خلاف في كون هذا ظهارًا ( مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ) أي: ما نساؤهم بأمهاتهم، فذلك كذب منهم. وفي هذا توبيخ للمظاهرين وتبكيت لهم (إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ) أي: ليست أمهاتهم إلا النساء اللائي ولدنهم (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا) أي: وإن المظاهرين ليقولون بقولهم هذا منكرًا من القول، أي: فظيعًا ينكره الشرع [وهو تشبيهه زوجته التيِ يطؤها بأمه، وفي هذا أشد الإهانة لأمه] والزور: الكذب (وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٍّ غَفُورٌ) أي: بليغ العفو والمغفرة؛ إذ جعل الكفارة عليهم مخلَصة لهم عن هذا المنكِر. [٣](وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا) يعودون لما كانوا عليه من إرادة الجماع (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) أي: فعليهم تحرير رقبة، أي: أَمَة أو عبد مملوك، من أجل ما قالوا. وقيل: العود أن يمسكها زوجة بعد الظهار، مع القدرة على الطلاق (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) المراد بالتماسِّ هنا: الجماع، فلا يجوز للمظاهر الوطء حتى يكفر (ذَلِكُمْ) الحكم المذكور (تُوعَظُونَ بِهِ) أي: تؤمرون به، أو تزجرون به عن ارتكاب الظهار. [٤]( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) أي: فمن لم يجد الرقبة في ملكه، ولا تمكن من قيمتها، [أو لم يجد رقبة يشتريها] فعليه صيام شهرين متتابعين متواليين لا يفطر فيهما، فإن أفطر استأنف إن كان الإفطار لغير عذر. فلو جامعها ليلًا أو نهارًا عمدًا استأنف (فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ » يعني: صيام شهرين متتابعين (فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) لكل مسكين نصف صاع من برِّ أو تمر أو أرز أو نحوها. ويجوز أن يطعمهم طعامًا جاهزًا حتى يشبعوا، أو يدفع إليهم ما يشبعهم (ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) أي: حكمنا بذلك لتصدقوا أن اللّٰه أمر به وشرعه، وتقفوا عند حدود الشرع، ولا تتعدوها، ولا تعودوا إلى الظهار الذي هو منكر من القول وزور (وَتِلْكَ) الأحكام المذكورة (حُدُودُ اللهِ) فلا تجاوزوا حدوده التي حدها لكم، فإنه قد بين لكم أن الظهار معصية، وأن كذا. :م المذكورة توجب العفو والمغفرة (وَلِلْكَافِرِينَ) الذين لا يقفون عند حدود اللّٰه (عَذَابٌ ألِيمٌ) وهو عذاب جهنم. [٥] (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ) المحادة: المشاقة والمعاداة والمخالفة (كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي: أُذِلُّوا وأُخْزوا. ٦] ( يَوْمَ يَبْعَتُهُمُ اللهُ جَمِيعًا ) أي: مجتمعين في حالة واحدة، لا يبقى منهم أحد لم يبعث (فَيُنَبَئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا) في الدنيا من الأعمال القبيحة، لتكميل الحجة عليهم (أَحْصَاهُ اللهُ) أحصاه اللّٰه جميعًا ولم يفته منه شيء (وَنَسُوهُ) هم ولم يحفظوه، فوجدوه حاضرًا مكتوبًا في صحائفهم (وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)) مطلع وناظر. [٧] ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) أي: أن علمه محيط بما فيهما، بحيث لا يخفى عليه شيء مما فيهما (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ) ما يوجد من تناجي رجال ثلاثة (إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ) يشاركهم في الاطلاع على تلك النجوى (وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ)) لأنه سبحانه مع كل عدد، قلَّ أو كثر، يعلم اله . ١١٠ - هر، لا تخفى عليه خافية صفحة 543 (وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ) أي: ولا أقل من العدد المذكور: كالواحد، والاثنين، ولا اكثر منه: كالستة والسبعة (إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ) يعلم ما يتناجون به لا يخفى عليه منه شيء (أَيْنَ مَا كَانُوا) في أي مكان من الأمكنة (ثُمَّ يُبَئُهُمْ) أي: يخبرهم (بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [أي: ليعلموا أن نجواهم لم تكن عليه خافية، وليكون إعلامه لمن يتناجون بالسوء] توبيخًا لهم وتبكيتًا وإلزاما للحجة. ٨٦] (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ ) كان اليهود إذا مر بهم الرجل من المؤمنين تناجوا بينهم حتى يظن المؤمن شرَّا، فنهاهم الله، فلم ينتهوا، فنزلت (وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ) أي: بغيبة المؤمنين وأذاهم ونحو ذلك، كالكذب والظلم (وَالْعُدْوَانِ) ما فيه عدوان على المؤمنين (وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ) مخالفته (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ المراد بها: اليهود، كانوا يأتون النبي وَاِخِ ف فيقولون: السام عليك، يريدون بذلك السلام ظاهرًا وهم يعنون الموت باطنا، فيقول النبي فيه وعليكم (وَيَقُولُونَ فِي أَنَّفُسِهِمْ) أي: فيما بينهم (لَوْلَا يُعَذَبُنَا اللهُ بِمَا نَقُولُ) أي: يقولون: لو كان محمد نبيًّا لعذبنا اللّٰه بما يتضمنه قولنا من الاستخفاف به، وقيل المعنى: لو كان نبيًّا لاستجيب له فينا حيث يقول: عليكم، ولوقع علينا الموت عند ذلك (حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ) عذابًا، أي: يكفيهم عذابها عن الموت الحاضر (يَصْلَوْنَهَا) يدخلونها {فَبِئْسَ الْمَصِيرُ) أي: المرجع، وهو جهنم. [٩] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ) كما يفعله اليهود والمنافقونَ (وَتَنَاجَوْا بِالبِرِّ وَالتَّقَوَى) أي: بالطاعة وترك المعصي ( وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) فيجزيكم بأعمالكم. [١٠ (إنَّمَا النَّجْوَى) يعني: بالإثم والعدوان ومعصية الرسول (مِنَ الشَّيْطَانِ) لا من غيره، أي: من تزيينه وتسويله (لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ) أي: لأجل أن يوقعهم في الحزن بما يحصل لهم من التوهم أنها في مكيدة يكادون بها (وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا) أي: وليس الشيطان، أو التناجي الذي يزينه الشيطان، بضار المؤمنين شيئًا من الضرر (إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) أي: مشيئته (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) أي: يكلون أمرهم إليه، ويفوضونه في جميع شؤونهم، ويستعيذون بالله من الشيطان، ولا يبالون بما يزينه من النجوى. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال: قال رسول اللّٰه وَدِّي: ((إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون. ٢١/*١ *،، فإن ذلك يحزنه». [١] يَا أَيَّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ) أمرهم اللّٰه سبحانه بحسن الأدب بعضهم مع بعض بالتوسعة في المجلس وعدم التضايق فيه. قال قتادة ومجاهد: كانوا يتنافسون في مجلس النبي وَلِيِ فأمروا أن يفسح بعضهم لبعض (فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللّهُ لَكُمْ ) أي: فوسعوا يوسع اللّٰه لكم في الجنة، وهي عامة في كل مجلس اجتمع فيه المسلمون للخير والأجر، سواء كان مجلس حرب، أو ذكر، أو يوم الجمعة، وكل واحد أحق بمكانه الذي يسبق إليه، ولكن يوسع لأخيه، عن النبي وَلِيف أنه قال: ((لا يُقم الرجلَ الرجلَ من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا)) (وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا) [أي: إذا طلب من بعض الجالسين في المجلس أن ينهضوا من أماكنهم ليجلس فيها أهل الفضل في الدين، وأهل العلم بالله فليقوموا] (يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أَوْتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) أي: يرفع الذين أوتوا العلم منكم درجات عالية في الكرامة في الدنيا والثواب في الآخرة، فمن جمع الإيمان والعلم رفعه اللّٰه بإيمانه درجات، ثم رفعه بعلمه درجات، ومن جملة ذلك رفعه في المجالس. صفحة 544 [١٢ ] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) المعنى إذا أَردتم مساررة الرسول في أمر من أموركم فقدموا قبل مساررتكم له صدقة، تصدقوا بها. أنزل اللّٰه هذه الآية فانتهى أهل الباطل عن مناجاة النبي وَلِيه؛ لأنهم لم يقدموا بين يدي نجواهم صدقة، وشق ذلك على أهل الإيمان وامتنعوا عن النجوى لضعف كثير منهم عن الصدقة، ثم خفف اللّٰه عنهم بالآية التي بعد هذه (ذَلِكَ) تقديم الصدقة بين يدي النجوى (خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ) لما فيه من طاعة اللّٰه (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يعني: من كان منهم لا يجد تلك الصدقة فلا حرج عليه في النجوى بدون صدقة. [١٣] (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ) أي: أخفتم الفقر والعيلة لأن تقدموا ذلك، قال مقاتل: إنما كان ذلك عشر ليال ثم نسخ (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا) ما أمرتم به من الصدقة بين يدي النجوى لثقلها عليكم (وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ) بأن رخص لكم في الترك (فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتُوا الزَّكَاةَ) والمعنى: إذا وقع منكم التثاقل عن تقديم الصدقة بين يدي النجوى فاثبتوا على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة اللّٰه ورسوله (وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ فهو مجازيكم. [١٤] (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا) أي: وَالَوْهُمْ. هم المنافقون تولوا اليهود (غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ) المغضوب عليهم هم اليهود (مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ) كما قال اللّٰه فيهم: (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ) [ويحتمل أنهم اليهود، أي: يقول للمؤمنين: ليس اليهود منكم ولا من المنافقين، فلماذا لا يتولاهم المنافقون] (وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ أي: يحلفون أنهم مسلمون، أو يحلفون أنهم ما نقلوا الأخبار إلى اليهود (وَهُمْ يَعْلَمُونَ» أي: يعلمون بطلان ما حلفوا عليه، وأنه كذب لا حقيقة له. [١٥] (أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا) بسبب هذا التولي والحلف على الباطل {(إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) من الأعمال القبيحة. ١٦] (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً) وهي ما كانوا يحلفون عليه من الكذب بأنهم من المسلمين، توقيًا من القتل بالكفر، نجعلوا هذه الأيمان وقاية وسترة دون دمائهم، فآمنت ألسنتهم من خوف القتل، ولم تؤمن قلوبهم (فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ) أي: منعوا الناس عن الإسلام بسبب ما يصدر عنهم من التثبيط، وتهوين أمر المسلمين، وتضعيف شوكتهم (فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) أي: يهينهم ويخ .. ١٨](يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ) أي: يحلفون لله يوم القيامة على الكذب، كما يحلفون لكم في الدنيا، فيقولون: والله ربنا ما فعلنا ذلك. وهذا من شدة شقاوتهم، فإن الحقائق يوم القيامة قد انكشفت، وصارت الأمور معلومة بضرورة المشاهدة (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ) أي: يحسبون في الآخرة أنهم بتلك الأيمان الكاذبة على شيء مما يجلب نفعًا، أو يدفع ضررًا، كما كانوا يحسبون ذلك في الدنيا. [١٩] ( اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ) أي: غلب عليهم واستعلى واستولى وأحاط بيم (فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللهِ) أي: فتركوا أوامره والعمل بطاعاته ( أَولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ) أي: جنوده وأتباعه ورهطه (أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) لأنهم باعوا الجنة بالنار، والهدى بالضلالة، وكذبوا على اللّٰه وعلى نبيه، وحلفوا الأيمان الفاجرة، فسوف يخسرون في الدنيا والآخرة. ٢٠١] إِنَّ الَّذِينَ يُحَدُّونَ اللَّه وَرَسُولَهُ)) تقدمٍ معنى المحادة الله ولرسوله في أول هذه السورة ( أَولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ) من جملة من أذله اللّٰه من الأمم في الدنيا والآخرة. [٢١] ( كَتَبَ اللّهُ لَأَغْلِيَنَّ أَذَا ءَمُسُلِي) أي: قضى في سابق علمه: صفحة 545 لأغلبن أنا ورسلي بالحجة والقدرة (إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) قوي على نصر أوليائه، غالب لأعدائه، لا يغلبه أحد. [٢٢] (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ) يوادون أَي: يحبون ويوالون من عادى اللّٰه ورسوله وشاقهما (وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) أي: ولو كان المحادون لله ورسوله آباء الموادين إلخ، فإن الإيمان يزجر عن ذلك ويمنع منه، ورعايته اقوى من رعاية الابوة والبنوة والآخوة والعشيرة أولَئِكَ) يعنى: الذين لا يوادون من حاد اللّٰه ورسوله (كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ) أثبته، وقيل: جعله، وقيل: جمعه ( وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحِ مِنْهُ) أي: قوَّاهم بنصر منه على عدوهم في الدنيا، وسمى نصره لهم روحًا؛ لأن به حيا أمرهم (وَيُدْخِلَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا) على الأبد (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ) أي: قبل أعمالهم وأفاض عليهم آثار رحمته العاجلة والآجلة (أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ) أي: جنده الذين يمتثلون أوامره، ويقاتلون أعداءه، وينصرون أولياءه (أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) أي: الفائزون بسعادة الدنيا والآخرة، أخرج ابن أبي حاتم والطبراني والحاكم: جعل والد أبي عبيدة بن الجراح يتقصَّد لأبي عبيدة يوم بدر، وجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر قَصَدَهُ أبو عبيدة فقتله، فنزلت هذه الآية احيس [٢] (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) هم بنو النضير، وهم رهط من اليهود من ذرية هارون، نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل، فغدروا بالنبي والِّي بعد أن عاهدوه، وصاروا عليه مع المشركين، ارهم رسول اللّه ويلِي حتى رضوا بالجلاء. قال الكلبي: كانوا أول من أَجْلِيَ من أهل الكتاب من جزيرة العرب، ثم أُجْلِيَ آخرهم في زمن عمر بن الخطاب، فكان جلاؤهم أول حشر من المدينة، وآخر حشر إجلاء عمر لهم. وقيل: آخر الحشر هو حشر جميع الناس إلى أرض المحشر (مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا) أي: ما ظننتم أيها المسلمون أن بني النضير بخرجون من ديارهم لعزتهم ومنعتهم، وكانوا أهل حصون مانعة، وعقار ونخيل واسعة، وأهل عدد وعدة (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ أي . .ما . بنو النضير أن حصونهم تمنعهم من بأس اللّٰه ( فَأَنَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ) أي: أتاهم أمر اللّٰه من جهة لم يخطر ببالهم أنه يأتيهم أمره منها، وهو أنه سبحانه أمر نبيه وَاليه بقتالهم وإجلائهم، وكانوا لا يظنون [ أن الأمر يصل إلى ذلك، بل كانوا عند أنفسهم أعز وأقوى] (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ) الرعب أشد الخوف. قال وَاِيه: (نصرت بالرعب مسيرة شهر)) (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ) وذلك أنهم لما أيقنوا بالجلاء حسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم، فجعلوا يخربونها من داخل، والمسلمون من خارج. وقال الزهري وعروة بن الزبير: لما صالحم البي والي على أن لهم ما أقلت الإبل كانوا يستحسنون الخشبة أو العمود فيهدمون بيوتهم ويحملون ذلك على إبلهم ويخرب المؤمنون باقيها (فَاعْتَبِرُوا يَا أَولِي الْأَبْصَارِ) أي: [اعلموا أن اللّٰه يفعل مثل ذلك بمن غدر وحاد الله]. [٣] (وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا) أي: لولا أن كتب اللّٰه عليهم الخروج من أوطانهم على الوجه، وقضى به عليهم، لعذبهم بالقتل والسبي في الدنيا كما فعل ببني قريضة صفحة 546 [٤] (بِأَنَّهُمْ شَاقُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) أي: بسبب عداوتهم الله ورسوله ونقضهم للعهد. [٥] (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةِ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ) أخذ بعض المسلمين في معركة النضير يقطع نخيل الكفار لإغاظتهم، فقال بنو النضير وهم أهل كتاب: يا محمد ألست تزعم أنك نبي تريد الصلاح؟ أفمن الصلاح قطع النخل وحرق الشجر؟ وهل وجدت فيما أنزل عليك إباحة الفساد في الأرض؟ فشق ذلك على رسول اللّٰه وَا لِيِ ووجد المسلمون في أنفسهم، فنزلت الآية (وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ) أي: ليذل الخارجين عن الطاعة، وهم اليهود، ويغيظهم في قطعها وتركها؛ فإنهم إذا رأوا المؤمنين يتحكمون في أموالهم كيف شاءوا ازدادوا غيظًا وخزيًا. [٦] (وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلِ وَلَا رِكَابِ) الإيجاف: إسراع الراكب فرسه، والمعنى: أن ما رده اللّٰه تعالى على رسوله من أموال بني النضير لم تركبوا تحصيله خيلًا ولا إبلًا، ولا تجشمتم لها شقة، ولا لقيتم بها حربًا، وإنما كانت من المدينة على ميلين، فجعل اللّٰه سبحانه أموال بني النضير لرسوله وَا يه خاصة لهذا السبب، فإنه افتتحه صلحًا وأخذ أموالها، ولم يقسمها بين الغانمين [٧] ( مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) هذا بيان لمصارف الفيء بعد بيان أنه لرسول اللّٰه وَلِّي خاصة، وهو حكم كل قرية يفتحها رسول اللٰه وَلِيخه و المسلمون بعده إلى يوم القيامة بغير قتال، بل صلحًا، ولم يوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب (فَلِلَّهِ) يحكم فيه بما يشاء (وَلِلرَّسُولِ) يكون ملكًا له، ثم في مصالح المسلمين (وَلِذِي الْقُرْبَى) وهم بنو هاشم وبنو المطلب [أي: لفقرائهم] لأنهم قد منعوا من الصدقة، فجعل لهم حقًّا في الفيء (وَالْيَتَامَى) وهم الصغار الذين مات آباؤهم قبل أن يدخلوا مرحلة البلوغ (وَالْمَسَاكِينِ) الفقراء (وَابْنِ السَّبِيلِ) الغريب الذي نفدت نفقته (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) فيغلب الأغنياءُ الفقراءَ، فيتداولوه بينهم (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) أي: ما أعطاكم من مال الفيء فخذوه، وما نهاكم عن أخذه فانتهوا عنه ولا تأخذوه. [٨] (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ) من مكة، اضطروهم إلى الخروج منها، فخرجوا، فجعل لهم في الفيء حقًا ليغنيهم (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوانا) بالرزق في الد ا الوان في الآخرة (وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ) بالجهاد للكافر (أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) أي: الراسخون في الصدق. [٩](وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ) هم الأنصار سكنوا المدينة قبل المهاجرين، وآمنوا بالله ورسوله (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ) أحسنوا إلى المهاجرين وأشركوهم في أموالهم ومساكنهم (وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً) حسدًا أو غيظًا أو حزازة ( مِمَّا أُونُوا) أي: مما أوتي المهاجرون دونهم من الفيء، بل طابت أنفسهم بذلك. وكان المهاجرون في دور الأنصار، فلما غنم النبي وَلِيِيِ أموال بني النضير دعا الأنصار وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين من إنزالهم إياهم في منازلهم، وإشراكهم في أموالهم، ثم قال: ((إن أحبتم قسمت ما آفاء اللّٰه عليَّ من بني النضير بينكم وبين المهاجرين، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم والمشاركة لكم في أموالكم، وإن أحبتم أعطيتهم ذلك وخرجوا من دياركم) فرضوا بقسمة ذلك في المهاجرين وطابت أنفسهم (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ) يقدمون المهاجرين على أنفسهم في حظوظ ١ : ١١١ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ صفحة 547 أي: حاجة وفقر (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) أي: من كفاهُ اللّٰه حرص نفسه وبخلها فأدى ما أوجبه الشرع عليه في مال من زكاة أو حق فقد فاز ونجح، ولم يفز من بخِل بذلك وشحت به نفسه. [١٠] (وَالَذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ) وهم التابعون لهم بإحسان إلى يوم القيامة (يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ) الذين يحبون السابقين من المهاجرين والأنصار ويستغفرون لهم (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا) أي: غشًّا وبغضًا وحسدًا. فيدخل في ذلك الصحابة دخولًا أوليًا؛ لكونهم أشرف المؤمنينِ ولكون السياق فيهم، فمن وجد في قلبه لهم غلًّا [كالرافضة] فقد أصابه نزغ من الشيطان، وحل به نصيب وافر من عصيان اللّٰه بعداوة أوليائه وخير أمة نبيه وتالِيّي وليس له في الفيء حق. وكذلكٍ من سبهم أو آذاهم أو تنقّصهم. ١١] (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا) هم عبد اللّٰه بن أبيّ وأصحابه، بعثوا إلى بني النضير: أن اثبتوا وتمنعوا فإننا لا سلمكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم (لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ) أي: لنخرجن من ديارنا في صحبتكم (وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ) أي: في شأنكم، ومن أجلكم (أَحَدًا) ممن يريد أن يمنعنا من الخروج معكم ( أَبَدَّا) وإن طال الزمان (وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ) على عدوكم. ثم كذبهم سبحانه، فقال: (وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) فيما وعدوهم به من الخروج معهم والنصرة لهم. [١٢] (لَئِنْ أَخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ) وقد كان الأمر كذلك، فإن المنافقين لم يخرجوا مع من أخرج من اليهود، وهم بنو النضير ومن معهم، ولم ينصروا من قوتل من اليهود، وهم بنو قريظة وأهل خيبر (وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلَّنَّ الْأَدْبَارَ) منهزمين (ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ) لا يصير المنافقون منصورين بعد ذلك، بل يذلهم اللّٰه ولا ينفعهم نفاقهم. [١٣] (لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ) أي: لأنتم يا معاشر المسلمين أشد خوفًا وخشية في صدور المنافقين، أو صدور اليهود، من رهبة اللّٰه ({ذَلِكَ بِأنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) ولو كان لهم فقهٌ لعلموا أن اللّٰه سبحانه هو الذي سلطكم عليهم، فهو أحق بالرهبة منكم. [١٤] (لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا) مجتمعين لقتالكم (إِلَّا فِي قُرَّى مُحَصَّنَةٍ) أي: في ال١... . والدور (أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ) أي: من خلف الحيطان التي يستترون بها لجبنهم ورهبتهم (بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ) أي: بعضهم غليظ فظ على بعض ( تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) أي: إن اجتماعهم إنما هو في الظاهر، مع تخالف قلوبهم في الباطن، مختلفة آراؤهم مختلفة أهواؤهم (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ) ولو عقلوا لعرفوا الحق واتبعوه فتوحدوا ولم يختلفوا. [١٥](كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) من كفار المشركين (قَرِيبًا) يعني: في زمان قريب (ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ ) أي: سوء عاقبة كفرهم، في الدنيا بقتلهم يوم بدر، وكان ذلك قبل غزوة بني النضير بستة أشهر [١٦] (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ) أي: مثلهم في تخاذلهم وعدم تناصرهم، كمثل الشيطان للإنسان، أغراه بالكفر، وزينه له، وحمله عليه (فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ) أي: فلما كفر الإنسان مطاوعة للشيطان، وقبولًا لتزيينه، قال الشيطان: إني بريء منك {إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) هذا من قول الشيطان على وجه التبري من الإنساذ صفحة 548 ١٨] (يَا أَيَّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تَقُوا اللهَ) أي: اتقوا عقابه بفعل ما أمركم به وترك ما نهاكم عنه (وَلْتُنْظُرْ نَفْسُ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) أي: لتنظر أي شيء قدمت من الأعمال ليوم القيامة. [١٩]( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَهَ) أي: تركوا أمره [ ولم يبالوا بطاعته] (فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ) أي: جعلهم ناسين لها بسبب نسيانهم له، فلم يشتغلوا بالأعمال التي تنجيهم من العذاب، وقيل: نسوا اللّٰه في الرخاء فأنساهم أنفسهم في الشدائد ( أَولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) أي: الخارجون عن طاعة الله. [٢٠] (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) أي: الظافرون بكل مطلوب، الناجون من كل مكروه. [٢١] (لَوْ أَنْزَلُنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلِ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ) أي: بلغ من شأنه وعظمته وبلاغته واشتماله على المواعظ التي تلين لها القلوب، أنه لو أنزل على جبل من الجبال لرأيته، مع كونه في غاية القسوة وشدة الصلابة وضخامة الجرم، متشققا من خشية الله، حذرًا من عقابه، وخوفا من آن لا يؤدي ما يجب عليه من تعظيم كلام اللّٰه (وَتِلْكَ الأَمْثَالَ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَفَكِّرُونَ) فيما يجب عليهم التفكر فيه ليتعظوا بالمواعظ، وينزجروا بالزواجر. [٢٢] (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشِّهَادَةِ) أي: عالم ما غاب من الإحساس وما حضر فهو مرئي بالعيون. [٢٣] وهُوَ اللهُ الذِي لَا إِلَهَ إِلَا هُوَ) كرره للتأكيد والتقرير المَلِكَ القَدّوسُ أى: الطاهر من كل عيب المنزه عن كل نقص. وقيل: معناه: الذي سلم الخلق من ظلمه (الْمُؤْمِنُ) أي: الذي وهب لعباده الأمن من الظلم، وقيل: المصدَق لرسله بإظهار المعجزات (الْمُهَيْمِنُ) أي: الشهيد على عباده بأعمالهم الرقيب عليهم (الْعَزِيزُ) القاهر الغالب غير المغلوب (الْجَبَّارُ) جبروت الله: عظمته، وقيل: الجبار الذي لا تطاق سطوته (الْمُتَكَبِّرُ) أي: الذي تكبر عن كل نقص، وتعظم عما لا يليق به. والكبرياء في صفات اللّٰه مدح، وفي صفات المخلوقين ذم. [٢٤] (هُوَ اللهُ الْخَالِقُ) أي: المقدر للأشياء على مقتضى إرادته ومشيئته {الْبَارِئُ) أي: المنشئ المخترع للأشياء الموجد لها (المُصَوِّرُ) أي: الموجد للصور المركب لها على هيئات مختلفة (لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) قد تقدم بيانها في (سورة الأعراف، الآية: ١٨٠) (يُسَبَّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: ينطق بتنزيهه بلسان الحال أو المقال كل ما فيهما تفسير سورة الممتحنة [١] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى مشركي قريش يخبرهم بمسير النبي وَلِيِ إليهم، وذلك في غزوة فتح مكة سنة ثمان من الهجرة. والآية تدل على النهي عن موالاة الكفار بوجه من الوجوه (تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) أي: توصلون إليهم أخبار النبي بسبب المودة التي بينكم وبينهم (وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) أي: كفروا بالله والرسول وما جاءكم به من القران والهداية الإلهية (يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ) أي: أخرجوه وإياكم من مكة، لكفرهم بما جاءكم من الحق، فكيف توادونهم؟ (أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبَّكُمْ) أي: يخرجونكم بسبب إيمانكم بالله، أو كراهة أن تؤمنوا (إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي) أي: إن كنتم كذلك فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ( تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) أي: تسرون إليهم الأخبار بسبب المودة ( وَأَنَا أَعَلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ ) أي: أعلم من كل أحد بما تفعلونه من إرسال الأخبار إليهم (وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) أخطأ طريق الحق والص . ا. .. . ضل عن قصد السبيل. صفحة 549 [٢] (إِنْ يَتْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً) أي: إنهم إن يلقوكم ويصادفوكم يظهروا لكم ما في قلوبهم من العداوة (وَيَبْسُطَوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ أي: يمدوا إليكم أيديهم بالضرب ونحوه، وألسنتهم بالشتم ونحوه (وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) تمنوا ارتدادكم ورجوعكم إلى الكفر. [٣] (لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ) أي: إن أولادكم وأقاربكم لن ينفعوكم يوم القيامة حتى توالوا الكفار لأجلهم، كما وقع في قصة حاطب بن أبي بلتعة، بل الذي ينفعكم هو ما أمركم اللّٰه به من معاداة الكفار وجهادهم وترك موالاتهم (يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ) يفرِّق بينكم، فيدخل أهل طاعته الجنة، وأهل معصيته النار. [٤] (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةُ } أي: خصلة حميدة تقتدون بها (فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ) يقول: أفلا تأسيت يا حاطب بإبراهيم، فتتبرأ من أهلك كما تبرأ إبراهيم من أبيه وقومه {إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ ) أي: بريئون منكم: لسنا منكم ولستم منا، لكفركم بالله (وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) وهي الأصنام (كَفَرْنَا بِكُمْ) أي: بدِينكم، أو بأفعالكم (وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدَّا)) أي: هذا دأبنا معكم ما دمتم على كفركم (حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ) وتتركوا ما أنتم عليه من الشرك، فإذا فعلتم ذلك صارت تلك العداوة موالاة، والبغضاء محبة (إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) أي: قد كانت لكم أسوة حسنة في كل مقالات إبراهيم إلا قوله لأبيه، فلا تأتسوا به لتستغفروا للمشركين، فإنه كان عن موعدة وعدها إياه (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ) (وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ ) أي: وما أدفع عنكِ من عذاب اللّٰه شيئًا. [٥] (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) قال مجاهد: لا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذابٍ من عندك فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا. [٦] (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ) أي: لقد كان لكم في إبراهيم والذين معه قدوة حسنة (لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) المعنى: أن هذه الأسوة إنما تكون لمن يطمع في الخير من اللّٰه في الدنيا وفي الآخرة (وَمَنْ يَتَوَلَّ) أي: يعرض عن ذلك (فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ) عن خلقه ( الْحَمِيدُ) إلى أوليائه. ٧](عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً) أي: بينكم وبين مشركي مكة، وذلك بأن يسلموا فيصيروا من أهل دينكم. وقد أسلم قوم ... بعد فتح مكة، وحسن إسلامهم ووقعت بينهم وبين من تقدمهم في الإسلام مودة، وجاهدوا وفعلوا الأفعال المقربة إلى الله. وتزوج النبي وَالِيه بأم حبيبة بنت أبي سفيان، ولكنها لم تحصل المودة معه إلا بإسلامه يوم الفتح وما بعده. وترك أبو سفيان العداوة لرسول اللّٰه وَلِّيهي. أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال أول من قاتل أهل الردة علي إقامة دين الله: أبو سفيان بن حرب، وفيه نزلت هذه الآية: (عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً) ( وَاللهُ قَدِيرٌ ) أي: بليغ القدرة قادر على أن يقبل بقلوب المعاندين ليدخلهم في مغفرته ورحمته. [٨] (لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ) أي: لا ينهاكم عن هؤلاء (أَنْ تَبَرُّوهُمْ) [تفعلوا معهم ما هو من البر، كصلة الرحم، ونفع الجار، والضيافة] (وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) وتعدلوا فيما بينكم وبينهم [بأداء ما لهم من الحق، كالوفاء لهم بالوعد، وإيتاء الأمانة، وأداء أثمان ما تشترونه منهم كاملة غير منقوصة](إِنّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) أي: العادلين، ومعنى الآية: أن الله سبحانه لا ينهى عن برأها ١٨٥١١. من الكفار الذين عاهدوا صفحة 550 المؤمنين على ترك القتال، وعلى أن لا يظاهروا الكفار عليهم، ولا ينهى عن معاملتهم بالعدل. [٩] (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ) وهم صناديد الكفرِ من قريش وأشباههم ممن هم حرب على المسلمين (وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ) أي: عاونوا الذين قاتلوكم وأخرجوكم على ذلك، وهم سائر أهل مكة، ومن دخل معهم في عهدهم {أَنْ تَوَلَوْهُمْ أي: أن تتخذوهم أولياء وتناصروهم {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأَولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) لأنهم تولوا من يستحق العداوة؛ لكونه عدوّا لله ولرسوله ولكتابه. [١٠]يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجَرَاتٍ) من بين الكفار، وذلك أن النبي وَلِي لما صالح قريشا يوم الحديبية على أن يرد عليهم من جاءهم من المسلمين، فلما هاجر إليه النساء أبى اللّٰه أن يرددن إلى المشركين، وأمر بامتحانهن (فَامْتَحِنُوهُنَّ) أي: فاختبروهن؛ لتعلموا مدى رغبتهن في الإسلام. فقيل: كن يستحلفن بالله ما خرجن من بغض زوج، ولا رغبة من أرض على أرض، ولا لالتماس دنيا، بل حبَّا لله ولرسوله ورغبة في دينه، فإذا حلفت كذلك أعطى النبي وَالِي زوجها مهرها وما أنفق عليها، ولم يردَّها إليه اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ) لبيان أن حقيقة حالهن لا يعلمها إلا اللّٰه سبحانه. ولم يتعبدكم بذلك، وإنما تعبدكم بامتحانهن حتى يظهر لكم ما يدلّ على صدق دعواهن في الرغبة في الإسلام (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ) بحسب الظاهر بعد الامتحان الذي أمر تم به ( فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ) أي: إلى أزواجهن الكافرين (لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) فالمؤمنة لا تحل لكافر، وإسلام المرأة يوجب فرقتها من زوجها، لا مجرَّدُ هجرتها (وَآتُوهُمْ مَا أَنَّفَقُوا) أي: وأعطوا أزواج هؤلاء اللاتي هاجرن وأسلمن مثل ما أنفقوا عليهنّ من المهور. قال الشافعي: وإذا طلبها غير الزوج مِن قراباتها منع منها، بلا عوض {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) أي: بعد العدة؛ لأنهن قد صرن من أهل دينكم (إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أَجُورَهُنَّ) أي: مهورهن، وذلك بعد انقضاء عدتهن (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) والمعنى: أن من كانت له امرأة كافرة فليست له بامرأة لانقطاع عصمتها باختلاف الدين. وكان الكفار يزوجون المسلمين، والمسلمون يتزوجون المشركات، ثم نسخ ذلك بهذه الاية. وهذا خاص بالكوافر المشركات دون الكراء .. أهل الكتاب (وَاسْأَلُوا مَا أَنَّفَقْتُمْ) أي: اطلبوا مهور نسائكم إذا ارتددن (وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا) قال المفسرون: كان من ذهب من المسلمات مرتدة إلى الكفار من أهل العهد، يقال للكفار: هاتوا مهرها، ويقال للمسلمين إذا جاءت امرأة من الكفار إلى المسلمين وأسلمت: ردُّوا مهرها على زوجها الكافر (ذَلِكُمْ) أي: إرجاع المهور من الجهتين (حُكْمُ اللهِ أي: مع المشركين بعد صلح الحديبية بخلاف المشركين الذين لا عهد لهم. قيل: وقد نُسِخ هذا. قال القرطبي: وكان هذا مخصوصًا بذلك الزمان في تلك النازلة خاصة [أي: ما يتعلق برد المهور، لا التفريق بين الزوجين إذا أسلم أحدهما]. [١١](وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ) بأن ارتدت المسلمة فرجعت إلى دار الكفر ولو كانوا أهل كتاب (فَعَاقَبْتُمْ) أي: كانت الغنيمة لكم حتى غنمتم (فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنَفَقُوا) أمروا أن يعطوا الذين ذهبت أزواجهم مثل مهورهن من الفِيء والغنيمة إذا لم يرد عليه المشركون مهرها (وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ) احذروا أن تتعرضوا لشيء مما يو- . الحقوبة عليكم. صفحة 551 [١٢ ] (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَابِعْنَكَ)) أي: قاصدات لمبايعتك على الإسلام (عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا ) كائنًا ما كان. وهذا كان يوم فتح مكة، فإن نساء أهل مكة أتين رسول اللٰه وَل اليه يبايعنه، فأمره اللّٰه أن يأخذ عليهنّ أن لا يشركن (وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ) وهو ما كانت تفعله الجاهلية من وأد البنات (وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ) أي: لا يلحقن بأزواجهنّ أولادًا ليسوا منهم. قال الفراء: كانت المرأة تلتقط المولود، فتقول الزوجها: هذا ولدي منك. وقال ابن عباس: كانت المرأة تلد جارية فتجعل مكانها غلامًا. (وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ) أي: من كل أمر هو طاعة لله، كالنهي عن النوح، ومزيق الثياب، وجزّ الشعر، وشقّ الجيب، وخمشر الوجوه، والدعاء بالويل فَبَابِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ الله أي: اطلب من اللّٰه المغفرة لهنّ بعد هذه المبايعة لهنّ منك. [١٣] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمَا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ) هم جميع طوائف الكفر، وقيل: اليهود خاصة مقد تمم كا ن الكمار من أحرب الْقُورة، أي . كيأسهم < عتقا لفسير سورة الصف [٢] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ) عن ابن عباس قال: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: وددنا لو أن اللّٰه أخبرنا بأحب الأعمال فنعمل به، فلما أخبرهم أن أحب الأعمال إليه الجهاد كره ذلك أناس من المؤمنين وشق عليهم أمره، فنزلت هذه الآية. [٣] (كَبْرَ مَقْتَا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) أي: إن اللّٰه تعالى يمقت ذلك مقتًا عظيمًا، وقيل: هي في قوم كانوا يأتون إلى النبي وَالِي فيقول أحدهم: قاتلت بسيفي. وضربت كذا وكذا، وهمِ لم يفعلوا ذلك. [٤] (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ) [يبيّن اللّٰه تعالى لهم هنا أن القتال في سبيل اللّٰه هو أعلى ما يحبه اللّٰه من عباده. وفي الحديث: ((رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله»] ( صَفَّا) أي: يصفون أنفسهم صفًّا (كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) ملتزق بعضه ببعض حتى يصير كقطعة واحدة [وهذا من شدتهم وقوتهم في أمر الله، يس فيهم عن ذلك تراخ، ولا : ٨أ ه. العدو]. [٥] (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ) لما ذكر سبحانه أنه يحبّ المقاتلين في سبيله بيّن أن موسى وعيسى أمرا بالتوحيد وجاهدا في سبيل اللّٰه وحل العقاب بمن خالفهما؛ لتحذر أمة محمد لَالِيهِ أن يفعلوا مع نبيهم ما فعله قومٍ موسى وعيسى معهما {يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذَوْنَنِي) بمخالفة ما آمركم به من الشرائع التي افترضها اللّٰه عليكم، أو تؤذونني بالشتم والانتقاص، وقد تقدم بيان هذا في (سورة الأحزاب، الآية: ٦٩) (وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنَّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ) المعنى: كيف تؤذونني مع علمكم بأني رسول الله، والرسول يُحترم ويُعظّم، ولم يبق معكم شك في الرسالة لما قد شاهدتم من المعجزات التي توجب عليكم الاعتراف برسالتي، وتفيدكم العلم بها علمًا يقينيًّا ( فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ) يعني: أنهم لما تركوا الحق بإيذاء نبيهم، أمال اللّٰه قلوبهم عن الحق جزاء بما ارتكبوا. [٦] (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِيٍ إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التُّوْرَاةِ) أي: إني رسول اللّٰه إليكم بالإنجا ، ١ . آتكم بشيء يخالف التوراة، صفحة 552 بل هي مشتملة على التبشير بي، فكيف تنفرون عني وتخالفونني (وَمُبَشَّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) وإذا كنت كذلك فلا مقتضى لتكذيبي. وأحمد اسم نبينا وَالِيه وتفسيره في الأصل: الذي يحمد بما فيه من خصال الخير أكثر مما يحمد غيره (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) أي: لما جاءهم عيسى بالمعجزات قالوا هذا الذي جاءنا به سحر واضح ظاهر، وقيل: المراد محمد وَا فيةِ أي: لما جاءهم بذلك قالوا ساحر. [٧] ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ) الذي هو خير الأديان وأشرفها؛ لأن من كان كذلك فحقه ألَا يفتري عِلى غيره الكذب، فكيف يفتريه على ربه (وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَالِمِينَ) والمذكورون من جملتهم. [٨] يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ ) أي: إن حالهم في محاولتهم كبت الإسلام ومنع هدايته بأقوالهم الكاذبة كحال من يريد أن يطفئ النور العظيم بنفخ من فمه (وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ) بإظهار دين الإسلام في الآفاق، وإعلائه على غيره. [٩] (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلَّهِ) ليجعله ظاهرًا منتصرًا على جميع الأديان عاليًا عليها غالبًا لها (وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) ذلك فإنه كائن لا محالة. [١٠](يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدْلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمِ) جعل العمل المذكور بمنزلة التجارة؛ لأنهم يربحونَ فيه كما يربحون فيها، وذلك بدخولهم الجنة ونجاتهم من النار. وهذه التجارة هي التي بينها بالآيتين التاليتين [فإن معناهما: أن الإيمان والجهاد ثمنهما من اللّه الجنة، وذلك بيعٍ رابِح]. [١٢](يَغْفِرْ) اللّٰه (لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [ذكر أولًا البضاعة التي يتاجرون بها، ويذكر هنا الثمن الذي وعدهم به] أي: إن تؤمنوا يغفر لكم (وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ) أي: في جنات إقامة [دائمة لا تنقطع بموتٍ ولا خروج منها ] (ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) أي: ذلك المذكور من المغفرة وإدخال الجنات هو الفوز الذي لا فوز بعده، والظفر الذي لا ظفر يماثله. [١٣ ] (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا) أي: ولكم خصلة أخرى تعجبكم (نَصْرٌ مِنَ اللهِ) أي: هي نصر من اللّٰه لكم (وَفَتْحٌ قَرِيبٌ) يفتحه عليكم، يعني: النصر على قريش وفتح مكة. وقال عطاء: يريد فتح فارس والروم. (وَبَشَّرِ الْمُؤْمَه المعنى: بشر يا محمد المؤمنين بالنصر والفتح في الدنيا، وبالجنة في الآخرة. [١٤ ](يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللهِ) أي: دوموا على ما أنتم عليه من نصرة الدين (كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنَّصَارِي إِلَى اللهِ أي: انصروا دين اللّٰه مثل نصرة الحواريين لما قال لهم عيسى: (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ) فقالوا: (نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ) والمعنى: من منكم يتولى نصري وإعانتي فيما يقرّب إلى الله. والحواريون هم أنصار المسيح وخلص أصحابه، وأوّل من آمن به [وكانوا اثني عشر رجلًا] ( فَآمِنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَني إِسْرَائِيلَ) بعيسى (وَكَفَرَتْ)) به (طَائِفَةٌ فَأَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ) أي: قوَّينا المحقين منهم على المبطلين (فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) أي: عالين غالبين. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أنْصَارَ اللهِ) قال: قد كان ذلك بحمد الله: جاءه سبعون رجلًا، فبايعوه عند العقبة، وآووه ونصروه حتى أظهر اللّٰه دينه وأخرج ابن إسحاق وابن سعد: قال رسول اللّٰه وَلِيه لنفر الذين لقوه بالعقبة: (أخرجوا إلىَّ اثني عشر منكم يكونون كفلاء على قومهم، كما كفلت الح.ا. .ن لعيسى ابن مريم. صفحة 553 ثم قال رسول اللّٰه للنقباء: (( إنكم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل قومي، قالوا: نعم)). تفسير سورة الجمعة ١]( الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ) القدوس: المنزَّه عن كل نقص. [٢] (هُوَ الَّذِي بَعَثَّ فِي الْأُمَّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ) المراد بالأميين: العرب، من كان يحسن الكتابة منهم ومن لا بحسنها؛ لأنهم لم يكونوا أهل كتاب، والأمي في الأصل الذي لا يكتب ولا يقرأ المكتوب، وكان غالب العرب كذلك (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ) يعني: القرآن، مع كونه أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، ولا تعلّم ذلك من أحد (وَيُزَكِّيهِمْ) أي: يطهرهم من دنس الكفر والذنوب وسيء الأخلاق، وقيل: يجعلهم أزكياء القلوب بالإيمان (وَيُعَلَّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) الكتاب: القرآن، والحكمة: السنة، وقيل: الكتاب: الخط بالقلم، والحكمة: الفقه في الدين، كذا قال مالك بن أنس (وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينِ) أي: في شرك وذهاب عن الحق. [٣] (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ) أي: لم يلحقوا بهم في ذلك الوقت، وسيلحقون بهم من بعد، أي: يزكيهم ويزكي آخرين منهم، وهم من جاء بعد الصحابة من مسلمي العرب وغيرهم إلى يوم القيامة. أخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة قال: كنا جلوسًا عند النبي وَالِيْ حين نزلت سورة الجمعة، فتلاها، فلما بلغ (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا تَلْحَقُوا بِهِمْ) قال له رجل: يا رسول اللّٰه من هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا؟ فوضع يده على سلمان الفارسي، وقال: (والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثريا لناله رجال من هؤلاء)) (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) أي: بليغ العزة والحكمة. [٥] ( مَثَلُ الَّذِينَ حُمَّلُوا التَّوْرَاةَ) هذا المثل ضربه سبحانه لليهود الذين تركوا العمل بالتوراة، أي: كلفوا القيام بها والعمل بما فيها (ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا) أي: لم يعملوا بموجبها، ولا أطاعوا ما أمروا به فيها (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) الأسفار:، جمع سِفْر، وهو الكتاب الكبير، فالحمار لا يدري أسفر على ظهره أم زبل (بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ ) [أي: هذا المشبه به وهو الحمار، الذي يشبهه اليهود بحق، هو أقبح ما يمثل به للمكذبين، أي: فلا تكونوا أيها المسلمون مثلهم. قدم هذا تحذيرًا للذين تركوا رسول اللّٰه وَلِيّي على المنبر قائمًا يخطب وذهبوا إلى التجارة. وشبيه به كل من أعرضر، عنز الخطبة وهو يسمعها كما في الحديث: ((من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فمثله كمثل الحمار يحمل أسفارًا، والذي يقول له أنصت ليس له جمعة»]. [٦] (قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ) المراد بالذين هادوا: الذين تهودوا، وذلك أن اليهود ادّعوا الفضيلة على الناس، وأنهم أولياء اللّٰه من دون الناس، وأبناء اللّٰه وأحباؤه، فأمر اللّٰه سبحانه رسوله أن يقول لهم لما ادعوا هذه الدعوى الباطلة: (فَتَمَنَّوا الْمَوْتَ) لتصيروا إلى الكرامة في زعمكم (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) في هذا الزعم، فإن من علم أنه من أهل الجنة أحب الخلوص من هذه الدار. [٧] (وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) بسبب ما عملوا من الكفر والمعاصي، والتحريف والتبديل (وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ) . ٨٦](قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيْكُمْ ) [أي: هو آت إليكم من الجهة التي أنتم فارّون إليها، وسيقابلكم وجهًا لوجه] (ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) وذلك يوم القيامة (فَيُنبَئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) من الأعمال القبيحة، و:حا:٠كم عليها. صفحة 554 [٩] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ) المراد به: الأذان إذا جلس الإمام على المنبر يوم الجمعة؛ لأنه لم يكن على عهد رسول اللّٰه والِيهِ نداء سواه [أما الأذان الأول للجمعة فقد زاده عثمان رَ الَهُ بمحضر الصحابة لما اتسعت المدينة] (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ) أي: فاعملوا على المضيّ إلى ذكر اللّٰه [وهو الخطبة وصلاة الجمعة في المساجد الجامعة]. واشتغلوا بأسبابه من الغسل والوضوء والتوجه إليه (وَذَرُوا الْبَيْعَ) أي: اتركوا المعاملة به، ويلحق به سائر المعاملات. فإذا أذن المؤذن يوم الجمعة لم يحلّ الشراء والبيع (ذَلِكُمْ ) السعي إلى ذكر اللّٰه وترك البيع (خَيْرٌ لَكُمْ) أي: خير من فعل البيع، وترك السعي؛ لما في الامتثال من الأجر والجزاء. [١٠] (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ) أي: إذا فعلتم الصلاة وأديتموها وفرغتم منها (فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) للتجارة والتصرف فيما تحتاجون إليه من أمر معاشكم (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ) أي: من رزقه الذي يتفضل به على عباده، من الأرباح في المعاملات والمكاسب (وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا) [أي: لا تنسوا في أثناء بيعكم وشرائكم أن تذكروه] ذكرًا كثيرًا بالشكر له على ما هداكم إليه من الخير الأخروي والدنيوي، وكذا اذكروه بما يقربكم إليه من الأذكار: كالحمد والتسبيح والتكبير والاستغفار ونحو ذلك (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي: كي تفوزوا بخير الدارين وتظفروا به. ١١] ( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} سبب نزول هذه الآية أنه كان بأهل المدينة فاقة وحاجة، فأقبلت قافلة من الشام والنبي وَلِّي يخطب يوم الجمعة، فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلًا في المسجد، وفي رواية: وسبع نسوة. ومعنى: انفضوا إليها تفرقوا خارجين إليها (وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) أي: على المنبر (قُلْ مَا عِنْدَ اللهِ) يعني: من الجزاء العظيم وهو الجنة (خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ) اللذين ذهبتم إليهما وتركتم البقاء في المسجد وَالِيه لأجلها {وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) . وسماع خطبة النبيّ فسير سورة المنافقون [١](إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ) أي: إذا وصلوا إليك وحضروا مجلسك (قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ} أكدوا شهادتهم؛ للإشعار بأنها صادرة من صميم قلوبهم مع خلوص اعتقادهم. ومعنى نشهد: نعلم ونحلف (وَاللهُ يَعْلَمُ إِنّكَ لَرَسُولَهُ) تصديق من اللّٰه عجِّل لما تضمنه كلامهم من الشهادة لمحمد وَلِيه بالرسالة [ولئلا يفهم عود التكذيب الآتي على ذلك] (وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) أي: في دعواهم أن شهادتهم للنبي الَالِهِ بالرسالة هي من صميم القلب وخلوص الاعتقاد، لا إلى منطوق كلامهم، وهو الشهادة بالرسالة فإنه حق. [٢] ( تَخَذُوا أيْمَانَهُمْ جُنَّةً) أي: جعلوا حلفهم الذي حلفوا لكم به وقاية تقيهم منكم، وسترة يستترون بها من القتل والأسر ( فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ) أي: منعوا الناس عن الإيمان والجهاد وأعمال الطاعة بسبب ما يصدر منهم من التشكيك والقدح في النبوة (إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) من النفاق والصدّ [٣] ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا) أي: نفاقًا ( ثُمَّ كَفَرُوا) في الباطن، وقيل: نزلت الآية في قوم آمنوا ثم ارتدّوا (فَطُبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} أي: ختم عليها بسبب كفرهم [فلا يدخلها إيمان بعد ذلك] (فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ) ما فيه صلاحهم ورشادهم. [٤]( وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ)) هيئاتهم ومناظرهم تعجب من يراها لما فيها من النضارة والرونق (وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} فتحسب أن قولهم حقّ وصاة . انه احتهم وذلاقة ألسنتهم، صفحة 555 وقد كان عبد اللّٰه بن أبيّ رأس المنافقين فصيحًا جسيمًا جميلاً (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ) شبهوا في جلوسهم في مجالس رسول اللّٰه وَالعي مستندين بها بالخشب المنصوبة المسندة إلى الحائط، التي لا تفهم ولا تعلم؛ لخلوّهم عن الفهم النافع، والعلم الذي ينتفع به صاحبه (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ) قيل: كان المنافقون على وجل من أن ينزل فيهم ما يهتك أستارهم ويبيح دماءهم وأموالهم (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ) أن يتمكنوا من فرصة منك، أو يطلعوا على شيء من أسرارك؛ لأنهم عيون لأعدائك من الكفار (قَاتَلَهُمُ اللهُ) أي: لَعَنَهم، أو هو تعليم للمؤمنين أن يقولوا ذلك (أَنَّى يُؤْفَكُونَ) كيف يصرفون عن الحق ويميلون عنه إلى الكفر. [٥] (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ) أي: حركوها استهزاء بذلك، ورغبة عن الاستغفار (وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ) يعرضون عن رسول اللّٰه الا يع ( وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) [ عن الإتيان إلى رسول اللّٰه وسؤال الاستغفار منه، يرون أنفسهم أكبر من ذلك، ويستحقرونها لو فعلوا]. [٦](سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } لا ينفعهم ذلك لإصرارهم على النفاق واستمرارهم على الكفر (لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) أي: ما داموا على النفاق ( إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) أي: الكاملين في الخروج عن الطاعة، والانهماك في معاصي الله، ويدخل في هذا المنافقون دخوِلًا أوليًّا. [٧] (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا) أي: حتى يتفرقوا عنه، يعنون بذلك فقراء المهاجرين (وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: إنه هو الرّزّاق لهؤلاء المهاجرين (وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ) أن خزائن الأرزاق بيد اللّٰه فظنوا أن اللّٰه لا يوسّع على المؤمنين. [٨] ( يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ) القائل هو عبد اللّٰه بن أُبَيّ رأس المنافقين، وعني بالأعزّ نفسه ومن معه، وبالأذل رسول اللّٰه وَلِيّيْ ومن معه، مراده بالرجوع رجوعهم من تلك الغزوة. أخرج الإمام أحمد عن زيد بن أرقم قال: كنت مع النبي وَالِيهِ ي غزوةٍ، فقال عبد اللّٰه بن أبَيّ: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال: فأتيت النبي وَالِيهِ فأخبرته. قال: فحلف عبد اللّٰه بن أبي أنه لم يكن شيء من ذلك. قال زيد: فلامني قومي، وقالوا. ١٠ أ. دت إلى هذا؟ قال: فانطلقت فنمتُ كئيبًا حزينًا. قال: فأرسل إليّ نبي اللّٰه وَالِيةِ فقال: إن اللّٰه أنزل عُذْرَك وصدّقك. قال: وأنزل هذه الآية. [٩] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ) يحذَّر اللّٰه المؤمنين عن أخلاق المنافقين الذين ألهتهم أموالهم وأولادهم عن ذكر الله، وهو فرائض الإسلام، وقيل: قراءة القرآن (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ) أي: يلتهي بالدنيا عن الدين (فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) أي: الكاملون في الخسران. [١٠] (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ) أي: أنفقوا بعض ما رزقناكم في سبيل الخير، وقيل المراد: الزكاة المفروضة (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) بأن تنزل به أسبابِه، أو يشاهد حضور علاماته (فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) أي: هلا أمهلتني وأخرت موتي إلى مدة أخرى قصيرة (فَأَصَّدَّقَ) أي: فأتصدق بمالي (وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ). [١١ ] (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا) أي: إذا حضر أجلها وانقضى عمرها (وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) لا يخفى عليه شيء منه، فم. محا: يكم بأعمالكم. صفحة 556 تفسير سورة التغابن [٢] (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) اللّٰه تعالى خلق الكافر، وكفره فعل له وكسب. وخلق المؤمن، وإيمانُهُ فعل له وكسب. والكافر يكفر ويختار الكفر، [والمؤمن يؤمن ويختار الإيمان، والكل بإذن الله: وما نشاؤون إلا أن يشاء اللّٰه رب العالمين]. [٣] (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) أي: إنه سبحانه خلقهم في أكمل صورة وأحسن تقويم وأجمل شكل. [ولا بخفى امتياز بني آدم في حسن الصورة وجمال القامة، وأن ذلك دلالة بيّنة، لقوم يعقلون، على قدرة الخالق وحكمته وعظمته. وكذا الصورة النفسية للإنسان وقدراته العقلية الهائلة: دلالة أعظم من ذلك، كما قال اللّٰه تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِيِنَ. وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)]. [٥] ( أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ) وهم كفار الأمم الماضية، كقوم نوح وعاد وثمود [يقول تعالى: قد جاءكم الخبر عنهم في القرآن، وكيف دعتهم رسلهم إلى توحيد اللّٰه وعبادته وترك ما اتخذوهم أربابًا من دونه، وكيف آل أمر المكذبين إلى الهلاك، وآل أمر الرسل والمؤمنين بهم إلى النجاة] (فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ) الوبال: الثقل والشدة، وهو ما أصيبوا به من عذاب الدنيا (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وهو عذاب النار. [٦] ( ذَلِكَ) العذاب في الدارين (بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ) أي: بسبب أنها كانت تأتيهم الرسل المرسلة إليهم بالمعجزات الظاهرة (فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا) أي: قال كل قوم منهم هذا لرسولهم منكرين أن يكوِن الرسول من جنس البشر، متعجبين من ذلك (فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا) أي: كفروا بالرسل وبما جاؤوا به، وأعرضوا عنهم، ولم يتدبروا ما جاءوا به (وَاسْتَغْنَى اللهُ) عن إيمانهم وعبادتهم (وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) أي: غير محتاج إلى العالم ولا إلى عبادتهم له، محمود من كل مخلوقاته بلسان المقال أو الحال. ٧](قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ) أمر اللّه تعالى نبيه أن بخبرهم بأن اللّٰه سيحييهم بعد الموت، وأن يحلف لهم على ذلك. أي: والله لتخرجن من قبوركم (ثُمَّ لَتُنَبَؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ) أي: لتُخْبَرُنّ بذلك، إقامة للحجة عليكم، ثم تجزون به (وَذَلِكَ) البعث والجزاء (عَلَى اللهِ يَسِيرٌ) . [٨] (وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا) وهو القرآن؛ لأنه نور يهتدى به من ظلمة الضلال. [٩]*يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ) أي: ليوم القيامة، فإنه يجمع فيه أهل المحشر للجزاء، ويجمع فيه بين كل عامل وعمله، وبين كل نبي وأمته، وبين كل مظلوم وظالمه، وبين الأولين والآخرين، {ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ) يغبن فيه أهل المحشر بعضهم بعضًا، فيغبن فيه أهل الحق أهل الباطل، ولا غبن أعظم من غبن أهل الجنة أهل النار، فكأن أهل النار استبدلوا الخير بالشر، والجيد بالرديء، والنعيم بالعذاب، وأهل الجنة على العكس من ذلك، يقال: غَبَنْتُ فلانًا إذا بايعتَهُ أو شاريته فكان النقص عليه، فالمغبون من غُبنَ أهله ومنازله في الجنة (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفَرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ) أي: من وقع منه التصديق مع العمل الصالح استحق تكفير سيئاته. [١١](مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) أي: بقضائه وقدره. قيل: وسبب نزولها أن الكفار قالوا: لو كان ما عليه المسلمون حقًا لصانهم اللّٰه عن المصائب في الدنيا (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) أي: من يصدّق ويعلم أنه لا يصيبه إلا ما قدّره اللّٰه عليه، يهد قلبه عند المصيبة، فيعلم أنها من الله، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فيسلم لقضائه، ويسترجع. وإذا ابتلي صبر، وإذا أنعم عليه شكر صفحة 557 (وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أي: بليغ العلم لا تخفى عليه من ذلك خافية. [١٢ ]وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) أي: اشتغلوا بطاعة اللّٰه وطاعة رسوله (فَإِنْ تَوَلَيْتُمْ) أي: إن أعرضتم عن الطاعة فإثمكم على أنفسكم، وليس على الرسول من بأس (فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) ليس عليه غير ذلك وقد فعل. [١٤ ] (عَدُوًّا لَكُمْ) يعنى: أنهم يشغلونكم عن الخير. سبب النزول: أن رجالًا من مكة أسلموا وأرادوا أن يهاجروا، فلم يدعهم أزواجهم وأولادهم. وقال مجاهد: والله ما عادوهم في الدنيا ولكن حملتهم مودتهم على أن اتخذوا لهم الحرام فأعطوهم إياه (فَاحْذَرُوهُمْ ) [أي: احذروا الأزواج والأولاد أن تؤثروا حبكم لهم وشفقتكم عليهم على طاعة الله، ولا يحملكم ما ترغبونه لهم من لخير على أن تكسبوا لهم رزقًا بمعصية اللّٰه] (وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا) أي: تعفوا عن ذنوبهم التي ارتكبوها، وتتركوا التثريب عليها، وتستروها (فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) لكم ولهم. قيل كان الرجل الذي ثبطه أزواجه وأولاده عن الهجرة إذا رأى الناس سبقوه إليها وفقهوا في الدين همَّ أن يعاقب أزواجه وأولاده. [١٥](إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةُ) أي: بلاء واختبار ومحنة، يحملونكم على كسب الحرام، ومنع حق اللّٰه (وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمُ) لمن آثر طاعة اللّٰه وترك معصيته في محبة ماله وولده. ١٦( فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ) أي: ما أطقتم وبلغ إليه جهدكم (وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا) أي: اسمعوا وأطيعوا أوامر اللّٰه ورسوله (وَأَنَّفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ) أي: أنفقوا من أموالكم التي رزقكم اللّٰه إياها في وجوه الخير، ولا تبخلوا بها، وقدموا خيرًا لأنفسكم (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأَولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) أى: من وقاه اللّٰه من داء البخل فأنفق في سبيل اللّٰه وأبواب الخير، فأولئك هم الظافرون بكل خير الفائزون بكل مطلب [١٧](إِنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا ) فتصرفوا أموالكم في وجوه الخير بإخلاص نية وطيب نفس (يُضَاعِفْهُ لَكُمْ) فيجعل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف (وَيَغْفِرْ لَكُمْ ) أي: يضم لكم إلى المضاعفة غفران ذنوبكم (وَاللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ) يثيب من أطاعه بأضعاف مضاعفة، ولا يعاجل من عصاه بالعقوبة. 322222 تفسير سورة الطلاق [١] (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُهُ البِّ اَ نادى النبيَّ لِلِ أولا تشريفا له، ثم خاطبه مع أمته، والمعنى: إذا أردتم تطليقهنَّ وعزمتم عليه (فَطَلَّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) أي: مستقبلات لعدتهنّ، أو في قبل عدتهنّ، والمراد: أن يطلقوهن في طهر لم يقع فيه جماع، ثم يتركن حتى تنقضي عدتهنّ، فإذا طلقوهنّ هكذا فقد طلقوهنّ لعدتهنّ، أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر: ((أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله وليه فتي ل الله الا له مم قال لها، م مها حتى تطهر، ثم تحيض وتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرًا قبل أن يمسها، فتلك العدّة التي أمر اللّٰه أن يطلق لها النساء)) (وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ) أي: احفظوها واحفظوا الوقت الذي وقع فيه الطلاق حتى تتم العدة، وهي ثلاثة قروء. والخطاب للأزواج (وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ) فلا تعصوه فيما أمركم، ولا تضارّوهنّ (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ) أي: التي كنّ فيها عند الطلاق ما دمن في العدة. وأضاف البيوت إليهنّ لبيان كمال استحقاقهنّ للسكنى في مدّة العدّة. ونهى الزوجات عن الخروج أيضًا فقال: (وَلَا يَخْرُجْنَ) أي: لا يخرجن من تلك البيوت، ٠١٠ه.. في العدة، أي: إلا لأمر صفحة 558 ضروري لا غنى عنه (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيَّنَةٍ) أي: لا تخرجوهنّ من بيوتهنّ إلا إذا فعلن فاحشة الزنى، وقيل: هي البذاءة في اللسان، والاستطالة بها على من هو ساكن معها في ذلك البيت (وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ» والمعنى: أن هذه الأحكام التي بينها لعباده هي حدوده التي حدّها لهم، لا يحلّ لهم أن يتجاوزوها إلى غيرها (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) بإِيرادها مورد الهلاك (لَا تَدْرِي لَعَلّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) [أي: لعلها إذا بقيت في بيتها أن يؤلف اللّٰه بين قلوبهما فيتراجعا]. [٢]( فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) أي: قاربن انقضاء أجل العدّة وشارفن آخرها (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) أي: راجعوهنّ حسن معاشرة ورغبة فيهن من غير قصد إلى مضارّة لهنّ ( أَوْ فَارِقَوْهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) أي: اتركوهنّ حتى تنقضي عدتهنّ، فيملكن نفوسهنّ، مع إيفائهنّ ما هو لهنّ عليكم من الحقوق، وترك المضارة لهن [أي: فليس لكم عند نهاية العدة إلا الإمساك بمعروف أو التسريح بمعروف، أما الإمساك للمضارة، أو التسريح مع الأذى ومنع الحق، فإن ذلك لا يحلّ لكم] وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) على الرجعة إن راجعتم، أو المفارقة إن فارقتِم، قطعًا للتنازع، وحسمًا لمادة الخصومة ( وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) هذا أمر للشهود بأن يأتوا بما شهدوا به تقرّبًا إلى اللّٰه على الوجه الحق (ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) خص المؤمن؛ لأنه المنتفع بذلك دون غيره (وَمَنْ يَتَّقِ اللَهَ) أي: من يتق اللّٰه بالوقوف عند حدوده التي حدّها لعباده (يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) مما وقع فيه. [٣] (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) أي: من وجهِ لا يخطر بباله، ولا يكون في حسابه. فمن طلق ثم أشهد عند المفارقة على انقضاء العدة، أو عند المراجعة، يجعل اللّٰه له مخرجًا ومخلَصًا [وإنما الضيق على من خالف أحكام اللّٰه في الطلاق والرجعة](وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) أي: ومن وثق بالله فيما نابه كفاه ما أهمه (إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ) أي: لا يفوته شيء ولا يعجزه مطلوب (قَدَ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) جعل سبحانه للشدّة أجلًا تنتهي إليه، وللرخاء أجلًا بنتهي إليه. وقال السدّي: هو قدر الحيض والعدة. [٤] (وَاللَّائِي يَيْسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ) وهنّ الكبار اللاتي قد انقطع حيضهنّ وأيسن منه (إِنِ ارْتَبْتُمْ) أي: شككتم وجهلتم كيف عدتهن ( فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَانَةً أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) لصغرهنّ وعده ٨ .١٠. ن سِنّ المحيض، أي: فعدتهن ثلاثة أشهر (وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ أي: إنّ انتهاء عدتهنّ يتمّ بوضع الحمل (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) قال الضحاك: من يتق اللّٰه فيطلق للسنة، يجعل له من أمره يسرًا في الرجعة. ٥يُعْظِمْ لهُ أَجْرًا) أي يعطه من الأجر في الآخرة أجرًا عظيمًا وهو الجنة. [٦] ( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ) هذا بيان ما يجب للمطلقات من السكنى، أي: أسكنوهن في بعض مكان سكناكم (مِنْ وُجْدِكُمْ) أي: من سعتكم وطاقتكم، وهذا في المطلقة الرجعية، أما التي طُلّقت الثالثة فإنها لا نفقة لها ولا سكنى (وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيّقُوا عَلَيْهِنَّ) في المسكن أو النفقة (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} ولا خلاف بينِ العلماء في وجوب النفقة والسكنى للحامل المطلقة (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ) أي: أرضعن أولادكم بعد ذلك ( فَانُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) أي: أجور إوضاعهنّ (وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ) هو خطاب للأزواج والزوجات الذين وقع بينهم الفراق بالطلاق، أي: تشاء . ١. كم بما هو معروف غير منكر، صفحة 559 وليقبل بعضكم من بعض المعروف والجميل في شأن الولد، وهذا كما قال اللّٰه تعالى في الآية (٢٣٣) من سورة البقرة: (فَإِنّ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) ( وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ ) أي: في أجر الرضاع فأبى الزوج أن يعطي الأم الأجر الذي تريد، وأبت الأم أن ترضعه إلا بما تريد من الأجر ( فَسَتُرْضِعُ لَهُ أَخْرَى) أي: يستأجر مرضعة أخرى ترضع ولده. [٧] ( لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ) فيه الأمر لأهل السعة بأن يوسعوا على المرضعات من نسائهم على قدر سعتهم (وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ) أي: كان مضيَّقًا عليه في الرزق فقيرًا ( فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ) أي: مما أعطاه اللّٰه من الرزق، ليس عليه غير ذلك (لا يُكَلِّفُ اللٰهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا) أي: ما أعطاها من الرزق، فلا يكلف الفقير بأن ينفق ما ليس في وسعه كنفقة الغني ( سَيَجْعَلُ اللٰهُ بَعْدَ عُسْرِ يُسْرًا) أي: بعد ضيق وشدّة سعة وغنى [٨] (وَكَأَيَنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ) أي: وكثير من أهل القرى عصوا أمر اللّٰه ورسله وأعرضوا (فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا) حاسبها اللّٰه بأعمالها التي عملتها في الدنيا (وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا) أي: عذبنا أهلها عذابًا عظيمًا منكرًا في الآخرة، وفي الدنيا بالجوع والقحط والسيف والخسف والمسخ. [٩] (فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا) أي: عاقبة ثقل العذاب الذي هو جزاء كفرها (وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا) أي: هلاكًا في الدنيا وعذابًا في الآخرة [فخسروا أموالهم وأهلهم وأنفسهم]. ١٠-١١ ( أَعَدَّ اللَهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا) وهو عذاب النار ( فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ) أي: يا أولي العقول الراجحة [أي: هذه الأمة المحمدية](الّذِينَ آمَنُوا) أي: أسلموا لله واتبعوا لحمدًا وَالي، فكونوا صادقين في إيمانكم، ولا تكونوا مثل من عتا من الأمم قبلكم، فتحاسبوا أشد الحساب، وتعذبوا من جنس ذلك العذاب. (قَدْ أَنْزَلَ اللَهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا)) الذكر هو القرآن العظيم، [وقيل: هو هنا الرسول نفسه]، ولذلك قال تعالى: (رَسُوْلًا) أي: أنزل إليكم قرآنا: أرسل إليكم رسولًا بهذا القرآن (يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللهِ مُبَيِّنَاتٍ) تبين للناس ما يحتاجونِ إليه من الأحكام {لِيُخْرِجَ الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظلَمَاتِ إِلَى النَّوْرِ* أي: ليخرج اللّٰه بالآيات الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ظلمات الضلالة إلى نور الهداية، ومن ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. [١٢]{اللهُ الّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) أي: وخلق من الأرض مثلهنّ، يعني: سبعًا من الأرضين [وفي الحديث الصح - 11 . فوع تأكيد ذلك، وهو ما جاء في الصحيحين من قول النبي وَلِيه ( من ظلم شبرا من الأرض طُوِّقَهُ من سبع أرضين))] (يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ» أي: يتنزل الأمر من السماوات السبع إلى الأرضين السبع. فينزل المطر ويخرج النبات، ويأتي بالليل والنهار، والصيف والشتاء. سير سورة التحري [١] (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ) قيل: كان ال ليه يشرب عسلاً عند زينب بنت جحش، فتواطأت عائشة وحفصة، كيدًا لزينب أن تقولا له إذا دخل عليهما: إنا نجد منك ريحًا، فحرَّم العسل على نفسه (تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ) بأن حرّمت على نفسك ما أحله اللّٰه لك (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) لما فرط منك من تحريم ما أحلّ اللّٰه لك، قيل: وكان ذلك ذنبًا من الصغائر، فلذا عاتبه اللّٰه عليه. [٢] (قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ) أي: شرع لكم تحليل أيمانكم بأداء الكفارة كما في (سورة المائدة، الآية: ٨٩) وبين لكم ذلك. وليس لأحد. أن. حرّم ما أحل الله، فإن فَعَل لا صفحة 560 ينعقد ولا يلزم صاحبه، فالتحليل والتحريم هو إلى اللّٰه سبحانه [لكن إن فعل فقد ذهب بعض الفقهاء إلى أنه إن حرم على نفسه ثوبًا أو ملبسًا أو طعامًا أو شرابًا أو شيئًا مما أباحه اللّٰه فهو بمنزلة اليمين، فإن عاد إلى ما حرّمه على نفسه فعليه كفارة يمين، فإن كفَّر عند ذلك انحلت يمينه. وهذا في كل شيء حتى الزوجة إذا حرمها على نفسه. وقال بعضهم: إن حرَّم الزوجة، ونوى بالتحريم الطلاق يقع الطلاق والله أعلم] (وَاللهُ مَوْلَاكُمْ) أي: وليكم وناصركم (وَهُوَ الْعَلِيمُ) بما فيه صلاحكم وفلاحُكَمْ ( الْحَكِيمُ) في أفعاله وأقواله. [٣] (وَإِذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أزْوَاجِهِ حَدِيثًا )) هي حفص كما سبق، والحديث هو تحريم العسل. وقال الكلبي: أسرَّ إليها أن أباك وأبا عائشة يكونان خليفتي على أمتي من بعدي (فَلَمَّا نَبَّاتْ بِهِ) أى: أخبرت به غيرها (وَأظهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ) أي: أطلع اللّٰه نبيه على ذلك الواقع منها من الإخبار لغيرها (عَرَّفَ بَعْضَهُ) أي: عرَّف حفصة بعض ما أخبرت به (وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ) أي: وأعرض عن تعريف بعض ذلك (فَلَمَّا نَبَّأْهَا بِهِ) أي: أخبرها بما أفشت من الحديث (قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا} أي: من أخبرك به (قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) أي: أخبرني به اللّٰه الذي لا تخفى عليه خافية. [٤] إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) الخطاب لعائشة وحفصة، أي: إن تتوبا إلى اللّٰه فقد مالت قلوبكما إلى التوبة من التظاهر على النبي ما ه ( إِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ) أي: وإن تتعاضدا وتتعاونا في الغيرة عليه منكما وإفشاء سره ( فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) أي: فإن اللّٰه يتولى نصره، وكذلك جبريل ومن صلح من عباده المؤمنين، كأبي بكر وعمر، فلن يعدم ناصرًا ينصره (وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ) أي: بعد نصر اللّٰه له ونصر جبريل وصالح المؤمنين (ظَهِيرٌ)) أي: أعوان يظاهرونه، وقيل: كان التظاهر بين عائشة وحفصة في التحكم على النبي وَالِيّي في النفقة. [٥]( عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ) أخبر اللّٰه تعالى نساء نيه وا يقه عن قدرته على أنه إن وقع منه الطلاق لهنّ أبدله خيرًا منهن، تخويفًا لهن (مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ) أي: قائمات بفرائض الإسلام مصدّقات بالله وملائكته وكتبه ورسله (قَانِتَاتٍ) مطيعات الله [ورسوله] (تَائِبَاتٍ) يعني: من الذنوب (عَابِدَاتٍ) لله متذللات له (سَائِحَاتٍ) أي: صائمات (ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا) الثيب : هي المرأة التي قد :.. ، ثم طلقها زوجها أو مات عنها، والبكر: هي العذراء. [٦] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ) أي: حافظوا عليها بفعل ما أمركم وترك ما نهاكم عنه (وَأَهْلِيكُمْ ) بأمرهم بطاعة اللّٰه ونهيهم عن معاصيه (نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) أي: نارًا عظيمة تتوقد بالناس وبالحجارة كما يتوقد غيرها بالحطب. قال ابن جرير: فعلينا أن نعلِّم أولادنا الدين والخير وما لا يستغنى عنه من الأدب (عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ) أي: على النار خزنة من الملائكة يَلُون أمرها وتعذيب أهلها، غلاظ على أهل النار شداد عليهم، لا يرحمونهم إذا استرحموهم، إنما خلقوا للعذاب (لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ) أي: لا يخالفونه في أمره (وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) أي: يؤدونه في وقته من غير تراخ، فلا يؤخرونه عنه [وهم عليه قادرون، لا يعجزون عن شيء منه مهما كان]. ٧٦] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ) أي: يقال لهم هذا القول عند إدخالهم النار، تأبيسًا لهم وقطعًا لأطماعهم (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُتُمْ تَعْ أُ.مَه من الأعمال في الدنيا. صفحة 561 [٨] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ) التوبة النصوح: الصادقة، وقيل: الخالصة، وهي الندم بالقلب على ما مضى من الذنب، والاستغفار باللسان، والإقلاع بالبدن، والعزم على ألا يعود (نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ) وقد تقدّم في سورة الحديد أن النور بكون معهم حال مشيهم على الصراط. [٩] (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ) أي: جاهد الكفار بالحرب (وَالْمُنَافِقِينَ) بإقامة الحدود عليهم، فإنهم كانوا يرتكبون موجِبات الحدود، واستعمِل الخشونة مع الطرفين لإقامة الهيبة. [١٠] (فَخَانَتَاهُمَا) أي: فوقعت منهما الخيانة لهما. فيل: كانت امرأة نوح تقول للناس: إنه مجنون، وكانت امرأة لوط تخبر قومه بأضيافه (فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا) أي: فلم ينفعهما نوح ولوط بسبب كونهما زوجتين لهما شيئًا من النفع، ولا دفعا عنهما من عذاب الله، مع كرامتهما على الله، شيئًا من الدفع (وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) من أهل الكفر والمعاصي [١١] (وَضَرَبَ اللٰهُ مَثَلًا لِلّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ) أي: إن صولة الكفر لا تضرّهم كما لم تضر امرأة فرعون، وقد كانت تحت أكفر الكافرين، وصارت بإيمانها في جنات النعيم (إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْنًا فِي الْجَنَّةِ) أَي: ابن لي بيتًا قريبًا من رحمتك في درجات المقربين منك (وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ) أي: من ذاته وممّا يصدر عنه من أعمال الشرّ (وَنَجِّني مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) هم الكفار من القبط. [١٢] (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ) جمع اللّٰه لها بين كرامة الدنيا والآخرة، واصطفاها على نساء العالمين، مع كونها بين قوم عصاة (الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا) أي: عن الفواحش { فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا) ذلكِ أن جبريل نفخ في جيب درعها، فحبلت بعيسى (وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبَّهَا) يعني: شرائعه التي شرعها لعباده، وما خاطبها به الملك، وهو قول جبريل لها: إنما أنا رسول ربك، وما أخبرها به من البشارة بعيسى وكونه رسولًا من المقربين. انظر (سورة آل عمران، الآيات: ٤٨-٤٢) (وَكُتُبِهِ) وهي الكتب المنزلة على الأنبياء (وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) من القوم المطيعين لربهم، كان أهلها أهل فسير سورة الملك [١] ( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) تبارك أي: كثر خير اللّٰه وعظم، والملك هو ملك السماوات والأرض في الدنيا والآخرة. [٢] (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ:--يَم الموت: انقطاع تعلقٍ الروح بالبدن، ومفارقتها له، والحياة تعلق الروح بالبدن واتصالها به، فالحياة تعني: خلقه إنسانًا، وخلق الروح فيه (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا) أي: ليكلفكم ثم يختبركم فيجازيكم على ذلك. والمقصد الأصلي من الابتلاء هو ظهور كمال إحسان المحسنين وطاعة الطائعين. [٣] الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا) أي: بعضها فوق بعض (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ) من تناقض ولا تباين، ولا اعوجاج ولا تخالف، بل هي مستوية مستقيمة دالة على خالقها ( فَارْجَعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ) أي: اردد طرفك في السماء، وتأمل: هل ترى فيها -على عظمتها واتساعها - من تشقق أو صدع. [٤] (ثُمَّ ارْجعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ) أي: مرّة بعد مرّة وإن كثرت تلك المرّات، فيكون ذلك أبلغ في إقامة الحجة، وأقطع للمعذرة ( يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا ) ذليلًا صاغرًا عن أن يرى شيئًا من العيب في خلق السماء (وَهُوَ حَسِيرٌ) أي: كليل منقطع [٥](وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ) أي: وجعلنا هذه المصابيح : فائدة أخرى غير كونها زينة رجومًا يرجم بها الشياطير صفحة 562 للسماء الدنيا. وقال قتادة: خلق اللّٰه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يهتدي بها في البر والبحر (وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ) أي: وأعدَدْنا للشياطين في الآخرة، بعد الإحراق في الدنيا بالشهب، عذاب النار. ٧](إِذَا أَلْقُوا فِيهَا) أي: طرحوا فيها كما يطرح الحطب في النار ( سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا) أي: صوتًا كصوت الحمير عند أوّل نهيقها (وَهِيَ تَفُورُ) تغلي بهم غليان المرجل. [٨] (تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ) أي: تكاد تتقطع، وينفصل عضها من بعض، من شدة غضبها على الكفارِ (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ) الفوج: الجماعة من الناس { سَأْلَهُمْ خَزَنَتْهَا) من الملائكة، سؤال توبيخ وتقريع: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ) في الدنيا ( نَذِيرٌ) ينذركم هذا اليوم ويحذركم منه؟ (قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ) رسول من عند اللّٰه ربنا فأنذرَنا وخوَّفَنا وأخبرنا بهذا اليوم (فَكَذَّبْنَا)) ذلك النذير (وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ) على ألسنتكم [من أمور الغيب وأخبارِ الآخِرة والشرائع التي تتضمن بيان ما يريد اللّٰه منا] (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ) أي: قلنا للرسل: إنكم في ذهاب عن الحق، وبعد عن الصواب. [١٠] (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) لو كنا نسمع سمع من يعي، أو نعقل عقل من يميِّز وينظر، ما كنا من أهل النار [بل كنا آمنا بما أنزل اللّٰه واتبعنا الرسول]. [١١] (فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ) الذي استحقوا به عذاب النار وهو الكفر وتكذيب الأنبياء (فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ) أي: فبعدًا لهم من اللّٰه ومن رحمته [ألزمهم اللّٰه تعالى العذاب بعد أن اعترفوا بالذنب؛ لأن بذلك تقوم عليهم الحجة ولا يبقى لهم عذر]. ١٣] (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهِرُوا بِهِ) فكلّ ذلك يعلمه الله، لا يخفى عليه منه خافية (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) هي مضمرات القلوب. [١٤] (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ) ألا يعلم السر ومضمرات القلوب من خلق ذلك وأوجده [فهو تعالى الذي خلق الإنسان بيده، وأعلم شيء بالمصنوع صانعه] (وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) الذي لطف علمه بما في القلوب، الخبير بما تسرّه وتضمره من الأمور، لا تخفي عليه من ذلك خافية. 101) مُوَ الَّذِي جَمَلَ لَكُمُ الأَذَ ، فَلُولا أي: سهلة لية. تستقروّن عليها، ولم يجعلها خشنة بحيث يمتنع عليكم السكون فيها والمشي عليها (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا) طرقها وأطرافها وجوانبها (وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ) أي: مما رزقكم وخلقه لكم في الأرض، [ يمتنّ اللّٰه على بني آدم بتمكينهم من هذه الأرض، إعطائهم القدرات لتحصيل خيراتها. ولكن عليهم أن يعلموا أنهم إليه صائرون ولذلك قال:]( وَإِلَيْهِ التُّشُورُ) أي: البعث من قبوركم، لا إلى غيره. ١٦] ( أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) هو اللّٰه تعالى {أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ) يقلعها بكم كما فعل بقارون، بعد ما جعلها لكم ذلولًا تمشون في مناكبها (فَإِذَا هِيَ تَمُورُ) أي: تضطرب وتتحرك على خلاف ما كانت عليه من السكون والتذليل. [١٧] (أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ) حجارة من السماء، كما أرسلها على قوم لوط وأصحاب الفيل، وقيل: ريح فيها حجارة (فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ) أي: إنذاري إذا عاينتم هذا العذاب، ولا ينفعكم هذا العلم. ١٨] (فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) أي: فكيف كان إنكاري عليهم بما أصبتهم به من العذاب الفظيع؟ [١٩] ( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى اامَاَّ مَقَهُمْ صَافَّاتٍ) صافة لأجنحتها صفحة 563 في الهواء وتبسطها عند طيرانها (وَيَقْبِضْنَ) أي: يضممن أجنحَتهنّ (مَا يُمْسِكُهُنَّ) في الهواء عند الطَيران والقبض والبسط (إِلَّا الرَّحْمَنُ) القادر على كلّ شيء [أي: بما جعل في الطير من دقة الصنعة، في خفة أجسامها، وكسوتها بالريش، ونشره بطريقة معينة، إذا ضرب بها الهواء ارتفع في الجو، وتقدّم إلى الأمام، فسبحان خالقها] (إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ)) لا يخفى عليه شيء. [٢٠] (أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ) المعنى: أنه لا جند لكم يمنعكم مَنْ عذاب الله، بل من يتولى نصركم إن لم ينصركم اللّٰه برحمته وعونه {إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ عظيمٍ من جهة الشيطان، يغرّهم به. [٢١] ( أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ ) أي: من الذي يدرّ عليكم الأرزاق، من المطر وغيره، إن أمسك اللّٰه ذلك ومنعه عنكم؟ {بَلَ لَجَّوا فِي عُتُوَّ وَنُفُور) تمادوا في عناد واستكبار عن الحقّ، ونفور عنه، ولم يعتبروا ولا تفكروا. [٢٢] (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِتَّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى) هو الكافر، يكب على معاصي اللّٰه في الدنيا، فيحشره اللّٰه يوم القيامة على وجهه (أَمْ مَنْ يَمْشِي سَوِيًّا)) مُعْتَدلًا ناظرًا إلى ما بين يديه (عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمِ) أي: على طريق مستوٍ لا اعوجاج به ولا انحراف فيه [وهذا هو المؤمن الذي سار على منهج اللّٰه في الدنيا على هدىً وبصيرة، فيحشر في الآخرة سويًّا على طرِيق مستقِيم يؤدي به إلى الجنة]. [٢٤]«قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ) خلقهم في الأرض ونشرهم فيها وفرقهم على ظهرها. [٢٦] (قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ) أي: إن وقت قيام الساعة علمه عند اللّٰه لا يعلمه غيره (وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ) أنذركم به وأخوّفكم عاقبة كفركم، وأبين لكم ما أمرني اللّٰه ببيانه، ولم يأمرني أن أخبركم بوقت قيام الساعة. [٢٧](فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً) رأوا العذاب قريبًا (سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي: اسودّت، وعلتها الكآبة، وغشيتها الذلة (وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ) أي: الذي كنتم في الدنيا تطلبونه وتستعجلون به استهزاء. [٢٨] (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ ) بموت أو قتل، [كما تتمنون لي ذلك وتتربصون بي المصائب والهلاك] (وَمَنْ مَعِيَ) من المؤمنين (أَوْ رَحِمَنَا) بتأخير ذلك إلى أجل، فلو فُرِض أنه وقع بنا ذلك: (فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابِ ألِيم) أي: لا ينجيهم من ذلك أحد، سواء أهلك اللّٰه رسولّه والمؤمنين معه كما كا:: الكنا. يتمنونه، أو أمهلهم. [٣٠] (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا) أي: أخبروني إن صار ماؤكم [الذي منَّ اللّٰه عليكم به في العيون والآبار والأنهار] غائرًا في الأرض، بحيث لا يبقى له وجود فيها أصلًا، أو صار ذاهبًا في الأرض إلى مكان بعيد بحيث لا تناله الدلاء [المضخّات] (فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ) أي: بماء كثير جار لا ينقطع؟ [أي: لا يأتيكم به أحد إلا اللّٰه تعالى، بالأمطار والأنهار التى أنتم بها تنعمون]. تفسير سورة القلم [1](ن) حرف من حروف الهجاء، كالفواتح الواقعة في أوائل السور المفتتحة بذلك (وَالْقَلَمِ) أقسم اللّٰه بالقلم لما فيه من البيان، وهو واقع على كل قلم يكتب به (وَمَا يَسْطُرُونَ) أي: ما يكتبه الناس بالقلم من العلوم. [٢] ( مَا أَنَّتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ) أي: إنك يا محمد بنعمة اللّٰه التي أنعم بها عليك، وهي النبوة والرياسة العامة، بريء من الجنون. [٣] (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا) أى: ثوابًا على ما تحمَّلت من أثقال صفحة 564 النبوّة، وقاسيت من أنواع الشدائد (غَيْرَ مَمْنُونٍ) أي: غير مقطوع، أو: لا يُمَنُّ به عليك من جهة الناس. [٤] وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) المعنى: إنك على الخلق الذي أمرك اللّٰه به في القرآن. ثبتَ في الصحيح عن عائشة أنها سئلت عن خلق النبيّ وَالِية، فقالت: كان خلقه القرآن. [٦-٥] ( فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ. بِأَيْيِكُمُ الْمَفْتُونُ) أي: ستبصر يا محمد ويبصر الكفار إذا تبين الحقّ وانكشف الغطاء، وذلك يوم القيامة مَنْ؟ مِنَ الطرفين هو المفتوِن بالجنون، وهذا ردٌّ على زعمهم أن محمدًا مالِيه كان مفتونًا ضالًا، ولذا قال: [٧](إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ) أي: يعلم من هو في الحقيقة الضال، أنت أم من اتهمك بالضلال. والمعنى: بل هم الضالون؛ لمخالفتهم لما فيه نفعهم في العاجل والآجل، واختيارهم ما فيه ضرهم فيهما (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) إلى سبيله الموصل إلى تلك السعادة الآجلة والعاجلة. [٩] (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) المعنى: ودّوا لو تلين لهم فيلينون لك. وقيل المعنى: ودّوا لو تركن إليهم، وتترك ما أنت عليه من الحق، فهم يدهنون أي: يظهرون لك الملاينة لتميل معهم. [١٠] (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ) أي: كثير الحلف بالباطل { مَهِينِ ) حقير. ١ ١١] ( هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمِ) الهماز: الذي يذكر الناس بالشر في وجوههم، واللماز: الذي يذكرهم في مغيبهم، والمشاء بنميم: الذي يمشي بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم. ١٣ عُتِ هو ال الخلق الفت الخلق. قل الزجاج: هو الغليظ الجافي (بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيم) أي: هو بعد ما عُدَّ من معايبه زنيم، والزنيم: الدَّعِي الملصق بالقَّوم وليس هو منهم. [١٤ ] (أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ) والمعنى: لا تطعه لماله وبنيه، وقيل المراد به التوبيخ والتقريع، حيث جعل مجازاة النعم التي خوّله اللّٰه من المال والبنين أن كفر به وبرسوله وآياته. [١٦]( سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ) أي: سوف نجعل له الوسم بالسواد على أنفه، وذلك أَنه يسوَّد وجهه بالنار قبل دخول النار [فيكون له على أنفه علامة] ونُلحِق به شينا لا يفارقه يعرف به. ١٧](إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ) يعني: كفار مكة، فإن اللّٰه ابتلاهم بالجوع والقحط بدعوة رسول اللّٰه والي عليهم ( كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ) المعروف . . عند قريش، قيل: كانت بأرض اليمن على فرسخين من صنعاء حديقة لرجل يؤدي حق اللّٰه منها، فمات وصارت إلى أولاده فمنعوا الناس خيرها، وبخلوا بحق اللّٰه فيها، وقالوا: المال قليل، والعيال كثير، ولا يسعنا أن نفعل كما كان يفعل أبونا، وعزموا على حرمان المساكين، فصارت عاقبتهم إلى ما قصّ اللّٰه في كتابه (إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ) أي: حلفوا أنهم سيقطعون ثمرها عند الصباح. [١٨] (وَلَا يَسْتَثْنُونَ) يعني ولا يقولون: إن شاء الله، وقيل المعنى: ولا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدرَ الذي كان يدفعه أبوهم إليهم. [١٩ ] (فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ) أي: طاف على تلك الجنة من جهة اللّٰه سبحانه نار أحرقتها حتى صارت سوداء. [٢٠] (فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ) أي: كالبستان الذي قد صرمت ثماره، أي: قطعت فلم يبق فيها من ثمرها شيء. [٢١] (فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ) لما أصبحوا قال بعضهم لبعض: [٢٢] (أَنِ اغْدُوا عَلَى =°:مُ: ) اخرجوا مبكّرين في الصباح صفحة 565 إلى الثمار والزرع قبل مجيء الفقراء. [٢٤] (أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ) يُسِرُّ عضهم إلى بعض هذا القول، وهو قولهم: لا يدخل هذا البستان اليوم عليكم مسكين؛ لئلا يطلب منكم أن تعطوه منها ما كان يعطيه أبوكم. [٢٥] (وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ) أي: انطلقوا منفردين عن قومهم غير مخالطين لهم (قَادِرِينَ)) على جنتهِم عند أنفسهم. [٢٦] ( فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالَّونَ) أي: قال بعضهم لبعض: قد ضللنا طريق جنتنا ليست هذه، ثم لما تأملوا وعلموا أنها جنتهم، وأن اللّٰه سبحانه قد عاقبهم بإذهاب ما فيها من الثمر والزرع قالوا: [٢٧] (بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) أي: حرمنا اللّٰه ثمر جنتنا سبب ما وقعٍ منا من العزم على منع المساكين من خيرها. ٢٨] (قَالَ أَوْسَطُهُمْ ) أي: أمثلهم وأعقلهم وخيرهم (أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ) [أي: ألم أقل لكم: إن فعلكم هذا من منعكم المساكين حقهم ظلم؟ فهلا نسبحون اللّٰه الآن بعد أن تيقنتم أنه بالمرصاد للظالمين]. [٢٩] (قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) أي: تنزيهًا له عن أن يكون ظالمًا فيما صنع بجنتنا، فإن ذلك بسبب ذنبنا الذي فعلناه في منعنا للمساكين. [٣٢] (إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ) أي: طالبون منه الخير راجون لعفوه. [٣٣](كَذَلِكَ الْعَذَابُ) أي: مثل ذلك العذاب الذي بلوناهم به نبلو الكفّار بعذاب الدنيا (وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) أي: ولكنهم لا يعلمون. [٣٥] (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالَمُجْرِمِينَ) كان صناديد كفار قريش قالوا: إن صح ما يزعمه محمد لم يكن حالنا وحال المسلمين إلا مثل ما هي في الدنيا [فيكون لنا في الآخرة مثل ما لهم من نعيم الجنة. فيخبر اللّٰه تعالى أنه ليس من العدل التسوية بين من يلتزم بطاعته وبين من هو فاجر مجرم لا يبالي بمعصيته]. [٣٦] ( مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) هذا الحكم الأعوج، كأن أمر الجزاء مفوَّض إليكم. [٣٧] (أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ) أي: تقرأون فيه نجدون المطيع كالعاصي؟ [٣٨] (إِنّ لَكَمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ) أي: هل في ذلك الكتاب أنّ لِكم في الآخرة ما تختارون؟ [٣٩] (أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ) المعنى: بل ألكم عهد عند اللّٰه حلَفَ لكم عليه أيمانًا استوثقتم بها أن يدخلكم الجنة، ثابتة لكم إلى يوم القيامة لا يخرج من عهدتها حتى يجعل لكم حكمكم يومئذ؟ [٤٠] (سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ) أي: سل يا محمد الكفار موبخًا لهم ومقرّعًا: أيهم بذلك كفيل؟ [٤١] (أمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بشُرَ كَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) المعنى: بل ألهم شركاء لله بزعمهم قادرون على أن يجعلوهم مثل المسلمين في الآخرة؟ [٤٢] ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ) يكشف اللّٰه وعيَّل عن ساقه دلالة على شدة الأمر. أخرج البخاري وغيره عن أبي سعيد قال: سمعت رسول اللّٰه وعَيِّ يقول: ((يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقا واحدًا)) (وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ) يسجد الخلق كلهم الله سجدة واحدة، ويبقى الكفار والمنافقون يريدون آن يسجدوا فلا يستطيعون؛ لأن أصلابهم تيبس فلا تلين للسجود، لأنهم لم يكونوا آمنوا بالله في الدنيا، ولا سجدوا له. صفحة 566 [٤٣] (تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةً) تغشاهم ذلة شديدة وحسرة وندامة {وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ) أي: في الدنيا (وَهُمْ سَالِمُونَ) أي: معافون عن العلل، متمكنون من الفعل. قال إبراهيم التيمي: يدعون بالأذان والإقامة فيأبون. [٤٤] (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذَّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ) ذرني، أي: خلِّ بيني وبينه، ووكِّل أمره إليّ، فلا يشتغل به قلبك، فأنا أكفيك أمره. والمراد بهذا الحديث: القرآن (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) نسوقهم إلى العذاب درجة فدرجة، حتى نوقعهم فيه من حيث لا يعلمون أن ذلك استدراج؛ لأنهم يظنونه إنعامًا، ولا يفكرون في عاقبته، وما سيلقون في نهايته. [٤٥] (وَأَمْلِي لَهُمْ) أي: أمهلهم ليزدادوا إثمًا (إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) أي: إن تدبيري للإيقاع بهم قوي شديد فلا يفوتني شيءٍ. [٤٦] (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا)) أي: هل تطلب منهم ثوابًا على ما تدعوهم إليه من الإيمان بالله (فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ) المغرم: من يحمل غرامة ذلك الأجر، أي: يثقلّ عليهم حمله لشحهم ببذل المال، فهل طلبت منهم أجرًا فأعرضوا عن إجابتك بهذا السبب؟ [٤٧] (أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ) أي: بل أعندهم علم الغيب يكتبون ما يريدون من الحجج التي يزعمون، ويخاصمونك بما يكتبونه من ذلك. [٤٨] (وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ) يونس اليَات، أي: لا تكن مثله في الغضب والضجر (إِذْ نَادَى) اللّه يعزّي بيه وَا لِهِ ويأمره بالصبر، وأن لا يعجل كما عجل صاحب الحوت، وقد تقدم بيان قصته في (سورة الأنبياء، ويونس، والصافات)، وكان النداء منه قوله: (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (وَهُوَ مَكْظُومٌ) أي: مغموم مكروب [ ويحتمل أن المراد: مُقْفَل عليه في بطن الحوت]. [٤٩] (لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ) وهي توفيقه للتوبة، فتاب اللّٰه عليه (لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ) أي: لألقي من بطن الحوت على وجه الأرض الخالية من النبات (وَهُوَ مَذْمُومٌ) أي: يذم ويلام بالذنب الذي أذنبه ويطرد من الرحمة. [٥٠](فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ) أي: استخلصه واصطفاه واختاره للنبوّة (فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ» أي: الكاملين في الصلاح. وقيل: ردّ إليه النبوّة، وشفعه في نفسه وفي قومه، وجعله رسولاً أرسله إلى مائة ألف أو يزيدون، فآمنوا جميعًا، كما تقدّم. [٥١] (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَذَ . ١ أَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ ) ينظرون إليك إذا قرأت القرآن نظرًا شديدًا بالعداوة والبغضاء يكاد يسقطك على الأرض. 22222 غسير سورة الحاق الْحَاقَةُ) هي القيامة؛ لأنها تظهر فيها الحقائق. [٤] (كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ) أي: بالقيامة، وسميت بذلك؛ لأنها تقرع الناس بأهوالها. ٥] ( فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بالطَّاغِيَةِ) ثمود: هم قوم صالح، والطاغية: الصيحة التي جاوزت الحدّ. [٦] (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحِ صَرْصَرٍ ) عادهم قوم هود، والريح الصرصر: هي الشديدة البرد، والعاتية: القاسية التي جاوزت الحد لشدة هبوبها، وطول زمنها، وشدة بردها. [٧](سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامِ) [أي: أرسلها عليهم طيلة هذه المدة مستمرة لا تنقطع ولا تهداً. وكانت تقتلهم بالحصباء] (حُسُومًا) أي: تحسمهم حسومًا، أي: تفنيهم وتذهبهم (فَتَرَى الْقَوْمَ فِيْهَا) أي: في ديارهم (صَرْعَى) صفحة 567 مصروعين بالأرض موتى (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ) أي: أصول نخل ساقطة، أو بالية. [٨] (فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ) أي: من فرقة باقية، أو من نفس باقية، أي: فلم يبق منهم أحد. [٩] (وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ) أي: من الأمم الكافرة (وَالْمُؤْتَفِكَاتُ) وهي قرى قوم لوط، والمعنى: وجاءت المؤتفكات بِالْخَاطِئَةِ) أي: بالفعلة الخاطئة وهي الشرك والمعاصي. ١٠] فَأْخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً) أي: أخذهم اللّٰه أخذة أنه قلب بهم ديارهم، نامية زائدة على أخذات الأمم، وهي وأرسل عليهِم حاصبًا. [١١](إنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ) أي: تجاوز حدّه في الارتفاع والعلوّ (حَمَلنَاكُمْ فِي الجَارِيَةِ) أي: وأنتم في أصلاب آبائكم، والجارية سفينة نوح؛ لأنها كانت تجري بهم في ماء الطوفان. ١٢] (لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ) أي: قصة هلاك قوم نوح، لكم يا أمة محمد (تَذْكِرَةً) أي: عبرة وموعظة تستدلون بها على عظيم قدرة اللّٰه وشدة انتقامه (وَتَعِيَهَا أَذُنٌ وَاعِيَةُ) أي: تحفظها بعد سماعها أذن حافظة لما سمعت. [١٤](فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً) أي: فكسرتا كسرة واحدة لا زيادة عليها، وقيل: دكتا: بسطتا بسطة واحدة. [١٥] (فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ) أي: قامت القيامة. [١٦] (وَانْشَقّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةُ) أي: انشقت بنزول ما فيها من الملائكة، فهي في ذلك اليوم ضعيفة مسترخية. ١٧٦] (وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا) أي: تكون الملائكة على حافاتها حتى يأمرهم الربّ فينزلون إلى الأرض ويحيطون بالأرض ومن عليها (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ) أي: ثمانية من الملائكة المقربين. [١٨]*يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ) أي: يعرض العباد على اللّٰه حسابهم (لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ)) لا يخفى على اللّٰه سبحانه من ذواتكم، أو أقوالكم وأفعالكم، خافية كائنة ما كانت. [١٩] ( فَيَقُولُ هَاؤُمُ) أي: خذوا (اقْرَعُوا كِابِيَهْ) يقول ذلك سرورًا وابتهاجًا [بمارآه في كتابِه من الاعتقادات والأعمال الصالحة]. [٢٠] (إِنِّي ظَنَنْتُ أَنَّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ) أي: عملت وأيقنت في الدنيا أني أحاسب في الآخرة. [٢١] (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) مرضية لا مكروهة. [٢٢](فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ) أي: مرتفعة المكان؛ لأنها في السماء، أو مرتفعة المنازل رفيعة القدر. [٢٣] (قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ) المعنى: أن ثمارها قريبة ممن يتناولها من قائمٍ أو قاعد أو مضطجع. [٢٤] (بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) أي: بسبب ما قدّمتم من الأعمال الصالحة في الدنيا. [٢٥] (وَأَمَّا مَنْ أَوتِيَ كِتَابَهُ بشِمَالِهِ فَيَقُولُ) حزنًا وكربًا لما رأى فيه من سيئاته ( يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ) أي: لم أعط كتابي. [٢٦] (وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ) أَي: لم أدر أي شيء حسابي؛ لأن كله عليه. [٢٧] (يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ) أي: ليت الموتة التي متها كانت القاضية، ولم أَحْيَ بعدها: تمنى دوام الموت وعدم البعث لما شاهد من سوء عمله، وما يصير إليه من العذاب. [٢٨] ( مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ) أي: لم يدفع عني ما جنيته من المال من عذاب اللّٰه شيئًا. [٢٩] (هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ) أي: هلكت عني حجتي، وضلت عني. وقيل المراد بالسلطان: المنصب والجاه والملك. وحينئذ يقول اللّٰه وعجَّل: ٣٠] (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ) أ) .١ ٠ح عوايده إلى عنقه في الأغلال. صفحة 568 [٣١] (ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ) أي: أدخلوه الجحيم ليصلى حرها. [٣٢] (ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ) السلسلة: حلق منتظمة، وذرعها: طولها. قَال سفيان: بلغنا أنها تدخل في دبره حتى تخرج من فيه. [٣٥] ( فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ) أي: ليس له يوم القيامة في الآخرة قريب ينفعه أو يشفع له؛ لأنه يوم يفرّ فيه القريب من قريبه، والحبيب من حبيبه [٣٦] (وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ) هو ما ينغسل من أبدائهم من القيح والصديد. [٣٧] (لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ) أصحاب الخطايا وأرباب الذنوب. (٣٩-٣٨] (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ. وَمَا لَا تُبْصِرُونَ) أي: أقسم بالأشياء كلها ما يُرى منها وما لا يُرى. [٤٠] (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيم) أي: إن القرآن لتلاوة رسول كريم، والمراد محمد وَلِيَةً أو: إنه لقول يبلغه رسول كريم. يريد به جبريل. [٤١] (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ) كما تزعمون؛ لأنه ليس من أصناف الشعر (قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ) أي: إيمانًا قليلًا تؤمنون، وتصديقا يسيرًا تصدقون. [٤٢] (وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ) كما تزعموه؛ فإن الكهانة أمر آخر لا جامع بينها وبين هذا (قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) أي: تذكرًا قليلًا تتذكرون. [٤٣] ( تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) والمعنى: إنه لقول رسول كريم، وهو تنزيل من ربّ العالمين على لسانه. [٤٤] (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ) أي: ولو تقوّل ذلك الرسول، وهو محمد أو جبريل على ما تقدّم، لو تكلف شيئًا من ذلك وجاء به من جهة نفسه [ونسبه إلى اللّٰه]. [٤٥] (لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ) أي: بيده اليمنى. [٤٦] (ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِين الوتين عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب، وهو تصوير لإهلاكه بأفظع ما فعله الملوك بمن يغضبون عليه. [٤٧] (فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) أي: ليس منكم أحد يحجزنا عنه أو ينقذه منا، فكيف يتكلف الكذب على اللّٰه لأجلكم؟ [٤٨] (وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) أي: إن القرآن لتذكرة لأهل التقوى؛ لأنهم المِنتفعون به. [٤٩] (وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ) أي: أن بعضكم يكذب بالقرآنِ، فنحن نجازيهم على ذلك. [٥٠] (وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى .:'" يِنَ) أي: وإن القرآن لحسرة وندامة على الكافرين يوم القيامة. ٥١] وَإِنّهُ لَحَقٌ الْيَقِين) لكونه من عند الله، فلا يحوم تفسير سورة المعارج ١] ( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَّابِ وَاقِع) والمعنى: دعا داع على نفسه بعذاب واقع، وهذا السَّائل قيل: هو النضر بن الحارث حين قال: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقِّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ انْتِنَا بِعَذَابِ أَلِيم). [٢] (لِلْكَافِرينَ) أي: كائن للكافرين {لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ) لا يدفع ذلك العذاب الواقع أحد. [٣] (مِنَ اللهِ ذِي الْمَعَارِجِ) أي: ذي المصاعد التي صعد فيها الملائكة. وقيل: المعارج: العظم [٤] (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ أي: تصعد إلى اللّٰه وتَجَل يُؤْمَ كَانَ مِقْدارَ عَامينَ أَن المرادة يوم القياعة الله موقّف العباد للحساب هى هذا المقدار من السنين، ثم يستق بعد ذلك أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. [٥] ( فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِب "-) '' نزع فيه ولا شكوى إلى غير الله. صفحة 569 [٦] (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا) أي: مستبعدًا محالًا . [٨] (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْل) المُهل: ما أذيب من النحاس، والرصاص، والفضة، وقيل: هو دُرْدِيُّ الزيت. [٩] (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ) أي: كالصوف المصبوغ. [١٠] ( وَلَا يَسْأُلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا) أي: لا يسأل قريب قريبه عن شأنه في ذلك اليوم لما نزل بهم من شدّة الأهوال. [١٢-١١] (يُصَّرُونَهُمْ) أي: يرى كل إنسان قريبه العزيز عليه فيعرفه، لا يخفى منهم أحد عن أحد، ولا يتساءلون ولا كلم بعضهم بعضًا؛ لأن كلا مشغول بهمّ نفسه {يَوَدَّ الْمُجْرِمُ) كل مذنب ذنبًا يستحق به النار (لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ) يومِ القيامة الذي نزل به بِبَنِيهِ. وَصَاحِبَتِهِ) أي: زوجته (وَأَخِيهِ) فإن هؤلاء أعزّ الناس عليه وأكرمهم لديه، فلو قبل منه الفداء لفدى بهم نفسه وخِلص ممّا نزل به من العذاب [١٣] (وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ) أي: عشيرته الأقربين الذين يضمونه في النسب، أو عند الشدائد، ويأوي إليهم. [١٤] (وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) أي: يودّ المجرم لو افتدى بمن في الأرض جميعا من الثقلين وغيرهما من الخلائق (ثُمَّ يُنْجِيْهِ) ذلك الافتداء من عذاب جهنم. [١٥] (إِنّهَا لَظَى) لظى: اسم لجهنم، واشتقاقها من التلظي في النار، وهوِ التلهب. ١٦](نَزَّاعَةً لِلشَّوَى) الشواة جلدة الرأس. [ ١٧]( تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ) أي: إن جهنم تنادي من أدبر عن الحقّ في الدنيا (وَتَوَلَى) أي: أعرض عنه. ١٨]وَجَمَعَ فَأَوْعَى) أي: جمع المال فجعله في وعاء، فلم ينفق منه في سبيل الله. [١٩ ] (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ) الهلع: أشد الحرص، وأسوأ الجزع وأفحشه. [٢١-٢٠] (إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا. وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا) أي: إذا أصابه الفقر والحاجة أو المرض أو نحو ذلك، فهو كثير الجزع، وإذا أصابه الخير من الغنى والخصب والسعة ونحو ذلك فهو كثير المنع والإمساك. [٢٢](إِلَّ الْمُصَلِّينَ) أي: المقيمين للصلاة، يعني: أنهم ليسوا على تلك الصفات من الهلع والجزع والمنع. [٢٣] (الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ)) لا يشغلهم عنها شاغل، يؤدّون الصلاة المكتوبة لوقتها. [٢٤] (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقَّ مَعْلُومُ ) المراد: الزكاة المفروضة. وقيل: صلة الرح - [٢٥] ( لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) قد تقدم تفسير السائل والمحروم في سورة الذاريات. [٢٦] (وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ) هو يوم القيامة، لا يشكّون فيه ولا يجحدونه. [٢٧] (وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابٍ رَبَّهِمْ مُشْفِقُونَ ) أي: خائفون وجلون، مع ما لهم من أعمال الطاعة. [٢٨] (إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ) أي: لا ينبغي أن بأمنه أحد، وإن حق كل أحد أن يخافه. [٣١-٢٩] (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ) إلى قوله: ( فَأُولَتِكَ هُمُ الْعَادُونَ) قد تقدم تفسيره في أول سورة المؤمنون. [٣٢] (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) أي: لا بخلُّون بشيء من الأمانات التي يؤتمنون عليها، ولا بنقضون شيئًا مِن العهود التي يعقدونها على أنفسهم. [٣٣](وَالَذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ) أي: يقيمون الشهادة على وجهها على من كانت عليه من قريب، أو بعيد، رفيع أو وضيع، ولا يكتمونها ولا يغيرونها. [٣٤] {وَالَّذِينَ هُمْ ءَاَ مَلَاتِهِمْ يُحَافِظَونَ ) أي: صفحة 570 لا يشتغلون عنها بشيء من الشواغل ولا يفعلون ما بحبطها ويبطل ثوابها. [٣٥]( أَولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ) أي: مستقروّن فيها مكرمون بأنواع الكرامات. [٣٦] (فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ) أي: حواليك مسرعين إلى التكذيب، ويستهزئون بك. وقيل: مهطعين: مادّي أعناقهم مديمي النظر إليك. [٣٧] (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشَّمَالِ عِزِينَ) أي: عن يمين النبيّ ويَيّم وعن شِماله جماعات متفرقة. [٣٩] (كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ) أي: من المنيّ القذر الذي يعلمون به، فلا ينبغي لهم هذا التكبر. أخرج أحمد وابن ماجه وابن سعد أن رسول اللّٰه وَلِي قرأ: (فَمَالِ الّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ تُهْطِعِينَ... كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ) ثم بزق رسول اللّٰه وَ المة على كفه، ووضع عليها أصبعه وقال: ((يقول الله: ابن آدم، أنى مجزني وقد خلقتك من مثل هذه). [٤٠](فَلَا أقْسِمُ) أي: فأقسم (بَرَبِّ المَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ) مني مشرق كل يومٍ من أيام السنة ومغربه (إِنَّا لَقَادِرُونَ). [٤١] عَلَى أَنْ نَبَدَل خَيْرًا مِنْهُمْ* أي: أطوع للٰه ممر عصوه، ونهلك هؤلاء (وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) أي: مغلوبين إن أردنا ذلك. [٤٢] (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا) في باطلهم (وَيَلْعَبُوا) في دنياهم، واشتغِل بما أمرْت به، ولا يعظمن عليك ما هم فيه، فليس عليك إلا البلاغ (حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ) وهو يوم القيامة. [٤٣](يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ) وهي القبور (كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ) إلى شيء (سِرَاعًا) مسرعين منصوب عَلَم أو راية (يُوفِضُونَ) يسرعونً يتسابقون إليه. [٤٤] (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ) أي: ذليلة لا يرفعونها لما ذلَّةٌ أي: تغشاهم ذلة شديدة. يتوقعونه من العذاب (تَرْهَقُهُمْ فسير سورة نوح [١](إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ) قد تقدم أن نوحًا أوّل رسول أرسله الله، وتقدّم مدة لبثه في قومه، في سورة العنكبوت (أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ) أي: فقلنا له: أنذر قومك (مِنْ قَبْل أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) شديد الإيلام، وهو عذاب النار، أو هو ما نزل بهم من الطوفان. [٤] (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) أي: بعض ذنوبكم، وهو ما سلف منها قبل طاعة الرسول وإجابة دعوته (وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَل مُسَمَّى) أي: يؤخر موتكم إلى الأمد الأقصى الذي قدّره اللّٰه لكم [والمراد: يطيل أجل أمتكم واستعمارها في الأرض ما دامت مقيمة على الطاعة] (إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ) أي: ما قدّره لكم إذا جاء وأنتم باقون على الكفر، لا يؤخر بل يقع لا محالة، فبادروا إلى الإيمان والطاعة (لَوْ كُتُمْ تَعْلَمُونَ) لعلمتم أن أجل اللّٰه إذا جاء لا يؤخر. [٦] ( فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا قِرَارًا)) عما دعوتهم إليه وبعدًا عنه. [٧] (وَنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ) أي: كلما دعوتِهم إلى سبب المغفرة، وهو الإيمان بك، والطاعة لك (جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ) لئلا يسمعوا صوتي (وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابِهُمْ) أي: غطوا بها وجوههم لئلا يروني ولئلا يسمعوا كلامي (وَأَصَرُّوا) أي: استمروا على الكفر (وَاسْتَكْبَرُوا) عن قبول الحق (اسْتِكْبَارًا) شديدًا. [٨] (ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا) أي: مظهرًا لهم الدعوة مجاهرًا لهم بها. [٩] (وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ ) الدعوة (إِسْرَارًا) كثيرًا، يدعو الرجلَ، بعد الرجل، يكلمه سرًّا فيما بينه وبينه، دعاهم على وجوه متخالفة، وأساليب متفاوتة، وقيل: معنى أسررت،١،. . أ. -هم في منازلهم فدعوتهم فيها. صفحة 571 [١١] «يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا) المدرار: الكثيرة الدرور، وهو التحلب بالمطر، وفي هذه الآية دليل على أن الاستغفار من أعظم أسباب المطرِ وحصول أنواع الأرزاق. [١٣ ] (مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا)) أي: لا تخافون عظمته. [١٤ ] (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، إلى تمام الخلق، كما تقدّم بيانه في (سورة المؤمنون)، ثم تكونون صبيانًا، ثم شبابًا، ثم شيوخًا، فكيف تقصَّرون في توقير من خلقكم على هذه الأطوار البديعة. ١٦] وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ) أي: في السماوات، وهو في سماء الدنيا منهن (نُورًا) أي: منورًا لوجه الأرض [لا حرارة فيه] (وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا) كالمصباح لأهل الأرض. [١٧] (وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتَا) يعني: آدم، خلقه اللّٰه من أديم الأرض، [ثم جعل بنيه يكبرون بما يتغذون به من أجزاء الأرض بعد تحوّلها إلى نبات أو حيوان]. [١٨] (ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا) أي: في الأرض [تموتون فتتحلل أجزاؤكم حتى تعود ترابًا وتندمج في الأرض] (وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا) يعني: يخرجكم منها بالبعث يوم القيامة [أي: إخراجًا دفعة واحدة لا إنباتًا بالتدريج كالمرة الأولى]. [٢٠] (لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا ) أي: طرقًا واسعة، والفج: المسلِك بين الجبلين. [٢١] (وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا) أي: اتبع الأصاغر رؤساءهم، وأهلَ الثروة منهم، الذين لم يزدهم كثرة المال والولد إلا ضلالًا في الدنيا وعقوبة في الآخرة. [٢٢](وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا) أي: مكرًا كبيرًا عظيمًا، وهو تحريشهم سفلتهم على قتل نوح. [٢٣] (وَقَالَوا) أي: قال الرؤساء للأتباع يغرونهم بمعصية نوح: (لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ) أي: لا تتركوا عبادة آلهتكم، وهي الأصنام والصور التي كانت لهم، ثم عبدتها العرب من بعدهم (وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) أي: لا تتركوا عبادة هذه الأصنام. وهذه أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم ونوح، فجعلوا لهم صورًا في المعابد. ثم نشأ قوم من بعدهم، قال لهم إبليس: إن الذين من قبلكم كانوا يعبدون هذه الصور فاعبدوهم، فعبدوهم، فابتداء عبادة الأوثان كان من ذلك الوقت [ثم وصلت هذه الأمثان إلى الجزيرة العربية فعبدتها بعض القبائل]: [٢٤] (وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا) أي: أضلّ كبراؤهم ورؤساؤهم كثيرًا من الناس، وقيلٍ: المراد الأصنام، أضلت كثيرًا من الناس (وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا) إلا خسرانًا، وقيل: ضلالًا في مكرهم. [٢٥] ( مِمَّا خَطِيِئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا} أي: من أجلها وبسببه أغرقوا بالطوفان (فَأَدْخِلُوا نَارًا) عقب ذلك، وهي نار الآخرة، وقيل: عذاب القبر. [٢٦] (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) لما أيس نوح من إيمانهم دعا عليهم بعد أن أوحي إليه (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ) فأجاب اللّٰه دعوته وأغرقِهم، والدِيَّار: من يِسكن الدِّيَار. [٢٧] (إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ) عن طريق الحق (وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا) أي: إلا فاجرًا بترك طاعتك (كَفَّارًا) لنعمتك: أي كثير الكفران لها. [٢٨] (وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا)) هلاكًا وخسرانًا ودمارًا. شمل دعاؤه هذا ك! ظالم إلى يوم القيامة. صفحة 572 لفسير سورة الجن [١] (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ) المعنى: قل يا محمد لأمتك: أوحى اللّٰه إليَّ على لسان جبريل (أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ) [ عدد منهم إلى قراءتي للقرآن، قيل: والسورة التي كان وَالِيّي يقرؤها عندما استمعوا إليه هي سورة (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)] ولم يرسل اللّٰه إليهم رِسلا منهم، بل الرسل جميعًا من الإنس من بني آدم (فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًّا) أي: قالوا لقومهم لما رجعوا إليهم: سمعنا كلامًا مقروءًا عجبًا في فصاحته وبلاغته، وقيل: عجبًا في مواعظه، وقيل: في بركته. [٣] (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبَّنَا) ارتفعت عظمة ربنا وجلاله، وقيل جدّه: قدرته. [٤] (وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيْهُنَا عَلَى اللهِ شَطَطًا ) ينكر الجن قول مشركيهم وسفهائهم الكذب على اللّٰه من دعوى الصاحبة والولد وغير ذلك. والشطط: الغلوّ في الكفر، والبعد عن القصدِ، ومجاوزة الحدّ [٥] (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْحِنُّ عَلَى اللهِ كَذِبًا) أي: إنا حسبنا أن الإنس والجن كانوا لا يكذبون على اللّٰه عندما قالوا بأن له شريكًا وصاحبة وولدًا، فصدقناهم في ذلك. [٦] (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالَ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذَونَ بِرِجَالٍ مِنَ الجِنَّ) قيل: كان العرب إذا نزل الرجل بواد قال: أعوذ بسيِّد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فيبيت في جوار سيدهم الجنيّ حتى يصبح (فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ) أي: زاد رجال الجن من تعوذ بهم من رجال الإنس رهقًا: أي سفهًا وطغيانًا [أي: من الجن أنفسهم على الإنس المستجيرين بهم، أو زادوهم بلاء وضعفًا وخوفًا]. [٨]وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ) أي: طلبنا خبرها كما جرت به عادتنا (فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًّا) من الملائكة يحرسونها عن استراق السمع شَدِيدًا قويّا (وَشُهُبًا)) هي نار الكواكب كما تقدم بيانه في تفسير قوله: (وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ) من سورة تبارك [وإنما حصل هذا الحرس بعد بعثة النبي وَلِلّي حرسها اللّٰه سبحانه بعد بعثته بالشهب المحرقة]. [٩] (وَأَنَّا كُنَّا تَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ) ليسمعوا من الملائكة أخبار السماء فيلقونها إلى الكهنة { فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا) أي: أرصد له ليرمى به؛ لمنعه من السَماع. [١٠] (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرُّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ) بسبب هذه الحراسة للسماء { أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) أَي: خيرًا. قال ابن زيد: قال إبليس: لا ندري أراد اللّٰه بهذا المنع أن ينزل على أهل الأرض عذابًا أو يرسل إليهم رسولًا. [١١ ]وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ} ؟ '"، بعض الجن لبعض لما دعوا أصحابهم إلى الإيمان بمحمد الية كنا بعد استماع القرآن منا الموصوفون بالصلاح (وَمِنَّادُونَ ذَلِكَ) أي: غير المؤمنين (كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا) أي: جماعات متفرقة، وأصنافًا مختلفة، وأهواء متباينة. وقال سعيد: كانوا مسلمين ويهودًا ونصارى ومجوسًا. [١٢] (وَأَنَّا ظَنَنَّا أنْ لَنْ نُعجِزَ اللّهَ فِي الْأَرْضِ) أي: وأنا علمنا أن لن نفوته إن أراد بنا أمرًا (وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا) أي: هاربين منه. [١٣ ](فَمَنْ يُؤْمِنْ بَرَبِّهِ فَلَا يَخَافَ بَحْسًا وَلَا رَهَقا ) البخس: النقصان، والرهق: العدوان والطغيان. [١٤] (وَمِنَّا الْقَاسِطَونَ) أي: الجائرون الظالمون الذين حادوا عن طريق الحق (فَمَنْ أَسْلَمَ فَأولَئِكَ تَحَرَّّوْا رَشَدًا) أي: قصدوا طريق الحق والخير [واجتهدوا في البحث عنه حتى وفّقوا له ]. [١٥](وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) أي: وقودًا للنار توقد بهم كما توقد بكفِرةِ الإنس. [١٦] (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ) المعنى: وأوحي إليَّ أن الشأن أن لو استقام الجنّ أو الإنس أو كلاهما على طريقة الإسلام لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) أي: لسقاهم اللّٰه ماء كثيرًا. [١٧]( لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) أي: لنختبرهم فنعلم كيف شكرهم صفحة 573 على تلك النعم (وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا) أي: ومن يعرض عن القرآن، أو عن الموعظة، يدخل عذابًا شاقا صعبًا. [١٨] (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ) أي: وأوحي إلي أن المساجد مختصة بالله ليست للأصنام {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا) أي: لا تطلبوا العون، فيما لا يقدر عليه إلا الله، من أحد من خلقه كائنًا ما كان؛ فإن الدعاء عبادة. [١٩] (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ) وهو النبي وَلِلِ ا (يَدْعُوهُ) أي: يدعو اللّٰه ويعبده، وذلك ببطن نخلة كما تقدم (كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًّا) أي: كاد الجنّ يكونون على رسول اللّٰه البدًا متراكمين من ازدحامهم عليه لسماع القرآن منه. [٢١] (قُلّ إِنِّي لَا أمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا) أي: لا أقدر أن أدفع عنكم ضِرًّا، ولا أسوق إليكم خيرًا في الدنيا أو الدين. [٢٢] (وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا) أي: ملجأ ومعاذًا وحرزًا. [٢٣] (إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللهِ وَرِسَالَاتِهِ) أي: إلا أن أبلغ عن اللّٰه وأعمل برسالاته، فآخذ نفسي بما آمر به غيري، فإن فعلت ذلك نجوتُ، وإلا هلكتُ. [٢٤] ( فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا) جندًا ينتصر به (وَأَقَلُّ عَدَدًا) أهم أم المؤمنونِ. [٢٥] (أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا) أي: غاية ومدة، فلا بعرف متى يوم القيامة إلا اللّه وحده. [٢٧] (إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) استثنى من ارتضى من الرسل، فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزة لهم ودلالة صادقة على نبوّتهم، وليس المنجم، ومن ضاهاه ممن يضرب بالحصى وينظر في الكف ويزجر بالطير، ممن ارتضاه، فهو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه (فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلَفِهِ رَصَدًا) يجعل سبحانه بين يدي الرسول ومن خلفه حرسًا من الملائكة، يحرسونه من تعرض الشياطين لما أظهره عليه من الغيب، ويحوطونه من أن تسترقه الشياطينِ، فتلقيه إلى الكهنة [٢٨] (لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ ) أي: ليعلم اللّٰه أن رسله قد أبلغوا رسالاته: أي: ليعلم ذلك عن مشاهدة كما علمه غيبًا (وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ ) أي: بما عند الرصد من الملائكة، أو - الأحوال. بما عند الرسل المبلغين لرسالاته، وبما لديهم. فسير سورة المزمل ١] يَا أَيُّهَا الْمُزَّمَّلُ) هذا الخطاب للنبيّ وَلِيِ كمان يتزمّل بثيابه أول ما جاءه جبريل بالوحي خوفًا منه، فإنه لما سمع صوت الملك ونظر إليه أخذته " ... أتى أهله وقال: زملوني، دثروني. ثم بعد ذلك خوطب بالنبوّة والرسالة وأنس بجبريل. ٢] (قُم اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) أي: قم للصلاة في الليل، وصلّ الليل كله إلا يسيرًا منه. [٤-٣] (نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ)) كأنه قال قم ثلثي الليل، أو نصفه أو ثلثه. أخرج أحمد ومسلم عن سعد بن هشام قال: ((قلت لعائشة: أنبئيني عن قيام رسول اللّه وَالِ يِ قالت: ألست تقرأ هذه السورة (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمَّلُ)؟ قلت: بلى. قالت: فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام رسول اللّٰه وَلِي وأصحابه حولا، حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك اللّٰه خاتمتها في السماء اثني عشر شهرًا. ثم أنزل التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعًا من بعد فرضه)) (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ) أي: اقرأه على مهل مع تدبِّرِ حرفًا حرفًا، والترتيل : هو أن يبين جميع الحروف، ويوفي حقها من الإشباعِ [دون تنطع وتقعر في النطق]. [٥] (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلَا ثَقِيلًا)) أي: سنوحي إليك القرآن، وهو قول ثقيل فرائضه وحدودُه، وحلاله وحرامه، لا يحمله إلا قلب مؤيد ١٠]-. ف.ة، ونفس مزينة بالتوحيد. صفحة 574 [٦] (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ) يقال لقيام الليل ناشئة إذا كان بعد نوم هِيَ أَشَدُّ وَطَّئًّا) أثقل على المصلي من صلاة النهار؛ لأن الليل للنوم (وَأَقْوَمُ قِيلًا) أي: وأسدُّ مقالًا وأثبت قراءة، لحضور القلب فيها، وأشدّ استقامة؛ لأن الأصوات فيها هادئة، والدنيا ساكنة. [٧] (إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا) أي: تصرفًا في حوائجك، وإقبالًا وإدبارًا، وذهابًا ومجيئًا، فصلَ بالليل. [٨] (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا)) أي: انقطع إلى اللّٰه انقطاعًا بالاشتغال بعبادته، والتماس ما عنده. [٩] ( فَتَّخِذْهُ وَكِيلًا ) أي: قائماً بأمورك، وعوّل عليه في جميعها. [١٠](وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ) أي: من السّب والاستهزاء والتكذيب، ولا تجزع من ذلك (وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلا) أي: لا تتعرّض لهم ولا تشتغل بمكافأتهم. وقيل: الهجر الجميلِ الذي لا جزع فيه، وهذا كان قبل الأمر بالقتال. [١١]وَذَرْنِي وَالْمُكَذَّبِينَ) أي: دعني وإياهم ولا تهتمّ بهم، فإني أكفيك أمرهم، وأنتقم لك منهم (أولِي النَّعْمَةِ)) أي: أرباب الغنى والسعة والترفّه، واللذة في الدنيا (وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا) إلى انقضاء آجالهم، وقيل: إلى نزول عقوبة الدنيا بهم. [١٢] (إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا)) الأنكال: أنواع العذاب الشديد (وَجَحِيمًا) أي: نارًا مؤججة. [١٣] (وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ) أي: لا يسوغ في الحلق بل بنشب فيه، فلا ينزل ولا يخرج. [١٤] (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْحِبَالُ) تتحرك وتضطرب بمن عليها، والرجفة: الزلزلة الشديدة (وَكَانَتِ الجبَالَ كَثِيبًا مَهِيلًا* أى: وتكون رملا سائلًا لشدّة الرجفة. [١٥] (إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ) يشها عليكم يوم القيامة بأعمالكم، أي: فعصيتموه (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا ) يعني: موسى [١٦] (فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) وكذبه ولم يؤمن بما جاء به (فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا) أي: شديدًا ثقيلًا غليظًا، والمعنى: عاقبنا فرعون عقوبة شديدة غليظة بالغرق. ١٧٦] (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ) أي: كيف تقون أنفسكم (إِنْ كَفَرْتُمْ) أي: إن بقيتم على كفركم (يَوْمًا ) أي: عذابِ يوم (يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا) لشدة هوله، أي: يصير الأطفال الصغار فيه بيض الشعور، وهذا كناية عن شدة الخوف. [١٨] (السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ) أي: متشققة به لشدته وعظيم هوله، وانفطارها ١٠٠٠١. الملائكة (كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا) أي: كائنًا لا محالة. [١٩] (إِنَّ هَذِهِ) أي: ما تقدّم من الآيات (تَذْكِرَةٌ) أي: موعظة للمؤمنين (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ) أي: اتخذ بطاعة اللّٰه وتوحيده وسائر الأعمال الصالحة طريقًا توصله إلى رضوان اللّٰه في الجنة. [٢٠] {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ تُلُثَي الَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ) المعنى: أن الله يعلم أن وله ال يه يقوم أقل من ثلثي الليل أحيانًا، ويقوم نصفه، ويقوم ثلثه [كما أمره بذلك في أول هذه السورة] (وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) أي: وتقوم ذلك القدر معك طائفة من أصحابك (وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) أي: يعلم مقادير الليل والنهار على حقائقها، فيعلم القدر الذي تقومونه من الليل (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ) أي: لن تطيقوا علم مقادير الليل والنهار على الحقيقة. وقيل المعنى: علم اللّٰه أنكم لن تطيقوا قيام الليل (فَتَابَ عَلَيْكُمْ) أي: فعاد عليكم بالعفو، ورخص لكم في ترك القيام، إذ عجزتم. فرجع بكم من التثقيل إلى التخفيف، ومن العسر إلى اليسر (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) أي: فاقرأوا ما خذ ١٥٠ كم وتيسر لكم منه صفحة 575 من غير أن توقّتوا وقتًا. وهذه الآية نسخت وجوب قيام الليل عن الأمة (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى) فلا يطيقون قيام الليل (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ) أي: يسافرون فيها للتجارة والأرباح، يطلبون من رزق اللّٰه ما بحتاجون إليه في معاشهم، فلا يطيقون قيام الليل (وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ) يعني: المجاهدين، لا يطيقون قيام الليل [نزل هذا قبل فرض الجهاد بالمدينة] فذكر سبحانه ها هنا ثلاثة أسباب مقتضية للترخيص، فرفعه عن جميع الأمة لأجل هذه الأعذار التي تنوب بعضهم ( فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) يعني: المفروضة (وَاتُوا الزَّكَاةَ) يعني: الواجبة في الأموال، وقيل: كل أفعال الخير (وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا) أي: أنفقوا في سبيل الخير من أموالكم إنفاقًا حسنًا بالنفقة على الأهل وفي الجهاد والزكاة المفترضة (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرِ) أيِّ خير كان مما ذكر ومما لم يذكر ( تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا) مما تؤخرونه إلى عند الموت، أو توصون به ليخرج بعد موتكم ميحيي فسير سورة المدتر أتاه جبريل، قال المفسرون: لما بدئ رسول اللّٰه وَلِّيمِ بالوحي فرآه رسول اللّٰه وَالِيه على سرير بين السماء والأرض كالنور المتلأل، ففزع ووقع مغشيًّا عليه، فلما أفاق دخل على خديجة ودعا بماء فصبه عليه، وقال: دثروني دثروني، فدثروه بقطيفة. [١] (يَا أَيَّهَا الْمُدَّثِّرُ) يا أيها الذي قد تدثر بثيابه؛ أي: تغشى بها. [٢] (قُمْ فَأَنْذِرْ) ي: انهض فخوِّف أهل مكة وحذرهم العذاب إن لم يسلموا. [٣](وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) أي: واختص سيدك ومالكك ومصلح أمورك بالتكبير، وهو وصفه سبحانه بالكبرياء والعظمة، وأنه أكبر من أن يكون له شريك. [٤](وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) أمره اللّٰه سبحانه بتطهير ثيابه وحفظها عن النجاسات. وقال قتادة: نفسك فطهرها من الذنب. [٥] (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) أي: اترك الأصنام والأوثان، فلا تعبدها، فإنها سبب العذاب. [٦] (وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) لا تمنن على ربك بما تتحمله من أعباء النبوّة، كالذي يستكثر ما يتحمله بسبب الغير. وقيل المعنى: إذا أعطيت أحدًا عطية فأعطها لوجه الله. ولا تمنّ بعطيتك على الناس. أ. . حُمِّلْتَ أمرًا عظيمًا ٧] (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) ستحاربك العرب عليه والعجم، فاصبر عليه لله. [٨] ( فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ) المراد هنا: النفخ في الصور، كأنه قيل: اصبر على أذاهم، فبين أيديهم يوم هائل يلقون فيه عاقبة أمرهم. [١١]( ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا) دعني أنا والذي خلقته حال كونه وحيدًا في بطن أمه، لا مال له ولا ولد، أو دعني وحدي معه، فإني أكفيك الانتقام منه. قال المفسرون: هو الوليد بن المغيرة. [١٢] (وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا) أي: كثيرًا. [١٣](وَبَنِينَ شُهُودًا) أي: وجعلت له بنين حضورا بمكة معه، لا يسافرون ولا يحتاجون إلى التفرق في طلب الرزق لكثرة مال أبيهم [١٤ ] (وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا) أي: بسطت له في العيش وطول العمر والرياسة في قريش. [١٦]( كَلَّا) أي: لَسْت أزيده (إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا) أي: معاندًا لها، كافرًا بما أنزلناه منها على رسولنا. [١٧ ](سَأَرْهِقُهُ صَعُودًا) أي: سأكلفه مشقة من العذاب، والإرهاق: أن يحمل الإنسان الشيء الثقيل الذي لا يطيقه. صفحة 576 [١٨ (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ) فكر في شأن النبي وَالِيهِ و قدر في نفسه، أي: هيا الكلام في نفسه ما يقول، فذمه الله. ١٩](فَقُتِلَ) أي: لُعِنَ وعُذِّب [٢١] (ثُمَّ نَظَرَ) أي: بأي شيء يدفع القرآن ويقدح فيه. [٢٢] (ثُمَّ عَبَسَ) أي: قطب وجهه لما لم يجد مطعنًا يطعن به على القرآن {وَبَسَرَ) أي: كلح وجهه وتغير. [٢٤] (فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ) أي: قال: ليس هذا القرآن إلا سحرًا ينقله محمد عن غيره ويرويه عنه. [٢٥] (إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ) يعني: قال إنه كلام الإنس، وليس بكلام الله. [٢٦] (سَأصْلِيهِ سَقَرَ) أي: سأدخله النار. [٢٩] (لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ) تلوح للناس جهنّم حتى يروها عيانًا، وقيل: لواحة للبشر، أي: مغيرة لوجوههم حتى تسود. [٣٠] (عَلَيْهَا تِسْعَةً عَشَرَ) على النار تسعة عشر من الملائكة هم خزنتها، وقيل: تسعة عشر صنفًا من أصناف الملائكة. [٣١] لما نزل قوله سبحانه: (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) قال أبو جهل: أما لمحمد من الأعوان إلا تسعة عشر؟ أفيعجز كل مائة رجل منكم أن يبطشوا بوَاحِدٍ منهم ثم يخرجون من النار؟ فنزلت (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً) فمن يطيق الملائكة، ومن يغلبهم، لأنهم أقوم خلق اللّٰه بحقه، والغضب له، وأشدهم بأسًا، وأقواهم بطشًا؟ (وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) أي: جعلنا عددهم المذكور إضلالًا ومحنة للكافرين، حتى قالوا ما قالوا: ليضاعف عذابهم ويكثر غضب اللّٰه عليهم (لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ اليهود والنصارى لموافقة ما نزل من القرآن بأن عدة خزنة جهنم تسعة عشر لما عندهم في كتبهم (وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمُنُوا إِيمَانًا)) لما رأوا من موافقة أهل الكتاب لهم (وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٍ) هم المنافقون (وَالْكَافِرُونَ) من أهل مكة وغيرهم ( مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا) أي: أي شيء أراد بهذا العدد المستغرب استغراب المثل (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) وخزنة النار وإن كانوا نسعة عشر فلهم من الأعوان والجنود من الملائكة ما لا يعلمه إلا اللّٰه سبحانه (وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ) أي: وما سقر وما ذكر من عدد خزنتها إلا تذكرة وموعظة للعالم ليعلموا كمال قدرة اللّٰه وأنه لا يحتاج إلى أعوان وأنصار. [٣٢] (كَلَّا وَالْقَمَرِ) أقسم على ذلك بالقمر وبما بعده. [٣٣] (وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرِ) ولّى ذاهبًا. [٣٤] (وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ )) أ . أضاء وتبين. [٣٥](إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ) أي: إن سقر لإحدى الدواهي أو البلايا الكبرى، وقيل: إنها - أي: تكذيبهم لمحمد- لإحدى الكبر. [٣٧] (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ) بالإيمان (أَوْ يَتَأَخَّرَ) بالكفر. [٣٨] كَلَّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةَ) أي: مأخوذة بعملها ومرتهنة به، إما خلّصها وإما أوبقها. [٣٩] (إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ) وهم المؤمنون، فإنهم لا يرتهنون بذنوبهم، بل يفكون بما أحسنوا من أعمالهم. [٤٢] «مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) يقولون لهم: ما أدخلكم جهنمٍ؟ [٤٥] (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ) أي: نخالط أهل الباطل في باطلهم، كلما غوى غاوٍ غوينا معه. [٤٧] (حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ) وهو الموت. [٤٩] (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ) أي: أي شيء حصل لهم فجعلهم معرضين عن القرآن الذي هو مشتمل على التذكرة الكبرى والموعظة العظمى. [٥٠] ( كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ)) أي: مثل الحمير الشديدة النفار. [٥١] (فَرَّتْ مِنْ قَدْ مَ مَة أي: من رماة يرمونها، وقيل: صفحة 577 القسورة بلسان العرب: الأسد، [أي: فكأنهم حمر الوحش تفر إذا جاءها الأسد ليفترس بعضها]. [٥٢] (بَلْ يُرِيدُ كُلّ امْرِئ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً) قال المفسرون: إن كفار قريش قالوا لمحمد وَالِيه ليصبح عند رأس كل رجل منا كتاب منشور من اللّٰه أنك رسول اللّٰه. [٥٦] (وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ) إلا أن يشاء اللّٰه لهم الهدى (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى) أي: هو الحقيق بأن يتقيه المتقون بترك معاصيه والعمل بطاعاته (وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ) أي: هو الحقيق بأن يغفر للمؤمنين ما فرط منهم من الذنوب. فسير سورة القيامة [١] (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) لا زائدة، والتقدير: أقسم بيوم القيامة. وإقسامه سبحانه بيوم القيامة لتعظيمه وتفخيمه، ولله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته. [٢] (وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} هي نفس المؤمن، تلوم على ما فات وتندم، فتلوم نفسها على الشر لِمَ عملته، وعلى الخير لِمَ لَمْ تستكثر منه. وقال مقاتل: هي نفس الكافر، يلوم نفسه ويتحسر في الآخرة على ما فرط منها في جنب اللّٰه [أو يقسم اللّٰه تعالى بالأمرين جميعًا أنه سيجمع العظام ثم يحيي كل إنسان ليحاسبه ويجزيه]. [٣] (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ) بعد أن صارت رفاتا، فنعيدها خلقا جديدا، وذلك حسبان باطل. [٤] (بَلَى قَادِرِينَ) أي: بلى سنجمعها قادرين (عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ) أي: على أن نجمع أصابعه بعضها إلى بعض، فنجعلها قطعة واحدة كخف البعير. لكننا أنعمنا عليه بهذه الأصابع وهي الصغيرة اللطيفة المشتملة على المفاصل والأظافر والعروق اللطاف والعظام الدقاق. [وقيل: هذا تنبيه من اللّٰه تعالى أن بنان كل إنسان تختلف عن بنان غيره من الناس في تخطيط بصمتها، ولو شاء تعالى لجعلها متوافقة]. [٥] ( بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ) أن يقدم فجوره فيما يستقبله من الزمان، فيقدم الذنب ويؤخر التوبة، يريد أن يَفْجُرَ ما امتد عمره ولا يذكر الموت. [٦] * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ) يسأل: متى يوم القيامة؟ سؤال استبعاد واستهزاء. فإذَا بَرَقَ البَصَرُ) ف زع وبهت وتحير من شدة شخوصه للموت، أو للبعث. [٨] (وَخَسَفَ الْقَمَرُ) ذهب ضوؤه كله ولا يعود كما بعود إذا خسف في الدنيا. [٩]وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) أي: ذهب ضوؤهما جميعًا، نجمع الشمس والقمر فلا يكون هناك تعاقب ليل ونهار. ١٠] (يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ) أين المفر من اللّٰه سبحانه ومن حسابه وعذابه. [١١ ](كَلَّا لَا وَزَرَ) أي: لا جبل ولا حصن ولا ملجأ من اللّٰه يعصمكم يومئذ. [١٢] إِلَى رَبَّكَ يَوْمَتِذٍ الْمُسْتَقَرُّ ) أي: المرجع والمنتهى والمصير. ١٤] بَل الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) [يعرف حقيقة ما هو عليه من إيمان أو كفر، وطاعة أو معصية، واستقامة أو اعوجاج. وقيل المعنى: بل جوارح الإنسان عليه شاهدة]. [١٥](وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) أي: ولو اعتذر وجادل عن فسه، لم ينفعه ذلك، فعليه من يكذب عذره. [١٦ ] (لا تُحَرِّك بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) كان رسول اللّٰه الا يحرك شفتيه ولسانه بالقرآن إذا أنزل عليه، قبل فراغ جبريل من قراءة الوحي، حرصًا على أن يحفظه لَلِيِهِ فنزلت هذه الاية، أي: لا تحرك بالقرآن لسانك عند إلقاء الوحي لتأخذه على عجل مخافة أن يتفلت منك. [١٧] (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ) في صدرك حتى لا يذهب عليك صفحة 578 منه شيء (وَقُرْآنَهُ) أي: إثبات قراءته في لسانك على الوجه القويم. ١٨ ](فَإِذَا قَرَأْنَاهُ) أي: أتممنا قراءته عليك بلسان جبريل ( فَاتَبَعْ قُرْآنَهُ ) فاستمع له وأنصت إلى قراءته. [١٩ ] (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) أي: تفسير ما فيه من الحلال والحرام وبيان ما أشكل منه. فكان رسول اللّٰه مَلِيّي بعد ذلك إذا أتاه جبريل أنصت، فإذا ذهب عنه قرأ كما وعده اللّٰه. [٢٢] (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) أي: ناعمة غضة حسنة. [٢٣](إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) أي: تنظر إليه، وقد تواترت الأحاديث الصحيحة من أن الصالحين ينظرون ربهم يوم القيامة كما ينظرون القمر ليلة البدر. [ ٢٤] وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةَ* أى: كالحة عابسة كئيبة. [٢٥](تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بهَا فَاقِرَةُ) الفاقرة: الداهية العظيمة، كأنها كسرت فقار الظهر. [٢٦] ( كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ) أي: إذا بلغت النفس أو الروح التراقي، والترقوة :عظم بين ثغرة النحر والعاتق، ويكنى ببلوغ النفس التراقي عن الإشفاء على الموت. [٢٧] (وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ) أي: قال من حضر صاحبها: من يرقيه ويشفي برقيته؟ التمسوا له الأطباء فلم يغنوا عنه من قضاء اللّٰه شيئًا [٢٨] (وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ) أي قن الي لت وا ته التراقي أنها ساعة الفراق من الدنيا ومن الأهل والمال والولد. [٢٩] (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بالسَّاقِ) أي: التفت ساقه بساقه عند نزول الموت به، فماتت رجلاه ويبست ساقاه ولم نحملاه، وقد كان جوَّالًا عليهما، فالناس يجهزون جسده، والملائكة يجهزون روحه. [٣٠](إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ) أي: إلى خالقك [ تساق الأرواح بعدِ قبضها من الأجساد]. [٣١] (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلِّى) أي: لم يصدق بالرسالة ولا بالقران، ولا صلى لربه، فلا امن بقلبه ولا عمل ببدنه. [٣٢] (وَلَكِنْ كَذْبَ وَتَوَلَى) أي: كذب بالرسول وبم جاء به، وتولى عن الطاعِة والإيمان. [٣٣] ( ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى) أي: يتبختر ويختال في مشيته افتخارًا بذلك. أو يتثاقل ويتكاسل عن الداعي إلى الحق. [٣٥-٣٤] (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى. ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى) أي: وَلِيَكَ الويل، وأصله: أولاك اللّٰه ما تكرههِ، يتكرر عليك ذلك مرة بعد مرة. [٣٦] ( أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدَّى) أي: هملًا لا يؤمر ولا ينهى، ولا يحاسب ولا يعاقب. [٣٧] (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٌّ يُمْنَى) أي: ألم يك ذلك الإنسان من مني يراق في الرحم. [ ٤٠] (أَلَيْسَ ذَلِكَ) أي: أليس ذلك الذي أنشأ هذا الخلق البديع وقدر عليه بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى) أي: يعيد الأجسام بالبعث كما كانت عليه في الدنيا؟ فإن الإعادة أهون من الابتداء. تفسير سورة الإنسان [١] ( هَلْ أَتَّى عَلَى الْإِنْسَانِ) أي: قد أتى على الناس في شخص أبيهم آدم (حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) قيل: أربعون سنة قبل أن ينفخ فيه الروح، خلق من طين ثم من حمأ مسنون ثم من صلصال (لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) أي: قبل نفخ الروح. وقيل المعنى: قد مضت أزمنة وما كان آدم شيئًا ولا مخلوقًا ولا مذكوراً لأحد من الخليقة. [٢] (أَمْشَاج) نطفة الرجل ونطفة المرأة واختلاطهما، وقيل: الأمشاج الأخلاط؛ لأنها ممتزجة من أنواع [وعناصر] يخلق الإنسان منها وطباع مختلفة ( تَبْتَلِيهِ) أي: خلقناه مريدين صفحة 579 ابتلاءه، بالخير والشر وبالتكاليف (فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) [أي: ركبنا فيه الحواس ليعظم إدراكه فيمكن ابتلاؤه]. [٣] *إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ) أي: بينا له وعرَّفناه طريق الهدى والضلال والخير والشر، وعرفناه منافعه ومضاره التي يهتدي إليها بطبعه وكمال عقله، سواء كان شاكرًا أو كفورًا. [٤] (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلًا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا) أي: أعددناها لهم لنعذبهم بها، والغل: ما تغل به الأيدي إلى الأعناق، والسعير: الوقود الشديد. [٥] (كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا) أي: يخالطها وتمزج به، يكمل ريح الخمر وطعمها ويطيب. [٦] (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ) أي: يشربون منها الخمر، ويحتمل أن المعنى: يشربون خمرهم ممزوجة بماء تلك العين (يُفَجِّرُونَهَا تَفْحِيرًا) يشقونها شقًا كما يشق النهر ويفجر إلى هنا وهنا. يُوفُونَ بِالنَّذْرِ أي: أعطوا هذا الجزاء؛ لأنهم كانا يوفون بالنذر. وهو ما أوجبه الإنسان على نفسه لله من صلاة أو صوم أو ذبح أو غيرها مما لم يكن عليه واجبًا بالشرع (وَيَخَافُونَ يَوْمَا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا) المراد: يخافون يوم القيامة، استطار شر ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض، فانشقت السماء، وتناثرت الكواكب، والأرض دكت، ونسفت الجبال. [٨] (وَيُطْعِمُونَ الطّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) أي: يطعمون هؤلاء الثلاثة الأصناف الطعام على قلته عندهم، وحبهم إياه، وشهوتهم له، وقيل المعنى: يطعمون الطعام على حب الله. [٩] إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ) لا يتوقعون المكافأة، ولا يريدون ثناء الناس عليهم بذلك، عَلِمَهُ اللّٰه من قلوبهم فأثنى عليهم بذلك. [ ١٠](إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا) أي: تعبس فيه الوجوه من هوله وشدته (قَمْطَرِيرًا) أي: تنقبض فيه العيون والحواجب. وقيل القمطرير أشد ما يكون من الايام واطوله في البلاء. [١١ وَلَقَاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا)) أعطاهم بدل العبوس في الكفار نضرة في الوجوه وسرورًا في القلوب. والنضرة : البياض والنقاء في وجوههم من أثر النعمة. [١٣] (مُتَّكِثِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ) جزاهم جنة متكئين فيها على الأسرَّة التي عليها الكلل (لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا) لا يرون في الجنة حر ا! * . ولا برد الزمهرير. [١٤](وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا) سخرت ثمارها لمتناوليها تسخيرًا يتناولها القائم والقاعد والمضطجع، لا يرد أيديهم عنها بُعْد ولا شوك. [١٥] (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ) أي: تدور عليهم الخدم إذا أرادوا الشرب بآنية من فضة وكؤوس الفضة. ١٦](قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ) القوارير هي الزجاج، فالقوارير التي في الدنيا من الرمل، فأعلم اللّٰه فضل تلك القوارير أن أصلها من فضة يرى من خارجها ما في داخلها (قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا) فجاءت كما يريدون في الشكل المتقن لا تزيد ولا تنقص [١٧] (وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا ) الكأس :هو الإناء فيه الخمر، أي: ممزوجة بالزنجبيل. [١٨] (عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا ) السلسبيل في اللغة: اسم لماء في غاية السلاسة، شَدِيدَةُ الجرية، يسوغ في حلوقهم. [١٩] (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ» باقون على ما هم عليه من الشباب والطراوة والنضارة، لا يهرمون ولا يتغيرون، ولا يموتون (إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًّا مَورًا) لمزيد حسنهم وصفاء ألوانهم ونضارة وجوههم، *.... . .المشثور لأنهم سراع في الخدمة. صفحة 580 [٢٠] ( وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ) أي: وإذا رميت ببصرك هناك في الجنة (رَأَيْتَ نَعِيمًا) لا يوصف (وَمُلْكًا كَبِيرًا) لَا يُقَادَرُ قَدْرُهُ. [٢١] ( عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ) السندس و هو الحرير الرِقيق، والإستبرق: ما غلظ من الديباج (وَحُلّوا أسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ) وفي سورة فاطر (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَب) يلبس كل أحد منه ما تميل إليه نفسه من ذلك (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا) قال أبو قلابة وإبراهيم النخعي: يؤتون بالطعام، فإذا كان آخره أُتُوا بالشراب الطهور، فيشربون، فتضمر بطونهم من ذلك ويفيض عرق من أبدانهم مثل ريح المسك. [٢٢] (وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا) شكر اللّٰه سبحانه لعمل عبده هو قبوله لطاعته [وثناؤه عليه]. [٢٣] (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا)) أي: فرقناه في الإنزال وكم ننزله جملة واحدة، ولم تأت به من عندك كما يدّعيه المشركون. [٢٤] (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) أي: لا تطع أحدًا منهم، من مرتكب لإثم أو غالٍ في كِفِر [٢٥] (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) صلِّ لربك أول النهار وآخره، فأول النهار: صلاة الصبح، وآخره: صلاة العصر [٢٧] (إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ) وهي دار الدنيا (وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا) وهو يوم القيامة، وسمي ثقيلاً؛ لما فيه من الشدائد والأهوال، فهم لا يستعدون له ولا يعبأون به. [٢٨](وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ ) أي: شددنا أوصالهم بعضًا إلى بعض بالعروق والعصب (وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا) أي: لو شئنا لأهلكناهم وجئنا بأطوع لله منهم. [٣٠] وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ) أي: وما تشاءون أن تتخذوا إلى اللّٰه سبيلًا إلا أن يشاء الله، فالأمر إليه سبحانه ليس إليهم، والخير والشر بيده، فمشيئة العبد مجرَّدة لا تأتي بخير ولا تدفع شرًّا، إلا إن أذن اللّٰه بذلك. غسير سورة المرسلاا [١]وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا) إلى قوله: (فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا) يقسم اللّٰه تعالى بالملائكة يرسلها بالوحي إلى أنبيائه. تعصف لسرعة طيرانها وتنشر أجنحتها آتية بما يفرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام حتى توصل الوحي إلى الأنبياء. ٦٦] ( عُذْرًا أَوْ نُذْرًا) المعنى: أن الملائكة تلقي الوحي إعذارًا من اللّٰه إلى خلقه وإنذارًا من عذابه، وقيل: عذرًا للمحقين ونذرًا للمبطلين. [٨] (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ) أي: مُحِيَ نورها وذهب ضوؤها. [٩]( وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ) أي: فتحت وشقت. [١٠]( وَذَا الْحِبَالُ نُسِفَتْ) أي: قلعت من مكانها وطارت في الجو هباء فاستوى مكانها بالأرض. [١١] (وَإِذَا الرُّسُلُ أَقّتَتْ) جعل لها وقت للفصل والقضاء بينهم وبين الأمم. ١٢] (لِأَيِّ يَوْمِ أُجَّلَتْ) أي: ليوم عظيم يعجب العبادُ منه لشدته ومزيد اهواله ضُرِب الأجل للرسل لجمعهم، يحضرون فيه للشهادة على أممهم. [١٣] (لِيَوْمِ الْفَصْلِ) يفصل فيه بين الناس بأعمالهم فيُفَرَّقون إلى الجنة والنار. [١٤] (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ) أي: وما أعلمك بيوم الفصل؟ يعنى: أنه أمر هائل لا يقادر قدره. [١٦] (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ) الكفار من الأمم الماضية من لدن آدم إلى محمد واليه يعني بالعذاب في الدنيا حين كذبوا رسلهم. ١٧] (ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ) يعني: كفار مكة، ومن وافقهم حين كذبوا محماً ابَالايهِ صفحة 581 [٢٠] أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءِ مَهِينِ) أي: ضعيف حقير، وهو النطفة. [٢١] (فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ) أي: مكان حريز، وهو الرحم. [٢٢] إلى قَدَرِ مَعْلُوم؟ وهو مدة الحمل، وهي في حنس البشر تسعة أشهر [٢٣](فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) [أي: قدرنا أعضاءه وصفاته، وجعلنا كل حال من أحواله على الصفة التي أردنا، فنعم المقدِّر اللّٰه ]. [٢٦-٢٥] (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا. أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا) أي: حافظة لكم، أحياءً على ظهرها وأمواتًا في بطنها. [٢٧](وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا) أي: عذبًا، وهذا كله أعجب من البعث [٢٩] (انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) يقال لهم: سيروا إلى ما كنتم تكذبونٍ به من العذاب [٣٠] (انْطَلِقُوا إِلَى ظِلِّ ذِي ثَلَاثِ شُعَب) أي: إلى ظل من دخان جهنم قد سطع، ثم افترق ثلاث فرق. [٣١] (لَا ظَلِيل وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبَ) أي: ليس فيه برد ظلال الدنيا ولا يرد حر جهنم عنكم، تكونون فيه حتى يفرغ الحساب. [٣٢](إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ) أي: كل شرارة من شررها التي ترمي بها كالقصر من القصور في عظمها. [٣٣] {كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ) أي: ضخم كضخامة الجمال، وتسمي العرب سود الإبل صُفرًا، قيل: والشرر إذا تطاير وسقط وفيه بقية من لون النار أشبه شيء بالإبل السود. [٣٨] (هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ) أي: ويقال لهم: هذا يوم الفصل الذي يفصل فيه بين الخلائق، ويتميز فيه الحق من الباطل، جمعناكم يا معشر كفار قريش فيه مع الكفار الأولين من الأمم الماضية. [٣٩] (فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ) يقول: إن كان لكم حيلة فاحتالوا لأنفسكم [عَلَيَّ]. [٤٦] (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ) أي: يقال لهم هذا في الدنيا، والمجرمون هم المشركون بالله [والعصاة]. [٤٨] (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ) أي: وإذا أُمِروا بالصلاةِ لا يصلون. [٥٠] ( فَبِأَيِّ حَدِيثِ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) أي: فبأي حديث غير القرآن يصدِّقون إذا لم يؤمنوا به؟ ر سورة النبا [١] ( عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ) لما بعث رسول الله وا لِه و أخبرهم بتوحيد اللّٰه والبعث بعد الموت، وتلا عليهم القرآن، جعلوا يتساءلون بينهم، يقولون: ماذا حصل لمحمد، وما الذي أتى به؟ فأنزل اللّٰه هذه الآية. [٢] ( عَنِ النَّبِ الْعَظِيمِ ) هو ا . " ائل. وهو القرآن العظيم؛ لأنه ينبئ عن التوحيد، وتصديق الرسول، ووقوع البعث والنشور. [٣] (الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ) اختلفوا في القرآن، فجعله بعضهم سحرًا، وبعضهم شعرًا، وبعضهم كهانة، وبعضهم قال: هو أساطير الأولين. [٤] ( كَلَّا سَيَعْلَمُونَ) ردع لهم وزجر، أي: سيعلمون عاقبة تكذيبهم، ثم كرر الردع والزجر، فقال: [٥] (ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ) للمبالغة في التأكيد والتشديد. [٦] (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا) المهاد: الوطاء والفراش، كالمهد لِلصبي، وهو ما يمهد له فينوّم عليه. ٧]والْحِبَالَ أَوْتَادًا) أي: جعلناها كالأوتاد للأرض تسكن ولا تضطرب. [٨]وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا) أي: الذكور والإناث. [٩] (وَجَعَلَنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا) السبات: أن ينقطع عن الحركة [ليستريح]. والروحُ في البدن. ١٠]وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا) أي: نلبسكم ظلمته ونغشيكم بها كما يغشيكم اللباس. ١١٦] (وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا) مضيئًا ليسعوا فيما يقوم به معاشهم وما قسمه اللّٰه لهم من الرزق. صفحة 582 [١٢] (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا) يريد سبع سماوات قوية الخلق محكمة البناء. [١٣] (وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا) المراد به: الشمس، والوهج يجمع النور والحرارة. [١٤](وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ) هي السحاب التي ننعصر بالماء ولم تمطرٍ بعد، والثجاج: المنصبّ بكثرة. [١٥] (لِنُخْرِجَ بِهِ حَبَّا وَنَبَاتًا ) كالحنطة والشعير ونحوهما. والنبات ما تأكله الدواب من الحشيش وسائر النبات. [١٦] (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) أي: بساتين ملتفًا بعضها ببعض متشعب أغصانها. [١٧ ]{إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا) وقتًا وميعادًا للأولين والآخرين، يصلونَ فيه إلى ما وُعِدُوه من الثواب والعقاب. وسمي يوم الفصل؛ لأن اللّٰه يفصل فيه بين خلقه. ١٨] (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ) وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل (فَتَأْتُونَ) إلى موضع العرض (أَفْوَاجًا ) أي: زمرًا زمرًا. [١٩](وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ) لنزول الملائكة (فَكَانَتْ أَبْوَابًا) صارت ذات أبواب كثيرة. [٢٠]( وَسُيَّرَتِ الْحِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ) أي: سيرت عنِ أماكنها في الهواء، وقلعت عن مقارِّها، فكانت هباء منبثًا ظن الناظر أنِها سرِاب [٢١] {إِنّ جَهَنّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا ) يرصد فيه خزنة النار الكفار ليعذبوهِم فيها. [٢٢](لِلطّاغِينَ مَابًا) أي: مرجعًا يرجعون إليه. [٢٣] (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا) أي: ماكثين في النار ما دامت الدهور، والحقب: القطعة الطويلة من الزمان، إذا مضى حقب دخل آخر، ثم آخر ثم كذلك إلى الأبد. [٢٥](إِلَّا حَمِيمًا) وهو الماء الحار (وَغَسَّاقًا) وهو صديد أهل النار. [٢٦] (جَزَاءً وِفَاقًا) وافق العذاب الذنب، فلا ذنب أعظم من الشرك ولا عذاب أعظم من النار. وقد كانت أعمالهم سيئة، فأتاهم اللّٰه بما يسوؤهم. [٢٧] إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا ) أي: قد كانوا لا يطمعون في ثواب ولا يخافون من حساب؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث. [٢٩] (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا) كتبناه في اللوح المحفوظ. وقيل: أراد ما كتبه الحفظة على العباد من أعمالهم. [٣١] (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا) المفاز: الفوز والظفر بالمطلوب والنجاة من النار. [٣٣](وَكَوَاعِبَ) أي: لهم نساء كواعب، أي: أثداؤهن قائمة على صدروهن لم تتكسر، فهن عذارى نواهد (أَنْرَابًا) أي: متساويات في السن. [٣٤] (وَكَأْسَا دِهَاقًا) أي: مترعةٍ مملوءة بالخمر. [٣٥] (لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا) أي: لا يسمعون في الجنة لغوًا، وهو الباطل من الكلام، ولا يكذب بعضهم بعضًا. [٣٦] ( عَطَاءً حِسَابًا) أي: بقدر ما وجب لهم في وعد الرب سبحانه، فإنه وعد للحسنة عشرًا، ووعد لقوم سبعمائة ضعف، وقد وعد لقوم جزاء لا نهاية له ولا مقدار. [٣٧] (لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا) أي: لا يقدرون أن يبتدئوا الكلام معه إلا متى أذن لهم، ولا يملكون الشفاعة إلا بإذنه. [٣٨] (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّا) أي: مصطفِّين. والروح هنا: ملك من الملائكة، وقيل: هو جبريل، وقيل: الروح جند من جنود اللّٰه ليسوا ملائكة (إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ) بالشفاعة، أو لا يتكلمون إلا في حق من أذن له الرحمن (وَ) كان ذلك الشخص ممن (قَالَ) في الدنيا (صَوَابًا) أي: شهد بالتوحيد. [ ٣٩] (ذَلِكَ) يوم قيامهم على تلك الصفة هو (اليَوْمُ الْحَقُّ) أي: الكائن الواقع المتحقق ولا بد (فَمَنْ شَاءَ لتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَابا) أي: مرجعًا بالعمل الصال. صفحة 583 [٤٠] (يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) يشاهد ما قدمه من خير أو شر (وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا) يتمنى أن يكون ترابًا، لما يشاهده، مما أعده اللّه له من أنواع العذاب. فسير سورة النازعات [١] (وَالنَّازِعَاتِ) أقسم سبحانه بالملائكة التي تنزع أرواح العباد من أجسادهم كما ينزع النازع في القوس فيبلغ بها غاية المد (غَرْقًا) أي: إغراقًا في النزع حيث تنزعها من أقاصي الأجساد. [٢] (وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا) تنشط النفوس، أي: تخرجها من الأجساد جذباً بقوة، والنشط : جذب الدلو بالحبل. [٣] (وَالسَّابِحَاتِ)) الملائكة ينزلون من السماء مسرعين لأمر الله، يسبحون في الهواء كما يسبح الغواص في الماء. [٤](فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا) هي الملائكة التي تسبق إلى لنفيذ أمر الله، ومنه أن تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة. [٥] (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا) تدبير الملائكة لأَمْرٍ نزولها بالحلال والحرام وتفصيلهما، وبتدبير أهل الأرض في الرياح والأمطار وغير ذلك. [٦] (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاحِفَةُ) وهي النفخة الأولى التي بموت بها جميع الخلائق. ٧( تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ) الرادفة: النفخة الثانية التي يكون عندها البعث. [٨] (قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ) لما عاينت من أهوال يوم القيامة، فهي قلقة مستوفزة. [٩]{أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ)) تظهر في أعينهم الذلة والخضوع عند معاينة أهوال يوم القيامة، يريد أبصار من مات على غير الإسلام. [١٠] (يَقُولُونَ أَنِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ) هذا يقوله المنكرون للبعث إذا قيل لهم: إنكم تبعثون، أي: أنرد إلى أول حالنا وابتداء أمرنا، فنصير أحياء بعد موتنا، وبعد كوننا في حفر القبور؟ [١٢ ](قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةُ خَاسِرَةٌ) أي: إن رددنا بعد الموت لنخسرنَّ بما يصيبنا مما يقوله محمد. [١٣](فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ) وهي النفخة الثانية التي يكون البعث بها [لا نحتاج إلى فعل غير ذلك، لعظيم قدرتنا]. [١٤ ](فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ) قيل: الساهرة أرض بيضاء يأتي بها اللّٰه سبحانه فيحاسب عليها الخلائق. [١٥] ( هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُ. ) أي: قد جاءك وبلغك من قصص فرعون وموسى ما يعرف به حديثهما. [١٦] إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ) المبارك: المطهر (طُوَّى) [ هو الوادي في جبل سيناء الذي نادى الرب فيه موسى]. [١٨] ( فَقُلْ) له: (هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى) أي: قل له بعد وصولك إليه: هل لك رغبة إلى التزكي، وهو التطهر من الشرك؟ أُمِرَ موسى بِمُلَا يَنَتِهِ. [١٩] (وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى) أي: أرشدك إلى عبادته وتوحيده، فتخشى عقابه. والخشية لا تكون إلا من مهتد راشد. [٢٠] ( فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى) فقيل: هي العصا، وقيل: يده. [٢٢] (ثُمَّ أَدْبَرَ) أي: تولى وأعرض عن الإيمان (يَسْعَى) أي: يعمل بالفساد في الأرض، ويجتهد في معارضة ما جاء به موسى. [٢٣] (فَحَشَرَ) أي: فجمع جنوده للقتال والمحاربة، أو جمع السحرة للمعارضةِ، أو جمع الناس للحضور ليشاهدوا ما يقع. [٢٤] ( فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) أراد اللعين أنه لا رب فوقه. [٢٥] ( فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الآَخِرَةِ وَالْأُولَى) أي: أخذه اللّٰه فنكل به نكال الآخرة وه. عذاب النار، ونكال الأولى، صفحة 584 وهو عذاب الدنيا بالغرق، ليتعظ به من يسمع خبره. [٢٦] (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى ) أي: فيما ذكر من قصة فرعون وما فِعِل بهِ عيرة عظيمة لمن شأنه أن يخشى اللّٰه ويتقيه. [٢٧] (أأنتُمْ أشَدّ خَلّقًا أم السَّمَاءُ بَنَاهَا) أي: أخلقكم بعد الموت وبعثكم أشد في تقديركم أم خلق السماء؟ هذا الجرم العظيم، وفيها من عجائب الصنع وبدائع القدرة ما هو بيَّن للناظرين. [٢٨] ( رَفَعَ سَمْكَهَا) أي: جعلها كالبناء المرتفع فوق الأرض (فَسَوَّاهَا) فجعلها مستوية الخلق معدلة الشكل لا تفاوت فيها ولا اعوجاج، ولا فطور ولا شقوق. [٢٩] (وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا) أي: جعله مظلمًا (وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا) أي: أبرز نهارها المضيء بإضاءة الشمس. [٣٠](وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ) أي: بعد خلق السماء (دَحَاهَا) أي: بسطها. [٣١] (أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا) أي: فجر من الأرض الأنهار والعيون، وأخرج منها مرعاها، أي: النبات الذي يرعى. [٣٢] (وَالْحِبَالَ أَرْسَاهَا) وجعلها كالأوتاد للأرض لئلا تميد بأهلها. [٣٤] (فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى) أي: الداهية العظمى التي تطم على سائر الطامات، وهي النفخة الثانية التي تسلم أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار. [٣٦] (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى) أي: أظهرت إظهارًا لا يخِفى على أحد. [٣٧](فَأَمَّا مَنْ طَغَى) أي: جاوز الحد في الكفر والمعاصي. [٣٨] (وَاثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) أي: قدمها على الآخرة ولم يستعد لها ولا عمل عملها. [٣٩] ( فَنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى) [المكان الذي سيأوي إليه ليس له غيره]. [٤٠] (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ) أي: حَذِرَ من موقفه بين يدي ربه يوم القيامة (وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى) أي: زجرها عن الميل إلى المعاصي والمحارم التي تشتهيها. [٤١] (فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) الذي ينزله، والمكان الذي يأوي إليه لا غيرها. [٤٢] (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا)) أي: متى وصولها ووقوعها؟ كرسوَّ السفينة. [٤٣] (فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا) أي: لست في شيء من علمها وذكرها إنما يعلمها اللّٰه سبحانه. [٤٤] (إِلَى رَبِّكَ مُنْهَاهَا) منتهى علمها، فلا يعلمها غيره. [٤٥] (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا) أي: مخوِّف لمن بخشى قيام الساعة. [٤٦] (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) أي: إلا قدر آخر نهار أو أوله، أو قدر الضحى فسير سورة عبس [١] ( عَبَسَ وَتَوَلَّى) أي: كلح النبي وَالِله بوجهه وأعرض. [٢] (أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى) أي: بسبب مجيء الأعمى إليه. سبب نزول السورة أن قومًا من أشراف قريش كانوا عند النبي وَالاعه و قد طمع في إسلامهم، فأقبل إليه رجل أعمى وهو عبد اللّٰه بن أم مكتوم وكان من خيار الصحابة، فكره رسول وَالحيحي أن يقطع عليه ابن أم مكتوم كلامه، فأعرض عنه، فنزلت. [٣] (وَمَا يُدْرِيكَ) يا محمد (لَعَلُّهُ يَزَّكَّى) أي: لعل الأعمى يتطهر من الذنوب بِالعمل الصالح بسبب ما يتعلمه منك. [٤] (أَوْ يَذَّكَّرُ) أي: يتذكر فيتعظ بما تعلمه من المواعظ (فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى) أي: الموعظة. [٦] (فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى) [أي: تقبل عليه بوجهك وحديثك وهو يظهر الاستغناء عنك والإعراض عما جئت بها. [٧] (وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى) أي: أي شيء عليك في ألا صفحة 585 يسلم ولا يهتدي، فإنه ليس عليك إلا البلاغ، فلا تهتم بأمر من كان هكذا من الكفار. [٨] (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى) أي: وصل إليك مسرعًا في المجيء طالبًا منك أن ترشده إلى الخير وتعظه بمواعظ الله. [ ١٠] ( فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) أي: تتشاغل عنه وتعرض وتتغافل. ١١](كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةُ) أي: إن هذه الآيات، أو السورة موعظة حقها أن تتعظ بها وتقبلها وتعمل بموجبها. [١٣] (فِي صُحُفٍ) أي: إنها تذكرة كائنة في صحف (مُكَرَّمَةٍ) مكرمة عند اللّٰه لما فيها من العلم والحكمة، أو لانها نازلة من اللوح المحفوظ. [١٤] (مَرْفُوعَةٍ) رفيعة القدر عند اللّٰه (مُطَهَّرَةٍ) أي: منزهة لا يمسها إلا المطهرون، مصونةٍ عن الشياطين والكفار. [١٥]( بِأَيْدِي سَفَرَةٍ) السفرة هنا الملائكة الذين يسفرون بالوحي بين اللّٰه ورسوله، من السفارة، وهي السعي بين القوم. [١٦](كِرَامِ) أي: كرام على ربهم (بَرَرَةٍ) أي: أتقياء مطيعون لريم، صادقون في إيمانهم. [١٧ ](قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) أي: لُعِن الإنسان الكافر ما أشد كفره. [١٨ ] (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) أي: من أي شيء خلق اللّٰه هذا الكافر؟ ١٩] (مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ) أي: من ماء مهين، فكيف يتكبر من خرج من مخرج البول مرتين؟ (فَقَدَّرَهُ) أي: فسوَّاه وهيأه لمصالح نفسه، وخلق له اليدين والرجلين والعينين وسائر الآلات والحواس. [ ٢٠] (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) أي: يسَّر له الطريق إلى حصيل الخير أو الشر: [٢١] (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) أي: جعله ذا قبر يوارى فيه إكرامًا له، ولم يجعله مما يلقى على وجه الأرض تأكله السباع والطيور. [٢٢] (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ) أي: أحياه بعد موته، في الوقت الذي يريده اللّٰه تعالي. [٢٣] (كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ)) بل أخل به بعضهم بالكفر، وبعضهم بالعصيان، وما قضى ما أمره اللّٰه إلا القليل. [٢٤] (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) أي: لينظر كيف خلق اللّٰه طعامه الذي جعله سببًا لحياته؟ [٢٦] (ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا) [ فتنصدع عن الحب أول ما ينبت، مع صغره وضعفه عن شقها ]. [٢٧]( فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبَّا) يعني: الحبوب التي يتغذى بها، والمعنى: أن النبات لا يزال ينمو ويتزايد إلى أن يصير حبًّا. [٢٨] (وَقَضْبًا) هو القت الرطب الذي تعلف به الدواب. [٣٠] (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) هي النخل الكرام الغلاظ الجذوع. ٣١]وَفَاكِهَةً وَأَبَّا) الأب: كل ما أنبتت الأرض مما لا يأكله الناس ولا يزرعونه من الكلأ وسائر أنواع المرعى. [٣٣] (فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ) يعني صيحة يوم القيامة التي تصخ الأذان، أي: تصمها فلا تسمع : [٣٦-٣٤](يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ. وَأَمَّهِ وَأَبيهِ. وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ وهؤلاء أخص القرابة، وأولاهم بالحنو والرأفة، فالفرار منهم لا يكون إلا لهولٍ عظيم، وخطب فظيع [٣٧] (لِكُلِّ امْرِئ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأَنَّ يُغْنِيهِ) يشغله عن الأقرباء ويصرفه عنهم، ويفر عنهم حذرًا من مطالبتهم إياه بما بينهم، ولئلا يروا ما هو فيه من الشدة. [٣٨] (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ) مشرقة مضيئة. [٤٠] (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ) أي: غبار وكدورة. [٤١] (تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ) يغشاها سواد وكسف وشدة. [٤٢] (أَولَئِكَ) يعني أصحاب الوجوه المغبرَّة (هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) الفجرة ه . ااة اسقون الكاذبون. صفحة 586 تفسير سورة التكوير ١] (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) كوِّرت: جُعِلَت مثل شكل الكرة، تلَفّ فتُجمع فيرمى بها. [٢] وَإِذَا النَّجُومُ انْكَدَرَتْ) أي: تهافتت وتناثرت، وقيل: طمس نورها. [٣] ( وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ) أي: سُيِّرت بعد نسفها في الهواء. [٤] (وَإِذَا الْعِشَارُ عُطَلَتْ) العشار: النوق الحوامل التي في بطونها أولادها، وخص العشار لأنها أنفس مال عند العرب. ومعنى عطلت: تركت هملًا بلا راع؛ وذلك لما شاهدوا من الهول العظيم. [٥] (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) بُعِثَت حتى يقتصر لبعضها من بعض، وقيل: حشرها: موتها. [٦]( وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) أي: أو قدت فصارت نارًا تضطرم. [](وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ) أي: قرنت نفوس المؤمنين بالحور العين، ونفوس الكافرين بالشياطين. وقال الحسن: ألحق كل امرئ بشيعته: اليهود باليهود، والنصارى بالنصارى، والمجوس بالمجوس، والمنافقون بالمنافقين، ويلحق المؤمنون بالمؤمنين. [٩-٨] (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ. بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ)) كانت العرب إذا ولدت لأحدهم بنت دفنها حية مخافة العار أو الحاجة، يوبخ قاتلها بسؤالها؛ لأنها قتلت بغير ذنب فعلته. [١٠]( وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ) كتب الأعمال نشرت للحساب. [١١]( وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ) أي: تشققت وأزيلت. [١٢] (وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ) سعَّرها غضب اللّٰه وخطايا بني آدم. [١٣ ] ( وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ) قربت إلى المتقين وأدنيَت منهم. قيل: هذه الأمور الاثنا عشر: ست منها في الدنيا، وهي من أول السورة إلى قوله: (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) وست في الآخرة: (وَإِذَا النَّفُوِسُ زُوِّجَتْ) إلى هنا. [١٤] (عَلِمَتْ نَفْسُ مَا أَحْضَرَتْ) المراد: علمت كل فس ما أحضرته عند نشر الصحف، من خير أو شر ١٥] ( فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ) يقسم اللّٰه تعالى بالكواكب التى تخنس بالنهار فتختفي تحت ضوء الشمس ولا ترى. ١٦]( الْجَوَارِ) تجري في أفلاكها ( الْكُنَّسِ) تختفي في وقت غروبها، والكَنَس مأخوذ من الكِنَاس الذي يختفي فيه الوحش من غزالِ أو غيره. [١٧]«وَالليْلِ إِذَا عَسْعَسَ ) أي: أدبر وانتهت ظلمته. [١٨] «وَالصَّبْحِ إِذَا تَنَفْسَ) أي: أقبل بروح ونسيم. [١٩] إنَّهُ) أي: القرآن ( لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيم) يعني: جبريل لكونه نزل بالقرآن من جهة اللّٰه د ١١ ٨:l ، رسول الله وَالحيّ [٢٠] (ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ) أي: هو ذو قدرة عالية ومكانة مكينة عند اللّٰه سبحانه. [٢١] (مُطَاعِ ثَمَّ أمِينٍ) مطاع هناك بين الملائكة يرجعون إليه ويطيعونه، مؤتمن على الوحي وغيره. [٢٢] (وَمَا صَاحِبْكُمْ بِمَجْنُونٍ) ذكر محمدًا لَل يهِ بو صف الصحبة للإشعار بأنهم عالمون بآمره وبأنه أعقل الناس وأكملهم. [٢٣] (وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأَفُقِ الْمُبِينِ) أي: قد رأى محمد جبريل في صورته، له ستمائة جناح. قال مجاهد: رآه نحو أجياد، وهو مشرق مكة. ٢٤](ما ه) أي: محمد لَا يِ ( سَلَى الْغَيْبِ) يعني: خبر السماء (بِضَنِينِ) لا يبخل بالوحي، ولا يقصر في التبليغ، بل يعلِّم الخلقُّ كلامِ اللّٰه وأحكامه. [٢٥] (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ) أي: وما القرآن بقول شيطان من الشياطين المسترقة للسمع المرجومة بالشهب. [٢٦] (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) أيَّ طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بينت لكم [٢٧] (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) أي: ما القرآن إلا موعظة للخلق أجمعين وتذكير لهم. صفحة 587 [٢٩] إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) أي: وما تشاءون الاستقامة ولا تقدرون على ذلك إلا بِمَشِيئَةِ اللّٰه وتوفيقه. تفسير سورة الانفطار [١] (إذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ) تشققت لنزول الملائكة. [٢] (وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ) أي: تساقطت متفرقة. [٣] (وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ) قيل المراد: فجر بعضها في بعض فصارت بحرًا واحدًا [أو: انفجارها كانفجار البراكين]. وهذا قبل قيام الساعة كما تقدم في السورة التي قبل هذه. [٤](وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ) قُلِبِ ترابها، وأخرِج الموتى منها. [٥] (عَلَمَتْ نَفْسُ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ) علمت عند نشر الصحف ما قدمت من عمل خير أو شر، وما أخرت من حسنة أو سيئة. [٦](يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) أي: ما الذي غرَّك وخدعك حتى كفرت بربك الكريم. قيل: غره عفو اللّٰه إذ لِم يعاجله بالعقوبة. [٧] ( الَّذِي خَلَقَكَ) من نطفة ولم تك شيئًا ( فَسَوَّاكَ) رجلًا تسمع وتبصر وتعقل (فَعَدَلَكَ) جعلك معتدلاً قائمًا حسن الصورة، وجعل أعضاءك متعادلة متناسبة. [٨] (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) أي: ركبك في الصورة التي شاءها مِن الصور المختلفة، وأنت لم تختر صورة نفسك. [٩] (كَلَّا) للردع والزجر عنِ الاغترار بكرم اللّٰه وجعله ذريعة إلى الكفرِ به (بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ) وهو الجزاء. [١٢] (يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) يقول: إنكم تكذبون بيوم الدين وملائكة اللّٰه موكلون بكم، يكتبون أعمالكم وأقوالكم حتى تحاسبوا بها يوم القيامة. [١٥] (يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ) أي: يوم الجزاء الذي كانوا يكذبون به، يلزمونها مقاسين لوهجها وحرها يومئذ. [١٦] (وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ) أي: لا يفارقونها أبدًا ولا غيبون عنها، بل هم فيها أبَدَ الآبدين [١٨] ثمَّ مَا أدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدَينِ) أي: يوم الجزاء والحساب، كرره تعظيمًا لقدره وتفخيمًا لشأنه، وتهويلاً لأمره. [١٩] ( يَوْمَ لَا تَمْلِكَ نَفْسٌ لِنَفْسِ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذِ لِلهِ أي: ليس هناك أحد يقضي أو يصنع شيئًا، إلا اللّٰه رب العالمين، والله لا يُمَلِّك أحدًا في ذلك اليوم شيئًا كما ملَّكَهم في الدنيا. تفسير سورة المطففين عن ابن عباس قال: لما قدم النبي قاية المدينة كانوا من أخبث الناس كيلًا، فأنزل اللّٰه (وَيْلٌ لِلْمُطَفَفِينَ) فأحسنوا الكيل بعد ذلك. ١(وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) التطفيف: النقص من الكيل أو الوزن شيئًا طفيفًا، أي: نزرًا حقيرًا، وربما كان لأحدهم صاعان يكيل للناس بأحدهما ويكتال لنفسه بالآخر. [٢] (الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ) يعني: الذين إذا اشتروا لأنفسهم استوفوا في الكيل والوزن. [٣] (وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) أي: وإذا كالوالغيرهم من الناس ينقصون الكيل، وإذا وزنوا لغيرهم من الناسِ ينقصون الوزن. [٤] (أَلَا يَظُنُ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ) المعنى: أنهم لا يخطرون ببالهم أنهم مبعوثون فمسؤولون عما يفعلون، أفلا ظنوه حتى يتدبروا فيه ويبحثوا عنه، ويتركوا ما يخشون من عاقبته [٦] (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) يقومون واقفين منتظرين لأمر رب العالمين، أو لجزائه، أو لحسابه، دلالة على عظم ذنب التطفيف، ومزيد إثمه وفظاعة عقابه [وذلك لما فيه من خيانة الأمانة، وأكل حق الغير]. [٧] ( كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ) أي: إن الفجار ومنهم المطففون مكتوبون في سجا أها اآنار، أو: في حبس وضيق. صفحة 588 [٩] ( كِتَابٌ مَرْقُومٌ) أي: ذلك الكتاب الذي رصدت فيه أسماؤهم كتاب مسطور. وقيل: سجين هي في الأصل سجيل، مشتق من السجل، وهو الكتاب. (١٢ ] (وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمِ) أي: فاجر جائر متجاوز في الإثم منهمك في أسبابه. [١٣](إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا) المنزلة على محمد لاليه ( قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) أي: أحاديثهم وأباطيلهم التي سطروها في كتبهم. ١٤] كَلّا) للردع والزجر لِلْمُعْتَدِي الأَثْيم عن ذلك القول الباطل وتكذيب له (بَلْ رَانَ عَلَى قَلَوْبِهِمْ مَا كَانُوا تَكْسِبُونَ ) كثرت منهم المعاصي والذنوب فأحاطت بقلوبهم، فذلك الرين عليها. أخرج الترمذي وصححه عن أبي هريرة عن النبي وَا يه قال: ((إن العبد إذا أذنب ذنبًا نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن عاد زادت حتى تغلف قلبه، فذلك الرانَ الذي ذكره اللّٰه سبحانه في القرآن». [١٥] ( كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) عن ربهم يوم القيامة، لا ينظرون إليه كما ينظر المؤمنون، فكما جبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الاخرة عن رؤيته. ١٦] (ثُمّ إِنَّهُم لَصَالُو الْجَحِيم أي ن الن ثم يذوقون حرها. [١٨] لَفِي عِلَّيِّينَ) [أي: إنهم مكتوبون في أهل عليين ] وهي الجنة، أو أعالي الجنة، والأبرار هم المطيعون. ١٩٦] (وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلَّيُّونَ) أي: وما أعلمك يا محمد أي: شيء عليون، على جهة التفخيم والتعظيم لعليين. ٢٠] (كِتَابٌ مَرْقُومٌ) أي: الكتاب الذي فيه أسماؤهم كتاب مسطور. [٢١] (يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ) المعنى: أن الملائكة يحضرون ذلك الكتاب المرقوم ويرونه، وقيل: يشهدون بما فيه يوم القيامة. [٢٣](عَلَى الْأَرَائِكِ) الأرائك: الأسرة التي في الحجال، وهي الكِلَل (يَنْظُرُونَ) إلى ما أعد اللّٰه لهم من الكرامات، وقيل: ينظرون إلى وجهه جل جلاله. [٢٤] (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النِّعِيم) إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعمة، لما تراه في وجوَههم من النور والحسن والبياض، والبهجة والرونق. [٢٥](يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُوم) الرحيق: من الخمر ما لا غش فيه ولا شيء يفسده، والمختوم الذي له ختام، فهو ممنوع من أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه للأبرار. [٢٦] (خِتَامُهُ مِسْكٌ) أي: آخر طعمه ريح المسك: إذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه وجد ريحه كريح المسك، وقيل: مختومة أوعيته بمسك (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) أي: فليرغب الراغبون، والتنافس التشاجر على الشيء والتنازع فيه، فيريده كل واحد لنفسه، وينفس به على غيره: أي يضنّ به. [٢٧] (وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمِ) أي: ويمزج ذلك الرحيق من تسنيم، وهو شراب ينصب عليهم من علو، وهو أشرف شراب الجنة. [٢٨] (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) أي: يسقون الرحيق من عين التسني م يمزجون بها كؤوسهم. [٢٩](إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا) وهم الكفرة (كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ) يستهزئون بالمؤمنين، ويسخرون منهم. [٣٠] (وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ) من الغمز، وهو الإشارة بالجفون والحواجب، يعيرونهم بالإسلام ويعيبونهم به. [٣١] وَإِذَا انْقَلَبُوا ) أي: رجع الكفار (إِلَى أَهْلِهِمُ) من مجالسهم (انَّقَلَبُوا فَكِهِينَ) أي: معجبين بما هم فيه متلذذين به، يتفكهون بالطعن في المؤمنين، والاستهزاء بهم. [٣٣] (وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ) لم يرسلوا على صفحة 589 المسلمين من جهة الله موكلين بهم يحفظون عليهم أعمالهم. ٣٤] ( فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ) بضحكون من الكفار حين يرونهم أذلاء مغلوبين، كما ضحك الكفار منهم في الدنيا. [٣٥] (عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ) أي: ينظرون إلى أعداء الله، وهم يعذبون، والمؤمنون متنعمون على الأرائك. [٣٦] (هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) أي: قد وقع الجزاء للكفار بما كان يقع منهم في الدنيا من الضحك من المؤمنين والاستهزاء بهم. تفسير سورة الأنشقاق [١] (إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) انشقاقها من علامات القيامة. ٢] { وَأَذِنَتْ لِرَبَّهَا ) أي: أطاعت ربها واستمعت لما يأمرها به (وَحُقَّتْ) أي: وحق لها أن تطيع وتنقاد وتسمع. [٣] (وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ) أي: بسطت، ودكت جبالها، حتى صارت قاعًا صفصفًا [٤] (وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا) أي: أخرجت ما فيها من الأموات وطرحته عن ظهرها (وَتَخَلَّتْ) أي: تبرأت منهم وتخلت عنهم إلى اللّٰه لينفذ فيهم أمره. [٦] (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ) المراد: جنس الإنسان، فيشمل المؤمن والكافر (إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا) المعنى: إنك ساع إلى لقاء ربك ( فَمُلَاقِيهِ) أي: أنك سوف تلاقي ربك بعملك. [٧] ( فَأمَّا مَنْ أَوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ) وهم المؤمنون، يعطون الصحف التي فيها بيان ما لهم من الأعمال بأيمانهم. [٨] (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا) هو أن تعرض عليه سيئاته، ثم يغفرها اللّٰه من غير أن يناقشه الحساب. في الصحيحين عن عائشة، قالت: قال النبي وَافرة. (من نوقشِ لحساب عذب) قالت: فقلت أليس اللّٰه يقول (فَسَوْف يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا) قال: «ليس ذلك الحساب، ولكن ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عُذِب)). [٩]( وَيَتْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ) أي: الذين هم في الجنة من الزوجات والحور العين ( مَسْرُورًا) مبتهجًا بما أوتي من الخير والكرامة. [١٠] (وَأَمَّا مَنْ أَوْتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ) أي: لأن يمينه مغلولة إلى عنقه، وتكون يده اليسرى خلفه، وهم الكفار والعصاة. [١١] ( فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا) أي: إذا قرأ كتابه قال: يا ويلاه! يا ثبوراه! والثبور: الهلاك. [١٢] (وَيَصْلَى سَعِيرًا) أي: يدخلها ويقاسي حرنارها. [١٣] (إِنّهُ كَانَ فِي أهْلِهِ مَسْرُورًا) باتباع هواه وركوب نهوته بَطِرًا أشِرًا؛ لعدم خطور الاخرة بباله. [١٤] (إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ) ظن أنه لا يرجع إلى اللّٰه للجزاء . [١٥] (بَلَى) أي: بلى سوف يرجع (إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا) أي: كان اللّٰه به وبأعماله عالمًا لا يخفى عليه منها خافية. [١٦] ( فَلَا أَقْسِمُ بِالشَّفَقِ) يقسم اللّٰه تعالى بالحمرة التي تكون بعد غروب الشمس إلى وقت صلاة العشاء الاخرة. [١٧]وَاللَيْلِ وَمَا وَسَقَ) أي: ما جمع وحمل، فإنه جمع وضم ما كان منتشرًا بالنهار في تصرفه، وذلك أن الليل إذا أقبل أوى كل شيء إلى مأواه. [١٨](وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ) تكامل في منتصف الشهر القمري. [١٩ ] ( لَتَرْكَبُّنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقِ) أي: حالًا بعد حال، من الغنى والفقر، والموت والحياة [ودخول الجنة أو النار]. [٢٠] (فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) بالقرآن مع وجود موجبات الإيمان بذلك. [٢١] (وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ) أي: أي مانع لهم من سجودهم وخضوعهم عند قراءة القرآن. وقيل المراد: لا يفعلون السجود المعروف بسجود التلاوة، إذا قرئت الآية التي فيها سجدة. [٢٢] (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ) أي: يكذبون بالكتاب صفحة 590 المشتمل على إثباتِ التوحيد والبعث والثواب والعقاب. [٢٣] (وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ) أي: بما يضمرونه في أنفسهم من التكذيب. [٢٤] (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) جعله بشارة تهكمًا بهم. [٢٥] (لَهُمْ أَجْرُ غَيْرُ مَمْنُونٍ) لا يمن عليهم به. مسير سورة البروج [١] (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ) أي: منازل الكواكب، وهي اثنا عشر برجًا لاثني عشر كوكبًا. [٢] (وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ) أي: الموعود به، وهو يوم القيامة. [٣] (وَشَاهِدٍ) من يشهد في ذلك اليوم من الخلائق (وَمَشْهُوْدٍ) [ما يشهد به الشاهدون على المجرمين، من الجرائم الفظيعة التي فعلوها بالشهود أنفسهم، وهم كل من قتل في سبيل الله، كما في قصة أصحاب الأخدود الآتي ذكرها، والله عليهم شهيد أيضًا كما يأتي بعد ذلك ]. [٤] (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ) أي: لعنوا. وهم أحد ملوك الكفار وجنده، لما امن بعض رعيته شقوا لهم الأخدود، وأضرموا فيه النار فألقوهم في النار فاحترقوا والملك وأصحابه ينظرون. والقصة مطولة فانظرها في صحيح مسلم (٢٢٩٩/٤). [٥] ( النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ) الوقود: الحطب الذي توقد به. [٦] (إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ) أي: لعنوا حين أحدقوا بالنار قاعدين على الكراسي عند الأخدود. ٧](وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ) من عرضهم على النار ليرجعوا إلى دينهم (شُهُودٌ) يشهدون على أنفسهم بما علوا يوم القيامة، ثم تشهد عليهم السنتهم وأيديهم وأرجلهم. [٨] • وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ) أي: إلا أنهم صدقوا بالله الغالب المحمود في كل حال، ما أنكروا عليهم ذنبًا إلا إيمانهم. [٩] (وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)) من فعلهم بالمؤمنين لا خفى عليه منه خافية، وفي هذا وعيد شديد لأصحاب الأخدود، ووعد خير لمن عذبوه على دينه من أولئك المؤمنين. [١٠](إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) أي: أحرقوهم بالنار، ولم يجعلوا لهم خيارًا في ذلك إلا أن يكفروا بالله، محنوهم في دينهم ليرجعوا عنه وثَمَّ لَمْ يَتُوبُوا) من قبيح منعهم ويرجعوا عن كفرهم وفتنتهم {وَلَهُمْ عَذْابُ الحَرِيقِ) بسبب الحرق الذي وقع منهم للمؤمنين. [١٢] (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ) أخذه للجبابرة والظلمة ( لَشَدِيدٌ) قد تضاعف وتفاقم. [١٣](إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعدُ) خلق الخلق في الدنيا ويعيدهم أحياء بعد الموت. ١٤] (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ) أي: بالغ المغفرة لذنوب عباده المؤمنين لا يفضحهم بها، بالغ المحبة للمطيعين من أوليائه. [١٥]( ذُو الْعَرْشِ) أي: هو تعالى صاحب العرش العظيم، والمجدِ هو النهاية في الكرم والفضل. [١٧ ]( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ) أي: قد أتاك يا محمد خبر الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم التي تجمع لهم الأجناد لقتالهم،، وحديثهم قصة أخذ اللّٰه لهم. [١٩] (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ) أي: بل هؤلاء المشركون من العرب في تكذيب شديد لك، ولما جئت به، ولم يعتبروا بمن كان قبلهم من الكفار. [٢٠] (وَاللهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطَ ) أي: يقدر على أن ينزل بهم مثل ما أنزل بأولئك. [٢١] (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ) أي: متناه في الشرف والكرم والبركة، وليس هو كما يقولون إنه شعر وكهانة وسحر. [٢٢] (فِي لَوْحِ مَحْفُوظِ ) أي: مكتوب في لوح، وهو أم الكتاب، محفوظ عند اللّٰه من وصول الشياطين إليه. صفحة 591 تفسير سورة الطارق [١] (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ) يقسم اللّٰه بالسماء والطارق، والطارق: الكوكب، وسمي طارقًا؛ لأنه يأتي بالليل ويختفى بالنهار، وما آتاك ليلاً فهو طارق. مُ الثَّاقِبُ* الثاقب: المضيء [الشديد [٣] النّجُ الإضاءة كانه يخترق بشدة ظلمة الليل]. [٤] (إِنْ كُلّ نَفْسِ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظَ) هذا جواب القسم: أي ما كل نفس إلا عليها حافظ، وهم الحفظة من الملائكة الذين يحفظون على كل نفس قولها وفعلها، ويحصون ما تكسب من خير وشر. [٦] ( خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِق) أي: مصبوب في الرحم. وهو ماء الرجل وماء المرأة؛ لأن الإنسان مخلوق منهما، لكن جعلهما ماء واحدًا لامتزاجهما. [٧] (يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) قيل المراد: صلب الرجل، وترائب المرأة، والترائب موضع القلادة من الصدر، والولد لا يكون إلا من الماءين، وقيل: المراد: بخرج من جميع أجزاء البدن.. [٨] (إنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ) أي: إعادته بالبعث بعد الموت. [٩] ( يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) أي: تختبر وتعرف، والسرائر: ما يسر في القلوب من العقائد والنيات وغيرها، فعند ذلك يتميز الحسن منها من القبيحِ. [١٠] ( فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ) أي: فما للإنسان من قوة في نفسه يمتنع بها عن عذاب الله، ولا ناصر ينقذه مما نزل به. [١١] {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ) الرجع: المطر؛ لأنه يجيء ويرجع ويتكرر. [١٢] (وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ) هو ما تتصدع عنه الأرض من النبات والثمار والشجر [١٣ ](إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ) أي: إن القرآن لقول يفصل بين الحق والباطل. [١٥] (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا) أي: يمكرون في إبطال ما جاء به رسول اللّٰه وَلِيّي من الدين الحق. [١٦ ] (وَأَكِيدُ كَيْدًا) أي: أستدرجهم من حيث لا بعلمون، وأجازيهم بمكرهم مكرًا أشد. ١٧](أَمْهِلْهُمْ) الإمهال: الإنظار (رُوَيْدًا) أي: أمهلهم إمهالًا قريبًا أو قليلا. تفسير سورة الأعلى [١](سَبَّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) أي: نزِّهه عن كل ما لا بليق به بقولك: ((سبحان ربي ا٧م١ )). [٢] (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى) خلق الإنسان مستويًا، فعدل قامته [وسوي فهمه] وهيأه للتكليف. [٣] (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) المعنى: قدر أجناس الأشياء، وأنواعها، وصفاتها، وأفعالها، وأقوالها، وآجالها، فهدى كل واحد منها إلى ما يصدر عنه وينبغي له. [٥] (فَجَعَلَهُ غُثَاءً) أي: فجعله -بعد أن كان أخضر - غثاء، أي: هشيمًا جافا (أحْوَى) أي: أسود بعد اخضراره، وذلك أن الكلأ إذا يبس اسود. [٦](سَنُقْرِئُكَ) القرآن فَلَا تَنْسَى) ما تقرؤه. كان النبي ام إذا نزل عليه جبريل بالوحي لم يفرغ جبريل من اخر الاية حتى يتكلم النبي وَالِفي بأولها مخافة أن ينساها، فِنزلت: ( سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَىِ) فألهمه اللّه وعصمه من نسيان القرآن. (إلّا مَا شاءَ اللهُ) أن تنساه (إِنّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ) أي: يعلمِ ما ظهر وما بطن. ٨] (وَنْيَسِّرُكَ لِليُسْرَي) أي: نهون عليك عمل الجنة ٥] (فَذَكَرْ إِنْ نَفَعَتِ الذَكْرَى* أى: عظ يا محمد الناس ب أوحينا إليك، وأَرشدهم إلى سبل الخير، واهدهم إلى شرائع الدين. [ وذلك حيث نفعت الذكرى، فأما من ذُكِّرَ ويُيَنَ له صفحة 592 الحق بجلاء، فاتبع هواه وأصر على العصيان فلا حاجة إلى تذكيره. وهذا في تكرير الدعوة، فأما الدعاء الأول فعام]. [١٠](سَيَذّكَّرُ مَنْ يَخْشَى) أي: سيتعظ بوعظك من بخشى اللّٰه فيزداد بالتذكير خشية وصلاحًا. [١١] (وَيَتَجَنّبُهَا الْأَشْقَى) أي: ويتجنب الذكرى ويبعد عنها الأشقى من الكفارِ . [١٢] (الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى) أي: العظيمة الفظيعة، والنار الصغرى نار الدنيا. [١٣ ] (ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا) فيستريح مما هو فيه من العذاب (وَلَا يَحْيَا)) حياة ينتفع بها. [١٤ ] (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى) أي: من تطهر من الشرك، فآمن بالله ووحده وعمل بشرائعه. [١٥] وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ) قيل المعنى: ذكر اسم ربه بلسانه (فَصَلِّى) أي: فأقام الصلوات الخمس. [١٨ ] (إِنَّ هَذَا) وهو ما تقدم من فلاح من تزكى وما بعده (لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى) أي: ثابت فيها. [١٩]( صُحُف إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) تتابعت كتب اللّٰه وعجَل أن الآخرة خير وأبقى من الدنيا. تفسير سورة الغاشية [١] (هَلْ أَنَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) أي: قد جاءك يا محمد حديث القيامة، سميت الغاشية لأنها تغشى الخلائق بأهوالها. [٢] (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ٪) أي: إن الناس يكونون يوم القيامة فريقين: الأول وجوههم ذليلة خاضعة لما هي فيه من العذاب، وقيل: أراد وجوه اليهود والنصارى على الخصوص. [٣] (عَامِلَةُ نَاصِبَةٌ) كانوا يتعبون أنفسهم في العبادة وينصبونها، ولا أجر لهم عليها، لما هم عليه من الكفر والضلال. [٥] ( تُسْقَى مِنْ عَيْنِ آنِيَةٍ) شديدة حرارة مائها. [٦] (لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيع) هو نوع من الشوك يقال: له الشبرق في لسان قريش إذا كان رطبًا، فإذا يبس فهو الضريع. ٨] وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ) أي: ذات نعمة وبهجة، وهي وجوه أصحاب الفريق الثاني، لما شاهدوا من عاقبة أمرهم. [٩] (لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ)) أي: لعملها الذي عملته في الدنيا راضية؛ لأنها قد أعطيت من الأجر ما أرضاها. [١٥] (وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةً)) وسائد مصفوفة بعضها إلى بعض. ١٦] (وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ) الزرابي: الطنافس التي لها خمل رقيق، مفرقة في المجالس كثيرة. [١٧] { أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) على ما هي عليه ٠. تها، وبديع أوصافها. من الخلق البديع، من عظم جثتها [١٨] (وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ) فوق الأرض بلا عمد على وجه لا يناله الفهم ولا يدركه العقل. [١٩] (وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ) أي: رفعت على الأرض، مُرْسَاةً راسخة لا تميد ولا تميل ولا تزول. [٢١] ( فَذَكِّرْ) أي: فعظهم يا محمد وخوِّفهم (إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ) أي: ليس عليك إلا ذلك. [٢٢] (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) حتى تُكْرِههم على الإيمان. [٢٣] (إلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ) أي: لكن من تولى عن الوعظ. [٢٤] (فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ) وهو عذاب جهنم الدائم. [٢٥] (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ) أي: رجوعهم بعد الموت. [٢٦]( ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ) يعني: محاسبتهم، أي: ثم نجازيهم بأعمالهم بعد رجوعهم إلى اللّٰه بالبعث. فسير سورة الفج [١]وَالْفَجْرِ) أقسم سبحانه بالفجر؛ لأنه وقت انفجار الظلمة عن النهار. وقال مجاهد: يريد فجر يوم النحر. صفحة 593 [٢] (وَلَيَالٍ عَشْرِ) أي: الليالي العشر الأولى من ذي الحجة (٣] (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) الشّفع: الزوج، والوتر: الفرد، من كل الأشياء. وقيل المراد بالشفع: يوما التشريق الأول والثاني اللذانِ يجوز التعجل فيهما، والوتر: اليوم الثالث. [٤] (وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ) أي: إذا جاء وأقبل واستمر ثم أدبر. [٥] (هَلَ فِي ذَلِكَ قَسَمُ لِذِي حِجْرِ) الحِجْر: العقل، فمن كان ذا عقل ولب علم أن ما أقسم اللّٰه به من هذه الأشياء حقيق بأن يقسم به. [٧] (إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ) إرم اسم آخر لعاد الأولى. وقيل: هو جدهم. وقيل: اسم موضعهم، وهو مدينة دمشق أو مدينة أخرى بالأحقاف ذات أعمدة طوال منحوتة. [٨] (الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ) أي: لم يخلق مثل تلك المدينة في شدة بنيانها. [٩] (وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي)) كانوا ينحتون الجبال وينقبونها بيوتًا يسكنون فيها. وواديهم هو الحجر، أو وادي القرى، على طريق الشام من المدينة المنورة. [١٠] (وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ) [وهي الأهرام التي بناها الفراعنة لتكون قبورًا لهم. وسخروا في بنائها شعوبهم] وقيل المعنى: ذي الجنود الذين لهم خيام كثيرة يشدّونها بالأوتاد. [١١] (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ) صفة لعاد وثمود وفرعون، أي: طغت كلِ طائفة منهم في بلادهم وتمردت وعتت. [١٢ ] (فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ) بالكفر ومعاصي اللّٰه والجور على عباده. [١٣] (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ) أي: أفرغ عليهم وألقي على تلك الطوائف عذابا، [كما يقال: صببتُ السوط على المجرم، أي: جلدته به جلدًا شديدًا]. [١٤ ](إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) يرصد عمل كل إنسان حتى يجازيه عليه بالخير خيرًا وبالشر شرًّا. وقال الحسن: عليه طريق العباد لا يفوته أحد. [١٥] ( فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ) أي: أكرمه بالمال ووسع عليه رزقه ( فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ) اعتقد أن ذلك هو الكرامة فرحًا بما نال. ١٦]( وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ) أي: اختبره وامتحنه (فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ) أي: ضيقه ولم يوسعه له، ولا بسط له فيه (فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ) أي: أولاني هوانًا. وهذه صفة الكافر، فأما المؤمن فالكرامة عنده أن يكرمه اللّٰه بطاعته ويوفقه لعمل الآخرة، والإهانة عنده آلا يوفقه اللّٰه للطاعة وعمل آهل الجنة. [١٧](كَلَّا) ردعٌ للإنسان. الائل في الحالتين ما قال وزجرٌ له (بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ) [بما آتاكم اللّٰه من الغنى، ولو أكر متموه لكان ذلك لكم كرامة عند اللّٰه ]. ١٨٦ ] ( وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) أي: لا تحضون أنفسكم، أو لا يحض بعضكم بعضًا على ذلك، ولا يأمر به ولا يرشد إليه [فيبقي مغلوبًا مقهورًا بينكم لا تمد له يدٌ بعون]. [١٩] (وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ) أموال اليتامى والنساء والضعفاء (أَكْلًا لَمَّا) أي: أكلًا شديدًا. [٢١] (كَلَّا) أي: ما هكذا ينبغي أن يكون عملكم (إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكَّا دَكَّا) زلزلت وحركت تحريكًا بعد تحريك، أو دُكَّت جبالها حتى استوت. [٢٢] (وَجَاءَ رَبُّكَ) سبحانه وتعالى لفصل القضاء بين عباده (وَالْمَلَكُ صَفَّا صَفَّا) أي: جاؤوا مصطفين صفوفًا. [٢٣] (وَجِي ءَيَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ) مِزمومة والملائكة يجرونها. [٢٥] ( فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ) أي: لا يعذب كعذاب اللّٰه أحد. ٢٦] (وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ) أي: ولا يوثق الكافر بالسلاسل والأغلال كوثاة. اللّٰه أحد. صفحة 594 [٢٧] (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ) الموقنة بالإيمان وتوحيد الله، لا يخالطها شك. [٢٨] (ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً) بالثواب الذي أعطاك (مَرْضِيَّةً) عنده. [٢٩] (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي) أي: في زمرة عبادي الصالحين وكوني في جملتهم. [٣٠] (وَادْخُلِي جَنّتِي) معهم [أي: فتلك هي الكرامة لا كرامة سواها]. تفسير سورة البلد [١] (لا أَقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ) المعنى: أقسم بالبلد الحرام وهو مكة [وذلك لينبه على كرامة أم القرى وشرفها عند اللّٰه تعالى؛ لأن فيها بيته الحرام وهي بلد إسماعيل ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وبها مناسك الحج]. [٢] (وَأَنْتَ حِلَّ بِهَذَا الْبَلَدِ)) قيل المعنى: أقسم بهذا البلد الذي أنت مقيم به، تشريفًا لك وتعظيمًا لقدرك؛ لأنه صار بحلولك فيه عظيمًا شريفًا. [٣] (وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ) يقسم تعالى بالوالد وأولاده، كآدم وما تناسل من ولده، وبكل والد ومولود من جميع الحيوانات [ تنبيهًا على عظم آية التناسل والتوالد، ودلالتها على قدرة اللّٰه وحكمته وعلمه]. [٤] (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ) لا يزال في مكابدة الدنيا ومقاساة شدائدها حتى يموت، [فإذا مات كابد شدائد القبر والبرزخ وأهو الهما، ثم أمامه شدائد الآخرة]. [٥] (أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ) أي: أيظن ابن آدم أن لن يقدر عليه ولا ينتقم منه أحد [مهما اقترف من السيئات، حتى ولا ربه وجل؟ إ [٦] ( يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالَا لُبَدًّا) أي: كثيرًا مجتمعًا. ٧] (أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ) أيظن أن اللّٰه سبحانه لم يره، ولا يساله عن ماله من أين كسبه وآين أنفقه؟ [١٠] (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) المعنى: ألم نعرفه طريق الخير وطريق الشر، مبينتين كتبين الطريقين العاليتين. [١١] (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) [أي: أفلا نشط واخترق الموانع التي تحول بينه وبين طاعة الله، من تسويل النفس واتباع الهوى والشيطان]. وقال قتادة: إنها عقبة قحمة تديدة فاقتحموها بطاعة اللّٰه تعالى. [١٣ ] (فَكَ رَقَبَةٍ) أي: هي إعتاق رقبة، عبد أو أمه. ١٤](أَوْ إِطْعَام فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ) أي: يوم المجاعة، عزيز فيه الطعام. [١٥] ( يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ) أي: يطعم اليتيم، وهو الصغير الذي لا أب له، ويكون اليتيم من أقارب هذا المقتحم. [١٦] (أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ) أي: لا شيء له، كأنه لصق بالتراب لفقره. قال مجاهد: هو الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره. (ثُمّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) فإن هذه القرب إنما تنفع مع الإيمان إذا أتى بها لوجه اللّٰه (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) على طاعة الله، والصبر عن معاصيه، والصبر على ما أصابهم من البلايا والمصائب (وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ) أي: بالرحمة على عباد اللّه. [١٨ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ) يعني: أصحاب اليمين، انظر (سورة الواقعة، الايات: ٤٠-٢٦). ١٩](هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ) أي: أصحاب الشمال، وهي النار المشؤومة. وتفصيل ما أعده اللّٰه لأصحاب الشمال مبين أيضًا في (سورة الواقعة، الايات: ٥٦-٤١). ٢٠] (عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَة) آي: مطبقة مغلقة نسير سورة الشم [١] (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَاً) الضحى: وقت ارتفاع الشمس بعد طلوعها إذا تم ضباؤها. صفحة 595 [٢] (وَالْقَمَرِ ذَا تَلَاهَا ) أي: تبعها بعد غروب الشمس. [٣] (وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ) أي: جلى الشمس، وذلك أن الشمس عند انبساط النهار تنجلي تمام الانجلاء. [٦] (وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا) أي: بسطها من كل جانب. (ونَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا) أنشأها وسوى أعضاءها [وركب فيها الروح، وجعل فيها القوى النفسية الهائلة، والإدراكات العجيبة، وجعلها مستقيمة على الفطرة، كما في الحديث «كل مولد يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانِهِ أو بنصرانه)]. [٨] (فَأْلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)) أي: عرفها وأفهمها حالهما، وما فيهما من الحسن والقبح [٩] (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) أي: من زكى نفسه وأنماها وأعلاها بالتقوى فاز بكل مطلوب وظفر بكل محبوب. [١٠] (وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) أي: خسر من أضلها وأغواها وأهملها [عند الله] ولم يشهرها بالطاعة والعمل الصالح. [١١ ](كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا) أي: بسبب الطغيان، حملهم على التكذيب، والطغيان: مجاوزة الحد في المعاصي. [١٢ ] (إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا) أي: حين قام أشقى ثمود [أو أشقى البرية] وهو قدار بن سالف، فعقر الناقة، ومعنى انبعث: انتدب لذلك وقام به. [١٣] (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ) يعني: صالحًا (نَاقَةَ اللهِ) أي: ذروا ناقة الله، حذرهم إياها (وَسُقْيَاهَا) شربها من الماء، فلا تتعرضوا له يوم شربها. [١٤] (فدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ مْ رَبَّهَمْ أي: أهلكهم وأطبق عليهم العذاب (فَسَوَّاهَا) أي: سوى الأرض عليهم فجعلهم تحت التراب. [١٥] (وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا) أي: فعل اللّٰه ذلك بهم غير خائف من عاقبة ولا تبعة. تفسير سورة الليل ٣٦] (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى) هذا منه تعالى إقسام بخلقه لجنسي الذكر والأنثى من بني آدم وغيرهم. [٤] (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) أي: إن عملكم لمختلف: فمنه عمل للجنة، ومنه عمل للنار؛ فساع في فكاك نفسه، وساع في عطبها: [٥] (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) أي: بذل ماله في وجوه الخير، واتقى محارم اللّٰه التي : L'r. [٦] (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) أي: بالخلف من الله، أي: صدق بموعود اللّٰه الذي وعده أن يثيبه عوضًا عما أنفق. (فَسَنْيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) فسنيسر له الإنفاق في سبيل الخير والعمل بالطاعة لله. نزلت هذه الآيات في أبي بكر الصديق: اشترى ستة عبيد من المؤمنين كانوا في أيدي أهل مك ا شاة للمتع أي: فنهنه للخصلة العسرى، ونسهلها له، حتى تتعسر عليه أسباب الخير والصلاح، ويضعف عن فعلها، فيؤديه ذلك إلى النار. [١١ ] (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ) أي: لا يغني عنه شيئًا ماله الذي بخل به (إِذَا تَرَدَّى) أي: هلك، وسقط في جنهم. [١٢ ](إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى) علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال. وقال الفراء: من سلك الهدى فعلى اللّٰه سبيله، يقول: من أراد اللّٰه فالله على الطريق، من أراده اهتدى إليه. وهذا مَثل. [١٣] (وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى) أي: لنا كل ما في الآخرة وكل ما في الدنيا، نتصرف به كيف نشاء. [١٤ ] ( فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى) تتقد وتتوهج صفحة 596 [١٥] (لا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى) وهو الكافر، يجد صَلَاها، وهو حرها. ١٦](الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى) أي: كذب بالحق الذي جاءت به الرسل، وأعرض عن الطاعة والإيمان. ١٧] (وَسَيُجَنُّهَا الْأَتْقَى) سيباعد عنها المتقي للكفر اتقاء بالغًا. قال الواحدي: الأتقى أبو بكر الصديق في قول جميع المفسرين: [أي: إنها نزلت فيه. وإلا فحكمها عام. والله أعلم]. [١٨] (الذِي يُؤْتِي مَالَهُ)) أي: يعطيه ويصرفه في وجوه الخير (يَتَزَكَّى) يطلب بذلك أن يكون عند اللّٰه زكيًّا. [١٩] (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى) أي: إنه لا تصدق بماله ليجازي بصدقته نعمة لأحد من الناس عنده ويكافئه عليها. [٢١] (وَلَسَوْفَ يَرْضَى) أي: وتالله لسوف يرضى بما عطيه من الكرامة والجزاء العظيم. تفسير سورة الضحى مرض النبي وقالِّي فلم يقم لصلاة الليل ليلتين أو ثلاثًا. فأتته امرأة، فقالت: يا محمد: ما أرى شيطانك إلا قد تركك، لم يقربك ليلتين أو ثلاثًا، فأنزل اللّٰه هذه السورة. [٢-١] (وَالضَّحَى) الضحى اسم لوقت ارتفاع الشمس (وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى) قال الأصمعي: سجو الليل نغطيته النهار، مثل ما يُسَجَّى الرجل بالثوب. [٣] ( مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ) أي: ما قطعك قطع المودّع، ولم يقطع عنك الوحي (وَمَا قَلَى) أي: وما أبغضك. [٤]وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى) أي: الجنة خير لك من الدنيا، هذا مع ما قد أوتي في الدنيا من شرف النبوة. [٥] (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ) الفتحِ في الدين، والثواب والحوض والشفاعة لأمته في الآخرة (فَتَرْضَى). [٦] (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى) أي: وجدك يتيمًا لا أب لك، فجعل لك مأوى تأوي إليه. [٧]وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى) لم تكن تدري القرآن ولا الشرائع، فهداك لذلك. [٨] (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى) أي: وجدك فقيرًا ذا عيال لا مال لك، فأغناك بما أعطاك من الرزق. [٩] ( فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ) لا تتسلط عليه بالظلم ضعفه، بل ادِفع إليه حِقه واذكر يُتْمَك. [١٠] (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ) لا تنهره إذا سألك، فقد كنت فقيرًا، فإما أن تطعمه، وإما أن ترده ردًّا لينًا. [١١ ]( وَأَمَّا بِنِعْمَةٍ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) أمره سبحانه بالتحدث "- حدُّث بنعمة اللّٰه شكر . بنعم اللّٰه عليه وإظهارها بينه وقيل: النعمة هنا القرآن، فأمره أن يقرأه ويحدث به. تفسير سورة الشرح ١(أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) المعنى: يا محمد، قد شرحنا لك صدرك لقبول النبوة. ومن هنا قام بما قام به من الدعوة، وقدر على حمل اعباء النبوة وحفظ الوحي. [٢] (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ) حططنا عنك الذي سلف منك في الجاهلية. [٣] ( الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ)) معناه أنه لو كان حملاً بحمل لسُمع نقيض ظهره. [٤] (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) في الدنيا والآخرة، بأمور منها تكليفه للمؤمنين إذا قالوا: أشهد أن لا إله إلا الله، أن يقولوا: أشهد أن محمدًا رسول الله، ومنها ذكره في الأذان، ومنها أمرهم بالصلاة والسلام عليه. [٦] (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) أي: إن مع ذلك العسر، المذكور سابقا، يسرًا آخر كلاهما من اللّٰه تعالى. [٧]( فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ) أي: إذا فرغت من صلاتك، صفحة 597 أو من التبليغ، أو من الغزو، فاجتهد في الدعاء واطلب من اللّٰه حاجتك، او: فانصب في العبادة. [٨] (وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) أي: تضرَّع إليه راهبًا من النار، راغبًا في الجنة. تفسير سورة التين [١] (وَالتَّينِ) يقسم اللّٰه تعالى بالتين الذي يأكله الناس (وَالزَّيْتُونِ) الذي يعصرون منه الزيت، [وهما كناية عن أرض فلسطين أرض التين والزيتون]. [٢] (وَطَورِ سِينِينَ) هو الجبل الذي كلم اللّٰه عليه موسى، وهو طور سيناء. [٣] (وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) يعني: مكة، سماه أمينًا لأنه آمن [ كأنما يقسم اللّٰه تعالى بهذه المواضع الثلاثة لأنها مهابط وحي اللّه على موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام، وفيها أنزلت الكتب السماوية الثلاثة، ومنها أضاءت الهداية للبشر]. [٤] (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمِ) خلقه مديد القامة يتناول مأكوله بيده، وخلقه عالمًا متكلمًا مدبرًا حكيمًا [فأمكنه بذلك أن يكون خليفته في الأرض كما أراد اللّٰه له]. [٥] (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) أي: رددناه إلى أرذل العمر، وهو الهرم والضعف، بعد الشباب والقوة. [وقيل المعنى: إن الإنسان الذي خلقه اللّٰه في أحسن حال وصورة يُرَدُّ شرًّا من كل دابة، وفي حال أسوأ من كل حال، لأنه يرد إلى أسفل الدرجات السافلة، في الدرك الأسفل من النار]. [٦] (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) [فلا يردون أسفل سافلين، بل إلى جنة اللّٰه الواسعة في عليين] (فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) أي: لهم ثواب على طاعاتهم دائم غير منقطع. ٧] (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ) أي: إذا عرفت أيها الإنسان أن اللّٰه خلقك في أحسن تقويم، وأنه يردك أسفل سافلين، فما يحملك على أن تكذب بالبعث والجزاء؟ ٨] (أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) قضاء وعدلاً [إذ أحسن خلق الإنسان، ثم كبَّ من كفر به في أسفل النار، ورفع من آمن به درجات]. تفسير سورة العلق وهي أول ما نزل من القرآن. [٢ - ١] (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) أي: اقرأ يا محمد مبتدئًا باسم ربك، وقيل: مستعينًا باسم ربك (الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقِ) يبدأ نطفة، ثم يتحول بقدرة اللّٰه إلى علقة، وهي كأنها قطعة من الد " ' د. ٣) (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) أي: من كَرَمِهِ أن يمكنك من القراءة وأنت أميز [٤]( الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم) علم الإنسان الكتابة بالقلم. بدأ اللّٰه تعالى دعوة الإسلام بالدعوة إلى القراءة والكتابة، والحض عليهما؛ لما فيهما من عظيم النفع. [٥]( عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) أي: علمه بالقلم من الأمور ما لم يعلم منها. ٧-٦] (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى. أَنْ رَاهُ اسْتَغْنَى) أي: يطغى إن رأى نفسه مستغنيًا بماله وقوته. [٨](إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى) أي: الرجوعِ إليه لا إلى غيره. [١٠-٩] {أرَأيْتَ الّذِي يَنْهَى. عَبْدًا إِذَا صَلّى) الذي ينهى هو أبو جهل، والمراد بالعبد محمد وَاليليه ١١]{أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى) يعني: العبد المنهي إذا صلى، وهو محمد وَاِيِي، كان على طريق مستقيم يهتدي من اتبعه. ١٢] (أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى) أي: بالإخلاص والتوحيد والعمل الصالح الذي تدة ٠ه اانار. صفحة 598 [١٣] (أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى) يعني: أبا جهل، كذب بما جاء به رسول اللّٰه وعَّلِيّية وتولى عن الإيمان. ١٤] (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى) أي: يطلع على أحواله فيجازيه بها، فكيف اجترأ على ما اجترأ عليه؟ ١٥](كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ) هذا زجرٌ له إن لم ينته عما هو عليه ولم ينزجر ( لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ) أي: لنأخذن بناصيته، أي: ليجر بها إلى النار. والناصية: شعر مقدم الرأس. [١٦] (نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ) أي: صاحبها كاذب خاطئ مستهتر بفعل الخطايا، وهي الذنوب. [١٧] (فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ) أي: أهل ناديه، والنادي: المجلس الذي يجلس فيه القوم. قيل: إن أبا جهل قال لرسول اللّٰه ويلاليه. أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديًا! فنزلت ١٨]{ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ) أي: الملائكة الغلاظ الشداد، ليأخذوه ويلقوه في نار السعير. [١٩ ] ( كَلَّا لَا تُطِعْهُ) فيما دعاك إليه من ترك الصلاة (وَاسْجُدْ) أي: صل لله غير مكترث به، ولا مبال بنهيه (وَاقْتَرِبْ) إليه سبحانه بالطاعة والعبادة. تفسير سورة القدر ١](إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) أي: القرآن، أنزل جملة واحدة في ليلة القدر إلى سماء الدنيا، من اللوح المحفوظ، وكان ينزل على النبي وَاليّية نجومًا على حسب الحاجة، في (٢٣ سنة)، وليلة القدر من ليالي العشر الأخيرة من شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن. واختلفت الأحاديث في تعيينها. [٢] (وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ) قيل: سميت ليلة القدر؛ لأن اللّٰه سبحانه يقدر فيها ما شاء من أمره إلى السنة القابلة. وقيل: سميت بذلك لعظيم قدرها وشرفها. [٣] (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر) أي: العمل فيها، وهي ليلة واحدة، خير من العمل في ألف شهر. [٤]* تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ) تهبط من السماوات إلى الأرض والروح هو جبريل (مِنْ كُلَّ أَمْرِ) أي: بكل أمر. [٥] ( سَلَامٌ هِيَ) أي: ما هي إلا سلامة وخير كلها لا شر فيها، لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءًا ولا أذى (حَتَّى مَطَلَعِ الْفَجْرِ) أي: حتى وقت طلوعه، لا ينقطع تنزلهم فوجًا بعد فوج إلى طلوع الفجر. تفسير سورة البينة [١] (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) اليهود والنصارى (وَالْمُشْرِكِينَ) * ٢. العرب، وهم عبدة الأوثان (مُنْفَكِّينَ) مفارقين لكفرهم ولا منتهين عنه (حَتَّى تَأْتِيَهُم الْبَّيَةُ) البينة هي محمل لَالِيِ و ما جاء به، فقد بين لهم ضلالتهم وجهالتهم ودعاهم إلى الإيمان. [٢] رَسُولٌ مِنَ اللهِ) وهو محمد الة (يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً) مصونة عن التحريف واللبس، بل هي كلام اللّٰه حقًّا . [٣] (فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ) المراد: الآيات والأحكام المكتوبة فيها، والقيمة: المستقيمة المستوية المحكمة [ليس فيها زيغ عن الحق، بل كل ما فيها صلاح ورشاد وهدى وحكمة، كما قال تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجًا. قَيِّمَّا لِيُنْذِرَ...) ومن اتبعها كان على صراط اللّٰه المستقيم]. [٤] (وَمَا تَفَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ لْبَيَّنَةُ) أي: إن تفرقهم واختلافهم لم يكن لاشتباه الأمر، بل كان بعد وضوح الحق، وظهور الصواب، ثم بعث اللّٰه محمدًا، فآمن به بعضهم وكفر آخرون [وكان عليهم أن يكونوا على طريقة واحدة، من اتباع دين الله، ومتابعة الرسول الذي جاءهم من عند الله، مصدقا لما معهم]. صفحة 599 [٥] (وَمَا أُمِرُوا) في الكتب المنزلة وفي القرآن أيضًا (إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) ليلتزموا بعبادة الله، وتكون عبادتهم له خالصة لا يشركون به شيئًا، وليجعلوا أنفسهم خالصة له في الدين (حُنَفَاءَ) مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام (وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ) أي: يفعلوا الصلوات على الوجه الذي يريده الله، في أوقاتها، ويعطوا الزكاة عند محلها (وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) أي: [إن ذلك الدين، هو] دين الملة المستقيمة، أي: فلا ينبغي التفرق عنه. [٦] (أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ) [أي: شر الخليقة حالًا، لأنهم تركوا الحق حسدًا وبغيًا، ولذلك سيكونون شر الخليقة مصيرًا]. [٨] (جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) بمقابلة ما وقع منهم من الإيمان والعمل الصالح (جَنَّاتُ عَدْنِ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) أي: من تحت أشجارها وغرفها (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًّا) لا يخرجون منها، ولا يرحلون عنها، ولا يموتون. تفسير سورة الزلزلة [١](إذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا) أي: إذا حركت حركة شديدة فإنها تضطرب حتى يتكسر كل شيء عليها. [٢] (وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا) ما في جوفها من الأموات والدفائن [وما عمل عليها]. أما الأموات فإن الأرض تخرجهم في النفخة الثانية. [٣] (وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا) أي: قال لما يدهمه من أمرها ويبهره من خطبها: لأي شيء زلزلت وأخرجت أثقالها؟ [٤] (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) تخبر بأخبارها، وتحدث بما عمل عليها مِن خير وشر، ينطقها اللّه سبحانه لتشهد على العباد. [٥] (بأنَّ رَبَّكَ أوْحَى لَهَا) تحدث أخبارها بوحي اللّٰه وأمره لها بأن تتحدث وتشهد. [٦] (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا)) يصدر الناس من قبورهم إلى موقف الحساب، متفرقين بعضهم ينصرف إلى جهة اليمين، وبعضهم إلى جهة الشمال، مع تفرقهم في الأديان، واختلافهم في الأعمال (لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ) أي: ليريهم اللّٰه أعمالهم معروضة عليهم، وقيل: ليروا جزاء أعمالهم. [٧] (فَمَنْ يَعْمَلْ) في الدنيا (مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ) يوم القيامة في كتابه فيفرح به [أو يراه بعينه معروضًا عليه]. [٨]) كذلك (مَنْ يَعْمَلْ) في الدنيا (مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّا يَرَهُ) يوم القيامة فيسوؤه [وقد يغفر الله] والذر: ما يرى في شعاع الشمس من الهباء. تفسير سورة العاديات [١] (وَالْعَادِيَاتِ) المراد بها: الخيل التي تعدو بفرسانها المجاهدين في سبيل اللّٰه إلى العدو من الكفار المشاقين لله ورسوله ضَبْحًا) الضبح : صوت أنفاس الخيل إذا عدت. [٢] (فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا) هي الخيل حين توري النار فيخرج الشرر بحوافرها [ إذا ضربت بها الأرض الشديدة والحجارة] كالقدح بالزناد. [٣] (فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا)) أي: التي تغير على العدو وقت الصباح. [٤] ( فَأَتَرْنَ بِهِ نَقْعًا) النقع: الغبار الذي أثارته الخيل في وجه العدو عند الغزو. [٥] (فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا) صرن بِعَدْوِهِنَّ وسط الأعداء بعد هزيمتهم [قد اجتمعن بذلك المكان جمعًا]. [٦] (إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) الكنود: الكفور للنعمة، الكثير الجحد لها. صفحة 600 [٧] (وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ) يشهد على نفسه بالجحد والكفران؛ لظهور أثره عليه. [٨] (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) المعنى: أنه لحب المال قوي، مجدٌّ في طلبه وتَحصيله، متهالك عليه. [٩] ( أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ) أي: نثر ما في القبور من الموتى وأخرجوا. [١٠] (وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ) أي: مُيِّزَ وبُيِّنَ ما فيها من الخير والشر. [١١] (إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ) أي: ينبغي للإنسان أن يعلم أن رب المبعوثين بهم خبير لا تخفى عليه منهم خافية في ذلك اليوم وفي غيره، ويجازيهم في ذلك اليوم [أي: فإذا علموا ذلك فلا ينبغي أن يشغلهم حب المال عن شكر ربهم، وعبادته، والعمل ليوم النشور]. تفسير سورة القارعة ١(الْقَارِعَةُ)) من أسماء القيامة؛ لأنها تقرع القلوب بالفزع، أو تقرع أعداء اللّٰه بالعذاب. [٤] (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ) الفراش: هو الحشرة الطائرة المعروفة، والمبثوث المنتشر، يسيرون على غير هدى في كل اتجاه لشدة الهول حتى يحشروا إلى الموقف. [٥] (وَتَكُونُ الْحِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشٍ) أي: كالصوف الملون بالألوان المختلفة الذي نُفِشَ بالندف، وهذا لأنها تتفتت وتطَّاير. [٦]ثم ذكر سبحانه أحوال الناس عند المحاسبة في الموقف وتفرَّقهم فريقين على جهة الإجمال، فقال: وفامَّا مَنْ ثَقَلَتْ مَوَازِينُهُ) وهي أعماله الصالحة. والمراد: آنها نقلت حتى رجحت بسيئاته. [٧] (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) أي: مرضية يرضاها صاحبها. والعيشة كلمة تجمع النعم التي في الجنة. [٩] (فَأمُّهُ هَاوِيَةٌ)) أي: فمسكنه جهنم، وسماها أمه لأنه يأوي إليها؛ كما يأوي الطفل إلى أمه، وسميت هاوية، لأنه يهوي فيها مع بِعد قعرها. [١٠ ] (وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ) هذا الاستفهام للتهويل والتفظيع ببيان أنها خارجة عن المعهود بحيث لا يدرى كنهها. ١(نَار حَامِيَةٌ) أي: قد انتهى حرها وبلغ في الشدة إلى الغاية. تفسير سورة التكاثر ١] (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) أي: شغلكم التكاثر بالأموال والأولاد، والتفاخر بكثرتها، والتغالب فيها، والاستكثار من تحصيلها، عن طاعة اللّٰه والعمل للآخرة. [٢] ( حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) أي: حتى أدرككم الموت وأنتم على تلك الحال. [٣] ( كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) زجر لهم عن التكاثر، وتنبيه على أنهم سيعلمون عاقبة ذلك يوم القيامة. [٥] (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ) أي: لو تعلمون الأمر الذي أنتم صائرون إليه علمًا يقينيًّا، كعلمكم ما هو متيقن عندكم في الدنيا، لشغلكم ذلك عن التكاثر والتفاخر، ولما ألهاكم عن ذلك الأمر العظيم. ٦] لتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ) في الآخرة. (ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ) أي: ثم لترون الجحيم الرؤية التي هي نفس اليقين، وهي المشاهدة والرؤية بأعينكم. [٨] (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) أي: عن نعيم الدنيا الذي ألهاكم عن العمل للآخرة: فيسأل عن الأمن، والصحة، والفراغ، وملاذ المأكول والمشروب، وعن شرب الماء البارد على الظمأ، وظلال المساكن، وغير ذلك من النعم. صفحة 601 تفسير سورة العصر 20%0 [١] (وَالْعَصْرِ) أقسم اللّٰه سبحانه بالعصر، وهو الدهر، لما فيه من العبر من جهة مرور الليل والنهار على التقدير، وتعاقب الظلام والضياء، وما في ذلك من استقامة الحياة ومصالح الأحياء، فإن في ذلك دلالة بينه على الصانع عجّل وعلى توحيده. وقال مقاتل: المراد بالعصر وقت صلاة العصر. [٢](إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) الخسر والخسران النقصان وذهاب رأس المال. [٣] (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ) أي: وصى بعضهم بعضًا بالحق الذي يحق القيام به، وهو الإيمان بالله، والتوحيد، والقيام بما شرعه الله، واجتناب ما نهى عنه {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) عن معاصي اللّٰه سبحانه، والصبر على فرائضه أو الصبر على أقداره المؤلمة]. تفسير سورة الهمزة ١] (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) أي: خزي أو عذابٍ أو هلكة للهمزة، وهو الذي يغتاب الرجل في وجهه، واللمَزة الذي يغتابهِ من خلفه. [٢] (الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ) بيان لسبب همزه ولمزه، وهو إعجابه بما جمع من المال، وظنه أن له به الفضل، فلأجل ذلكِ يستقصر غيره. [٣] (يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ) أي: يظن أن ماله يتركه حيّا مخلدًا لا يموت؛ لشدة إعجابه بما يجمعه من المال، فلا يعود يفكر في ما بعد الموت. [٤] ( كَلَّا) أي: ليس الأمر على ما يحسبه بل (لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ) أي: ليطرحن هو وماله في النار التي تهشم كل ما يلقى فيها وتحطمه ٧] (الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْتِدَةِ) أي: يخلص حرها إلى القلوب فيعلوها ويغشاها، [لأنها محل تلك المقاصد الزائغة، والنيات الخبيثة، وسيء الأخلاق، من الكبر، واحتقار أهل الفضل]. [٨] (إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ) أي: مطبقة مغلقة عليهم أبوابها جميعًا، فلا يستطيعون الخروج منها. [٩] (فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) أي: كائنين في عمد ممددة موثقين. وقال مقاتل: أطبقت الأبواب عليهم ثم شدت بأوتاد من حديد، فلا يفتح عليهم باب، ولا يدخل عليهم رَوْح. تفسير سورة الفيل ١] (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) [ أصحاب الفيل : قوم من ال من الأحباش، ملكوا اليمن، ثم ساروا منه يريدون تخريب الكعبة، فلما أقبلوا على مكة أرسل اللّٰه عليهم الطير المذكورة في هذه السورة فأهلكتهم. وكان ذلك آية، وقد وقع ذلك قبل بعثة النبيّ وَالا ي بأربعين عامًا، وكان بعض الذين شهدوا ذلك أحياء عند البعثة ]. [٢] (أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ) أي: ألم يجعل اللّٰه تعالى مكرهم وسعيهم في تخريب الكعبة، ضلالًا منهم أدى بهم إلى الهلاك. [٣] (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ) جماعات متفرقة. وهي طير سود جاءت من قبل البحر فوجًا فوجًا، مع كل طائر ثلاثة أحجار: حجران في رجليه، وحجر في منقاره، لا يصيب شيئًا إلا هشمه. [٤] (تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ) قالوا: هي حجارة من طين طبخت بنار جهنم، مكتوب فيها أسماء القوم. فإذا أصاب أحدهم حجر منها خرج به الجدري، وكان الحجر كالحمصة وفوق العدسة. [٥] ( فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) كورق الزرع إذا أكلته الدواب فرمت به من أسفل، وقيل: المعنى صاروا كورق زرع قد أكلت منه الدواء ، م.ة منه التبن. صفحة 602 تفسير سورة قريش وتسمى سورة الإيلاف. [٢] (إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ) وكانت إحدى الرحلتين إلى اليمن في الشتاء، لأنها بلاد حارة، والرحلة الأخرى إلى الشام في الصيف، لأنها بلاد باردة، وكانت قريش تعيش بالتجارة، ولولا هاتان الرحلتان لم يمكن بها مقام، ولولا الأمن -بجوارهم للبيت- لم يقدروا على التصرف، والمعنى: أن اللّٰه جعلهم يألفون هاتين الرحلتين يسرهما لهم، فلأجل ذلك فليخصوا اللّٰه بالعبادة. [٣] (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ) عرفهم سبحانه بأنه رب هذا البيت، لأنها كانت لهم أوثان يعبدونها، فميز نفسه عنها. وبالبيت تشرفوا على سائر العرب. [٤] (الَذِي أطْعَمَهُمْ مِنْ جُوع) أي: أطعمهم بسبب هاتين الرحلتين فخلصهم من جوع شديد كانوا فيه قبلهما (وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) كانت العرب يغير بعضها على بعض ويسبي بعضها بعضا، فأمنت قريش من ذلك لمكان الحرم. وقد آمنهم من خوف الحبشة مع الفيل. تفسير سورة الماعون [١] (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ) أي: أأبصرت المكذب الحساب والجزاء؟ [٢] (فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ) أي: فإن تأملته، أو طلبته، فهو ذلك الذي يدفع اليتيم عن حقه دفعًا شديدًا. وقد كان عرب الجِاهليةِ لا يورثون النساء والصبيان. [٣] (وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) أي: لا يحض نفسه ولا أهله ولا غيرهم على ذلك، بخلا بالمال. [٥] الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ) ساهون: أي غافلون عنها غير مبالين بها، لا يرجون بصلاتهم ثوابًا إن صلوا، ولا يخافون عليها عقابًا إن تركوا، فهم عنها غافلون حتى يذهب وقتها. [٦] (الَذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ) أي: يراءون الناس بصلاتهم إن صلوا، أو يراءون الناس بكل ما عملوه من أعمال البرليثنوا عليهم. [٧](وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) الماعون : اسم لما يتعاوره الناس بينهم، من الدلو والفأس والقدر، وما لا يمنع، كالماء والملح. وقيل: الماعون هو الزكاة: أي: يمنعون زكاة أموالهم. تفسير سورة الكوثر [١](إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) الكوثر : نهر في الجنة جعله اللّٰه كرامة لسول الله وَالِيه و لأمته. [٢] (فَصَلِّ لِرَبِّكَ) ال. أهم . به إقامة الصلوات المفروضة (وَانْحَرْ) كان ناس يصلون لغير الله، وينحرون لغير الله، فأمر اللّٰه نبيه وال القه أن تكون صلاته ونحره له وحده. وقال قتادة وعطاء وعكرمة: المراد صلاة العيد ونحر الأضحية. [٣] (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) أي: إن مبغضك هو الذي لا يبقى ذكره بعد موته، والأبتر من الرجال الذي لا ولد له. لما مات ابن لرسول اللّٰه وال له قال أحد المشركين: إنه أبتر. فنزلت السورة. تفسير سورة الكافرون [٢-١] (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) سبب نزول هذه السورة أن الكفار سألوا رسول الله وَلِي أن يعبد آلهتهم سنة . ويعبدوا إلهه سنة، فأمره اللّٰه سبحانه أن يقول لهم: ولَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) أي: لا أفعل ما تطلبون مني من عبادة ما تعبدون من الأصنام، أي: لستِ الآن أعبد آلهتكم. [٣] (وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) أي: ولستم أنتم ما دمتم على شرككم وكفركم عابدين لله الذي أعبده. ٤٦] (وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ) أي: في مستقبل أيامي وما يأتي من عمري لن أعبد * ءًا . ، آلهتكم التي تعبدونها. صفحة 603 [٥] (وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) أي: لن تعبدوا اللّٰه في مستقبل أيامكم ما دمتم على كفركم وعبادتكم للأصنام. [فإن عبادة الكافر بالله والمشرك به مرفوضة لا يعتد بها]، وقيل: في الآيات تكرار، والغرض التأكيد، لقطع أطماع الكفار عن أن بجيبهم رسول اللّٰه وَل ليه على ما سألوه عن عبادته آلهتهم. [٦] (لَكُمْ دِينْكُمْ وَلِيَ دِينِ) أي: إن رضيتم بدينكم فقد رضيت بديني، وإن دينكم الذي هو الإشراك، لكم لا يتجاوزكم إليَّ، وديني الذي هو التوحيد مقصور عليَّ لا يتجاوزني إلى الحصول لكم. تفسير سورة النصر وتسمى أيضًا سورة التوديع. أخرج أحمد وابن جرير عن ابن عباس قال: لما نزلت: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ) قال رسول اللّٰه وَلِيه ((انعيت إليَّ نفسي». [١] (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ) أي: إذا جاءك يا محمد نصر اللّٰه على من عاداك، وهم قريش، وفتح عليك مكة. والنصر: هو التأييد الذي يكون به قهر الأعداء وغلبهم والاستعلاء عليهم، والفتح :هو فتح مساكن الأعداء ودخول منازلهم [وفتح قلوبهم لقبول الحق]. [٢] (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا ) أي: جماعات فوجًا بعد فوج، فإنه لما فتح رسول اللّٰه وَالِّي مكة قال العرب: أما إذ ظفر محمد بأهل الحرم، وقد أجارهم اللّٰه من أصحاب الفيل، فإنه على الحق، وليس لكم عليه قدرة، فكانوا يدخلون في الإسلام جماعات كثيرة، بعد أن كانوا يدخلون واحدًا واحدًا، واثنين اثنين، فصارت القبيلة تدخل بأسرها في الإسلام. [٣] (فَسَبَّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) فيه الجمع بين تسبيح الله، المؤذن بالتعجب مما يسره اللّٰه له مما لم يكن يخطر بباله ولا بال أحد من الناس، وبين الحمد له على جميل صنعه له وعظيم منته عليه بالنصر والفتح لأم القرى ودخول الناس في الإسلام أفواجًا (وَاسْتَغْفِرْهُ) أي: اطلب منه المغفرة لذنبك تواضعًا لله، واستقصارًا لعملك (إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) أي: من شأنه التوبة على المستغفرين له، يتوب عليهم ويرحمهم بقبول توبتهم. أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس، قال في هذه السورة: هو أجل رسول اللّٰه وَلِلّيِ أعلمه اللّٰه له: قال: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ) فذلك علامة أجلك (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ اسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا). تفسير سورة المسد [١] (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) أي: هلكت يداه وخسرت وخابت (وَتَبَّ) أي: وهلك هو، أي: قد وقع ما دعا به عليه. وأبو لهب عم النبي وَالِيه و اسمه عبد العزى. [٢] (مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ) أي: لم يدفع عنه ما جمع من المال، ولا ما كسب من الأرباح والجاه، ما حل به من التباب، وما نزل به من عذاب الله. [٣] ( سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ) أي: سوف يعذب في النار الملتهبة، تحرق جلده، وهي ذات اشتعال وتوقد، وهي نار جهنم. [٤] (وَامْرَ أَتَّهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) أي: وتصلى امرأته نارًا ذات لهب، وهي أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان، وكانت تحمل الغضى والشوك فتطرحه بالليل على طريق [٥] ( في جِيْدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) المسد: الليف الذي تفتل منه الحبال: كانت لها قلادة فاخرة من جوهر، فقالت: واللات والعزى لأنفقنها في عداوة محمد، فيكون جزاؤها أن يجعل في عنقها ذلك الحبا ، يوم القيامة مكان قلادتها. صفحة 604 تفسير سورة الإخلاص [١] (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) قال المشركون: يا محمد انسب لنا ربك، أي: اذكر لنا نسبه. فنزلت هذه السورة. فالمعنى: إن سألتم تبين نسبته فهو اللّٰه أحد، أي: واحد لا شريك له. ٢] اللهُ الصَّمَدُ) الصمد هو الذي يصمد إليه في الحاجات: أي: يُقْصَد لكونه قادرًا على قضائها. عن ابن عباس قال: الصمد السيد الذي قد كمل سؤدده، والشريف الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار، الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو اللّٰه سبحانه، هذه صفة لا تنبغي إلا له. [٣] (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) أي: لم يصدر عنه ولد، ولم يصدر هو عن شيءٍ؛ لأنه لِم يجانسه شيء، ولاستحالة سبة العدم إليه سابقا ولاحقا [فإن المولود كان معدومًا قبل أن يولد]، أي: فليس لله تعالى أب حتى ينسب إليه. وقال قتادة: إن مشركي العرب قالوا: الملائكة بنات الله، وقالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، فأكذبهم الله، فقال: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ). [٤] (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًّا أَحَدٌ) لا يساويه أحد، ولا بماثله، ولا يشاركه في شيء من صفات كماله. تفسير سورة الفلق ١] (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ الفلق: الصبح؛ لأن الليل بنفلق عنه. وقيل هو كل ما انفلق عن جميع ما خلق الله، من الحيوان، والصبح، والحب، والنوى، وكل شيء من نبات وغيره. قيل: والمراد الإيماء إلى أن القادر على إزالة هذه الظلمات الشديدة عن كل هذا العالم يقدر أيضًا أن يدفع عن المتعوذ به كل ما يخافه ويخشاه. [٢] (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) أي: أعوذ بالله من شر كل ما خلقه اللّٰه سبحانه من جميع مخلوقاته. [٣] {وَمِنْ شرِّ غَاسِق إِذَا وَقَبَ* أَي: واعوذ به من شر الليل إذا أقبل، قالوا: لأن في الليل تخرج السباع من آجامها، والهوام من أماكنها، وينبعث أهل الشر على العبث والفساد. [٤] (وَمِنْ شَرِّ النَّفَاثَاتِ فِي الْعُقَدِ) أي: وأعوذ به من شر النساء الساحرات، وذلك لانهن كن ينفثن في عقد الخيوط حين يسحرن بها. [٥] (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) الحسد : هو تمني زوال النعمة التي أنعم اللّٰه بها علي المحسود. تفسير سورة الناس [١] (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) رب الناس: هو خالقهم ومدبر أمرهم ومصلح أحوالهم. [٢] (مَلِكِ النَّاس) له الملك الكامل، والسلطان القاهر. [٣] (إِلَهِ النَّاسِ) أي: معبودهم، فإن الملك قد يكون إلهًا، وقد لا يكون، فبين أن اسم الإله خاص به لا يشاركه فيه أحد. [٤] (مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ) هو الشيطان (الْخَنَّاسِ) إذا ذكر اللّٰه خنس الشيطان وانقبض، وإذا لم يذكر اللّٰه انبسط ٥] الَذِي يُوَشْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ) وسوسته: هي الدعاء إلى طاعته بكلام خفي يصل إلى القلب من غير سماع صوت. ثم بين سبحانه الذي يوسوس بأنه ضربان: جني وإنسي، فقال: [٦] (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) أما شيطان الجن فيوسوس في صدور الناس كما تقدم، وأما شيطان الإنس فوسوسته في صدور الناس أنه يري نفسه كالناصح المشفق، فيوقع في الصدر من كلامه الذي أخرجه مخرج النصيحة ما يوقع الشيطان الجني فيه بوسوسته. وقيل: إن إبليس يوسوس في صدور الإنس. عن ابن عباس، قال: ((ما من مولود يولد إلا على قلبه الوسواس، فإذا ذكر اللّٰه خنس، وإذا غفل وسوس) نعوذ بالله تعالى من كيده ووسوسته.